تفسير سورة الحديد -2- من قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ..}، الآية: 2

تفسير سورة الحديد، مواصلة تفسير قوله تعالى: {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ}، الآية: 2، إلى قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، الآية: 4

(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • كمال ملك الله للسموات والأرض والتصرف فيها:
    • حقيقة الإحياء والإماتة والقدرة المطلقة.
  • تأملات في أسماء الله الحسنى:
    • العزيز: معنى اسم الله العزيز وحقيقة العزة.
    • الحكيم: الحكمة في الخلق والتدبير، والقدرة المطلقة.
    • الأول والآخر والظاهر والباطن: شمول الأولية والأبدية والإحاطة الظاهرة والباطنة.
    • العليم: سعة علم الله المحيط بكل شيء.
  • خلق السماوات والأرض:
    • عظمة خلق السماوات والأرض والرد على المتطاولين.
    • تنزيه الاستواء على العرش ومعية الله المحيطة ومراقبته للعباد.

نص الدرس:

الحمد لله مكرِمنا بالبيانات عن أسمائه والصفات، وأفعاله الربَّانيات، وعجائب قدرته وعظمته الواسعات، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلَّا هو وحده لا شريك له، مُنْزِل الآيات البينات على قلب خير الكائنات، سيدنا محمد خاتم الرسالات وسيدِ أهل الأرض والسماوات. 

اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، الذي خَتمت به النبوات والرسالات، وعلى آله وأصحابه أهل المراتب الرفيعات، وعلى مَن والاهم فيك واقتدى بهم بإحسان من أهل صفاء الطويات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل الدرجات العاليات، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا مجيب الدعوات.

وبعد،،،

فقد ابتدأنا في تأملِ معاني كلام ربنا وما قصَّ علينا وتعرَّف به إلينا من صفاته وأسمائه في سورة الحديد، ومررنا على قوله -جلَّ جلاله-: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وعلِمنا نُطق الأشياء بتسبيحها بحمد ربِّها -جلَّ جلاله-، كلٌّ بحسب ما كوّنه وقدَّره وصوَّره. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء:44].

والتسبيح له:

  • هو وسيلة المؤمن؛ لِأن يتنقَّى وأن يترقَّى وأن يتطهر عن سيءِ صفاته.
  • وأن يُطالع في صفحات التأمل -بالبصيرة- عجائب أسماء الله -تبارك وتعالى- وعزيزِ صفاته.

وبذلك اشتغل النبيون والمرسلون، كما اشتغل به الملأُ الأعلى من الملائكة المقربين: 

  • (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [الزمر:75].
  • (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء:19-20].

وأوحى إلى سيدهِم وإمامهم وأعرفِهم به..

  • وقال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ) [طه:130].
  • وقال له: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) [الإنسان:26]. 
  • (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) [طه:130].
  • (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) [ق:40].

فأرشده إلى التسبيح، وقال له في نهايات أيام حياته في الدنيا: 

  • (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر:1-3].
  • فكان يقول في ركوعه وفي سجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، يعمل بقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

فنحتاج إلى أن يكون لنا نصيب من الشغل بالتسبيح، فنأخُذ نصيبنا من التسبيح بحمد الله؛ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل وأطراف النهار. اللهم أَعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك.

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ..(1))، وقد تقدم معنا هذا الاسم الذي كرر الله لنا ذكره: 

  • لنتعلق بحقائق من معانيه. 
  • ولنُدرك مِن السرِّ الذي فيه، ما به نكون في عزة بين الخلائق.

وقلنا: أن (الْعَزِيزُ) هو:

  • الذي يقِِل وجود مثله.
  • ويَعظُم أثره وخطره.
  • ويصْعُب الوصول إليه.

 فمن جمع هذه الصفات فهو عزيز.

  • فقد يكون شيءٌ يقل وجود مثله -مثل الشمس- ويُعظم خطره وأثره؛ ولكن الوصول إليه سهل مشاهدته ورؤيته فما توصف بالعزيز.
  • أو يكون شيء له خطر وأثر، ولكن مثْله كثير، فلا يكون عزيز، إنما عزته على قدر نُدرة وجود مثله، مع كون الأثر والخطر له كبير.
  • وقد يكون يقل وجود مثله؛ ولكن لا خطر له ولا أثر.

