(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، الآية: 10، إلى قوله تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}، الآية: 11
﷽
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))
فإنَّنا في نعمة مِنَّة الله علينا بتدبُّر آياته، مررنا على أوائل آيات سورة الحديد، ومررنا على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-:
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ؛ في نُصرته ونُصرة دينه والجهاد في سبيله، وفي عموم ما أحب مِنكم الإنفاق فيه من سُبل الخير، فكلها سبيل الحق -جلَّ جلاله-.
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وأعلى النفقات في ذلك ما أوجب وفرض من الزكوات، ومنها زكاة الأموال وهي:
هذا فيما يتعلَّق بالمال.
هذا في الأموال.
وبقي في الأبدان وهي: الزكاة المُتعلِّقة بصومِنا في رمضان..
صاعًا من بر، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير؛ هذا ما عليه جماهير العلماء، وأمَّا إخراج مُقابل ذلك من قيمته نقدًا:
فهذا أول الإنفاق وهو فرض، والإنفاق الفرض أفضل من غيره.
ثم يأتي بعد ذلك مراتب في الإنفاق:
كذلك مِن أفضل الصدقات وهي داخلة في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وصحبه وسلم: "مَن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"،
وكلما كان الإنفاق:
قال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ) -مسامحة- (خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ) [البقرة:262- 264]؛ ففيه أنه تُبطُلُ الصدقة وقد يكتسب إثمًا وراء ذلك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، فالمنُّ لله.
قال النبي لسادتنا الأنصار: "قولوا جئتنا وحيدًا فآويناك، وجئتنا فقيرًا فواسيناك"، قالوا: المنُّ لله ولرسوله -لا- ما لنا مَنْ، الفضل والإحسان لله ولرسوله ليس لنا، الله أكرمنا بذلك وأنَعم علينا ووفَّقنا، فالفضل له وللرسول؛ لأنه سبب نيلنا لهذا الخير الجزيل -المَنُّ لله ولرسوله- الحمد لله.
فهكذا.. وحتى تتعشَّق النفوس المُزكَّاة والقلوب الطاهرة الإنفاق في سبيل الله، وقال سادتنا الأكابر من الأنصار: خُذ من أموالنا ما شئت واترك ما تشاء، والذي تأخذ أحب إلينا، الذي تأخذ أحب إلينا من الذي تترك -عليهم رضوان الله-.
وهكذا يقول -جلَّ جلاله-: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا)، فإنفاق وإنفاق، وقِتال وقِتال؛ ولكن هذا لا يساوي هذا! إنفاقٌ وإنفاق، إنفاق لا يساوي هذا الإنفاق، قِتال لا يساوي هذا القِتال!
كلهم قاتلوا، وكلهم أنفقوا؛ لكن الدرجة اختلفت؛ فهؤلاء الذين كانوا قبل الفتح دخلوا في وقت الشِّدَّة، ووقت الحاجة، ووقت ما كان لرسول الله ﷺ أتباع إلاَّ قليل، وأكثرهم مُستضعفون تحت ضُغوط أنظمة الأعراف والقبائل والسلطات القائمة في ذلك الوقت، فما هناك للنفس شهوة، ولا رغبة في هذه التبعية، إلاَّ إيمانًا خالصًا صادقًا.
فهؤلاء الذين دخلوا في تلك المُدَّة، لا يساويهم مَن جاء من بعد، وإن أنفق وإن قاتل (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ..(10)).
(وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ) أي الجزاء الجميل؛ وأعلاهُ الجنة، الحسنى؛ الجنة، وعدهم الجنة، فالذين قبل الفتح، والذين بعد الفتح كلهم وعَدَهم الله الجنة؛ لكن هل درجات الجنة واحدة؟!
مُتفاوتة؛ فهؤلاء أفضل من هؤلاء، وهؤلاء أفضل: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ).
إذًا فالنفقات تختلِف وقت الشِّدَّة، ووقت الحاجة، ولهذا ذكر ﷺ في أوجهِ أفضليةِ الصدقة:
ومِن أوجه التفضيل:
وهذا يعظُم ثوابه؛
تعظُم ثوابها وأجرها، لهذا لا يصل أحد في النفقات ثواب السابقين الأولين من المُهاجرين والأنصار، وأنفقوا تحت نظر مَن؟ وعلى يد مَن، وعلى مَن؟
وبهذه الآية نعرف فضل أولئك السابقين، وكان مِن أجلِّهم وألصقِهم بمعنى الآية سيدنا أبوبكر الصديق؛ كان له تسعة دكاكين في مكة كلها أنفقها، فلم يهاجر إلى المدينة مع رسول الله ﷺ إلاَّ ولم يكن له دُكان، كلها أنفقها، حتى جاء في حديث بسند ضعيف أنه كان جالسًا مرّة عند النبي ﷺ عليه عباءة قد خلّلها بخِلال:
فالتفت ﷺ إلى سيدنا أبي بكر يقول: هذا جبريل يُقرِئك السلام من الله ويقول لك: أراضٍ أنت عنه في فقرك هذا أم ساخط؟ قال: أعَلى ربي أسخط؟! أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ، وفيه نزلتْ الآية، لما ذكر الله النار قال: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ) [الليل:17-21].
آخر شيء كان وسط بيته دراهم يضعها -في كوَّة- يضع الدراهم فيها، من أيام تجارته، يضع الدراهم في هذه الكوَّة، فلمَّا أراد أن يُهاجر مع النبي ﷺ أخذ الدراهم ومشى.
جاء أبوه وقد عمِيَ بعد أن بلغه خبر الهجرة، وأن أبابكر هاجر مع النبي ﷺ، -قبل أن يُسلم أبوه- جاء إلى عند بناته يقول: ما أرى أبا بكر إلاَّ قد فجعكم بنفسه وماله! بنفسه ذهب مع محمد لا ندرى أين، ولا كيف حالهم؛ الآن الدولة تبحث عنهم في كل محل، نشرت العيون، وماله لم يترك شيء سياخذه مع محمد -يعرف محبَّته للنبي محمد-، وأرادت أسماء بنت أبي بكر هذه ذات النطاقين أن تُسكِّن النفس المُضطرِبة لهذا الشيخ، وهو لا يزال كافرا.
جاءت بمجموعة مِن الحجر وضعتها في الكوَّة التي كان يضع أبوبكر فيها نقوده -الدنانير- وغطتها بالكساء وقالت له: انظر، لقد ترك لنا شيء، هات -قرَّبت يده عندها- قِال: إذا ترك لكم مثل هذا فلا بأس، فعليه أن يذهب، وهو لم يترك لهم شيء! ولكن ترك لهم أعظم شيء.
حتى في المدينة هناك في أيام غزوة العُسرة إلى تبوك جاء بماله كله وأخْرجه. قال: ما تركت لأهلك وولدك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، تركت لهم الله ورسوله! ماالذي ترك هذا، أعظم من الذي أخذ! -سبحان الله- وسمعه النبي وأقرَّه، ولم يقل له: أنا سأخرج معك، كيف تركتنا لهم؟ أنا سأخرج معك سأذهب تبوك كيف تركتنا لأولادك؟! -تركت لهم الله ورسوله-
وأبوبكر يُعبِّر عن مكانة محمد عند الرَّب والرعاية التي تحصل لأولاده ببركة محمد بالإنفاق عليه، فأقرَّهُ على ذلك، وهذه عقيدتهم، إلاَّ إن كانوا هم صوفية فليكونوا كذلك، فلنكن مثلهم إذًا هذا هو عقيدتهم "تركت لهم الله ورسوله" النبي سمِع، وإذًا النبي على نفس العقيدة، أو ماذا؟! على نفس العقيدة ﷺ، وهو قدوتنا في كل شيء، هذا الإنفاق العجيب.
فما فضْلهم مثل فضل الأولين، أيام كانوا يَرمون بالحجارة، ويُضربون ويُؤذون ويُقتلون، ويُحمَّى ظهورُهم في بطحاء مكة الحارة -لا إله إلاَّ الله- صبروا صدقوا هؤلاء أعلى-أعلى الأمة وأرفع درجة في الأمة، رضي الله عنهم، وحشرنا في زمرتهم.
(لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ)، قيل أنه: فتْح مكة، وقيل: بل صُلح الحديبية؛ لأنه هو الفتح، ويشهد له الحديث، حتى قيل له لما نزلت آيات الفتح (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، إنها لم تنزل بعد فتح مكة، بل نزلت بعد صُلح الحديبية (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ) [الفتح:1-2].
حتى سُئل ﷺ: أفتحٌ هو؟ قال: أجل، إنَّه فتح عظيم. فعلِموا، وإذا بالناس دخلوا في الإسلام، مرّت ثمانية عشر سنة ما دخل في الإسلام مثلما دخل في السنتين هذه، ثمانية عشر سنة راحت قبل، فدخل في هاتين السنتين أكثر ممن دخل في الثمانية عشرة السنة الماضية كلها، وانتشر دين الله -تبارك وتعالى-، ثم جاء فتح مكة.
حتى كعب ابن زهير تأخَّر إسلامه، وسبقه أخوه إلى الحبيب ﷺ وهاجر، ثم صار يُرسل إليه الرسائل يلوم أخاه ويُعاتبه في قصائد له، وفي بعض قصائده يقول له ويذكر هيامه، ورآه النبي محمد يقول:
سقاك بها المأمونُ كأْسًا رَوِيَّةً
وهو مازال كافر، ولكنه قال: هذا المأمون سقاك كأسه، يعني:- أخذ عقلك وذهب وتركك، فلما قُرِئت القصيدة على النبي، وفيها هجْوة للنبي عليه السلام؛ لكنه قرَّر بيت الشِعر، قال: إني لأمين في الأرض، أمينٌ في السماء.
قال: هل قال سقاك بها المأمون؟ قال: نعم.
سقاك بها المأمون كأْسًا رَوِيَّةً
ونعم المأمون -صلى الله عليه وصحبه وسلم- حتى في أيام الكفر شهِد له بأنه المأمون، ثم جاء الفتح ودخلت القبائل، كلما جاء عند قبيلة وجدهم قد دخلوا للإسلام، وصار يتوارى بنفسه هنا وهناك، وهو معروفا أنه هجاه وتكلَّم على الإسلام، وتكلَّم على النبي، حتى أهدر النبي دمه؛ مَن لقي كعبَ ابنَ زهيرٍ فليقتُله، وأخذ يذهب هنا وهنا، رأى أن لا طريق للقبائل إلا وراء الإسلام، فقد دخلوا في دين الله، ويذهب إلى أين؟! لم يجد مكانا سوى المدينة، ودخل الى المسجد، وجاء بعد صلاة الصبح، صافح النبي محمد وألقى قصيدته:
بانت سعادُ فقلبي اليوم متبولُ *** متيَّمٌ إثرَها لم يُفْدَ مكبولُ
ويُلقي الأبيات حتى وصل قوله:
إن الرسولَ لنورٌ يُستضاءُ به *** مهندٌ مِن سيوف الهندِ مسلولُ
كان يُضرب بها المثل سيوف الهند؛ تأتي حديدة قوية من الهند يعملون بها السيوف قوية حادة، قال النبي: "بل من سيوف الله". فردَّ البيت:
إن الرسولَ لنورٌ يُستضاءُ به *** مهندٌ من سيوف اللهِ مسلولُ
حمل بُردته الشريفة وكساهُ إياها، تحوَّل مِن مُهْدر دم إلى مُتْحَف مُكْرَم بالبردة الشريفة.
حتى بعد ذلك، قال له: مَن أنت؟ قال: كعب ابن زهير. قال بعض الأنصار: نقْتله يارسول الله؟ قال: لا سبيل إلى قتله.
لهذا عرَّض بمدح المُهاجرين، وسكت عن الأنصار بعد ما أسلم ودخل الإيمان في قلبه كثير، قال له: "لو أثنيت على الأنصار فإنهم أهلٌ لذلك"؛ يقول ﷺ؛ فعمل أبيات يمدح الأنصار فيها، وهو أخذ موقف لمّا قالوا له: سنقتله، وهكذا مُراعاة النفوس حتى تتهذَّب وتتصفَّى؛ لأن النفوس في غيها مشكلة من المشاكل.
لما كان في غزوة المريسيع، ﷺ، وهذا تكلَّم -رأس المنافقين- وقال: (لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) [المنافقون:8]، وبلغ الخبر إلى النبي، وحلف -رأس المنافقين- وقال: ما قُلت، ونزل القرآن وفضحه، وجاء سيدنا عمر قال: دعني أقتله يا رسول الله. قال له: لا.
مرَّ وقت، وسيدنا النبي جلس يوم مع سيدنا عمر قال: ياعمر، أرأيت في ذاك اليوم لو مكَّنتُك من قتل عبد الله، كانت تقوم له أنوف، وناس بحَمِيَّة سيغضبون.
تصلَّحت نفوسهم!، وكيف هم مع خير مُزكِّي، خرَّج أهواءهم، و ضِحك إبليس عليهم فنَقتْ وصَفَتْ، وأشرق النور الخالص فيها، فأدركوا الحق كما هو، فأحبوا الله وأحبهم الله، -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
يقول: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً) يعني الآخرين في درجة عظيمة؛ لكن هؤلاء أعظم:
فمن أراد أن يتكلَّم، يرفع رأسه، ونقول له؛ إذهب إبحث لك وعد بالحسنى، ونحن لا ندري بك أنت أين، ولا ندري مصيرك إلى أين، أما هؤلاء معهم منشور وسط القرآن، ماذا نقبل منك من كلام عليهم؟!
سنقبل منهم عليك، ولن نقبل مِنك عليهم؛ لأن الله نشر لهم منشور في القرآن أنه وعدَهم الحسنى، وقل لي أنت مَن وعدك؟ هل معك وعد مِن أحد؟
لا ندري أين تروح، و أين تصير؟
لا إله إلاَّ الله، اجعل مآلنا خيرًا، وألحقنا بالأخيار يا كريم يا غفَّار.
(وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ) الجنَّة:
كله حُسن وكرامة، لكن نهايتها الجنة:
(وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10))، أعلَمَ بعملكم منكم ..الله لا إله إلاَّ هو..، فلنقْصد وجهه:
فإنما تكتسب أعمالنا العظمة، إذا قَبِلها العظيم، إذا العظيم قَبِلها؛ تكتسِب عظمة، من دون أن يقبلها هو، فمَن أنت ومَا عملك؟! ماذا تساوي؟؛ لكن العظيم إذا قَبِل صار المقبول عظيمًا. اللهم اقبلنا، ياربنا اقبلنا في شهرنا رمضان، (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
تفسير قوله تعالى: ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))
وعرض الحق البِساط قال: أنا أعطيكم فرصة، خلقي ومُلكي، ولا تملكون إلاَّ ما استخلفتكم؛ لكن سأُسمِّيكم مُقرضين، هل تقرضونا؟ بهذا الذي أعطيتكم مِن مُلكي؟! فقط أُخلصوا لوجهي، وأنفقوا فيما أحببتُ منكم، سأعطيكم مكان القارِضين، وأنا سأُجازي -أُكافّىء-.
(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، ..الله أكبر.. إغراء عظيم من صاحب المُلك، صاحب المُلك الحق قال: ستُقرضنا؟ أنت الغني الكريم المَلِك، كيف؟
(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، ونزلت الآية، وجاء سيدنا أبو الدحداح عند الحبيب ﷺ قال: يا رسول الله، أوَ الله يقترض مِنَّا؟
قال: أعز بئر لي - وقد كان له بئر- قال؛ هي في سبيل الله؛ أنا أنفقتها، أقْرضتها ربي. فيها ستمائة نخلة، من أحسن النخل -في ذاك الوقت ثروة كبيرة- راح ينادي: يا أم الدحداح، أخرجي.. أخرجي فقد أقرضتُ ربي هذه المزرعة والبئر - الآن هي ليست لنا-. قالت له: ربح بيعُك. المرأة الصالحة قالت: ربح بيعك.
وفي رواية؛ جاء ووجد بعض الأطفال أخذ تمرة، قال: لا، ليست ملكنا؛ أخرجَها منه -اتركها- وأخرجهم من البئر، وقال ﷺ: "كم من عِذْقٍ رحراح لأبي الدحداح في الجنة!"، وجاءت ألفاظ أخرى، يُبشره بأماكن في الجنة، مقابل هذه النفقة التي أنفقها، فهنيئًا له..الله أكبر..
(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، مُخلص لوجه الله، طيِّبة نفسه، غير ممتن، ومشاهد الفضل لله والمِنَّة، ينفقها فيما أحب الله.
(فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ(11))، مِن غير هذه المضاعَفة، هي من عند الكريم مُباشرة، يفتح له باب عطاء، هم في الدنيا يفتحون لك رقم حساب في المصرف! هذا يفتح لك باب عطاء، وأنت رقم الحساب إن وضعت شيء فيه، أما هذا فمن دون أن تضع فيه، هو يُفتَح ويعطيك! هو يعطيك مباشرة من دون ما تضع شيء أنت، أما في رقم الحساب إن وضعت شيء حسبوه، وإن لا؛ فهو رقم فاضي يقولون لك، لكن ربي يفتح لك باب عطاء من دون أن تعمل يعطي، يعطي، يعطي، (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) -سبحانه-.
وهذه الحقائق تبرز في ذاك اليوم:
والله يجعل هذا المآل الحسن لمن فقدناهم في أيامنا، ولمن قُتلوا الليلة بهدمٍ لهذه السيول التي مرت وهم أفرادٌ الله يجعلها لهم شهادة، ويكتب لهم السعادة:
ويلطف الله بنا وبالأُمة، ويُسقينا غيث الهناء والرحمة واللطف، ويبارك لنا في العشر الأواخر، وجوده المتواتر ومنّه الغامر وفضله الكبير في الباطن وفي الظاهر، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أيام لها ذوق ولها طعم ولها رائحة زكية، وفيها خِلع، وتُنصب فيها درجات وسلالم يرتقي عليها أرباب الإقبال الصادق، على الإله الخالق -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. يا ما أحسنها ويا ما أطيبها، ويا ليتها لا تنقضي؛ ولكن لا بد من انقضائها إلاَّ أن المحصول للصادقين فيها غير منقضي، يحصلون ما لا ينقضي وما لا ينتهي،(ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4].
فتعرَّضوا للنفحات الكثيرة، في هذه الأيام والليالي الزاهيات النويرة، جعلنا الله من الفائزين بعطاياه الوفيرة، وأصلح شؤوننا الباطنة والظاهرة، وتولانا بما هو أهله في الدنيا والآخرة، فرِّج كروب المسلمين، وادفع البلاء عنا وعن جميع المؤمنين، وألهمنا الرشد، وتمِّم لنا السُعد، واختم لنا بأكمل الحسنى وهو راض عنا.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
24 رَمضان 1442