(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، الآية: 27، إلى آخر السورة الكريمة
﷽
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28) لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29))
الحمد لله مُكرمِنا بأنوار الكتاب العزيز المجيد، وبيانه على لسان عبده محمدٍ الحميد، سيد أهل المنهج الرشيد، والقول السديد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل حقيقة التوحيد، وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعد والوعيد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتفضيل والتمجيد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، الحميد المجيد، المُبدئ المُعيد.
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27))
وبعد،،
فإنَّنا في فضل الله علينا بتأمُّل كلامه وما أوحاهُ إلى رسوله، قد مررنا على آيات سورة الحديد إلى خواتيمها، فمررنا على قوله -جلَّ جلاله-: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم) أي الرُسل الكثيرين، مِن بعد نوح ومِن بعد إبراهيم.
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا) بعد الرسل الكثيرين (بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (27))، فكان آخر النبيين قبل نبينا محمد، وبُعِث مُبشِّرًا به، فهو في رِسالته:
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف:6].
والحقيقةُ أن البشارة به لم تختص بعيسى؛ ولكن عيسى أقرب الرسل إليه من حيث الزمان، وإلاَّ فكل نبي قد بشَّر بمحمد خاتم الأنبياء، وقد أخذ الميثاق على أمَّته إذا بُعِث أن يَّتبِعوه، وهكذا أخذ الله الميثاق من النبيين، وأمر كل نبي أن يأخذ الميثاق على أمته: أنه إذا بُعث محمد أن يَّتبِعوه:
فكل الرُسل بَشَّروا بالنبي؛ ولكن بِشارة عيسى حملها بقوَّة، وما بينه وبينه نبي آخر، فكان آخر الأنبياء قبل نبينا وبشَّر بنبينا، فكان بين مولد عيسى عليه السلام ومولد نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ خمسمائة واثنين وسبعين من السنين الشمسية:
(ثُمَّ قَفَّيْنَا) يعني اتبعنا وختمنا على آثار الرسل السابقين، (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ)، الكتاب الذي أنزلناه عليه، وفيه أوصاف نبينا، كما هي أيضًا في التوراة، بالدِقَّة والتفصيل:
(وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ) وإذا نزل يقرأ من هذا الحق الذي نزل عليه أوصاف هذا المصطفى عليه الصلاة والسلام، وكذلك استخرجوا التوراة، والقرآن سيِّد كتب الله المُنزلة، (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة:48].
(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)؛ إشارة أيضًا إلى أنَّ سِراية أنوار الهداية رتَّبها الله في قلوب الناس بواسطة الأنبياء:
فما لِبني آدم طريق صحيح لمعرفة الحق والحقيقة إلاَّ اتِّصالهم بالأنبياء، ومن بعد بِعثته ﷺ لا يستطيع آدميٌ ولا جنِّيٌ في شرق الأرض أو في غربها أن يعرف الحقيقة والحق من دون طريق النبوة والرسالة -لا يقدر-، من غير طريق محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم، لا يمكن أن يهتدى إلى الحقيقة؛ لأن الله رتَّب الهداية على هذا الترتيب: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل:44] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فرتَّب -سبحانه وتعالى- إنزال الوحي بواسطة جبريل إلى الأنبياء، وجعل الأنبياء هم الهادون المبشِّرون لبني آدم ومَن يتبعهم من الجن.
(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) اتَّبَعُوا عيسى بن مريم، وقد قال في خطبته أيام كان في المهد، فقد خطب وهو في المهد وقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ) [مريم:30-31]، فكيف لا تكون البركة في اتِّباعهم؟!
قال: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)، ففي أتباع سيدنا عيسى عليه السلام:
(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)، فالبقايا في أهل الكتاب، قال الله: (لَيْسُوا سَوَاءً)؛ منهم (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [ال عمران:113-114]، (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) -لَيْسُوا سَوَاءً-.
