(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، الآية: 4، إلى قوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}، الآية: 7
﷽
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))
الحمدُ لله مُكرِمنا بِتأمُّل آياته وتَدَبُّر معانيها، ناوين التطبيق لها والعمل بما فيها، فنشهد أن لا إله إلَّا هو وحده لا شريك له، استوى في عِلمِه ظواهرُ الأمور وخوافيها.
ونَشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وحَبيبهُ وصَفيهُ وخَليله، مُنقِذ الأمةِ وهاديها، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن سار في طَريقته وشَرِب من كؤوس مَحَبَّة صافيها، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين الذين بَوَّأهُم الله في درجات القُرب مِنه والمحبَّة له والمعرفة به أقصى أعاليها، وعلى آلهم وصحبهم ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ، والمَلائِكَة المُقَرَّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وكافِلُ الخَليقة وكافيها.
وبعد،،،
تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4))
فإنَّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام إلٰهنا وخَلَّاقِنا -جلَّ جلاله-، تأمَّلنا أوائل سورة الحديد، ومررنا على قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، وقد بَيَّن لنا في آيات أُخَر أنَّ خَلقَ السماوات كان في يومين، وقال سبحانه وتعالى: (فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا)، يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) [فصلت:12].
وحينئذٍ يَكونُ الدَّحو الأول للأرض في يومين، ثم نَصب الرواسي عليها لِتَوطيدها وتقدير أقواتِها وإكمال خِلقَتِها في يومين آخَرَين؛ فكانت أربعة أيام، كما أشارت إليه سورة فُصِّلَت في قوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)؛ يومين فوق اليومين صارت أربعة أيام، (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت:9-12] وقُلنا:
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) وقُلنا أنَّه الإستواء الذي يليق بجلاله وجماله، وهو معنىً عظيمٌ صحيحٌ أراده الله تعالى، لَم يُكَلِّف المؤمنين به أن يَعلَموا عَينَ مُرادِهِ بهذا، وحَرَّم عليهم أن يعتقدوا فيه أي شَيٍء مما يُشابِهُ الكائنات والمخلوقات، أو أن يَحُدِّوهُ أو أن يَحصُروه بِجهة؛ فلا العرش ولا ما فوقه ولا ما تحته إلَّا عند الله سواء.
فأفعالٌ من أفعالِه وهو المَوجودُ قَبلَها كُلها، والموجد لها -جلَّ جلاله سبحانه وتعالى-، حاشاه أن يحتاج إلى مكان، أو زمان -سبحانه وتعالى-، وهو خالق المكان والزمان، كان قبل أن يَخلُقَ الزمان والمَكان، وهو الآن على ما عليه كان (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11]، وبذلك قال أهل السُّنة من علماء التوحيد: وأنَّه تعالى استوى على العرش بالمعنى الذي قاله، والوجه الذي أراده، إستواءً يليق بجلاله وكماله -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) ما يَدخُل في الأرض:
(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ):
(وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا):
يَعلَمُ (وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) فسبحان ذي المعارج (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج:4].
(وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) فعجبًا للذين يُنكِرون التأويل في الكتاب العزيز، ثم يقولون أن كل ما فيه حَقيقة، ثم يقولون في الإستواء على العرش أو ما جاء في السنة أنَّه في السماء بشيء من التجسيم، ثم يأتون على قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) يقولون: حقيقة أو مجاز؟ يقولون:بِعِلمِه، رجعتم إلى التأويل! لا تُنكِروا التأويل إذًا، تنكروا التأويل! ثم ترجعون إلى التأويل! هو المسألة على كيفك؟! أم على هواك؟! أم على اللعب؟!
كن مع الحق ومع رسوله فيما أراده وتَلقَّاه عنه الصحابة الأكابر، لا يلعبون هذا اللعب، شيء يُأوِّلون وشيء يقولون ممنوع التأويل، بل يضعون كل شيء في موضعه على الوجه الذي يرضاه الله.
