(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}، الآية: 11، إلى قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، الآية: 15
﷽
(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) ۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16))
الله، لا إله إلا الله، الحمد لله مُكرِمنا بأنوار القرآن التي لا تَنطفئ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، استوى في عِلمه الظاهرُ والخَفيّ، ونشهد أن سيدنا ونبيّنا وقُرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، هو الصفوة المُنتخَبُ لله المُجتَبى المُصطفى الصفيّ، اللهم أدِم صلواتك وتسليماتِك على عبدك ونبيك سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومن والاهم فيك فصار لمِنهاجهم يَقتفي، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين بهم كُل قلبٍ آمنَ بهم من كل داء يَشتَفِي، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، فإنَّا عليك نتوكّل وإليك نُنيب وعليك نعتمد وبعلمك نكتفي.
أما بعد،،
تفسير قوله تعالى: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))
فإنِّنا في مِنَّة الله علينا في تأمُّل معاني آياته، ودلائل تنزيلاته، على قلب خير بَريّاته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في ساعات رمضان المليئ مِن جُود الله وخيراته ومِنَنه ورحماته، مررنا على قوله -جلّ جلاله- في سورة الحديد: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))، وفي هذا كما أشَرنا:
وإذا أردت أن تُقرِض الغني المليء الوَفيُّ السخيّ، كيف تُقرِضه؟ فإنك تعطيه أحسن ما عندك، وأعزَّ ما عندك تُقرِضهُ، تُقرِض مَن؟ تُقرِِض الغني المليء السخيّ، وقال لك هات قَرض.
أنتم ستُقرضون مَن؟ (اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).
وقد أشرنا إلى الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن سيدنا أبي الدحداح -رضي الله عنه- الأنصاري، أنه لمَّا قرأ هذه الآية جاء إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، الله يريد أن نُقرِضُه؟ قال: أجَل يا أبا الدحداح، قال: امدد لي يدك، ابسط لي يدك، أرِني يدك، فمدَّ له ﷺ يده، فأمسكَها قال: إن حائطي الفلاني كبير، أقرضتُه لله، وكان فيه أم الدحداح زوجته وأولادها، فجاء وناداها من خارج البستان -الحائط-، قال: يا أمّ الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي، وأخرجي الأولاد معك، فإني قد أقرضتُه لله، قالت: ربِحَ بيعُك يا أبا الدحداح! ما دام إنك تقرض هذا، للإله الكريم، ربِحَ بيعُك! فطَوَت متاعها وأخرجت أولادها وخرجت من المكان، الله أكبر.
أبدلهُ الله بنخيله -سِت مائة نخلة-، كان أعزّ أمواله وشيء كثير وثروة كبيرة، ست مائة نخلة في المدينة المنورة في هذا الحائط، فأقرَضَه.
(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) سمعت البشارات النبوية؟
(فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)):
يتعلّق برضوان ربّه، وما أعدَّ له مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومِنَح وعطايا كثيرة -الله أكبر- (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ). فنِعم الإنفاق لله.
وهكذا يَسمو المؤمنون على ظهر هذه الأرض ليُنفِقوا، ربما شاركهم البعض بحُكم الفِطرة في الرِّقة عند وجود المَصائب والبلايا، ووجود المُعوَّقين من الناس أو ذوي الفقر والحاجة، فيرِقُّوا لهم ويُعطونهم.
ولكن أين يَصِلون إلى درجة العطاء لوجه الله؟ والإنفاق في سبيل الله؟ أين يصلون إلى هذه الدرجة؟
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12))
فهذه الدرجة إنما يلقاها المؤمنون على حسب صِدقهم في الإيمان؛ تتبيَّن كل هذه الحقائق وتُرَى واضحة: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم).
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) في يوم القيامة:
(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ):
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)- اللهم اجعلنا منهم-:
فإذا أراد الجهات كلها، وذكر واحدة وهي اليمين؛ لأنه قد جاءنا أيضًا، قال قتادة رضي الله عنه: بلغنا عن نبي الله ﷺ أنه قال: "إن من المؤمنين من يضيء نوره-في رواية على الصراط وفي رواية يوم القيامة- ما بين المدينة وعدن -أبْيَن- وصنعاء".
رأيت النور؟ يُغطِّي هذه المسافة كلها؟
قوَّة نوره: "إن من المؤمنين من يملأ نوره ما بين المدينة وعدن -أبْيَن- وصنعاء، ومنهم دون ذلك، حتى أنّ أدناهم لَيُضيء نوره ما تحت قدميه".
يرى الذي تحته فقط، لا يمتد! من أين هذا؟
كَسبُ هذا النور هاهنا، من هنا في هذه الحياة، مُدَّة التكلَّيف:
هذا هو النور، هذا الذي يبرز هناك، هذا الذي يظهر هناك، فإن أردت، فمن هاهنا تزوَّد، إمتلئ نورًا، فما تجد بعد ذلك نور: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:40].
ولكن الآن تستطيع أن تشحن باطنك بهذا النور الذي يصير في بُروز وظُهور في يوم النُشور:
من أين لهم النور؟! هم كلهم ليس لهم وجود في الأصل، لكن هذا نور الله، أعطاهم إياه.
رأيت النور من أين يأتي؟ من هنا تأخذه، -ليس هناك بعد ذلك بطارية تُركِّبها أو تُحصِّل لك شحنها- من هنا الشحن. تشحن نور من هنا؛ من أعمالك الصالحة، وما ستشحن يظهر بعد ذلك النور يوم القيامة: نور الإيمان والعمل الصالح، على درجات.
حتى ابن مسعود كان يقول: منهم من يُشرق نوره كالجبل، ومنهم يشرق نوره كالنخلة، ومنهم يشرق نوره كشاخص، ومنهم يجعل نوره في إبهامه؛ على حسب حاله كيف كان في الدنيا، وعلى أي حالة مات، ماذا شحن! وماذا اكتسب؟!
(يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم). الملائكة تقول لهم: (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ):
تقول لهم المَلائكة: (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، أي بساتين في دار الكرامة، حيث لا هَمَّ ولا غم، ولا وسخ ولا قذر ولا كدر، ولا موت ولا سوء، ولا شر أبدًا.
(تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ):
(ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) صدقت يا رب.
فأي شيء أغرَوك فيه أنك فائز دون أن تصل لهذا؛ قد كذبوا عليك، إن كنت تصل هنا؛ أنت في الفوز العظيم، إذا لم تصل هنا، لا أحد يقول لك فائز؛ يضحكون عليك، مُجرَّد لعبة يلعبون عليك، الفوز ليس إلا هنا: (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)):
قال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) [الفتح:4-5]:
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13))
في ذاك اليوم؛ هذا حالُ المؤمنين، وما حالُ المنافقين؟
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا)، (انظُرُونَا) إمّا بمعنى انتظروا لنا، اصبروا، لأنهم يُساقَون نحو الجنة وهؤلاء يقولون: (انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ)انتظرونا، حتى جاء في قراءة: (أَنظِرُونَا):
(انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ):
(قِيلَ) -أي تقول لهم الملائكة- (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا)، اذهبوا ابحثوا عن نور من هناك، وفي قول: إن المؤمنين مع الملائكة يقولون لهم: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ) ابحثوا عن نور من هناك، يذهبون لا يُحصِّلون النور، يرجعون يجدون السور قد ضُرِب بينهم وبين المؤمنين، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) ابحثوا عن النور هناك، اطلبوا نور:
(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ) يذهبون لا يُحصِّلون، فيرجعون يجدون بينهم وبينهم حاجزًا قد أُعد.
(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ) ويقول لبعضهم: هذا باب التبكيت! لا يستطيعون الدخول، هذا فقط باب موجود، لكن من يُفتح؟ المؤمنون دخلوا منه، من أين يدخلون؟ الباب موجود ولا يُفتح لك، ولا يمكن أن تدخل؛ يصيحون مساكين هؤلاء المُنافقين.
(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ):
تفسير قوله تعالى: (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14))
فيرجعون ينادونهم، يصيحون من وراء السور: (يُنَادُونَهُمْ) يعني يرفعون أصواتَهُم كلها؛ لأنَّ وسط السور أناس كانوا معروفين عند الذين هم خارج السور؛ بعضهم جيرانهم، بعضهم أصحابهم، بعضهم كانوا معهم في الدنيا، في وقتهم وزمنهم.
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ)؟ كنا نحضر معكم؟ ونخرج معكم؟ ونصلي معكم، نمشي معكم؟ (أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ)؟
فيجيبهم المؤمنون من وسط السور:
(بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ)، (فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ):
(فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ) بمُخادعتكم.
(فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ):
هذه معيَّتكم؟ تروحون تتخبّطون باكتسابكم، وتضرّون وتُؤذون رسول الله والمؤمنين.
(وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ): شككتم في الرسالة، شككتم في الرسول، شككتم في الآخرة، شككتم في ربكم، ماذا نعمل فيكم؟
(وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ).
(وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) نزل بكم الموت وأنتم على هذا الحال:
مُتُّم على هذا، (حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14))، العدو المُتربِّص بكم نصَب شبكتَه وصادَكم، ذهبتم وراءه.
الآن اذهبوا عنده، إن هو كان يشفع لكم! إن كان عنده نور؟ اذهبوا انظروا، هل عنده نور؟ إبليس هذا إذا عنده جنة سيعطكم!
كلامه ذاك حق، كلام الحق هو الحق، والذي وعدكم هو الحق: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) [النساء:123].
(أَنَا وَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ)، ما عندي شيء ولا أُعطيكم شيء. أنتم صدقتُموني: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم):
يقول: (وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ)، في هذا الحال وهذا الحكم:
(مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ) فلا تؤخذ منكم فدية: يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ..) [المائدة:36]:
(فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران:91]:
كم معهم! نقول له: تريد حقيقة هذا؟
لو كان (مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا)؛ ليس له قيمة عندنا، لا يُقبَل فداء لواحد من الكفار، إذًا فهو حقير، فلماذا تُعظِّمون ما حقّر الله؟ لا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15))
(لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ): مآلكم ومصيركم ومرجعكم، مُستقبلكم الذي كنتم تقولون ضمان المستقبل، ضمان المستقبل والتنمية والتطوّر، هذا هو (مَأْوَاكُمُ النَّارُ) وصلتم الى المُستقبل، تمام التنمية؟! ممتاز، وصلتم؟! (مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ) لا يصلُح لكم إلا هي، لأنكم توليتم أفعالها في الدنيا، فهي مولاكم: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أسوأ مصير مصيركم، ما سمعتم كلام ربكم، ولا كلام أنبيائه: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)).
تفسير قوله تعالى: (۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16))
بعد هذا كله يقول ربي: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)؟
وكانت الآية سبب توبة الفضيل بن عياض، حتى رجع مِن قاطِع طريق، إلى لاحقٍ بخير فريق، هو كان يقطع الطريق، وبعد ذلك بينما هو يتسوَّر على جدار، إذ سمع قارئًا يقرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) وقف، قال: نعم، آنَ يا رب! نزل و تاب، وهو يمشي، يسمع الناس يقولون: لا تمرُّوا بهذا الطريق إنه به الفُضيل، قال: يا ويح الفُضيل! أخاف طريق المسلمين؟ مُرّوا مروا يا جماعة قد تاب الفُضيل. رجِع وأقبل على الله وصار من الصالحين (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)، صار من الصالحين - لا إله إلا الله-
فعسى يوم يُرى المؤمنون (يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم (12))، نكون في خِيارِهم، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8]:
فإذا أتمّ ربُّ العرش لك النور من هذا المجلس:
(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) برحمتك يا أرحم الراحمين.
فنَغبِط الذين جالسوا مَعدِن النور وأصل النور ومحل النور، وما كانت مجالسهم، وكم امتلأت بهم النور، وكم امتدت فيهم الحِبال، وكان يشير إلى ذلك، يقول لسادتنا الأنصار: "إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"؛ فإني مُنتظركم على الحوض ﷺ، والذي بعثه بالحق ﷺ، وهو إذًا منتظرٌ من كل زمن خيارًا من أمته يَرِدُون على الحوض، كما ينتظر أنصاره الذين نصروه في حياته الدنيا "إني منتظركم على الحوض".
قال سيدنا عمر بن الخطاب لسيدنا أويس القرني في هذا المقام: موعد بيني وبينك حتى آتيك بزادٍ ونفقة، قال: لا يا أمير المؤمنين، لا موعد بيني وبينك، عندي أربع دراهم من رعيِي الِإبل متى تراني أنفقها، وعليَّ هذان الثوبان متى تراني أُبليهما، لا أحتاج كثيرًا ولا نفقة، ولا موعد بيني وبينك إلا حوض رسول الله، إلى عند الحوض، لا تسأل عليَّ بعد اليوم! يكفي هذا اللقاء والاجتماع والوعد على الحوض، إلا حوض رسول الله.
ولقِيَه هرَم بن حيّان في العراق، في اليوم الذي قُتِل فيه سيدنا عمر، وأخذ يذكِّره بالموت، وقال: مات أبوك وماتت أمك ومات رسول الله ومات أبو بكر الصديق ومات أخي وصديقي عمر، فقال: كيف؟ أويس؛ أمير المؤمنين، لم يمُت بعد؟! قال: بلى، قد نعتْهُ إليَّ نفسي و نعاه إليَّ ربي. -الرجل قد قُتِل، ولم يكن الخبر في العراق- فقد قُتِل في المدينة، ولكن أويس عرف -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- وقد ذكره ﷺ في صحيح الإمام مسلم: "يأتي عليكَ أويسُ بنُ عامرٍ معَ أمدادِ أهلِ اليمنِ مِنْ مرادٍ ثمَّ مِنْ قرنٍ …. لوْ أقسمَ على اللهِ تباركَ وتعالى لأبرَّهُ"، الله لا إله إلا الله.
فكم على الحوض مواعيد لأخيار يلتقون هناك، وخيرهم ﷺ:
وكل الأنبياء عندهم أحواض، لكن حوض نبينا أكبر:
"مَن شربَ مِنهُ لم يظمأ بعدَهُ أبدًا ولم يسْود وجهُهُ أبدًا" اسقنا من حوض نبيِّك، واجعلنا في أوائل الوارِدين عليه، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين بخير ولطف وعافية وتمكين مكين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
كانت تقول السيدة عائشة: إذا أردت أن تسمع خرير الماء ميزاب يصب في النهر، الله جعل له مما يشابهه ويُقاربه في الدنيا قيل: ضع أصبعيك في أذنيك تسمع خريرًا كخرير الميزابيين في الحوض. مُجرَّد أن تضع إصبعيك في أذنك تسمع مثل هذا كالخرير. الله أكبر. نريد أن نراه هناك ونسمعه إن شاء الله. برحمتك يا أرحم الراحمين.
25 رَمضان 1442