هؤلاء أهل الكتاب ليسوا سواء، فيهم صادقون ومُخلِصون:
أهل صلاح؛ فمن أدرك منهم هذا النبي وآمن به..
ثم إن الله تعالى أكرم هذه الأمة أيضًا بالكِفلين من رحمته، كما سيأتي في الآية التي بعد هذه.
(وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)، وهذه المَزِيَّة في اتِّباع الأنبياء، تقوم في الأمة على قَدَم السند، بمعنى:
جعلنا الله ممن اتَّبعهم بإحسان، ولا يضحك علينا.. لامن العرب، ولا من العجم، ولا من الشرق أو ومن الغرب يقول: عندي لكم، -عندي لكم- من أين جئت؟!
هؤلاء مرجِعهم، ومصدرهم وحي وتجلِّي رباَّني، وملائكة نزلوا وكتاب، أمَّا أنت فمن أين أفكارك هذه؟ من أين جئت بها؟ تريد نحن نتَّبِعك على أي أساس؟ من أين جئت؟ من عند مَن؟ من عند نفسك أو من عند إبليس؟
لا نريدكم؛ لا نفسك، ولا إبليس.. اذهب أنت وإيَّاهم. جاءنا رسول من عند الرَّب، وحمل منهجه صحابة وتابعين وتريد أن نتركهم ونمشي وراءك!
نريد الرَّب الذي خلقَنا وخلقك، وخلق نفسك، وخلق إبليس هذا الذي يختبرنا الله به، وأمرنا أن نتخذه عدو؛ لأنه يكذب (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6]، يُريدنا للنار! قال المؤمن من آل فرعون: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) [غافر:41].
يقول: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)، أي وابتدعوا رهبانية؛ انقطاعًا في العبادة، حملهم عليه خوف الله -تبارك وتعالى- وحُسن الاستعداد للقائه. (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)، ما فرضناها، (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)، أي طلبوا بذلك رضوان ربهم -جلَّ جلاله- كما قال لنا في شريعتنا: "ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَّهُ"، قال: ما فرضها الله علينا، ولكننا نتقرَّب إليه به، ونحصل رضوانه، وندرك رضوانه به، "حتَّى أحبَّهُ".
(مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي ابتغاء رِضوان الله، مكتوب عليهم، ومشروع للكل؛ لكن عين الأعمال من الفرائض فرضها، والبقيَّة ما اندرج فيها، أو تحت الأُسس والقواعد التي بُعث بها الرسل؛ تطوعٌ من الناس، (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) [البقرة:184]، كما يقول الله تعالى في قرآنه، ويقول النبي ﷺ في الصلاة ، فهي من أعظم الفرائض بعد الشهادتين؛ الصلاة.
يقول: "الصلاةُ خيرٌ موضوعٍ، فمَنِ استطاعَ أنْ يَسْتكْثِرَ فلْيستكْثِرْ" الفرائض خمس، ما عدا ذلك فهي السنن: منها مؤكد ومنها غير مؤكد، ثم إذا أردت التطوُّع؛ صلِّ فقط في أوقات معينة، كما أنه في أوقات لا تصلِّي فيها، فهذه هي الشريعة،..لا إله إلا الله..
(وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)، وكان من فِقه ابن مسعود وغيره من الصحابة، قال له في صلاته؛ لمَّا رآهم حافظوا وواظبوا على صلاة التراويح قال: انتبِهوا منها! رسول الله ﷺ توفي وأنتم لا تصلوها إلاَّ آحاد! وأبوبكر توفي أيضًا، أنتم اجتمعتم عليها فواظِبوا عليها؛ انتبهوا! فإن الله قد ذمَّ قومًا قبلكم قاموا بطاعات وعِبادات ثم تركوها، وتلا الآية: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)، فذمَّهم بذلك، فأنتم ارعوْها حق رعايتها لا تتكاسلوا بعد ذلك.
وهذا في مفاد قوله ﷺ: "لا تكن مثلَ فلانٍ كان يقومُ الليلَ فترك قيامَ الليلِ"، قال: "لا تكن مثل فلان"، فمعناه:
أنه مذموم من يعتاد شيء من فِعل الخير والسعي، ثم ينقطع عنه ويعرض ويتركه من دون سبب، ومن دون عذر.
فما اعتدتَ من الخير فكان "أحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ تَعالى أدوَمُها وإن قَلَّ" اللهم يا من وفَّق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفِّقنا للخير وأعنَّا عليه.
(ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)، قال: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ) -صدَّقوا وثَبَتو-ا (أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ):
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28))
ختم الله الآية بخطابنا معاشر المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ)، يعني أهم ما تحَذرونه فيما آتاكم من عقل ومعارف؛ أن تحذروا سخطه وغضبه -جلَّ جلاله-، فتتقونه هو؛
(اتَّقُوا اللَّهَ)، واحذروا مواطِن سخطِه وغضبه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) لِمَ نصَّ على الإيمان بالرسول؟
(اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ):
إنما التقوى اِّتباع الأتقى ﷺ، (وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) اعرفوا قدر هذا الرسول الذي أرسله بينكم، فاجعلوه مرجِعكم: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65].
يقول: (وَآمِنُوا) .. (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ)، ضِعفين، وذلك أنه لمَّا نزلت الآية التي قرأناها سابقًا، التي في حق أهل الكتاب؛ (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ) [القصص:54]، شقّ على بعض الصحابة، لأن بعض أهل الكتاب افتخر، قالوا لهم: نحن نؤتى الأجر مرتين -خير منكم-! شقّ على بعض الصحابة، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ).
لا أحد يفتخر عليكم بشيء، أنا سأعطيكم أيضًا، فكل من صدق منكم مع نبيي هذا وقام، سأعطيه أجر كامل، ليس أهل الكتاب فقط، حتى أنتم إذا اتقيتموني وتابعتوا نبيي وآمنتم به، سأعطيكم كِفلين. قال: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) يعني يُضاعف لكم الرحمة ضِعفين، والرحمة:
الرحمة من الله -تبارك وتعالى- يقول: (كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)..الله أكبر..
(وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ماذا نكسب من الإيمان بهذا الرسول وتقوى الرحمن والتبعيَّة لهذا المصطفى؟ ماذا نكسب؟
(يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)، وأنت تريد أحسن من هذا، ماذا؟ تُريد مُرتَّب من عند أحد؟ سيعوضك عن هذا؟!
ماذا تريد؟ تريد أن نجعلك ملك أو رئيس لتعوِّض عن هذا؟! لا والله، لا يُعوِضك عن هذا شيء، هذا أهم شيء تكسبه، هو المكسب الأكبر: اتقِ الرحمن وآمن بالرسول واتَّبِعه وحصَّلت المكسب، وأنتَ تقدر على ذلك؛ لا أحد يستطيع أن يمنعك، لا الذي ينشره أهل الفساد، ولا أنظمة العالم، لا تستطيع أن تحوُل بينك وبين الإيمان وبين التقوى، والحمد لله رب العالمين.
وخُذ المكسب على رغم أنوفهم -إبليسهم ومن معه-، لا يقدرون عليك؛ تصدُق معه -جلَّ جلاله- فلا يقدِرون عليك، اتركهم يعملوا ويضجُّوا في العالم، يعملون الذي معهم في العالم، لا يقدرون أن ينزعوا الإيمان منك، ولا يقطعوك عن تقوى الله إلاَّ إن أنت استسلمت لهم، وذهبت معهم، وبعد ذلك، لا تقول: كيف أعمل؟!
كيف اعمل؟! تعمل ماذا؟!
هو الظفر في أي مكان وفي أي زمان، حتى ولو الدجال فوق رأسك، اتقِ الله واتبع الرسول ولا عليك، خُذ لك درجات، وخذ لك: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)؛ لكن أنت تذهب كذا وكذا وبعد ذلك تقول: كيف؟ مافي كيف، كيف من عندك أنت جاءت، وإلاَ الله فسح المجال، وخلق الخلق ليربحوا عليه لا ليربح عليهم جلَّ جلاله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ) -يعطيكم- (كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ):
(يَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)، وهذا النور يترتَّب عليه:
فنور قبرك على قدر كسبك لهذا النور، والنور في يوم المحشر.
يوم المحشر:
قال: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ (28)) كثير المغفِرة لكل من تاب وأناب، (رَّحِيمٌ) عظيم الرحمة.
تفسير قوله تعالى: (لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29))
(لِّئَلَّا يَعْلَمَ) هذا من أسلوب العرب، يستعملون (لِّئَلَّا) بمعنى ليعلم، ليعلم أهل الكتاب (لِّئَلَّا يَعْلَمَ) -أي ليعلم- (أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ)، كما أخبر ﷺ، أن مثلنا ومثل اليهود قبلنا والنصارى بالنسبة للمؤمنين منهم -الذين اتبعوا الأنبياء-، لهم أجر ودرجات من الصالحين كما قال الله؛ لكن أجور من آمن بالنبي محمد تتضاعف أكثر.
يقول: مثلنا ومثلهم كمثلِ ملِك استأجر قومًا يعملون:
فقال الأولون: نحن أكثر عملًا وأقل أجرًا! فقال: هل ظلمتكم من حقكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فإنما ذلك فضلي أوتيه من أشاء؛ (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29))، هذا فضل الله -جلَّ جلاله-، فهذه الأمة عمل قليل وأجر كبير من الله.
لأنك من أمة محمد، وهل هذا من اكتسابك؟! أهذا من اكتسابك؟! ليس اكتساب منك. هل أنت اخترت نفسك؟! أو اخترت وقتك؟ هو جعلك في أمة حبيبه، له الحمد، له المِنَّة.
(لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن) لا يقدِرون يُضيَّقون فضل الله، ولا يخصُّون به أحد دون أحد، ولا حتى أنفسهم (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ)، ونِعْمَ المُتفضِّل الجواد -جلَّ جلاله- (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) يا ذا الفضل العظيم، هب لنا الفضل العظيم، واجعلنا عندك من أهل الحظّ العظيم، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
وأتينا على ختام سورة الحديد، وكم فيها من معانٍ وبيان عن الرحمن، فننتقل إن شاء الله إلى سورة الواقعة ..لا إله إلا الله.. وما بقي من رمضان إلاَّ أيام، بارك الله لنا وللأمة فيها وجعلنا من خواص من يتَّصل بالرحمة، وخواص مُتلقِّيها، وفِّرْ حظَّنا من جوده على أهلها، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أفض علينا فائضات الجود، واجمعنا جميعًا بنبيك صاحب المقام المحمود، وأظلَّنا بظل لوائه المعقود، أوردنا على حوضه المورود، وأدخلنا معه إلى جنات الخلود، يا بر ياودود.
الحمد لله على أنه سبحانه يجري هذه الدعوات في هذه الأمة في هذا الزمن، ويجعل في الأرض من يُخاطبه ويُناديه ويدعوه بها، اللهم لك الحمد ما دامت على ظهر الأرض قلوب تدعو الله أن يُرافِقها بنبيِّه، ففي الأمة خير، وفي الأمة من الله عطاء.
وإذا انحطَّت الأمة وصارت كل همها في الدنايا؛ حلّت بهم البلايا، وصار لا يُباليهم إلاَّ بال -والعياذ بالله تعالى. (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77]، ويذهب الصالحون الأمثل فالأمثل، حتى تبقى حُثالة لا يباليهم إلاَّ بال، ليس لهم قدر عند الله -نعوذ بالله-، اللهم كثِّر فينا الصالحين والأخيار والمنيبين والخاشعين، واجعل في هذه الدوائر أهلينا وأولادنا وذرارينا أجمعين، وأحبابنا وأصحابنا وطُلَّابنا ومن ولانا فيك، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي الأمين
اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
29 رَمضان 1442