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) وكُلُ ما ذُكِرَ من أنواع الأسماء والصفات، ومِثل الاستواء والمَعيِّة، كلها أشياء لا يُساويها ولا يُماثلها استواء الخلق ولا معيَّة الخلق، ولا معيَّة الكائنات مع بعضها البعض، لا الأجسام ولا الأرواح، لها معيَّات بعضها معيَّات خارجة عن الجسميَّة وعن توابع الجسميَّة، وهكذا يستعملونها الناس بينهم البين، ولكن إذا نُسِبت المعيَّة إلى الحق، فالشأن لائقٌ بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى.
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) البَصارة اللائقة بجلاله وعظمته، يُبصِر ما تَعملون، دوافع ونيات ومقاصد وهيئات وكفايات، ومن حيث لا تَعلمون بها أنتم، أنتم لا تَعلَمونها كما يَعلَمها منكم، فهو بصير بما نعمل، أبصر بعملنا مِنَّا -جلَّ جلاله- (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)).
تفسير قوله تعالى: (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5))
(لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يُكرر لنا ذلك لتنتفي عنَّا شهود المُلكيات المَجازية، المَحصورة، المَحدودة، الفانية، حتى لا نشتغل بها وننقطع وننحجب، وتمتدُ أبصارنا إلى المُلك الحقيقي الأزلي الدائم الباقي المُطلَق (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ):
لا أحد له شيءٌ معه *** حاشاه في ذا ولا ذاك
-جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
(أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الطور:36] هم خَلَقوا؟ (بَل لَّا يُوقِنُونَ)، (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) جاءوا هكذا؟! ولهذا قالوا يُتَعَجَب من الذين يُقال لهم إنَّكم بعد الموت تُحيَوْن، ويقولون كيف؟ وكيف أنت حَييت الآن؟! وإنما كنت ميتًا، ما كان لك وجود أصلًا! أنت الآن كان لك نوع وجود ثم مُتَّ فيحييك، لكن ما كان لك وجود أصلًا وأحياك! ألا يكفي هذا دليل؟! عجيب! -لا إله إلَّا الله-،
ألا يكفي دليل، لو واحد قال لك: أنا أقدر أرفع هذه المناديل من هذا القفص، أخرَج منديل واحد، هل لا زلت تشك؟ تشك في أنَّه قادر؟ الآن كم أخرج لك هذا! كم أحيا لك جلَّ جلاله! ثم تشك في الحياة بعد الموت؟ أحيا لك كم من واحد؟ كلهم كانوا أموات (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) [البقرة:28] وقد كانت موتتكم الأولى أغرب!! كانت من عدمٍ أوجدكم، ليس لها سابق أصلًا، ماسبق الوجود ثم أوجدكم ثم يميتكم ثاني مرة.
هل ثاني مرة، لم يعد قادرًا أن يحييكم؟! كيف يعني!؟ كيف أحياكم أول مرة؟! (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس:79] وشواهد الكلام أمام الأعين بارزة، الآن أحيا لك كم من واحد، وتقول أنت لا تقدر أن تحيي واحد مات! انظر أنت وأبوك وأمك وعمك وخالك وجيرانك أحياهم كلهم أمامك، أحضرهم مِن لا شيء، مِن نُطَفٍ وعلق ثم أحياهم وتقول؛ لا تقدر تحيي! أنت مجنون أنت؟ ترى أمام عينيك يحيي الله، الله، الله! لكن الإنسان هكذا يذهب مع الأوهام والخيالات، ويُغالِط نفسه بنفسه، والأدلَّة أمامه واضحة.
يقول: (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) كل الأمور؛ إنس، جن، ملائكة، نبات، حيوان، جماد، أرض، سماء، دنيا، برزخ، آخرة، أقوال، أفعال، مقاصِد، نيات، مُعاملات، مُشاجرات، مُخاصمات، مُقاطعات، حُروب؛ كلَّها لاحقًا المرجع إليه، هو الذي يَحكُم فيها، هو الذي يُقرر نتائجها، إذًا مِنه المُبتدأ وإليه المَرجع -لا إله إلَّا هو-.
الله، الله، الله (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5)).
تفسير قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6))
أمام أعينكم قال: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) فأي قوّة غيره يتصرَّف في هذا؟ وأنتم أمامكم ليل ونهار، في كل يوم وليلة! ما لكم؟ تذهبون أين بعقولكم؟
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) يُدخِل هذا في هذا، وهذا في هذا، وتتعاقب (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:62]، (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء:12] مَنْ هذا الذي يَتَصَرَّف هذا التصَرُّف؟ هل من قوَّة؟ هل من هيئة؟ هل من جماعة؟ هل من تكنولوجيا تأتي لنا بالليل والنهار؟
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) مَن؟ مَن؟ قولوا، قولوا مَن!
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ)، قال: يا مَعشَر بني آدم المُدَّعون لِلتَقَدُّم! نحن نحب منكم التقدُّم، لكن تقدُّم لمعرفة الحقيقية وليس تقدم في الخَبْطة، ليس تقدُّم في الأوهام والخيالات، ليس تقدُّم في الضلال، نريد تقدُّم صحيح، يا مُدَّعي التقدُّم عندكم الآن على ظهر الكرة الأرضية؛ بعض المناطق طول زايد في الليل، وبعضها طول زايد في النهار، وبعضها يكون أيام أوأشهر ليل، وأيام أو أشهر نهار، غَيِّروا! عَدِّلوا! أليس تقول تقدمت أنا! عندك تقدُّم وتطوُّر انظر؛ هناك مناطق، ستة أشهر لا يوجد شمس! ما هذا؟ اجعلها تطلع عندهم شمس، هيا، يا متقدِّم!، قل: أنا عاجز، لست راضي تعترف أنك عاجز؟ قل: عاجز! هذا فقه، هذا إدراك، هذه حقيقة تتكلم بها، عاجز، لا يريد أن يقول عاجز، -يقول: ما أنا عاجز!- انظر العجز أمامك في كل شيء، ليس في هذا فقط، حتى في شؤونك وأحوالك أنت عاجز!
ولكنهم لا يعترفون بالعجز، والقُدرة أمامهم تُعَلِّمهم أنَّهم عاجزين، فما يستفيقون حتى يلاقوا ربهم وهم جاحِدون ومُدَّعون ما ليس لهم، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [القصص:71-73] اللهم لك الحمد شكرا، ولك المنُّ فضلا.
وإذا جئتم إلى النوم قولوا: "باسمك ربي وضعت جنبي، وباسمك أرفعه" وإذا قمتم، قولوا: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"، (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [الروم:17-18] فهو الذي يستحق الحمد على كل هذه الترتيبات في الكون والتدبيرات، والليل والنهار والشمس والقمر (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت:37] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
فهكذا يقول: (لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۚ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)) ليس مجرَّد بما فيها، ولكن بذات الصدور، هي وتكوينها وخَلْقها، وما يطرأ عليها، وما يجري فيها، وما ينزل فيها ( بِذَاتِ الصُّدُورِ) ذات صدرك يدري به، هو كوَّنه (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) [الملك:14]، (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) ستخفي عليه ماذا؟ ماذا ستخفي عليه؟ ذات صدرك هو خالقه، هو الذي يُحدث ما يطرأ فيه، وما ينزل منه وما يجري عليه، هو الذي كوَّنه (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
تفسير قوله تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))
يقول بعد هذه الدلائل والآيات: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أيها الناس! يا مشركي مكة، يايهود، يامنافقين، يا أهل الشرق وأهل الغرب، يا الروم، يا آل فارس، يا آل اليمن ويا آل الشام، يا آل الأرض -الكرة الأرضية- آمنوا بالله ورسوله! الدلائل معكم واضِحة، ورسولنا ينطق بالحق؛ كله نور، وكله هدى، وقوله حُجَّة وبُرهان، حتى القمر شققناه له، في بالكم أحد ينشق له القمر؟ وكيف ينشق القمر؟ وأيُّ من قوَّة هذه التي تَشُق القمر؟ حتى صاروا يرون فِرقة من الجبل وكذا وفِرقة من الجبل وكذا -فِرقة أو فلقة- -لا إله إلَّا الله-
قالوا: سحر!، قلنا اهم اصبروا، سَحَركم وأنتم أمامه! سنرى من يأتون من خارج مكة، أتوا ناس من الخارج، قالوا حصَل شيء؟ قالوا: انشق القمر! قالوا: هذا ساحر كبير! انتظروا سيأتي وقت الحج ويأتي الناس من بعيد، جاء وقت الحج، انشق القمر في شعبان وجاء وقت الحج، ماذا حصل في شعبان؟ قالوا: انشق القمر! كلهم رأوه.
وجدوا تاريخ في الصين: لانشقاق القمر، تاريخ أَرَّخوه بانشقاق القمر، في العالم كله رأوه لأنَّه طول الليل بقي القمر مُنشق، ثم رَده سبحانه وتعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر:1].
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يا جماعة ما الذي يؤخِّركم عن الإيمان؟ ما الذي يُخَلِّفكم عن أن تؤمنوا بهذا الإله؟ والدلائل الواضحة والحجج والبراهين قائمة! (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) كلامٌ هش ليس له معنى من مُلحدين وغيرهم، يَقولونه وكل ما حواليهم يكذِّبهم، وهم يكذِّبون أنفسهم بأنفسهم -الله أكبر-، حتى هذا الذي يدعو للإلحاد، لو تعِد حتى في كلامه كم مرات في اليوم يقول: والله! هو يقول، وأنت تقول لا يوجد إله! يدَّعي الإلحاد ولكن يقول: والله! والله! فطرته تكذِّبه، ولسانه يكذِّبه، ولا يوجد عنده دليل! والأدلة قائمة على وجوده وعظمته وقدرته، وتَسييره للكون -سبحانه وتعالى-.
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ورسوله صادق، ما جَربتم عليه كذِب في صِباه ولا في شبابه، لمَّا وصل الأربعين وقال لكم أنا نبي، تقولون كذَّاب؟ ما قد كذِب -الله أكبر-، وأنتم تقولون: ما كذب محمد قَطُّ! حتى كفارهم، هذا المُشرِك الذي استمر على العناد في الشرك، ويقول إنَّه يريد يقتل النبي، ويقول: أخبروا محمدا أنَّ عندي فرس أعلِفُه كل يوم، فَرق من الشعير لأقتله عليه! قال لهم ﷺ لما بَلَّغوه تكرير الكلام هذا، قال: بل أنا قاتله إن شاء الله، وعدَّت سنوات، وجاء في أُحد وعلى نفس هذا الفرس الذي يَعلِفه، بعد أن انتهت المعركة -أين محمد؟ لانجوت إن نجا منّا!- لمَّا أقبل قام له جماعة من الصحابة، فقال لهم النبي: دَعوه.
ركِب على فرسه قال: ناولوني إياه، لم يجد إلا حَربة حتى أنَّه لايوجد معه سيف، أخذها وأقبل نحوه فدقَّه بها، فوقع على الأرض يصيح، يصيح، أصحابه المشركين أخذوه، ويتعجَّبون من صياحه لا يوجد أثر قوي، لماذا يصيح؟ قالوا له: مالك يا أُبيّ بن خلف؟ ماذا بك؟ هذا الصياح والبكاء على ماذا؟ هذه الطعنة لو كانت في عيني ماشعرت بها! قال لهم: لا! هذه لو وقعت على جبل لدكَّته! أما قال إنه قاتلي؟ والله ما كذب محمد قطّ! فلماذا تُقاتِله وأنت تعرف أنَّه ما كذب؟ قال: والله ما كذب محمد! -هو يقول وهو قريب موته-.
هكذا الإنسان! (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس:17]، قال أُبيّ: لو بصق علي لقتلني، هو يقول لهم، هذا لو على جبل لاندك، أما قال إنَّه قاتلي؟ والله ما كذب محمد قط! أنت تدري أنَّه لا يكذب! لماذا تكذِّبه؟ لماذا تُعانِده؟ أنت تريد تقتله! -أعوذ بالله من غضب الله-، لكن هكذا الناس (وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة:41].
يقول: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) مُستخلفين في الأعمار، مُستخلفين في الأرزاق، مُستخلفين في أنواع القوى التي أعطاكم، قال أنفقوا منها؛ لأنها ليست لكم أصلًا، أنتم مُحدَثون، وهي مُحدَثَة ومُسلَّمة لكم من قِبَل المَالك الحقيقي، فأنتم في مجاز مُلكِكُم مُستَخلَفون فيه، ويَخلُفكُم فيه غيركم، معك أي قوى سَيَخلُفَك غيرك فيها؛ سمعك وبصرك ومالك، غيرك معه مثله، مالك هو نفسه سيأخذه غيرك بعد ذلك، كما أنت استَخلَفت مِن غَيرك، وغيرك يَستَخلِف مِنك، فأنتم مُستَخلَفون فقط، لكن المُلك لواحد، لواحد، المُلك لواحد.
(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم) فما دُمت مُستَخلَف في مدة الخلافة التي استَخلِفك فيها وأعطاك الفرصة، أنفق! لأنَّه هذه الفرصة الوحيدة معك، يُعِدُّك سبحانه وتعالى معطٍ ومنفق، وكله مجاز، لكنه يُرَتِّب عليه أجور ودرجات في مدة الإستِخلاف هذه، وبعدها تذهب ولا عاد تقدر على شيء، وإن كان مالك مُلكٌ حقيقي، لكن هذا الملك المجازي.
(وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) الحمد لله.
اللهم ارزقنا كمال الإيمان، وحسن الإنفاق في سبيلك، أموالنا وقوانا وقُدراتنا وأنفسنا، ارزقنا إنفاقها لك ومن أجلك، تشريفًا منك لنا وتكريمًا وإكرامًا وفضلًا وإحسانًا، واقبَل ذلك، يا الله!
إذا قَبِلَ حتى أبسط حاجة، يُنمِّيها ويكبِّرها، قال سيدنا علي: إنَّه لا يَقِلُّ عملٌ مع قبول، "إن الله لَيُرَبي لأحدكم صدقته كما يُرَبي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى تكون التمرة كجبل أُحُد" هي تمرة كما هذه؛ صغيرة يُكَبِّرها، يعطيك عطاء!!! لا إله إلا الله.
اللهم اقبلنا وارزقنا كمال الإيمان، وارزقنا كمال حُسن الإنفاق في سبيلك، يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
وأنفقوا في الوقت، خصوصًا في ليالي العشر وأيام العشر، أنفقوها له:
دعْ هذا الشعور يملأ قلبك، وأنفق ساعات العشر، وفي هذا تخرج بحلاوة لا يوجد مِثلها في نعيم الدنيا، هذه الحلاوة إذا أدركتها تلحقك حتى عند الموت وفي البرزخ، ولك أن تستثمر هذه الحلاوة إلى الأبد، ولا شيء أحلى من معرفة الله، ولا شيء ألذُ من الصلاح، أصلحنا واجعلنا صالحين، وأصلح شؤوننا والمسلمين، ورَقِّنا إلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
21 رَمضان 1442