تفسير سورة الحديد -5- من قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ..)، الآية: 10

تفسير سورة الحديد، من قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ}، الآية: 10
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، الآية: 10، إلى قوله تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}، الآية: 11

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • فضل الإنفاق وأنواع الزكاة:
    • فضل الإنفاق وأنواع الزكاة.
    • زكاة الفطر وأحكامها.
    • مراتب الإنفاق ووجوه الصدقات.
  • التفاوت في فضل الإنفاق والجهاد وحقيقة الصدق:
    • فضل الإنفاق قبل الفتح والفرق في الدرجات.
    • صدق سيدنا أبي بكر الصديق في إنفاقه
    • الوعد بالحسنى للسابقين.
  • حقيقة القرض الحسن وعظيم الثواب:
    • إسلام كعب بن زهير وقصة البردة.
    • تزكية النفوس وحسن السياسة النبوية.
    • القرض الحسن وقصة أبي الدحداح.

نص الدرس:

فإنَّنا في نعمة مِنَّة الله علينا بتدبُّر آياته، مررنا على أوائل آيات سورة الحديد، ومررنا على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: 

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ؛ في نُصرته ونُصرة دينه والجهاد في سبيله، وفي عموم ما أحب مِنكم الإنفاق فيه من سُبل الخير، فكلها سبيل الحق -جلَّ جلاله-.

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وأعلى النفقات في ذلك ما أوجب وفرض من الزكوات، ومنها زكاة الأموال وهي:

  • زكاة التجارة.
  • وزكاة المعدن من الذهب والفضة لمن استخرجها بعلاج.
  • وزكاة الرِكاز وهو: ما وُجد من دفين الجاهلية من الذهب والفضة.
  • وزكاة الحُبوب وهي: 
    • عند جماعة من أهل العلم: ما يُقتات في حالة الاختيار مثل البُرِّ والذرة والأرز، وما يقتاته الآدميون في حالة الاختيار.
    • وعند الإمام أبي حنيفة: كل ما أنبتته الأرض من أنواع الحُبوب، وكذلك الثمار. 
    • وهي عند أكثر أهل العلم: ثمرُ النخيل والعنب -التمرُ والعنب- هو الذي يُلزم فيه الزكاة، كل ذلك إذا بلغ خمسة أوْسُق عند أكثر العلماء.
    • وقال الإمام أبو حنيفة: قلَّ أو كثُر؛ ما خرج من الأرض وجب إخراج زكاته لقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام:141]. 

هذا فيما يتعلَّق بالمال.

  • وكل نقد من ذهب أو فضة؛ مضت عليه سنة يجب إخراجه رُبع عُشره.
  • وزكاة الرِكاز خُمُس.
  • و زكاة الحُبوب والثمار: 
    • العُشر إن سُقيت بغير مؤونة، إن كان سقيها بماء السحاب والمطر والأنهار ونحوها.
    • ونصف العُشر إن سُقيت بمؤونة وتكلُّف 

هذا في الأموال.

وبقي في الأبدان وهي: الزكاة المُتعلِّقة بصومِنا في رمضان..

  • تَلزم بخُروج رمضان ومجيء شوال على كل من أدرك جزءًا من رمضان وجزءًا من شوال.
  • تلزَم المسلم البالغ العاقل عن نفسه، وعمَّن تجب عليه نفقاته من:
    • مثل الأب والأم، إذا كانا غير غنيين فينفق عليهم الابن، فيجب عليه إخراج الزكاة عنهما زكاة الفِطر. 
    • ومثل الزوجة، ومثل الأبناء والبنات: الأبناء الذين لم يبلغوا، أو بلغ أحدٌ منهم وهو غير قادر على الكسب وفقير. 
    • فقير وغير قادر على الكسب فتلزم أباه نفقته، فعليه أن يُخرِج عنه زكاة الفطر.
  • أمَّا إذا بلغ الولد وهو قادر على الكسب وإن كان أبوه يُنفق عليه: 
    • فعليه أن يُخرِج الزكاة عن نفسه. 
    • أو يُوكِّل أباه أن يخرج عنه الزكاة. 
    • أو يُملِّكهُ أبوه قِسطه ونصيبه من الزكاة؛ فينوِيها الولد عن نفسه. 