 فكل هذا ليس بعزيز، فإذا نظرنا إلى أن (الْعَزِيزُ) مَن قلَّ وجود مثله، فإذا يَعِزُّ بين الأشياء على قدر قلة وجود نظيرها، فتكون عزيزة فتكثر عزتها كلما قلَّ وجود نظيرها.

لكن حقيقة العزة بهذا المعنى الأول: ألَّا يوجد نظير، ولا مثيل أصلًا!، لا في الوجود، ولا في الإمكان، أما هذا فليس إلَّا له وحده!

نقول إذًا: عندنا شمس واحدة؛ لكنها في الوجود..

  • أما في الإمكان؛ يمكن اثنتين أو ثلاث وأربعة ويمكن أكثر، الذي خلقها يخلق أمثالها، لكن نهاية العزة، عظمة العزة، كمال العزة: ألَّا يُمكن وجود مثله أصلًا، لا وجود له في الواقع، ولا إمكان لوجوده.. هذا هو الله!
  • وأما أثره في الأشياء؛ فأن لا يقوم شيء إلَّا به، وفي دقائق أحواله وشؤونه يكون قيامه به!! هذا ليس إلَّا لله فقط! ومهما كان من خَطر لِذا السبب، أو لِذاك فمحدُود ومحصور، أما هذا لا يمكن وجود غيره إلَّا به، ولا يقوم شيء فيه غيره إلَّا به، الله! هذه العزة لله، (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا).  
  • وأما كونه يصعب مناله أو يصعب الوصول إليه، هذا الذي لا يحيط بكُنْهِ صفاته وأسمائه أحد، لا في الأرض ولا في السماء..الله! فالعزة كلها لله، (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء:139].

ثم إن العزة في الخلق على قدر مراتبهم: 

  • فمن كان يحتاج إليه أكثر الخلق في أهم أمورهم فهو عزيز، ومثله يقِل وجوده.
  • وما يحتاج إليه أكثر الخلق في أهم أمورهم وهي معرفة ربهم وسعادة الأبد؛ وهذه رتبة الأنبياء، فهم الأعزاء، ولذا قال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) [المنافقون:8].

فأعزُّ الخلق على الإطلاق محمد، لا يوجد له في الخلق نظير ومثيل، يصل إلى درجته؛

  • وإن كان كمخْلوق فإن جميع الخلق يشاركونه فإنهم مخْلوقين.
  • وكإنْسان وبشر فجميع الخلق يشاركونه فإنهم بشر وإنسان.

لكن في قدره، ومنزِلته وعظمته! لم يأتِ أحد على مثل خلقه في محاسن نظره وسمعه ونطقه، فلا تجد مخلوقًا في الوجود على مثاله ﷺ، وبلَغ الرُّتب التي لا يبلغها غيره، فهو أعز الخلق.

وبعده في العزة الأنبياء، والملائكة، ثم ورثة الأنبياء ممن يُوصِلون الخلق إلى الحق، ويَدلونهم على سبيل السعادة الأبدية الكبرى، وهم بالنسبة لبقية الخلق قليل، فلذا هم عندهم عزة، يحتاج الناس إليهم في أهم أمورهم وأعظمها.

يقول: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، الذي أحاط علمًا بكل شيء، ثم لا يحيط أحد بدقائق خفايا حكمته في علمه بالأشياء، ولا في تكوينه لها، وتصويره لها؛ (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [المُلك:3-4]، ولا يخلُق شيئًا، ولا يعدم شيئًا، ولا يحيي شيئًا، ولا يميت شيئًا، ولا يقدم ولا يؤخر، ولا يغني ولا يفقر، ولا يصِح ولا يُمرض إلَّا لحِكَمٍ وأسرارٍ كبيرة كثير، لائقة بألوهيته. 

حتى لمّا غاص سيدنا علي بن أبي طالب في أدبهِ وعبوديته للحق تعالى على ما أبرز له من الحِكَم في الوجود، قال: "لو كُشف الغطاء ما اخترتم إلَّا الواقع"، لا شيء غير الواقع  تختارونه، هذا تدبير الحكيم الخبير، (ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس:38]، لا أحد سيأتي أحسن منه؛ يُدبِّر، يقدم، يؤخر، ينفع، يضر.. لا إله إلَّا هو، ولكن الحقائق قد تخفى.

 

تفسير قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2))

(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، على الحقيقة، إنشاءً وإيجادًا، وخلقًا وتصرفًا، وتقليبًا لها، وتبديلًا وتغييرًا؛ كلها له.

إن شاء يقلِّبها، إن شاء يغيرها، إن شاء يُبدلها يَوْمَ يُبَدِّلها، يبقي لها حد محدود ويعمُر منها جوانب، ويخرِّب جانب، والذي كان معمورا يخرِّبه، والذي كان خارب يُعمِّره -سبحانه عزَّ وجل-.

(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، سيْرُها ودورانها، و(۞ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا) [فاطر:41]، أنت ستقول يا مَن؟!

ستقول يا مَن؟ يا دولة؟ يا شعب؟ ستقول يا مَن؟ يا مؤسسة؟! أمسكوا. أمسكوا.. أمسكوا.. غايتهم في تطورهم، يقولون: كوكب اقترب من الأرض قد يصطدم بالأرض، هذا المقياس الرفيع العلمي عندهم -علماء!-، نريد منك أن  تبعده  قليلا، لا يقدر بشيء. الله الله! مَن ذا الذي يُسيِّرها؟ مَن ذا الذي يدبرها ويحركها، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ)، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-..

  • (يُحْيِي وَيُمِيتُ)، أرضًا حيوانًا إنسانًا نباتًا جمادًا علمًا أي شيء، قلبًا. 
  • (يُحْيِي وَيُمِيتُ) -أحيِ قلوبنا يا حي يا قيومفلا يحيى شيء إلا بإحيائه، ولا يموت شيء إلا بإماتته.
  • (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) [الزمر:42]: 
  • ولو اجتمع أهل السماوات والأرض أن يُحيوا شيئًا ما أراد إحياءه ما قدروا،. 
  • ولو اجتمعوا أن يُميتوا شيئًا لم يرد إماتتَه ما قدروا. 

فحقيقة الإحياء والإماتة له، ثم للخلائق أسباب رتَّب عليها التكليف، يقول: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا)، على سبيل المجاز (فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة:32]، هذه دوائر الاكتسابات إلى الحدود المعروفة، هي محكومة بحكم القادر القوي؛ المقتول والقاتل تحت حكمه وفي تصرفه، وهو خالق الجميع، وهو المُحْيِي؛ ولكنه في بديع حكمته أعطى المكلفين -سبحانه وتعالى- تحت إرادته واختياره، أعطاهم اختيارًا وإرادة وعزمًا وفعلًا منسوبًا إليهم، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286]، فيُحاسبهم في ذلك، لا إله إلَّا هو.

(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2))، عظيم القدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قادر،لا.. أبلغ من قادر: (قدير) عظيم القدرة، فقدرته مُطْلقة، لا يحجبه شيء، ولا يمنعه شيء، يُقدِّم ما يشاء، ويُؤخِّر ما يشاء، يرفع ما يشاء، ويخفض ما يشاء، يهدي ما يشاء، ويضل مَن يشاء، يحيي مَن يشاء، ويميت مَن يشاء؛ قدرة مطْلقة، (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 

 تفسير قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3))

(هُوَ الْأَوَّلُ) -جلَّ جلاله- (وَالْآخِرُ)  كيف الأول والآخر! ما في تناقض؟!

(وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) ظاهِر، أو باطن! إما ظاهر وإما باطن! كيف ظاهر وباطن؟

  • إذا كان لشيء معنى ووجه، فقد يكون من هذا الوجه وهذا المعنى أنه (أوَّل).
  • ولكنه بمعنى آخر من غير هذا الوجه هو (آخِر) هذا مُمكن أن يكون.
  • أما بنفس المعنى من نفس الوجه، لا يتأتى أن يكون أول وآخِر، كيف أول وآخِر؟ إما أوَّل، وإما آخِر!

 وهكذا، فهذا مثلًا المُرتب في فصل -دراسي- أنه الأول، هو بالنسبة لهذا الفصل ولهذه المدرسة، في اختبار هذا العام، من هذه الوجوه فقط هو الأول، أما في الأعوام الثانية، فكثير هم الأوائل قبله، ولا هو الثاني ولا الثالث ولا الرابع يمكن مائة واحد قبله، فترتِيبه مائة وواحد في الفصل هذا..

أما في عموم الاختبارات والمدارس، أي أول هذا؟!

في الأولية المنسوبة، الخلق كلها محصورة ومحدودة وبنسبة معينة.

لكن أولية الحق، أنه: 

  • لا ابتداء لوجوده: لا شيء قبله أصلاً. 
  • هو موجود بذاته: هذا لا شيء لغيره، غيره ما في أبدًا، هو وحده فقط موجود بذاته.

 فهو بهذا (الأول) -جلَّ جلالة-؛ لكن أوليته  ليست مثل أولية الناس.

ذاك الأول الذي في الفصل عرفناه، الثاني الذي بعده، بالنسبة للثالث والرابع هو أول! أو لا؟! ؛ لكن بالنسبة لذاك  ليس الأول . 

وهكذا تأتي للآخرين معنى (الآخر): 

  • الذي نهاية كل شيء إليه، وغاية كل شيء إليه!، فغاية ما يعرف الخلائق وأكبر وأعلى ونهاية ذلك أن يعرفوا صفاته. 
  • فمهما ارتقوا في سلوكهم وارتقوا في معارفهم حتى أن مَن عرف أجناس الوجود ولم يعرف المُوجد فكأنه لم يعرف شيء، الآخر هو، لا إله إلَّا الله.

وكل شيء مرجعهُ إليه (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم:40]، فهو من هذا الوجه (الْآخِرُ)

(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ)، وآخِريته مُطْلقة، أما الخلائق مهما كان آخر، فآخِر بالنسبة.

 (وَالظَّاهِرُ)، الظاهر؛ لأن كل ما في الوجود؛ مِن فعلهِ وخلقهِ وإيجادهِ، فمَن أظهر منه؟ ولكن قد قالوا: قد يحتجب الشيء لشدة ظهوره. 

قل: أنت لو رأيت كلمة واحدة، كلمة واحدة مكتوبة في ورقة بخط حسن، أيقنت أن هنا كاتب أم لا؟ 

  • أظهر لك هذا بيقين أم بشك؟ وأن الكاتب عليم وخبير. 
  • وكان لما كتب هل هو حي أم ميت؟ حي. 
  • وبصير أم أعمى؟ بصير. 

 بماذا عرفته؟!  كلمة واحدة في ورقة ظهر لك هذا؟!

أنت والكاتب والورقة والذي فوقك والذي تحت والسماء كلها؛ فعله، وستقول أين؟ 

  • لا شي أظهر منه! ها هو (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت:53]، هو هذا! 
  • بسطر واحد بكلمة واحدة استدللتَ على وجود كاتب، هذا السميع البصير القدير الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما؛ كل واحدة منها دلالة عليه، لا إله إلَّا الله.

وكان يقول بعض المفكرين الدارسين: هذا الجنين الي تكون في بطن أمه ويتغذى عبر السرة، لماذا يُخلق له الفم والأسنان؟ من أجل ماذا؟ ومعدة؟! لأن الذي كوَّنه يعلم أنه عندما يخرج، سيحتاج إلى فم يتناول منه، وطعام يستقر في المعدة، وخلقها من قبل، قل: فدليل علمه عدد الخلق، كل واحد دليل علم الله.

كل مكوَّن هو دليل علم الله؛ لأنه كوَّنهم بهذه الصورة، فكم الأدلة؟ واحد، اثنتين، ثلاثة، أربعة، خمس، ست! وكل صفة من صفاته الأدلة عليها ما تتناهى. -لا إله إلًَا الله-! والآن يُصدقون بظن وبِوهم، يقول لك: هذه نظرية علمية، وهذا يقين. وهذه الدلالة الأوضح، الأجلى الأظهر،  ألا تدل؟

قالوا للأعرابي: بمَ عرفت ربك؟ قال: اذهب..البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. قال: فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أمَا تدل على الصانع الخبير؟ ليس فيك عقل أنت!

 ولذا قالوا أن عجوز مؤمنة صالحة امتلأ قلبها بالإيمان الجلي الواضح، مر سيدنا الفخر الدين الرازي  ومعه تلاميذه، جمْع كبير، 

  • قالت: ماهذا؟ .. قالوا: الإمام الفخر الرازي سيمر. 
  • قالت: مَن الفخر الرازي؟ .. قالوا: هذا الذي يُقيم على وجود الله تعالى ألف دليل.
  • على وجود مَن؟! وجود الله؟! هو أين دليل وجوده هذا الفخر الرازي؟ ويريد أن يدلنا على وجود الله! لا إله إلَّا الله!
  • قالت: وهل يحتاج وجود الله إلى دليل؟! حتى ننتظر الفخر الرازي يعمل لنا أدلة! هو بنفسه، وأبوه، وأمه أدلة، والسماء والأرض، ما دليلهم؟ نريد دليل من كلام الفخر الرازي.

بلَّغوه الخبر، أن العجوز قالت كذا، قال: "اللهم إيمانًا كإيمان العجائز"؛ لأنه عندها يقين واضح جلي، لا يقبل الشك ولا التبديل ولا التغيير: 

  • وإنما الذي عنده من هذه الأدلة معالجة لأرباب التشكك وأرباب الانحراف الفكري السلوكي الذهني.
  • وأما العاقل بمجرد عقله وفطرته التي فطر الله عليها يعرف ربه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

 قال: (وَالظَّاهِرُ)، ولذا قال: هو إن جئت من جهة القلب والروح التي أتاك، فأظهرَ شيء في الوجود هو.

(وَالْبَاطِنُ)، إن جئت من قِبَل الحواس -السمع، والبصر- ولا شيء أثر، ولا تقدر على خبر ولا على أثَرَة، لا إله إلَّا الله! 

  • لا يمكن أن يُدْرك، يُدرك الأبصار: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:103] جلَّ جلاله الله، باطن. 
  • وكما جاءنا التفسير في الحديث الشريف في روايات عديدة: "أنت الأولُ فليس قبلكَ شيءٌ، وأنت الآخِرُ فليس بعدكَ شيءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَك شيءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونكَ شيءٌ" سبحانه! 

ويعجز الأولون والآخرون عن أن يحيطوا بصفة من صفاته، أو إسمٍ من أسمائه، فكُنهُ وجود الحق -جلَّ جلاله- وصفاته، يعجز عنه جميع الأولين والآخرين فهو (الْبَاطِنُ)، ودلائل وجوده وعظمته مبتثَّة في كل شيء فهو (الظَّاهِرُ).

(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3))، وجعلوا هذا دواءً لأنواع الأمراض الحسية والمعنوية، دواء للوسْوسة، ودواء لخَواطر السوء، ودَواء للأمراض الحسية: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، تقرأها فتتداوى. 

(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)) فمن أعظم الأدوية؛ لتصفية الباطن، وتنقية الفكر، وتقويم الخاطر: 

  • من الكتاب العزيز هي هذه الآية.
  • ومن السنة: "آمنت بالله ورسله". 

فقط قُل هكذا، ويذهِب عنك الوسواس كله، يذهِب عنك الخواطر السيئة: "آمنت بالله ورسله".

(هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)):

  • (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فمهما سمُي غيره (عَلِيمٌ)، فعِلم كل (عَلِيم)؛ من الملائكة والإنس والجن حادث: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78].
  • قال: (أَنبِئُونِي) -يقول للملائكة- (أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة:31-32]. 

إذًا علمه الأزلي القديم، هذا ليس إلَّا له..

  • ثم كثرة المعلومات، بكل شيء، أحاط بكل شيء علما، تفصيله، وهذا ما يتأتى عند الخلائق:
    • مهما عَلِمَ شيء فقد غاب عنه أشياء. 
    • والذي غاب عنه أكثر من الذي اطَّلع عليه، وبعد ذلك من حيث الكثرة.
  • من حيث الإحاطة أيضًا ممتنع: 
  • علمُنا ببصرنا، لا نقدر أن نحيط بدقائق البصر وخفاياه وأعداد خلاياه، وعروقها كم؟ لا تدري بها، أنت تعرف نفسك تبصر فقط، ليس لديك تفصيل في الدقائق! لكن هو أحاط بها علما. 
  • (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، عِلم لم يسبقه خفاء، ولم يسبقه جهل، وأما غيره عِلم حادث ومحصور، ولا يحيط -غير محيط-. 

هذا وصف لكل عالِم غير الله، سُمي عَلِيم، مهما كان عالم؛ (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف:76]: 

  • كلّ مخلوق علمه محصور، وعلمه حادث، وعلمه غير محيط، هذا لابد منه لكل مخلوق، علوم الخلق كلهم.
  • فقط هو علمه تعالى -الله أكبر- أزلي قديم وغير محصور، وهو محيط بكل شيء.

لا إله إلَّا هو سُبحان العليم- (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) اللهم علمنا من لدُنك علما وارزُقنا فهما.

 

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4))

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، هل هناك أحد يدَّعي خلقها غيره؟ هل هناك أحد يتصرف فيها غيره؟ لا إله إلَّا الله! لا في دورانها، ولا في حركتها، ولا في حجمها، لا يقدرون أن يتصرفوا.

يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، كما قال لنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- في هؤلاء الذين يتطاولون على الحق: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) [الأحقاف:4]، هيا قولوا لنا: أن البلاد الفلانية، القارة فقط، ليس القارة.. فقط مدينة، ليس مدينة.. فقط قرية فلانية خلقها الهيئة الفلانية، التكنولوجيا الفلانية، القطعة هذه من الأرض هي الهيئة التي خلقتها! ماذا خلقتْ! لا أحد خلق شيء! ولا قطعة؟ ولا قرية! كيلومتر.. نريد فقط نصف كيلومتر في الأرض خلقهُ غير الله! خلقتهُ حكومة! خلقه شعب! هات، ابحث أين هو؟ في أي مكان هذا؟ في البر أو في البحر؟ هات لي فقط متر، متر من الأرض في البر أو البحر غير الله خلقه، ولا نصف متر ولا شيء! لا إله إلَّا الله.

(أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)، هل هم شاركوني في خلق السماء؟! الأولى، أو الثانية أو الثالثة؟ مِن منهم؟ مَن هم؟! -لا إله إلَّا الله- ولا إبليس، ولا جنده، ولا تكنولوجيا، ولا آدمي، ولا حيوان ولا شمس ولا قمر؛ كلها مخلوقة، ولا شاركته في خلق سماء (۞ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) [الكهف:51].

مَن الذي حوَّلهم من نطفة إلى علقة إلى مضغة؟ هو هذا الذي يتكلم الآن هذا، كان نطفة، مَن الذي حوّله من نطفة إلى علقة إلى مضغة؟ الله الله الله الله الله! فما أجرأ الخلق على ربِّهم!، وما أقل أدبهم مع إلههم -جلَّ جلاله-! (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس:17]، (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) -جحود- (وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ) [العاديات:6-7]، ثم يرجع يفكر، يرجع لعقله، يعرف ما بنفسه.

يقول -جلَّ جلاله-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، خلق الزمان، وقال: وهو الذي يخلق بمجرد الإرادة، أراد سبحانه وتعالى:

  • أن يعلِّم عبادهُ التأني والتدرج، فخلق السماوات والأرض في ستة أيام. 
  • وهو يقدر على خلقها في لحظة واحدة. 

ولمَّا كان أهل الأرض يحتاجون إلى التنبيه أكثر من أهل السماء: 

  • فالسماوات أعظم من الأرض وأكبر منها وأكثر، فقال: (فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت:12]. 
  • أما الأرض هذه: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت:10]. 

كوكب صغير مثل هذا؛ أربعة أيام، وسماوات عُلا فوق؛ في يومين، (وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) [فصلت:12]؛ لأن قدرته لا تتعلق بزمن، أو بوقت، لكن يعلِّم عباده أن يرتبوا، ويتأنوا، ويتدرجوا في الأمور، ليس قفزات -جلَّ جلاله-.

(فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ)، -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، هذا الاستواء الذي لا يحيط به غيره، (اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ)، على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده.

اليقين الجزِم المقطوع به: أنه الوجه الذي قاله، والمعنى الذي أراده.. لا يتعلق بجسمية، ولا جهة، ولا شيء من صفات المُحْدثات الكائنات الجِسمانيات؛ هذا بيقين، كما دلت عليه الآيات الكثيرات، والأحاديث وهو (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11].

إذًا فما المراد؟

المراد ما أراد -سبحانه وتعالى- بكشفه للخلق.. 

  • فخصَّ به مَن خص؛ من الأنبياء، ومن الملائكة المقربين، ويكفي المؤمن أن يؤمن:
    • أنه استوى على العرش بالمعنى الذي قاله.
    • بالمعنى الذي أراده على الوجه الذي قاله.
  • لا مماسة، ولا استقرار، ولا جسمية، ولا فوقية، ولا تحتية، ولا جهوية، ولا شيء من صفات الكائنات المخلوقات، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4]،
  • وهو محيط بالعرش، وهو حامل العرش، وحامل حملة العرش، وحامل السماوات والأرض، (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا) [فاطر:41]، لا إله إلَّا هو. 

(ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا)، وهذا العلم المحيط بكل شيء.

(وَهُوَ) -سبحانه وتعالى- (مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)، ولهذا  لما حذَّر بعض المشايخ تلميذه من معصية الله، قال: يا ولدي، إذا أردت أن تعصيه فاخرج من تحت سمائه! قال: أين أخرج من تحت سمائه؟ أذهبُ إلى أين؟! قال: إذن فاخرج من فوق أرضه، لا تقعد! قال: كيف أخرج من فوق أرضه؟ أين أذهب؟ قال: إذن فلا تأكل رزقه، إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل رزقه، قال:  لا آكل رزقه؟! سأموت، وكُلُّ رزقه لابد منه! قال: إذن فاذهب إلى مكان لا يراك فيه، فاعصِه!. قال: أين لا يراني؟! حيثما كنتُ يراني.

قال: أنت تحت سمائه، وفوق أرضه، وتأكل رزقه، ويراك، وتريد ان تعصيه؟! أي آدمي أنت؟! أنت بعقل أو بلا عقل! كيف تعصيه؟!. تحت سمائه، وفوق أرضه، وتأكل من رزقه، وهو يراك، وتريد أن تعصيه! اخرج من تحت سمائه، قال: لا أقدر. قال: اخرج من فوق أرضه. قال: لا أقدر. قال: لا تأكل رزقه. قال: كيف لا آكل رزقه؟ كلُّهُ رزقه، إذن اقصد مكان لا يراك فيه. قال: أين لا يراني؟ حيث ما كنتُ (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ).

يرى -سبحانه وتعالى- النملة السوداء وسط الصخرة الصماء، لو رُميت في البحار، وجاءت ظلمات الليل، كان يراها هو، يرى عروقها ويسمع دبيبها، لا إله إلَّا هو:

يا مَن يرى مدَّ البعوضِ جناحَها *** في  ظلمةِ الليلِ البهيمِ  الأليلِ

ويرى نياطَ عروقِها في ساقِها *** والمخَّ  في تلكَ  العظامِ النُّحَّلِ

امْنُنْ  عَلَيَّ  بِتَوْبَةٍ  تَمْحُو  بِهَا *** مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) -جلَّ جلالة-، وكان من ميزة يوم الجمعة:

  • أن خلق الله فيه آدم، وفيه تاب عليه في يوم الجمعة.
  • وفيه تقوم الساعة، في يوم الجمعة.

حتى ورد في الخبرٍ أن من النبأ الذي عند الأنعام والحيوانات، أن يوم الجمعة يوم قيام الساعة، وحتى أن كل دابة إذا جاء يوم الجمعة تُصغي بأُذنها تحس فيه، تخاف النفخ في الصور، ولكن الغفلة عند  ابن آدم، هذا الذي يدعي التقدم والتطور، وهو لا يدري بالساعة ولا بقيام الساعة، ولا مرجعه إلى الحق -جلَّ جلاله-! يقول: (هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) [المطففين:17]، لا إله إلَّا الله.

فالله يبارك لنا في يوم الجمعة، وهذه ثالث جمعة لنا في رمضان، ولا تبقى إلَّا جمعة واحدة تأتينا في العشر الأواخر، والعشر الأواخر شأنها عظيم، وإذا دخلت؛ أيقظ أهله وأحيا ليلهُ، وشدَّ مئزره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم واعتكف إلى يوم العيد، وتحتاج منا إلى مزيد، الله يجعلها من أبرك الليالي علينا وعلى أمة هذا النبي في زمننا في الشرق والغرب اللهم آمين، واكشف البلايا عنا وعن جميع المؤمنين. اختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا.

بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

21 رَمضان 1442

تاريخ النشر الميلادي

02 مايو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام