(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، الآية: 21 ، إلى قوله تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}، الآية: 23
﷽
(سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24))
الحمد لله مُكرِمنا بالقرآن وبيانه على يد عبده محمد -صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه- ولِسانِه، أدامَ الله عليه مِنه عنَّا الصّلوات والتّسليمات في جميع أحيانِه، وعلى آله وأصحابه وأهلِ الاقتداء به والوَزن على مِيزانِه، وعلى آبائِه وإخوانِه من أنبياء الله ورُسُله صَفوَته -سبحانه وتعالى- الذين خصَّهُم بأعلى امتِنانِه، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، وملائكة الله المُقرَّبين وجميع عباد الله الصّالحين مِن كُلِّ صادقٍ مع الحقِّ في سِرِّه وإعلانه، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين بواسِع فضله وإحسانِه.
وبعد،،،
تفسير قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21))
فإنِّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربنا -سبحانه وتعالى- وقُرآنه وبيانِه، مرَرْنا في سورة الحديد على قوله جلَّ جلاله: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21))، يُشيرُ الحقُّ تعالى إلى تفضُّله ومِنَّته علينا، وأمرُه إيَّانا أن نَغتنِم ونَحوزَ فائِضَ المِنَّة الرّبَّانية لنُدرِك النّصيبَ الوافي منها ونفوزَ بالحظِّ الكبير التّام.
فإنَّ بِعثتَهُ لسيدنا محمد ﷺ مِن مِنّته، وقد سبقَتْها بِعثةُ الأنبياء والمُرسلين لأمَمِهم، من أعظِم النِّعم عليهم، من أعظم كل نِعمة على أيِّ أمَّة بِعثةُ نبيِّها فيها، ثم جاء نبيُّنا خاتم الأنبياء فكان ذلك الفضل العظيم علينا، وأشار إليه -سبحانه وتعالى- بقوله: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الجمعة:2-4] وأمَرَنا أن نكون بهذا الفضل فرِحين، فهو الأمرُ الذي إذا فرِح به الإنسان صفا جَنانُه، وطابَ حالُه وزمانُه، واتَّصل فرحُ دُنياه بفَرحِ بَرزَخِه وآخِرته: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58].
وفي التَّوفيق للأعمال الصّالحة، قال ﷺ وقد جاءهُ -كما في الصحيحين- جماعةٌ من الصّحابة: "يا رَسولَ اللهِ، ذَهبَ أَهلُ الدُّثُورِ بالأُجورِ -أهل الأموال والتجارة وتحصيل المادّة ذهبوا بالأجور- يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ ولَهُمْ فَضْلٌ مِن أمْوالٍ" فما غبَطهم على وُجود المال، لكن على الصَّدقة وعلى العِتْق، قال: ألا أدلُّكم على عملٍ إذا عمِلتموه أدركتم من قبلكم ولم يسبِقكُم مَن بَعدكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تُسبِّحون الله دبُر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدونه ثلاثًا وثلاثين، وتُكبِّرونه ثلاثًا وثلاثين، ثم تقولون تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، فلمّا رجعوا إليه قالوا: سمع أهلُ الأموال بما علَّمتنا، فعملوا بمثل عملِنا، فقال لهم: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) جلّ جلاله.
وقال سبحانه في شأن فضله على عباده بتكفير سيِّئاتهم وغَفرِها وإدخالِهم الجنَّة: (لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) [الفتح:5].
يقول الحقُّ: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) فالفرصة سنَحتْ لكم، خلقتُكُم لِتَربحوا عليّ، لا يصِلُني رِبح مِن أحد منكم ولا أنتفِع بأحدٍ منكم، إنَّ الله خلق الخلق لِيربحُوا عليه لا لِيربح عليهم، وأعظم مَن يَربح: المُكلَّفون من الإنس والجِنّ إذا استجابوا لنِداء ربِّهم، يربحون أرباحًا كبيرة كثيرة، حتى أنَّ سادتنا الرَّابحين من الملائكة يكونون بالنِّسبة للمُكلَّفين ما بين مُهنِّئين ومُبشِّرين لهم وقائمين بخدمتهم، وما بين مُعذِّبين لهم وضاربين، يُلقون عليهم البِشارة بالعذاب والطَّرد -والعياذ بالله تعالى- على حسب ما يغتنم هؤلاء المُكلَّفون الفرصة، ومَن يُعرِض عنها ويُضيِّعها.
فالذين اغتنموا الفرصة، فإن الملائكة تستغفِر لهم، الملائكة تغشاهم خصوصًا في ليلة القَدر:
ثم يصعدون ويشهَدون لهم، ثمَّ عند صعودهم يُنادي جبريل بعد الفجر فيمن يصعدون: فلتصعدوا، فلِزَحمَتهم في الفضاء بين الأرض والسَّماء تُصبح الشّمس وقت إشراقها بيضاء، لا شُعاع لها مِن كثرة الملائكة.
تنظر تظنُّ سحابا، وليس سحابًا، ترى في السَّماء ضعفًا في الشَّمس، ليست مُشرِقة بقوَّتها، من دون سحاب، لكثرة من في الهواء من الملائكة، فيتداعون، يرحلون، يرحلون، يرحلون، حتى يمضي صدر النهار وهم لا زالوا يصعدون في الجوّ، بين الأرض والسماء، ويجدون الملائكة في السَّماء ينتظرونهم، يسألونهم: ما فعل الله بأمّة محمد؟ وما حالُ فلان؟ وما حال فلان؟
هكذا جاءتنا الأخبار، فهؤلاء الملائكة:
وفي صحيح ابن حبّان عليه رحمة الله، قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقالَ يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن شَهدتُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّكَ رَسولُ اللهِ وصلَّيتُ الصَّلواتِ الخمسِ وأدَّيْتُ الزَّكاةَ وصُمْتُ رمضانَ وقُمْتُه، فمِمَّنْ أنا؟ قال: من الصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ"، (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) [الحديد:19]. هذه الأرباح العظيمة الكبيرة بُسِطَتْ لنا موائدُها، ودُعينا إليها على ألسن الأنبياء والمرسلين من قِبَل الرحمن -جلَّ جلاله-، فويلٌ لمَن أعرَض عن الله، ويل لمَن آثر شيئًا مِن فاني دنياه، وزائِل عرضه المُنقطِع، لِمَ يُؤثِر غير الله؟ وقد دعانا إلى الرِّبح الكبير، دعانا لِنربَح عليه، وقال لنا:
(سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ما أعظمَها من مسافات! وما أعجَبَ ما فيها مِن صفات! نباتٌ لا كمِثله في الأرض نبات، ومطاعِم لا كمثلها في الأرض مطاعم، ومناظِر لا كمِثلها في الأرض مناظِر، أبدًا! ولكنَّه قال الله: إنَّها مُتشابِهة من حيث الأسماء، ليَصِف لنا الجنَّة، فإذا ما يُشابِهُها في الاسم لا نعرفه، ولا نتصوَّر كيف هي، قال: رُمّان ونخل وعنب وزيتون وحورٌ عين وأشجار وقصور وثمار.
جاء لنا بأشياء لها مُسميَّات عندنا في الدنيا لكن ليست مثلها؛ في الجنة أعلى وأجلّ وأكبر وأعظم، لو أنَّ واحدًا مِن أهل الجنّة نزَلَ إلى الأرض لوُجِدَ ريحه من المشرق والمغرب، وأيُّ طيب وعطر في الدنيا يُعطِّرُ من الشرق والغرب؟ هل يوجد عند الملوك شيءٌ مثل هذا؟ هل يوجد عطر مثل هذا أو رائحة مثل هذه؟ من أين يجدون مثل هذا؟ لا إله إلا الله!، "لمناديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها" منديل سعد، منديل سعد بن معاذ رضي الله عنه، يمسح به وجهه، لهم رشح أي: عرق كرشح المِسك -لا إله إلا الله- اللهم أدخلنا جنّتك مع السابقين من غير عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب.
(سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ) ومن الذي أعدَّها؟ وكلٌ يُعِدُّ على قَدر قُدرته وقدر علمه؛ الله (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) فيا فوزَ المؤمنين، اللهم حقِّقنا بحقائق الإيمان بك وبرسُلك أجمعين.
(ذَٰلِكَ) الإيمان ودخول الجنّة؛ (فَضْلُ اللَّهِ) (يُؤْتِيهِ): يُعطِيه ويَهبُه (مَن يَشَاءُ) اللهم اجعلنا ممن شِئتَ أن تهبهم ذلك، وتؤتيهم ذلك يا مالك الممالك (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [آل عمران:74] يعطي ولا يبالي.
ثم يقول:
تفسير قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22))
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ)؛ مِن زلزلةٍ، من قحطٍ، من غرقٍ.
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ) من هلاكِ أثمارها، أي شيء في الأرض (وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) من مرضٍ، من سقمٍ، من شللٍ، من عمىً، من صممٍ، من بكم، من وجع، من ألم، من سقطة (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) أي: نخلُقها ونُبدِيها ونُبرِزها ونُوجِدها (مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) قبل أن نخلقها قد كتَبتها وقد قضيتها فإذا علمتم ذلك، وثِقتُم بي، والتجأتُم إليّ في السراء والضراء، فلم تتكبَّروا وتبطُروا إذا أنعمت عليكم، ولم تختالوا ولم تفخَروا، وإذا نازلكم شيء من الأتعاب والمصائب لم تجزَعوا ولم تتبرَّموا ولم تضيقوا ولم تهتمُّوا: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) وفي قراءة (بِمَا أَتاكُمْ).
ويقول سبحانه بعد قوله: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) فإن (ذَٰلِكَ): علمُها والإحاطةُ بها وكتابتُها وتقديرُها وترتيبُها ثم إبرازُها وإيجادُها، (عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
(إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ألوهيه وربوبية، أنتم صعب عليكم أن تُحيطُوا علم حتى بأجسادكم، حتى بالذي وسط بيتك، أن تُحيط به إحاطة لا تستطيع، هناك أشياء كثيرة لا تستطيعها - ما الذي حصل لهذا؟ متى هذا؟ -وأنت لاتعلم، -لا إله إلا الله- لكن الله قال: هذا (يَسِيرٌ) عليّ، لإحاطتي بها علمًا، وتقديري وكتبي وقضائي، ثم إبرازها في أوقاتها التي عيَّنتها؛
فأنتم تَعجَبُون مِمن خلقكم، وخلق أيديكم من أجهزة وشرائح وكمبيوترات وتكنولوجيا: تُحدِث أشياء غريبة، وتُسجِّل أشياء طويلة عريضة في شريحة صغيرة كهذه، ويُستدَلُّ بها من أقصى الأرض إلى أقصاها، على هاتف في المحل الفُلاني في مكان ما، وكل هذا لا يساوي شيئًا، لكنَّ الله يقول: (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] بالأشياء من جميع جوانبها ورتَّبتُها وقدَّرتُها ووضعتُها في أوقاتها، وذلك عليَّ (يَسِيرٌ)، (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [لقمان:28]، تقولون نحن ملايين وألوف ومليارات! وبعد ذلك؟! لا فرق عنده بين واحد ومليار مليار، لا فرق، كله سواء، يخلق واحدًا أو يخلق مليارًا سواء عند الله -جلَّ جلاله- في قدرته الباهِرة القاهِرة الواسِعة، (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22)) فلولا ضُعف الإيمان الذي يُصابُ به كثير من المُنتَمين إلى هذا الدين والمِلَّة، لبرزَتْ الميزة القويَّة على ظهر الأرض في طمأنينتها وعند مُختلف الأحداث، أن غيرهم يرجف، وغيرهم يُزعزَع من أي شيء يبرز في الوجود أو يُخَوَّفُون به، وهؤلاء أحسن الخلق طُمأنينة عند كل الشَّدائد والأهوال:
هذا قولهم الذي يُنبِئك عن فِكرهم وعن عقيدتهم وعن إراداتهم وعن عزائمهم ونيَّاتهم، هذا القول، والنتيجة لأهل هذا المسلَك: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) [آل عمران:148].
ونحن نقول لك يا ربنا:
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ،
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ،
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
أتظنُّ بعد ذلك أنَّ الذين قالوا هذا المقال من الأمم السابقة (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:148]، ثم الذين يقولونه من أمةِ حبيبه الأعظم لا يُؤتيهم ذلك؟ حاشاه! إنَّه الله، أحبَّ محمدًا ﷺ وقدَّمه، وقدَّم أمته على جميع الأمم، من أجله ﷺ، فنحن نقول كما عَلَّمنا وكما قال من كان قبلنا، وننتظر أن يؤتينا الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وعلى مثل هذه الأحوال نحيا ونعيش بإيمان ويقين وصدق، لأننا عبيده، وشُرِّفنا بوَحيِه وتنزيلِه وخاتم رسُلِه ودينه وشريعته، فمَن خيرٌ منه؟ ومن أحسن ممن ظفروا بهذا الفضل؟ إذا عرفنا قدره -فالله يرزقنا الإيمان واليقين التام-.
تفسير قوله تعالى: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23))
يقول: (إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) إذا أيقنتُم بهذه المعاني؛ (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (آتَاكُمْ) بمعنى أعطاكم، (أتَاكُمْ) بمعنى جاءكم من فضل، وما يجيئكم إلا ما يُؤتيكم، فالقراءتان مُتلازمة، وأكثر القُرَّاء قالوا: (آتَاكُمْ) يعني أعطاكم (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) أي إذا شيء فاتكم، ففي الله عِوَض، في الله عِوَض عن كُلِّ هالك.
وهكذا يقول قُتيبة بن سعيد قال: جئت إلى أرضٍ فوجدتُ في صحرائها واديًا، فيه إبل كثيرة ميِّتة، إبل كثيرة كانت أعزَّ أموال العرب، فقلت لواحدٍ: لِمَن هذه الإبل؟ قال: لذاك الشيخ. انظرالى ذلك الشيخ العجوز -جالس يخيط- فجئتُ عنده وقلت له: ألَك هذه الإبل؟ قال: نعم، كانت باسمي، قلت: فما طرَأ عليها؟ قال: ارتجعها من وَهَبَها -قال: الذي أعطانا إياها ارتجَعها له-، قلت له: وهل قلت في ذلك شيء؟ قال ببيتين معناهما: ما أحببت غير ما قضاه و قَدَّر، هو الذي قدَّر وهو الذي أحب، وما تمنيت غير ما أراد، وما أحبُّ أن إبلي في مَبارِكها -يقول في أبياتٍ له- بل ما أحبَّه هو -جلَّ جلاله-ما تمنَّيتُ أن يكون غير ما قضاه -جلّ جلاله-.
هل رأيت مثل هذا الإيمان؟! فلو قوِيَ الإيمان لبرز وتميَّز المؤمنون أمام هذه الأحداث، الآن كلما جاءت نشرة عن شيء في وسائل الإعلام، انكرفَ الناس وراءها وانجرفوا! أين الثّبات؟ أين الاستقامة؟ أين الطُّمأنينة؟ أين اليقين؟
(لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ):
فأنتم في كِلا الحالين على حالٍ جميل، تخرجون عن الطَّبيعة البشريَّة المُخطِئة، كما قال سبحانه وتعالى:
يقول: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)؛ لأنَّ في الله عوضًا عن كُلِّ هالِك، أي شيء صَغُرَ أو كَبُر، حتى فَلتَة رِجلك لا تكون إلَّا بكتاب قد قُدِّر ومضى، وعدم استقرار القلم في جيبك لا يكون إلَّا في كتاب سابق، وفي الغالب، شيء من تصرُّفاتك قد اقتضى ذلك، والذي يعفو عنه أكثر -جلَّ جلاله-، ولكن هكذا يقول بعض السلف: إني لأرى أثر المعصية في خُلُق دابَّتي، تتغير عليّ الدابّة، بمعصية عصيت الله بها وهكذا.
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ) -قضاءٍ وقدرٍ- (مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) أي: نُكوُّنها ونُبرِزها ونوجِدها ونخلُقها (مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) نبرأ هذه المُصيبة، ومِن قبل أن نبرَأ أنفسكم والأرض نفسها، قبل أن نبرأ الأرض ونبرأ أنفسكم، قد كتبنا هذا وقدَّرناه:
قال: أنا بارد الجأش؛ ماعندي قلق وماعندي خوف لأني أعرف أنه لا يكون إلا ما قدَّره -جلَّ جلاله-، وأنا آمنتُ به ووثقتُ به واعتمدت عليه ورأيت حُسنَ مُعاملته.
ولهذا يقول الحقُّ لرسوله قل لهؤلاء المُلَقلقين بالظُّروف والأحوال وبعض الظَّواهر: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا):
أنتم ماذا تتربَّصون بنا؟
أن يحصل لنا إحدى الحسنيين:
هذا الذي تتربّصون بِنا، (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) [التوبة:52] يعني هذه سُنَّة الخلَّاق في خَلقِه:
هذه سُنَّة الله، فماذا تتربَّصون بِنا؟ وماذا نتربَّص بكم؟ يعني قوله: إذا أصررتُم على كفركم هذا، فما يُتربَّص بكم إلا هذا، وماذا تظنُّون فينا؟ ماذا تعملون بِنا؟ لمَّا هدّدوا بعض العلماء؛ إمَّا بقتل أو حبس أو نفي في الأرض، قال لهم: القتلُ شهادة، والسِّجنُ خَلوة، والنَّفيُ سياحة في سبيل الله -إن تنفوني فهي سياحة في سبيل الله، وإن تحبسوني فالحبس خَلوة للعبادة، وإن تقتلوني فالقتل شهادة-؛ أي شيء تفعلونه بي كله خير! و"عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ".
(لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)):
و ذكر لنا ﷺ قصة الثلاثة كما جاء نا في الصحيح يقول: أبتلى الله ثلاثة: أعمى، و أقرع، وأبرص،. في بني إسرائيل، فأرسل الله ملَكًا يأتي إلى الأعمى والأقرع والأبرص:
ثم جاء وقت الاختبار وأرسل الله نفس المَلَك وقال له اذهب إلى الأول بصورة أبرص، و إلى الثاني بصورة أقرع، وإلى الثالث بصورة أعمى، واسألهم من مالِهم.
لا إله إلا الله، سبحان القوي القادر، الله يرزُقنا الأدب معه.
تفسير قوله تعالى:(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24))
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (24))
هو بخيل، ويريد الناس أن يكونوا مثله، يشقُّ عليه أن يُنفِق أحدٌ على أهل الخير، أو ينفق على المحتاجين. ما به هذا؟ اذا أنت لا تتصدَّق، دعْ الناس يتصدقون!
باقي معنا آخر جمعة لنا في هذا الشَّهر من هذا العام، ليس معنا جُمعة ثانية، الجُمعة القادمة تأتي في شوَّال -لاإله إلا الله- ركعة اليوم أفضل من ركعة في الجمعة التي بعدها، آيةَ اليوم تقرأ أفضل من ألف ركعة في الجمعة التي بعدها، تسبيحة اليوم أفضل من ألف تسبيحة فيما بعدها، صَدَقة بريال اليوم أفضل مِنْ ألف ريال في الجمعة التي بعدها، عندما يخرج رمضان يكون أمر ثاني، فما أعظم نعمةَ الله علينا! ونسأله توفيقنا، بقي أيَّام وما عادت العشر الأواخر كاملة، معنا خمس أواخر، قد راح من العشر الأواخر نصفها، فمعنا هذا الباقي، يُبَارِك الله لنا فيه إن شاء الله ويرضى عنَّا، ويزيدنا إيمانًا ويقينًا، ويرزُقنا الأدب معه، ونخرج إن شاء الله بنور رمضان وسِرّ رمضان الذي نُحسِنُ التعامل به مع الملِك المنَّان في السِّرِّ وفي الإعلان، في طول أعمار، حتى نلقاه على كمال الإيمان، يحبُّ لقاءنا ونحن نحبُّ لقاءه.
آمين يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي لأمين محمد ﷺ
الفاتحة
اقرأوا سورة الكهف وأكثروا من الصَّلاة على النَّبي ﷺ في هذا اليوم. لن ندرك جمعة ثانية في رمضان هذا، خلاص، سيرحل، يرحل بجُمَعه كلها الأربع، ويطلع فوق شاهدًا لنا أو شاهدًا علينا. الله يجعله شاهدًا لنا لا شاهدًا علينا. ولا تجعله يا ربي آخر العهد بجُمَع رمضان، وأعد علينا رمضانات عديدة في عافية وصلاح، في بلادنا يَمَنِنا وشامِنا وشرقنا وغربنا، وكشفٍ للشَّدائد عنَّا وعن جميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.
29 رَمضان 1442