صاعًا من بر، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير؛ هذا ما عليه جماهير العلماء، وأمَّا إخراج مُقابل ذلك من قيمته نقدًا:

  • فقال: بصحته الإمام أبو حنيفة وبعض الأئمة.
  • وقال أكثر الأئمة إنَّما: 
    • يجب أن يخرجه من طعام أهل البلد -من قوت أهل البلد-، ويُسلِّهمه للفقراء.
    • يجب أن يُخرَج قبل غروب الشمس يوم العيد، ويُحرم تأخِيره عن غروب الشمس.
    • ويُكره تأخيره عن صلاة العيد، فالأوْلى أن يخرجه قبل صلاة العيد. 
    • وأفضل أوقاته ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد.
    • ويجوز أن يتقدَّم به قبل العيد بيوم أو يومين عند كثير من أهل العلم.
  • وقال الشافعية: يجوز أن يُقدِّم زكاة الفطر من أول رمضان، والشرط أن يأتِ يوم العيد، ومَن أعطاهم الزكاة أحياء، أهلٌ للزكاة. 

فهذا أول الإنفاق وهو فرض، والإنفاق الفرض أفضل من غيره.

ثم يأتي بعد ذلك مراتب في الإنفاق:

  1. وهو ما يُنفق عند نائبة تنوب المسلمين -كارثة تحل بهم، أو شدة-:
    •  فهو يقرب من الفرض وإن كان فرض كفاية.
    •  فإخراج المال في ذلك من أقرب الصدقات إلى الحق -جلَّ جلاله-.
  2. ثم ما يكون من قِرى الضيف.
  3. ثم ما يكون من الإنفاق فيه مصلحة في الدين: 
    • كتفْريغ طالِب عِلم لأخذ علوم الشريعة.
    • أو إنفاق على مُعلِّم ليتفرَّغ للتعليم.

كذلك مِن أفضل الصدقات وهي داخلة في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وصحبه وسلم: "مَن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"،

  1. ثم ما كان من النفقة على ذي الرحم؛ فإنها صدقة وصِلة، فيتضاعف أجرها.
  2. ثم على الجار، ثم الأحوج فالأحْوج، والأقرب الأقرب من المسلمين.

وكلما كان الإنفاق: 

  • على وجه الإخلاص لوجه الحق بغير مَنٍّ، ولا أذى، ولا شهودِ فضلٍ له على من يُعطيهم.
  • فإنَّه يبلُغ الحال بالذي يمُن بالصدقة أن يُحبَطَ ثوابُه كله، ثم يُكتب عليه إثم المنِّ بالصدقة، حتى قد يصل إلى الذين لا يُكلِّمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم يوم القيامة؛ المنان بالصدقة.

 قال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ) -مسامحة- (خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ) [البقرة:262- 264]؛ ففيه أنه تُبطُلُ الصدقة وقد يكتسب إثمًا وراء ذلك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فالمنُّ لله.

قال النبي لسادتنا الأنصار: "قولوا جئتنا وحيدًا فآويناك، وجئتنا فقيرًا فواسيناك"، قالوا: المنُّ لله ولرسوله -لا- ما لنا مَنْ، الفضل والإحسان لله ولرسوله ليس لنا، الله أكرمنا بذلك وأنَعم علينا ووفَّقنا، فالفضل له وللرسول؛ لأنه سبب نيلنا لهذا الخير الجزيل -المَنُّ لله ولرسوله- الحمد لله. 

فهكذا.. وحتى تتعشَّق النفوس المُزكَّاة والقلوب الطاهرة الإنفاق في سبيل الله، وقال سادتنا الأكابر من الأنصار: خُذ من أموالنا ما شئت واترك ما تشاء، والذي تأخذ أحب إلينا، الذي تأخذ أحب إلينا من الذي تترك -عليهم رضوان الله-.

وهكذا يقول -جلَّ جلاله-: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا)، فإنفاق وإنفاق، وقِتال وقِتال؛ ولكن هذا لا يساوي هذا! إنفاقٌ وإنفاق، إنفاق لا يساوي هذا الإنفاق، قِتال لا يساوي هذا القِتال!

كلهم قاتلوا، وكلهم أنفقوا؛ لكن الدرجة اختلفت؛ فهؤلاء الذين كانوا قبل الفتح دخلوا في وقت الشِّدَّة، ووقت الحاجة، ووقت ما كان لرسول الله  أتباع إلاَّ قليل، وأكثرهم مُستضعفون تحت ضُغوط أنظمة الأعراف والقبائل والسلطات القائمة في ذلك الوقت، فما هناك للنفس شهوة، ولا رغبة في هذه التبعية، إلاَّ إيمانًا خالصًا صادقًا.

فهؤلاء الذين دخلوا في تلك المُدَّة، لا يساويهم مَن جاء من بعد، وإن أنفق وإن قاتل (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ..(10)).

(وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ) أي الجزاء الجميل؛ وأعلاهُ الجنة، الحسنى؛ الجنة، وعدهم الجنة، فالذين قبل الفتح، والذين بعد الفتح كلهم وعَدَهم الله الجنة؛ لكن هل درجات الجنة واحدة؟!

مُتفاوتة؛ فهؤلاء أفضل من هؤلاء، وهؤلاء أفضل: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ).

إذًا فالنفقات تختلِف وقت الشِّدَّة، ووقت الحاجة، ولهذا ذكر ﷺ في أوجهِ أفضليةِ الصدقة:

  •  قال: "أن تتصدق وأنت مُقِلّ شحيح تخاف الفقر، وتأمل الغنى" وتُخرِج -من مالك- في هذه الحالة. 
  • وفي التفاوت بين الإنفاق قال: "سبق درهم مائة ألف درهم": 
    • واحد تصدَّق بدرهم، وواحد تصدَّق بمائة ألف، صاحب الدرهم سبق صاحب المائة الألف. 

ومِن أوجه التفضيل: 

  • أن صاحب الدرهم كان ذلك كُل ماله، أو ثلثي ماله، أو نصف ما يملك.
  • وصاحب المائة الألف عنده مئات الألوف كثير. 

وهذا يعظُم ثوابه؛

  •  وإذا كان أخلص.
  • وإذا كان وقع في حاجة أهم أو أشد فيها نفع للمسلمين.
  • أو كان وقعت في يدِ محبوب عند الرَّب.

تعظُم ثوابها وأجرها، لهذا لا يصل أحد في النفقات ثواب السابقين الأولين من المُهاجرين والأنصار، وأنفقوا تحت نظر مَن؟ وعلى يد مَن، وعلى مَن؟

وبهذه الآية نعرف فضل أولئك السابقين، وكان مِن أجلِّهم وألصقِهم بمعنى الآية سيدنا أبوبكر الصديق؛ كان له تسعة دكاكين في مكة كلها أنفقها، فلم يهاجر إلى المدينة مع رسول الله ﷺ إلاَّ ولم يكن له دُكان، كلها أنفقها، حتى جاء في حديث بسند ضعيف أنه كان جالسًا مرّة عند النبي ﷺ عليه عباءة قد خلّلها بخِلال:

  • فجاء جبريل عند الرسول ﷺ يقول: ما بال أبي بكر عليه عباءة ربطها بخِلال؟
  • قال: أنفق ماله عليَّ قبل الفتح.
  • قال له: أقرؤه السلام من الله ومني، إقْرِؤهُ السلام، وقل له إنَّ ربك يقول: أراضٍ أنت عنِّي في فقرك هذا أم ساخط؟

فالتفت ﷺ إلى سيدنا أبي بكر يقول: هذا جبريل يُقرِئك السلام من الله ويقول لك: أراضٍ أنت عنه في فقرك هذا أم ساخط؟ قال: أعَلى ربي أسخط؟! أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ، وفيه نزلتْ الآية، لما ذكر الله النار قال: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ) [الليل:17-21].

آخر شيء كان وسط بيته دراهم يضعها -في كوَّة- يضع الدراهم فيها، من أيام تجارته، يضع الدراهم في هذه الكوَّة، فلمَّا أراد أن يُهاجر مع النبي ﷺ أخذ الدراهم ومشى. 

جاء أبوه وقد عمِيَ بعد أن بلغه خبر الهجرة، وأن أبابكر هاجر مع النبي ﷺ، -قبل أن يُسلم أبوه- جاء إلى عند بناته يقول: ما أرى أبا بكر إلاَّ قد فجعكم بنفسه وماله! بنفسه ذهب مع محمد لا ندرى أين، ولا كيف حالهم؛ الآن الدولة تبحث عنهم في كل محل، نشرت العيون، وماله لم يترك شيء سياخذه مع محمد -يعرف محبَّته للنبي محمد-، وأرادت أسماء بنت أبي بكر هذه ذات النطاقين أن تُسكِّن النفس المُضطرِبة لهذا الشيخ، وهو لا يزال كافرا.

 جاءت بمجموعة مِن الحجر وضعتها في الكوَّة التي كان يضع أبوبكر فيها نقوده -الدنانير- وغطتها بالكساء وقالت له: انظر، لقد ترك لنا شيء، هات -قرَّبت يده عندها- قِال: إذا ترك لكم مثل هذا فلا بأس، فعليه أن يذهب، وهو لم يترك لهم شيء! ولكن ترك لهم أعظم شيء.

حتى في المدينة هناك في أيام غزوة العُسرة إلى تبوك جاء بماله كله وأخْرجه. قال: ما تركت لأهلك وولدك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، تركت لهم الله ورسوله! ماالذي ترك هذا، أعظم من الذي أخذ! -سبحان الله- وسمعه النبي وأقرَّه، ولم يقل له: أنا سأخرج معك، كيف تركتنا لهم؟ أنا سأخرج معك سأذهب تبوك كيف تركتنا لأولادك؟! -تركت لهم الله ورسوله-

وأبوبكر يُعبِّر عن مكانة محمد عند الرَّب والرعاية التي تحصل لأولاده ببركة محمد بالإنفاق عليه، فأقرَّهُ على ذلك، وهذه عقيدتهم، إلاَّ إن كانوا هم صوفية فليكونوا كذلك، فلنكن مثلهم إذًا هذا هو عقيدتهم "تركت لهم الله ورسوله" النبي سمِع، وإذًا النبي على نفس العقيدة، أو ماذا؟! على نفس العقيدة ﷺ، وهو قدوتنا في كل شيء، هذا الإنفاق العجيب.

  • وأما بعد صُلح الحديبية، ظهرت الدلائل وتوضَّحت وسَهُل الإسلام، لا أحد يؤذيك، لا أحد يضرُّك.
  • أما بعد فتح مكة، فأنت مضطَّر تأتي، وأنت نفسك تقول لك: انقذ نفسك، كيف تبقى خارج عن النِطاق والمسار العام للناس، ادخل.

فما فضْلهم مثل فضل الأولين، أيام كانوا يَرمون بالحجارة، ويُضربون ويُؤذون ويُقتلون، ويُحمَّى ظهورُهم في بطحاء مكة الحارة -لا إله إلاَّ الله- صبروا صدقوا هؤلاء أعلى-أعلى الأمة وأرفع درجة في الأمة، رضي الله عنهم، وحشرنا في زمرتهم.

(لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ)، قيل أنه: فتْح مكة، وقيل: بل صُلح الحديبية؛ لأنه هو الفتح، ويشهد له الحديث، حتى قيل له لما نزلت آيات الفتح (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، إنها لم تنزل بعد فتح مكة، بل نزلت بعد صُلح الحديبية  (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ) [الفتح:1-2].

حتى سُئل : أفتحٌ هو؟ قال: أجل، إنَّه فتح عظيم. فعلِموا، وإذا بالناس دخلوا في الإسلام، مرّت ثمانية عشر سنة ما دخل في الإسلام مثلما دخل في السنتين هذه، ثمانية عشر سنة راحت قبل، فدخل في هاتين السنتين أكثر ممن دخل في الثمانية عشرة السنة الماضية كلها، وانتشر دين الله -تبارك وتعالى-، ثم جاء فتح مكة.

حتى كعب ابن زهير تأخَّر إسلامه، وسبقه أخوه إلى الحبيب ﷺ وهاجر، ثم صار يُرسل إليه الرسائل يلوم أخاه ويُعاتبه في قصائد له، وفي بعض قصائده يقول له ويذكر هيامه، ورآه النبي محمد يقول: 

سقاك بها المأمونُ كأْسًا رَوِيَّةً

 وهو مازال كافر، ولكنه قال: هذا المأمون سقاك كأسه، يعني:- أخذ عقلك وذهب وتركك، فلما قُرِئت القصيدة على النبي، وفيها هجْوة للنبي عليه السلام؛ لكنه قرَّر بيت الشِعر، قال: إني لأمين في الأرض، أمينٌ في السماء.

قال: هل قال سقاك بها المأمون؟ قال: نعم. 

سقاك بها المأمون كأْسًا رَوِيَّةً 

ونعم المأمون -صلى الله عليه وصحبه وسلم- حتى في أيام الكفر شهِد له بأنه المأمون، ثم جاء الفتح ودخلت القبائل، كلما جاء عند قبيلة وجدهم قد دخلوا للإسلام، وصار يتوارى بنفسه هنا وهناك، وهو معروفا أنه هجاه وتكلَّم على الإسلام، وتكلَّم على النبي، حتى أهدر النبي دمه؛ مَن لقي كعبَ ابنَ زهيرٍ فليقتُله، وأخذ يذهب هنا وهنا، رأى أن لا طريق للقبائل إلا وراء الإسلام، فقد دخلوا في دين الله، ويذهب إلى أين؟! لم يجد مكانا سوى المدينة، ودخل الى المسجد، وجاء بعد صلاة الصبح، صافح النبي محمد وألقى قصيدته:

بانت سعادُ فقلبي اليوم متبولُ *** متيَّمٌ إثرَها لم يُفْدَ مكبولُ

ويُلقي الأبيات حتى وصل قوله:

إن الرسولَ لنورٌ يُستضاءُ به *** مهندٌ مِن سيوف الهندِ مسلولُ

كان يُضرب بها المثل سيوف الهند؛ تأتي حديدة قوية من الهند يعملون بها السيوف قوية حادة، قال النبي: "بل من سيوف الله". فردَّ البيت:

إن الرسولَ لنورٌ يُستضاءُ به *** مهندٌ من سيوف اللهِ مسلولُ

حمل بُردته الشريفة وكساهُ إياها، تحوَّل مِن مُهْدر دم إلى مُتْحَف مُكْرَم بالبردة الشريفة.

حتى بعد ذلك، قال له: مَن أنت؟ قال: كعب ابن زهير. قال بعض الأنصار: نقْتله يارسول الله؟ قال: لا سبيل إلى قتله.

لهذا عرَّض بمدح المُهاجرين، وسكت عن الأنصار بعد ما أسلم ودخل الإيمان في قلبه كثير، قال له: "لو أثنيت على الأنصار فإنهم أهلٌ لذلك"؛ يقول ﷺ؛ فعمل أبيات يمدح الأنصار فيها، وهو أخذ موقف لمّا قالوا له: سنقتله، وهكذا مُراعاة النفوس حتى تتهذَّب وتتصفَّى؛ لأن النفوس في غيها مشكلة من المشاكل.

لما كان في غزوة المريسيع، ﷺ، وهذا تكلَّم -رأس المنافقين- وقال: (لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) [المنافقون:8]، وبلغ الخبر إلى النبي، وحلف -رأس المنافقين- وقال: ما قُلت، ونزل القرآن وفضحه، وجاء سيدنا عمر قال: دعني أقتله يا رسول الله. قال له: لا. 

  • جاء لهُ ولده عبدالله بن عبدالله بن أُبي قال: يا رسول الله، إن أردتَ أحد يقتل أبي فمُرني فأنا أقتله، فإني أخشى الكفر في الإسلام، أخشى إذا قتَلهُ غيري، فرأيتُ قاتل أبي أن لا أطيق ذلك فأكفُر وأنا مسلم. قال له: "بل نُحسن صحبتهُ ما دام بيننا".

مرَّ وقت، وسيدنا النبي جلس يوم مع سيدنا عمر قال: ياعمر، أرأيت في ذاك اليوم لو مكَّنتُك من قتل عبد الله، كانت تقوم له أنوف، وناس بحَمِيَّة سيغضبون.

  • قال: الآن لو أمرتُ أحدهم أن يقتله لقتله الآن -الآن هم سيقتلونه- قال له: الله ورسوله أعلم يا رسول الله. إن كان بعقلي وفكري؛ لكن أنت أعلم بالحقيقة وقام وراءه.
  • قال: انظر تلك الأيام، لو قلتُ لك ومكَّنتُك، الآن الذين كانوا سيثورون مِن أجله هم بأنفسهم اطمأنَّوا بالإيمان، لو أمرناهم هم سيقتلونه بأنفسهم بدل أن يثوروا ويغضبوا لقتْله.

تصلَّحت نفوسهم!، وكيف هم مع خير مُزكِّي، خرَّج أهواءهم، و ضِحك إبليس عليهم فنَقتْ وصَفَتْ، وأشرق النور الخالص فيها، فأدركوا الحق كما هو، فأحبوا الله وأحبهم الله، -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

يقول: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً) يعني الآخرين في درجة عظيمة؛ لكن هؤلاء أعظم:

  • (أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا) حتى لا يُفهم ذَمَّ الآخرين، ما قال: أولئك عظُمت، بل (أَعْظَمُ) معناه الآخرين عُظماء، لكن هؤلاء أعظم.
  • وأكد ذلك حتى لا يُفهم أنه الحطْ من قدْر الآخرين، قال: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ)، فإذًا القوم معهم وعد منشور في القرآن، بالحسنى. 

فمن أراد أن يتكلَّم، يرفع رأسه، ونقول له؛ إذهب إبحث لك وعد بالحسنى، ونحن لا ندري بك أنت أين، ولا ندري مصيرك إلى أين، أما هؤلاء معهم منشور وسط القرآن، ماذا نقبل منك من كلام عليهم؟!

سنقبل منهم عليك، ولن نقبل مِنك عليهم؛ لأن الله نشر لهم منشور في القرآن أنه وعدَهم الحسنى، وقل لي أنت مَن وعدك؟ هل معك وعد مِن أحد؟

لا ندري أين تروح، و أين تصير؟

  • اسكُت، لا تتكلم، تتطاول على قوم، الرحمن في قرآنه أعطاهم الوعد، وأنت تظن أنه سيخلف وعده، أم ماذا؟!
  • (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [ال عمران:9]، فدعنا نبحث لنفسي ولنفسك طريق، لا ندري ما يكون مصيرنا ومآلنا، ليس معنا وعد.

 لا إله إلاَّ الله، اجعل مآلنا خيرًا، وألحقنا بالأخيار يا كريم يا غفَّار.

 (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ) الجنَّة:

  • إما الجنة بخصوصها. 
  • أو الحسنى الجزاء الحسن، وأعلاه الجنة.

 كله حُسن وكرامة، لكن نهايتها الجنة:

  • كما قال في الآية الأخرى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ) [الليل:5-6]، أي الجزاء الحسن في الجنة نفس المعنى.

(وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10))، أعلَمَ بعملكم منكم ..الله لا إله إلاَّ هو..، فلنقْصد وجهه: 

  • فإن أيسر عمل أخلصْنا فيه، وهو قَبِِله، فهو عظيم عظيم عظيم. 
  • وأكثر عمل لم يقبله منَّا ولم نخلص فيه لوجهه فهو حقير حقير حقير ليس بشىء.

 فإنما تكتسب أعمالنا العظمة، إذا قَبِلها العظيم، إذا العظيم قَبِلها؛ تكتسِب عظمة، من دون أن يقبلها هو، فمَن أنت ومَا عملك؟! ماذا تساوي؟؛ لكن العظيم إذا قَبِل صار المقبول عظيمًا. اللهم اقبلنا، ياربنا اقبلنا في شهرنا رمضان، (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).

 

تفسير قوله تعالى: ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))

وعرض الحق البِساط قال: أنا أعطيكم فرصة، خلقي ومُلكي، ولا تملكون إلاَّ ما استخلفتكم؛ لكن سأُسمِّيكم مُقرضين، هل تقرضونا؟ بهذا الذي أعطيتكم مِن مُلكي؟! فقط أُخلصوا لوجهي، وأنفقوا فيما أحببتُ منكم، سأعطيكم مكان القارِضين، وأنا سأُجازي -أُكافّىء-.

 (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، ..الله أكبر.. إغراء عظيم من صاحب المُلك، صاحب المُلك الحق قال: ستُقرضنا؟ أنت الغني الكريم المَلِك، كيف؟

  • بهذا الذي أعطيتك؛ أقْرضنا، أنفق في سبيلي مِن أجلي، وسأُسمِّيك أقرضتنا، وسأُكافئك -أُضاعفه لك-، وأعطيك أجر كريم. ..الله الله الله.. وفي الآية الأخرى: (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة:245].
  •  (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) ..الله أكبر.. ما أكرمه، أجر من عند الكريم ينال به ذُرى الكرامة الأبدية!

 (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، ونزلت الآية، وجاء سيدنا أبو الدحداح عند الحبيب ﷺ قال: يا رسول الله، أوَ الله يقترض مِنَّا؟

 قال: أعز بئر لي - وقد كان له بئر- قال؛ هي في سبيل الله؛ أنا أنفقتها، أقْرضتها ربي. فيها ستمائة نخلة، من أحسن النخل -في ذاك الوقت ثروة كبيرة- راح ينادي: يا أم الدحداح، أخرجي.. أخرجي فقد أقرضتُ ربي هذه المزرعة والبئر - الآن هي ليست لنا-. قالت له: ربح بيعُك. المرأة الصالحة قالت: ربح بيعك.

وفي رواية؛ جاء ووجد بعض الأطفال أخذ تمرة، قال: لا، ليست ملكنا؛ أخرجَها منه -اتركها- وأخرجهم من البئر، وقال : "كم من عِذْقٍ رحراح لأبي الدحداح في الجنة!"، وجاءت ألفاظ أخرى، يُبشره بأماكن في الجنة، مقابل هذه النفقة التي أنفقها، فهنيئًا له..الله أكبر..

(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، مُخلص لوجه الله، طيِّبة نفسه، غير ممتن، ومشاهد الفضل لله والمِنَّة، ينفقها فيما أحب الله.

(فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ(11))، مِن غير هذه المضاعَفة، هي من عند الكريم مُباشرة، يفتح له باب عطاء، هم في الدنيا يفتحون لك رقم حساب في المصرف! هذا يفتح لك باب عطاء، وأنت رقم الحساب إن وضعت شيء فيه، أما هذا فمن دون أن تضع فيه، هو يُفتَح ويعطيك! هو يعطيك مباشرة من دون ما تضع شيء أنت، أما في رقم الحساب إن وضعت شيء حسبوه، وإن لا؛ فهو رقم فاضي يقولون لك، لكن ربي يفتح لك باب عطاء من دون أن تعمل يعطي، يعطي، يعطي، (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) -سبحانه-.

وهذه الحقائق تبرز في ذاك اليوم: 

  • (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) اجعلنا يا ربًِ منهم وفي خواصِهم يارب. 
  • (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))، ويأتي تفسير ذلك معنا إن شاء الله تبارك وتعالى.

والله يجعل هذا المآل الحسن لمن فقدناهم في أيامنا، ولمن قُتلوا الليلة بهدمٍ  لهذه السيول التي مرت وهم أفرادٌ الله يجعلها لهم شهادة، ويكتب لهم السعادة: 

  • وإن الميت بهدمٍ في الحديث؛ من شهداء الأمة "ما تَعُدُّونَ الشَّهيدَ فيكُم؟" قالوا: مَن قُتِل في سبيلِ اللهِ فهو شهيدٌ.
  •  قال: "إذن شهداء أمتي قليل". قالوا: من الشهيد؟
  • قال: "المبطون شهيد، والميت بالطاعون شهيد، والميت بهدمٍ شهيد، والميت بغرقٍ شهيد"، وذكَر عدد الشهداء. 
  • وفي الرواية قال: "أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش"، يموتون على فرشهم؛ ولكنهم شهداء أكثر من الذين هم شهداء وقُتلوا في المعارك..لا إله إلاَّ الله..

ويلطف الله بنا وبالأُمة، ويُسقينا غيث الهناء والرحمة واللطف، ويبارك لنا في العشر الأواخر، وجوده المتواتر ومنّه الغامر وفضله الكبير في الباطن وفي الظاهر، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

أيام لها ذوق ولها طعم ولها رائحة زكية، وفيها خِلع، وتُنصب فيها درجات وسلالم يرتقي عليها أرباب الإقبال الصادق، على الإله الخالق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. يا ما أحسنها ويا ما أطيبها، ويا ليتها لا تنقضي؛ ولكن لا بد من انقضائها إلاَّ أن المحصول للصادقين فيها غير منقضي، يحصلون ما لا ينقضي وما لا ينتهي،(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]. 

فتعرَّضوا للنفحات الكثيرة، في هذه الأيام والليالي الزاهيات النويرة، جعلنا الله من الفائزين بعطاياه الوفيرة، وأصلح شؤوننا الباطنة والظاهرة، وتولانا بما هو أهله في الدنيا والآخرة، فرِّج كروب المسلمين، وادفع البلاء عنا وعن جميع المؤمنين، وألهمنا الرشد، وتمِّم لنا السُعد، واختم لنا بأكمل الحسنى وهو راض عنا.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

24 رَمضان 1442

تاريخ النشر الميلادي

05 مايو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام