تفسير سورة الحديد -6- من قوله تعالى: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً..)، الآية: 11

تفسير سورة الحديد، من قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً..}، الآية: 11
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: { مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}، الآية: 11، إلى قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، الآية: 15

(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) ۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • القرض الحسن وصدق الإنفاق:
    • مقدمة: فضل الإنفاق والقرض الحسن لله.
    • قصة أبي الدحداح الأنصاري وصدق الإنفاق.
    • الإخلاص وابتغاء وجه الله.
  • أحوال المؤمنين ونورهم:
    • مصادر استمداد النور في الدنيا.
    • حقيقة الفوز العظيم.
  • حال المنافقين وظلماتهم:
    • طلب النور والسور الفاصل يوم القيامة وانقطاع النور عنهم.
    • غرور الدنيا ومخادعة الشيطان، وسقوط المعية الجوفاء.
    • حقارة الدنيا وعدم قبول الفدية.
  • الخشوع والورود على الحوض:
    • الدعوة إلى الخشوع وقصة توبة الفضيل بن عياض.
    • الموعد على حوض النبي ﷺ.

نص الدرس:

الله، لا إله إلا الله، الحمد لله مُكرِمنا بأنوار القرآن التي لا تَنطفئ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، استوى في عِلمه الظاهرُ والخَفيّ، ونشهد أن سيدنا ونبيّنا وقُرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، هو الصفوة المُنتخَبُ لله المُجتَبى المُصطفى الصفيّ، اللهم أدِم صلواتك وتسليماتِك على عبدك ونبيك سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومن والاهم فيك فصار لمِنهاجهم يَقتفي، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين بهم كُل قلبٍ آمنَ بهم من كل داء يَشتَفِي، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، فإنَّا عليك نتوكّل وإليك نُنيب وعليك نعتمد وبعلمك نكتفي.

أما بعد،، 

تفسير قوله تعالى: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))

فإنِّنا في مِنَّة الله علينا في تأمُّل معاني آياته، ودلائل تنزيلاته، على قلب خير بَريّاته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في ساعات رمضان المليئ مِن جُود الله وخيراته ومِنَنه ورحماته، مررنا على قوله -جلّ جلاله- في سورة الحديد: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11))، وفي هذا كما أشَرنا: 

  • إغراءَ الحق لنا بالفضل الذي بسَطَه؛ أن نُسارِع إلى الإنفاق في سبيله، ونحن وما أنفقنا مُلكُه، وبتوفيقه أنفقنا. 
  • فإذا أحسنّا في ذلك بالإخلاص لوجهه، وأن تكون طيِّبة أنفُسنا بما نُنفِق، فنُقرِضه. 

وإذا أردت أن تُقرِض الغني المليء الوَفيُّ السخيّ، كيف تُقرِضه؟ فإنك تعطيه أحسن ما عندك، وأعزَّ ما عندك تُقرِضهُ، تُقرِض مَن؟ تُقرِِض الغني المليء السخيّ، وقال لك هات قَرض. 

  • وإذا كنت كذلك وأخلصتَ لوجهه الكريم، وإذا أخرجتها طيبة بها نفسك، وقصدت المَحلّ الذي يُحِبُّ أن يُنفَق فيه، لا بدافِع غرضٍ منك ولكن لطلب رضوانه، فقد أحسنت القرض. 
  • (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) فالذي يخرج عن غير طِيبةِ نفْس، ليس بِحَسَن، وما قُصِد به الأدوَن والأقل ليس بِحسَن: 
    • (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [البقرة:267] .

 أنتم ستُقرضون مَن؟ (اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). 

وقد أشرنا إلى الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم عن سيدنا أبي الدحداح -رضي الله عنه- الأنصاري، أنه لمَّا قرأ هذه الآية جاء إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، الله يريد أن نُقرِضُه؟ قال: أجَل يا أبا الدحداح، قال: امدد لي يدك، ابسط لي يدك، أرِني يدك، فمدَّ له ﷺ يده، فأمسكَها قال: إن حائطي الفلاني كبير، أقرضتُه لله، وكان فيه أم الدحداح زوجته وأولادها، فجاء وناداها من خارج البستان -الحائط-، قال: يا أمّ الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي، وأخرجي الأولاد معك، فإني قد أقرضتُه لله، قالت: ربِحَ بيعُك يا أبا الدحداح! ما دام إنك تقرض هذا، للإله الكريم، ربِحَ بيعُك! فطَوَت متاعها وأخرجت أولادها وخرجت من المكان، الله أكبر. 

  • قال ﷺ: "كَم مِن عِذقٍ رَداحٍ في الجنَّة لأَبي الدَّحداحِ". 
  • وقال: "رُبَ نخلةٍ عُرُوقها دُرٌّ وياقوت لأبي الدَّحداح في الجنة ".

أبدلهُ الله بنخيله -سِت مائة نخلة-، كان أعزّ أمواله وشيء كثير وثروة كبيرة، ست مائة نخلة في المدينة المنورة في هذا الحائط، فأقرَضَه. 

(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) سمعت البشارات النبوية؟ 

(فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)):

  •  نفيس في ذاتِه، يُرغَب أهل العقول والذوق والمعرفة، يرغبون فيه، ويتنافسون فيه. 
  • (أَجْرٌ كَرِيم) في حدِّ نفسه، في ذاته، نفيس غالي. 

يتعلّق برضوان ربّه، وما أعدَّ له مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومِنَح وعطايا كثيرة -الله أكبر- (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ). فنِعم الإنفاق لله.

 وهكذا يَسمو المؤمنون على ظهر هذه الأرض ليُنفِقوا، ربما شاركهم البعض بحُكم الفِطرة في الرِّقة عند وجود المَصائب والبلايا، ووجود المُعوَّقين من الناس أو ذوي الفقر والحاجة، فيرِقُّوا لهم ويُعطونهم. 

ولكن أين يَصِلون إلى درجة العطاء لوجه الله؟ والإنفاق في سبيل الله؟ أين يصلون إلى هذه الدرجة؟ 

  • مهما كانت عواطفهم وإنسانيّتهم، فإنما خدموا ما وجدوا في بواطنهم من أحاسيس ومشاعر، فنفَّسوا على أنفسهم بهذا الإنفاق، فما خدموا إلا أنفسهم. 
  • لكن الذي يُعطي من أجل الربّ -جلّ جلاله وتعالى-، لا بمجرَّد داعي طَبعي ولا فِطري، ولكن بداعي طلبِ الرضوان وقرض الرحمن، من أجل وجهه: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان:9].

 

تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) 

فهذه الدرجة إنما يلقاها المؤمنون على حسب صِدقهم في الإيمان؛ تتبيَّن كل هذه الحقائق وتُرَى واضحة: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم)

(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) في يوم القيامة: 

  • حيث كَشْفُ المُخبَّآت وبُروز الخفيّاَت وظهور الباطنات: 
    • (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) [غافر:16]. 
    • فإذا (بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) [العاديات:9-10]. 
    • جُمِعَ وأُبرِزَ الذي كان في الصدور؛ كان مُخَبّأ في الدنيا، ومكشوف في ذاك اليوم: (لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18]. 

(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ): 

  • هذا حصيلة ما في الصدر، -أنظر- أبصر، انظر! (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ).
  • الذي في صدرك مكشوف واضح، مُحصَّل بارِز ظاهر(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) -الله الله-.

(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)- اللهم اجعلنا منهم-:

  • (نُورُهُم) نسبَهُ الحق إليهم وهو من نوره، الله يعطيهم من نورهِ. 
  • (يَسْعَىٰ) يمشي (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم). 

فإذا أراد الجهات كلها، وذكر واحدة وهي اليمين؛ لأنه قد جاءنا أيضًا، قال قتادة رضي الله عنه: بلغنا عن نبي الله ﷺ أنه قال: "إن من المؤمنين من يضيء نوره-في رواية على الصراط وفي رواية يوم القيامة- ما بين المدينة وعدن -أبْيَن- وصنعاء". 

رأيت النور؟ يُغطِّي هذه المسافة كلها؟ 

قوَّة نوره: "إن من المؤمنين من يملأ نوره ما بين المدينة وعدن -أبْيَن- وصنعاء، ومنهم دون ذلك، حتى أنّ أدناهم لَيُضيء نوره ما تحت قدميه".

 يرى الذي تحته فقط، لا يمتد! من أين هذا؟ 

كَسبُ هذا النور هاهنا، من هنا في هذه الحياة، مُدَّة التكلَّيف: 

  • إيمانك به، يقينُك. 
  • تعظيمُك له، صدقك معه. 
  • عملك بطاعته، محبتك له. 
  • تعظيمك لما عظّم، تفانيك فيه. 

هذا هو النور، هذا الذي يبرز هناك، هذا الذي يظهر هناك، فإن أردت، فمن هاهنا تزوَّد، إمتلئ نورًا، فما تجد بعد ذلك نور: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:40]. 

ولكن الآن تستطيع أن تشحن باطنك بهذا النور الذي يصير في بُروز وظُهور في يوم النُشور: 

  • وهو المُعَبَّر عنه بما يُروَى: "لو كُشِفَ نور العبد المؤمن العاصي لطبَّق ما بين السماء والأرض". 
    • هذا مؤمن عاصٍ! فكيف بمؤمن طائع؟ فكيف بمؤمن تقيّ، مؤمن صّدّيق، مؤمن مُقرَّب؟ الله لا إله إلا الله. 
  • نور الإيمان، نور لا إله إلا الله، هذا النور، لمّا أن الله خصّصهم به وأعطاهم إياه، نسبه إليهم، قال: نورهم، وهو نور الله. 

من أين لهم النور؟! هم كلهم ليس لهم وجود في الأصل، لكن هذا نور الله، أعطاهم إياه. 

  • (يَسْعَىٰ نُورُهُم) الذي اكتسبوه أيام هذه الحياة. 
  • ومن جملة ذلك، وارتباط هذا النور بالأعمال في الحياة الدنيا، قول: إنه يُضيء مِن أعضاء الوضوء ما يمسَّهُ الماء، فمن كان يغسل أكثر من السُنّة يُضيء أكثر، وخصوصًا في غسل الوجه واليدين والرجلين. 
  • فإن هذه الأمة شرَّفها الله وخصَّصها، مع أن كل الأمم من أيام آدم إلى سيدنا عيسى بن مريم، كل الأمم يتوضَّؤون، وكل الأمم يتطَهّرون. 
  • ولكن النور الذي يبرُز من أثر الوضوء؛ خاصٌّ بهذه الأمة، خاص بهذه الأمة: "إنَّ أمَّتي يأتونَ يومَ القيامةِ غرًا مُحجَّلينَ من آثارِ الوضوءِ، فمَن استطاع منكم أن يطيلَ غُرَّتَه فليفعَل":
    • كأن يغسِل زيادة على الواجِب؛ مِن أطراف الرأس إلى الأذنين وما بينهما إلى صفحتي العُنق؛ فهذه إطالة الغُرّة، يُشرِق على وجهه نور يوم القيامة. 
    • ومَن أطال تحجيله بغسل زائد على الواجب فوق المرفقين إلى نصف العَضُد، فأكمَلَ إلى الكتف، وفوق الكعبين إلى نِصف الساق، وأكمَلَه إلى الركبة، يُضيء يوم القيامة نور.

رأيت النور من أين يأتي؟ من هنا تأخذه، -ليس هناك بعد ذلك بطارية تُركِّبها أو تُحصِّل لك شحنها- من هنا الشحن. تشحن نور من هنا؛ من أعمالك الصالحة، وما ستشحن يظهر بعد ذلك النور يوم القيامة: نور الإيمان والعمل الصالح، على درجات. 

حتى ابن مسعود كان يقول: منهم من يُشرق نوره كالجبل، ومنهم يشرق نوره كالنخلة، ومنهم يشرق نوره كشاخص، ومنهم يجعل نوره في إبهامه؛ على حسب حاله كيف كان في الدنيا، وعلى أي حالة مات، ماذا شحن! وماذا اكتسب؟! 

(يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم). الملائكة تقول لهم: (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ)

  • فإن في القيامة ملائكة مُوظَّفين بتبشير المؤمنين: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:103]. 
  • وهكذا تُبشِّرهم، وتتوالى البشائر إلى أن ينفِسَح المجال فينالون البشارة مباشرة مِن ذي الكرم والجلال:
  •  (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم) -ياسلام- (بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [التوبة:21-22]. 
  • وكيف إذا نادى أحدَهم ربُّه؟ وقال: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [فصلت:31]!! لا إله إلا الله.

تقول لهم المَلائكة: (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، أي بساتين في دار الكرامة، حيث لا هَمَّ ولا غم، ولا وسخ ولا قذر ولا كدر، ولا موت ولا سوء، ولا شر أبدًا.  

(تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ): 

  • (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [البينة:8]، إلى الأبد. 
  • (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [الكهف:108]، لا يُحبِّون التحوُّل إلى أي مكان آخر.

(ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) صدقت يا رب. 

فأي شيء أغرَوك فيه أنك فائز دون أن تصل لهذا؛ قد كذبوا عليك، إن كنت تصل هنا؛ أنت في الفوز العظيم، إذا لم تصل هنا، لا أحد يقول لك فائز؛ يضحكون عليك، مُجرَّد لعبة يلعبون عليك، الفوز ليس إلا هنا: (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)):

  • (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) [آل عمران:185].
  • (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور:52].
  • (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:111].

قال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) [الفتح:4-5]:

  • قال: هذا حقيقة الفوز بميزاني أنا عندي؛ الله الخالق، ولا ميزان إلا ميزانه: (وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) اللهم اجعلنا من أهل الفوز العظيم. 

 

تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)) 

في ذاك اليوم؛ هذا حالُ المؤمنين، وما حالُ المنافقين؟ 

(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا)، (انظُرُونَا) إمّا بمعنى انتظروا لنا، اصبروا، لأنهم يُساقَون نحو الجنة وهؤلاء يقولون: (انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ)انتظرونا، حتى جاء في قراءة: (أَنظِرُونَا):

  • ولكن أيضًا في اللغة يستعمل العرب: (انظُرُونَا) بمعنى انتظِروا لنا، نفس الشيء. 
  • والمعنى الآخر في (انظُرُونَا): يعني التفِتوا بالعين ارحمونا، نريد أن نقتبس من النور هذا. 

(انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ): 

  • التفتوا إلينا، رُقُّوا لنا. الله أكبر، أنتم كنتم تضحكون عليهم في الدنيا.
  •  الآن (انظُرُونَا)؟! رأيتم موازينكم الباطلة، بَطلَت (انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ).

(قِيلَ) -أي تقول لهم الملائكة- (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا)، اذهبوا ابحثوا عن نور من هناك، وفي قول: إن المؤمنين مع الملائكة يقولون لهم: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ) ابحثوا عن نور من هناك، يذهبون لا يُحصِّلون النور، يرجعون يجدون السور قد ضُرِب بينهم وبين المؤمنين، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. 

 (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) ابحثوا عن النور هناك، اطلبوا نور:

(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ) يذهبون لا يُحصِّلون، فيرجعون يجدون بينهم وبينهم حاجزًا قد أُعد. 

(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ) ويقول لبعضهم: هذا باب التبكيت! لا يستطيعون الدخول، هذا فقط باب موجود، لكن من يُفتح؟ المؤمنون دخلوا منه، من أين يدخلون؟ الباب موجود ولا يُفتح لك، ولا يمكن أن تدخل؛ يصيحون مساكين هؤلاء المُنافقين.

(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ): 

  • (بَاطِنُهُ) - الذي في جهة المؤمنين- (فِيهِ الرَّحْمَةُ)، الجنة من ورائهم.
  •  (وَظَاهِرُهُ) -الجانب الثاني- (مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13))، النار تتوهج وتهدُر. 

 

تفسير قوله تعالى: (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)) 

فيرجعون ينادونهم، يصيحون من وراء السور: (يُنَادُونَهُمْ) يعني يرفعون أصواتَهُم كلها؛ لأنَّ وسط السور أناس كانوا معروفين عند الذين هم خارج السور؛ بعضهم جيرانهم، بعضهم أصحابهم، بعضهم كانوا معهم في الدنيا، في وقتهم وزمنهم. 

(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ)؟  كنا نحضر معكم؟ ونخرج معكم؟ ونصلي معكم، نمشي معكم؟ (أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ)؟ 

فيجيبهم المؤمنون من وسط السور: 

  • (قَالُوا بَلَىٰ) لكن كنتم معنا على أي كيفية؟! كنتم معنا على أي وَصف؟! كنتم معنا على أي حالة؟! 
    • ما كنتم معنا بصدق، ما كنتم معنا بمودّة، ما كنتم معنا بإيمان، ما كنتم معنا بأدب. 
    • هذه معيّة جوفاء لا تنفعكم، لو كنتم معنا بصدق لكنتم الآن معنا.

(بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ)، (فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ):

  • باكتِسابكم الذنوب. 
  • بإبدائِكم غير ما تخفون. 
  • بكذبِكم؛ على الله وعلى الرسول وعلى المؤمنين. 

(فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ) بمُخادعتكم. 

(فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ)

  • تَرَبَّصْتُمْ)، تراخَيتُم وتأخَّرتم عن التوبة، تؤخِِرون تؤخِِرون، تتربَّصون.
  • (وَتَرَبَّصْتُمْ)، تترقّبون السوء لتُوقعوه بالمؤمنين وبالرسول والأذى، كنتم تتربصون السوء. 

هذه معيَّتكم؟ تروحون تتخبّطون باكتسابكم، وتضرّون وتُؤذون رسول الله والمؤمنين.

(وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ): شككتم في الرسالة، شككتم في الرسول، شككتم في الآخرة، شككتم في ربكم، ماذا نعمل فيكم؟

(وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ)

  • (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ) أي: سيُغفَر لنا، سندخل الجنة، سنسبق إن كان شيء! 
  • (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ) ومن جملتها ما كنتم تتمنَّونه من شهوات الدنيا:
    • (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ). 
    • فالآية تقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5] (الْغَرُورُ): أي الشيطان. 

(وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) نزل بكم الموت وأنتم على هذا الحال: 

  • مُرتابين، مُتربِّصين. 
  • فاتنين لأنفسكم. 
  • مَفتُونين، مَغرورين. 

مُتُّم على هذا، (حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14))، العدو المُتربِّص بكم نصَب شبكتَه وصادَكم، ذهبتم وراءه.

  • قال لكم الأنبياء: تعالوا، ما رضيتم. 
  • قال لكم أتباعهم: تعالوا، ما رضيتم. 
  • قال لكم عدوكم: تعالوا، ذهبتم وراءهم!. 

الآن اذهبوا عنده، إن هو كان يشفع لكم! إن كان عنده نور؟ اذهبوا انظروا، هل عنده نور؟ إبليس هذا إذا عنده جنة سيعطكم! 

  • اذهبوا عنده، اطلبوا منه أن يعطيكم شيئًا لأنكم اتّبعتموه: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) [إبراهيم:22]. 
  • وهكذا؛ كل شيء حسّنه عدو الله لأي إنسان وهو يُخالف شرع الله، فهو الذي يقول له بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ). 
  • قلت لكم هذا حَسَن، وهذا تقدُّم، وهذه رِفعة، ما عندي شيء! الكلام الذي قال لكم الله هو ذاك الحق (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ): 
    • وقال لكم: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8]. 
    • وقال لكم: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر:18]. 
    • قال لكم: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة:1]. 

كلامه ذاك حق، كلام الحق هو الحق، والذي وعدكم هو الحق: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) [النساء:123]. 

(أَنَا وَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ)، ما عندي شيء ولا أُعطيكم شيء. أنتم صدقتُموني: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم):

  • ابن عباس إذا قرأ الآية قال: يضحك عليهم في الدنيا، ويضحك عليهم في القيامة، يسخر بهم: (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ)، تريدون الحقيقة الآن؟ لا أنا أنفَعُكم ولا أنتم تنفعوني. 
  • النار لي ولكم معًا هنا، كلنا في العذاب لا أحد ينفع أحد: (وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) [إبراهيم: 22-23]

يقول: (وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ)، في هذا الحال وهذا الحكم: 

  • (لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ)، لو كان لكم مِلء الأرض ذهبًا، وأردتُم أن تقدِّموه فِدية لتفتدوا من عذاب جهنم لا يُتقبَّل منكم، لا ينفع. 
  • (لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، أنتم والكفار سواء: (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء:140] معًا كلهم.
  • (لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ)؛ لأنكم سِرتم في طريقها وعملتم بأعمال أهلها.

(مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ) فلا تؤخذ منكم فدية: يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ..) [المائدة:36]: 

  • وفي هذا غاية الإبراز لحقيقة قيمة ما على الأرض، ولو كان مثله معه، مثله معه ثاني، مثله معه، لو كله قُدِّمَ من أجل الفِداء مِن عذاب النار لا يُقبَل. 
  • إذًا فهو حقير: (مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ) حقير؛  والآن ليس على ما في الأرض جميعًا فقط، على القليل يتقاتلون ويتضاربون. 
  • لو كان كل (مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ)، فقدَّموه فِداءً لا ينفع، لا إله إلا الله. 

(فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران:91]: 

  • إذًا الذهب في الدنيا، ولو كان مِلء الأرض حقير؛ لأنه لا يُقبَل منه، لو كان ذهب ملء الأرض. 
  • الآن لا أحد معه ملء الأرض ذهب! وعلى قليل من الذهب يتقاتلون ويعملون مصائب كبيرة.

كم معهم! نقول له: تريد حقيقة هذا؟

 لو كان (مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا)؛ ليس له قيمة عندنا، لا يُقبَل فداء لواحد من الكفار، إذًا فهو حقير، فلماذا تُعظِّمون ما حقّر الله؟ لا إله إلا الله.

 

تفسير قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)) 

(لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ): مآلكم ومصيركم ومرجعكم، مُستقبلكم الذي كنتم تقولون ضمان المستقبل، ضمان المستقبل والتنمية والتطوّر، هذا هو (مَأْوَاكُمُ النَّارُ) وصلتم الى المُستقبل، تمام التنمية؟! ممتاز، وصلتم؟! (مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ) لا يصلُح لكم إلا هي، لأنكم توليتم أفعالها في الدنيا، فهي مولاكم: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أسوأ مصير مصيركم، ما سمعتم كلام ربكم، ولا كلام أنبيائه: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)).

 

تفسير قوله تعالى: (۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)) 

بعد هذا كله يقول ربي: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)؟

وكانت الآية سبب توبة الفضيل بن عياض، حتى رجع مِن قاطِع طريق، إلى لاحقٍ بخير فريق، هو كان يقطع الطريق، وبعد ذلك بينما هو يتسوَّر على جدار، إذ سمع قارئًا يقرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) وقف، قال: نعم، آنَ يا رب! نزل و تاب، وهو يمشي، يسمع الناس يقولون: لا تمرُّوا بهذا الطريق إنه به الفُضيل، قال: يا ويح الفُضيل! أخاف طريق المسلمين؟ مُرّوا مروا يا جماعة قد تاب الفُضيل. رجِع وأقبل على الله وصار من الصالحين (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)، صار من الصالحين - لا إله إلا الله-

فعسى يوم يُرى المؤمنون (يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم (12))، نكون في خِيارِهم، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8]:

  • قالوا إنه قد يُرى أحيانًا أن بعض المنافقين، يظهر له نور ثم ينطفئ عليه ويقول: آه، أين هو؟ أما أنت كنت تُخادع في الدنيا، قال: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) [النساء:142]. 
  • وإذا رأى بعض المؤمنين هذا خافوا، قالوا: (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

فإذا أتمّ ربُّ العرش لك النور من هذا المجلس: 

  • يمتدَّ حبل النور؛ ومررت بمواقف الغرغرة والقبر والحشر وأثره معك، إلى مجمع وسط الجنة.
  • مُتَّصِل بنفس المجْمع الذي كنت فيه في عالم الدنيا، إذا أتمَّ لك النور، إذا أتم لك النور. 

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) برحمتك يا أرحم الراحمين.

فنَغبِط الذين جالسوا مَعدِن النور وأصل النور ومحل النور، وما كانت مجالسهم، وكم امتلأت بهم النور، وكم امتدت فيهم الحِبال، وكان يشير إلى ذلك، يقول لسادتنا الأنصار: "إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"؛ فإني مُنتظركم على الحوض ﷺ، والذي بعثه بالحق ﷺ، وهو إذًا منتظرٌ من كل زمن خيارًا من أمته يَرِدُون على الحوض، كما ينتظر أنصاره الذين نصروه في حياته الدنيا "إني منتظركم على الحوض".

قال سيدنا عمر بن الخطاب لسيدنا أويس القرني في هذا المقام: موعد بيني وبينك حتى آتيك بزادٍ ونفقة، قال: لا يا أمير المؤمنين، لا موعد بيني وبينك، عندي أربع دراهم من رعيِي الِإبل متى تراني أنفقها، وعليَّ هذان الثوبان متى تراني أُبليهما، لا أحتاج كثيرًا ولا نفقة، ولا موعد بيني وبينك إلا حوض رسول الله، إلى عند الحوض، لا تسأل عليَّ بعد اليوم! يكفي هذا اللقاء والاجتماع والوعد على الحوض، إلا حوض رسول الله.

ولقِيَه هرَم بن حيّان في العراق، في اليوم الذي قُتِل فيه سيدنا عمر، وأخذ يذكِّره بالموت، وقال: مات أبوك وماتت أمك ومات رسول الله ومات أبو بكر الصديق ومات أخي وصديقي عمر، فقال: كيف؟ أويس؛ أمير المؤمنين، لم يمُت بعد؟! قال: بلى، قد نعتْهُ إليَّ نفسي و نعاه إليَّ ربي. -الرجل قد قُتِل، ولم يكن الخبر في العراق- فقد قُتِل في المدينة، ولكن أويس عرف -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- وقد ذكره ﷺ في صحيح الإمام مسلم: "يأتي عليكَ أويسُ بنُ عامرٍ معَ أمدادِ أهلِ اليمنِ مِنْ مرادٍ ثمَّ مِنْ قرنٍ …. لوْ أقسمَ على اللهِ تباركَ وتعالى لأبرَّهُ"، الله لا إله إلا الله.

فكم على الحوض مواعيد لأخيار يلتقون هناك، وخيرهم ﷺ: 

  • ينتظر أمَّته على وجه العُموم، وينتظر خصوصًا منهم على وجه الخُصوص. 
  • يقول: أين فلان؟ أين آل فلان؟ أين أهل المكان الفلاني؟ وينتظر ورودهم عليه، الله لا إله إلا الله. 
  • ويُقدِّم بعضهم على بعض، ويحظى الكل منهم؛ من شرِب من حوضه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. 

وكل الأنبياء عندهم أحواض، لكن حوض نبينا أكبر: 

  • ماؤه أبرد من الثلج. 
  • أحلى من العسل. 
  • أحسن رائحة من المِسك. 
  • اأصفى من اللبن -أبيض من اللبن-. 
  • فيه ميزابان يصُبّان من الكوثر: نهره الذي في الجنة، يصبَّانِ فيه للحوض؛ ميزابان. 

"مَن شربَ مِنهُ لم يظمأ بعدَهُ أبدًا ولم يسْود وجهُهُ أبدًا" اسقنا من حوض نبيِّك، واجعلنا في أوائل الوارِدين عليه، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين بخير ولطف وعافية وتمكين مكين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

كانت تقول السيدة عائشة: إذا أردت أن تسمع خرير الماء ميزاب يصب في النهر، الله جعل له مما يشابهه ويُقاربه في الدنيا قيل: ضع أصبعيك في أذنيك تسمع خريرًا كخرير الميزابيين في الحوض. مُجرَّد أن تضع إصبعيك في أذنك تسمع مثل هذا كالخرير. الله أكبر. نريد أن نراه هناك ونسمعه إن شاء الله. برحمتك يا أرحم الراحمين.

تاريخ النشر الهجري

25 رَمضان 1442

تاريخ النشر الميلادي

06 مايو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام