(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، الآية:1، إلى قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ}، الآية: 4
﷽
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4))
الحمد لله على بُلوغِنا رمضان، وإِدرِاكنا موسم شهر الفضل والامتنان، والجود والإحسان، والعفو والغفران، والعتق من النيران، والعطايا الواسعات الرِّزان، والمِنَح الإحسانيات الربّانيات العظيمات الجليلات الجميلات الحِسان.
له الحمد وله الفضل وله الشكر ولهُ الإمتنان، الحمد لله على ما بَسَط لنا من بِساط الاتصال بالقرآن، والتنزيل الذي خَصَّ الله به عبدَه المُصطفى سيد الأكوان، وجعله جِلاءً لكل درَنٍ ورَان، وسبب الفوزِ بمراتب القُرب والعِرفان، ودخول أعلى الجِنان، والسلامة من العذاب والنِّيران.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على من اصطفيته على الخلائق من كل قاصٍ ودان، وخصّصتَهُ بِنُزول القرآن، وابتدأتَ إنزاله في شهر رمضان، وقلت عن ذلك: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]، فَحُقَّ للناس أن يتبيَّنوا خيرَ بيان، بأنوار القرآن، مَسلَكَهُم وحقائق معارِفهم ومَداركَهم في كل آن.
والمؤمنون أولَى أن يستوعِبوا ما فيه من مَعانٍ، بتدبُّر وإِمعان، في شهر رمضان، فتح الله علينا في القرآن، فتحاً يُرقِّينا به مَراقِيَ أهل الصدقِ معه في كل شأن، وأهلُ الاستنارة بأنوارِه التي تملأُ الجَنان.
ولقد تفضّلَ الله -تبارك وتعالى- علينا باغتنام خيرِ زمانٍ، وهو بُكرات أيام شهر رمضان، وقد قال المصطفى: "بُورِك لأمتي في بكورها"؛ أن نُبادِر منشأ أيامنا وأوائلها بتأمُّل آياتِ كلام ربنا -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه- وما أنزَله وأوحاه إلى قلبِ عبدِه وحبيبه ومُصطفاه.
ولقد وصلنا فيما مضى من العام إلى سورة الحشر في أثنائها؛ وهي السورة الكريمة التي بيّن الله فيها حقائقَ ما يدورُ بين الخلائق: من تأمُّل ونظَر وفِكرٍ وتعامُل، وافتتَح السورة -جلّ جلاله- بقول: بسم الله الرحمن الرحيم، (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)):
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) بلِسان الحال ولِسان المَقال، فالموجودات تشهد بعظَمةِ المُوجِد وإحسانه ودِقّة صنعَتِه وإتقانه، وأنه المُنزّه -جلّ جلاله- عن كل ما لا يليق بعُلوّ عظَمَتِه (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) [الإسراء:44] جلّ جلاله.
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)؛ فوَجَبَ على المُؤمن أن يستشعِر هذا المعنى، وأنه في عالم مُسبِّح، فما كان له أن يعصي المُسبَّح، ولا أن يُخَالِف أمرَه بأعضاء تُسبِّح هذا الإله، وفي زمانٍ يُسبِّح هذا الإله، في أمكِنة تُسبِّح وتُقدِّس هذا الإله، وهو يعصيه! وهو يخرج عن أمره! تحت سماءٍ تُسبحِّ هذا الإله، فوق أرضٍ تُسبِّح هذا الإله، فكيف يعصيه؟ وكيف يخرج؟ بل كيف لا يزداد قُربًا منه في كلِّ آن وهو المُسبَّح بجميع ما حَوَاليه من قاصٍ ودان!.
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ (1)):
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) الكل مُسبِّحٌ بحمده، يشهد بألوهيته وعظمَته وقُدسِه.
فالكمال كله له، فحَقٌ أن نُشارِك في التسبيح الطَّوعي الرافِع لأصحابه، إنّ إلهَهم الذي يسبّحونه: هو المُقدَّس المُسبَّح قبل خلقهم وقبل خلق السماوات والأرض؛ ولكن المُسبِّح منهم بالاختيار والتعظيم واستبعاث الإجلال في باطنه، هو الذي يُصفّى عن أدْناسِه ومَعايِبه، وهو الذي يُزَكَّى، وهو الذي يُقَدَّس، وهو الذي يُنَظَّف، وهو الذي يرتفِع ويَتعالى ذلك المُسبِّح بإفضال العليِّ القُدوس المُنزَّه المُسَبَّح -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
فما عوائد حقيقة التسبيح إلا لهذا المُسبِّح، وأما الحقُّ فقد تقدَّس قبل أن يُخلقَ هذا المُسبِّح سواء كان سماءً أو أرضًا أو مَلَكًا أو إنسِيّا أو جِنيّا أو نباتًا أو جمادًا أومعدن أو حيوانا.
فالكُل قبل خَلقِهم الحقُ هو المُنزَّه المُقدَّس الكامل، وهم يُسبِّحون فيرجِع التسبيح إليهم وخصوصًا مَعشَر المُكلَّفين، فإنهم كلما استَرسلوا في التسبيح:
بكثرة التسبيح للحق -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1))، وذكرَ من مَظهَر العِزّة والحكمة ما جرى لِطائفةٍ من أهل الكتاب وهم بنوالنَّضير، وقد كان سيدنا عبد الله بن عباس يسمي السورة: سورة بني النضير.
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ..(2)) أجلاهم من حصونٍ، كان لهم فيها سُنون، وظنُّوا أنهم لا يُجلَون، وظنوا أنهم يدُومون، وأنه يُمَكّن لهم في تلك الحُصون طولَ حياتهم، فجاءهم ما لا يتوقَّعون، وما لا يخطُر على بالهم ولا على بال من حواليهم.
وهكذا تحمِل الأحداث من قِبَل المُدبِّر المُسيِّر المُقدِّر -جل جلاله- في مختلف الأزمنة والأمكنة؛ ما لا يتوقع أهل الأزمنة والأمكنة؛ ليعلموا:
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) وهم من نسل وذرية سيدنا هارون -عليه السلام- أخي موسى، فكان بنو النضير من الذين هاجروا إلى المدينة وَقت فِتنة بني إسرائيل، يترقّبُون ظهور النبي الجليل، فهي أرض مُهاجَره بما عندهم من دليل، وبيان من الملك الجليل، وما في التوراة من التكريم والتبجيل، لمحمد خيرِ دليل، وجاءوا إلى هذه الأرض حتى إذا بُعِثَ وهاجر إليها كانوا أنصاره واستناروا بأنوارِه.
ومرّت الأجيال، فلما بُعِث وجاء؛ كفروا به وخانوا عُهوده، وعمِلوا على إيذائه. وكم تفعل الأنفس والأهواء بالناس:
وكم من مُظهِرٍ نيّة في إقامةٍ أو سفرٍ أو عمل؛ ثم ما أسرَع ما ينقلِب بأهوائه وشَهَواتِه ويخرُج عن النيّة الصالحة إلى ما سَفُل ورَذُل.
جاء أجدادهم إلى هذه البلدة لأجلِ أن يكونوا عُدَّة؛ لنُصرة مُحيِي الأفئدة -صلى الله عليه وصحبه وسلم-، فعمِلت بَلْوى مَحبّةِ المال والجاه، وأوهام الزُّخرف والغرور في قلوبهم، ما ضيَّعوا به العهد والقَصد كله، وعادُوا من خَتَم الله به الرسُلَ -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فخسِروا الدنيا والآخرة؛ (ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج:11].
ولمّا جاءت غزوة بدر وكان النبي قد عاهد القوم أن لا يكونوا له ولا عليه، ولا ينصُرون أحدا عليه ولا يمسَّه ولا أصحابه بأذى؛ فصالَحهم على ذلك وعاهَدَهم، وجاءت غزوة بدر، وأخذوا يقولون: هذا هو النبي المذكور في التوراة المنصُور.
فجاءت غزوة أحُد فكانوا مع جماعةٍ من اليهود والمُشركين والمُنافقين مُتزلزِلين وقائلين كيف يتم هذا؟! وكيف؟ وهذا ليس هو النبي وإلى غير ذلك مما يتقوّلون؛ بل وتحرّكوا للإيذاء وارْتابُوا وخسِروا، وذهب منهم كعب بنُ الأشرف إلى مكة المكرمة يَتحالَف مع المُشركين من قُريش؛ ليُقاتِل النبيَّ معهم وليُضادَّه، ويحاول أن يجمع غيرهم من قبائل العرب، ويُؤلِّبهم على قتال السيد الأطيب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وما الذي دعاهُ إلى هذا؟! وما الذي أوقَعه في هذا الأذى والمصائِب؟!
وما كان إلا سعي حثيث خبيث في وقتٍ يسير مُحدَّد، ثم قُتِل وذهب إلى الهاوية والنار، وغاية البَوار والخَسار، فما نفَعَه ذلك؟!
وماذا حمَلَه على أن يُؤلِّب الخلق على قِتال سيد الخلق؟!
نفوسُ البشر تَفعل بهم هكذا، إذا جاءت أهواؤهم وإذا قامت شهواتهم لا يَدرون بخَطرِ ما يقولون ويفعلون وعواقِب ما يصنعون؛
ألّبَ القبائل حتى قال ﷺ: "من لي بكَعب بن الأشرف؟ وكان المؤمن الصادق المُخلِص محمد بن مَسلَمة أخًا له من الرضاع، فقال: أنا لك به، أتأذن لي أن أقول؟ قال: قلْ ما شِئت"، فذهب إليه وأخبره أو تظاهَر له بأنه يريدُ ديناً منه؛ من الحِنطة والطعام فقال له: على أن تُعطيني رهنًا.
وتظاهر بالكلام الذي استأذن أن يقوله، فقال: فقد تعِبنا مع محمد وأُرهِقنا، وهو يأخذ منا، والآن نريد منكم قِرضة ودَين، قال: قلت لكم هذا -ويسبُّ النبي ﷺ- أنكم ستندمون وستتعبون بعده، وهو يُخاطِب مُؤمِناً، الإيمان في قلبه أرسخَ من الجبال الرواسي، قال: فلَكَ أن تعطينا رهن؟ قال: ماذا تريد؟ قال: ترهَنون أولادَكم، قال: يا عَيباه يا كعب بعد ذلك يأتون الناس يقولون رُهِن بأصوع من شعير بُر أولادنا، قال: ترهنون نساءكم. قال: يا عيباه نرهن نِساءنا وأنت أجملُ العرب! ويتكلّم الناس علينا، قال: فماذا؟ قال: نؤتيك بالسلاح نرهَنُه عندك قال: تمام، فوَعدَهُ.
وجاءه بعد ذلك في ليلةٍ ومعه بعض الصحابة أوقفَهم بعيد، ثم قال هذا هو السلاح جِئناك به، وخرجَ إليهم فنَأى به عن دارِه وبيته، ثم قال: ما أطيب الريح الذي عليك! قال: أنا عندي من الطِّيب كذا وتزوجت كذا، قال له: تأذن لي أن أشم ريحَك؟ قال: تفضّل وتقدّم، فقتله.
وكانت زَلزلة لهؤلاء المُفسدين الذين تألَّبوا وألَّبوا مَن سِواهم لحربِ رسول الله ﷺ، ثم بعد قتلِ رأسهم ذلك، بَقَوا هم على ظاهر العهد يتظاهرون أنهم مع المُصالحة التي بينهم وبين سيدنا رسول الله، وصادف أن احتاج ﷺ إلى دِيّةٍ لأجل قتلٍ حصلَ خطأ من بعض أصحابه؛ كان يظنُّ المقتول من المُقاتلين المشركين، فبانَ أنه من المسلمين فأراد أن يديه، ويُسلِّم لأهله دِيَّته، فلم يكن في خزينة الدولة العظيمة المُحمدية شيء من النقود ولا المال.
واستعان بمَن يستطيع المُعاوَنة، وعرَضَ على بني النضير أن يُقرِضوه دَينا ليُؤدي به الدِية ويردُّ عليهم دَينهم، فخرج في نفرٍ من أصحابه؛ من سيدنا أبو بكر وعمر وعلي إلى ديارهم، فقالوا: تفضّل اجلس هنا، وآتوا به تحت حصن من حُصونِهم، وقالوا: اجلس هنا حتى نُعطيك القَرض الذي طلَبت.
ثم أخذوا بينهم البَين في البيت يقولون: أسعفَ لكم لن تجدوه في مثل هذا الحال، فليَطلَع أحدَكم على السطح فيَرمي بالرَّحى فوق رأسه فنقتُلَه ونتخلّص منه، وكان واحد -عمرو بن شَريك- منهم يَعرِض الخطّة، واحد من أصحابهم يقول: لا تفعلوا فإنه سيُخبَر، وينقض العهد بينكم وبينه ويقَع أمر ثاني بعد ذلك، قالوا: ننفذ الخطة اليوم فُرصة معنا ونفعَل.
وأخذوا الرَّحى، ووضعوها على جدار الحِصن، وطلَع الذي يريد أن يُلقيها ويرميها، فجاء جبريل للنبي ﷺ وأخذ بيده وأخبره بما فعل القوم، فمضى إلى المدينة، قام كأنَّه يُريد قضاء حاجة والصحابة جالسون، ومضَى ومشى إلى المدينة المنورة، وهم في مكان -يقال له: زاهرة في حوالي المدينة المنورة مساكِنَهم- استبطَأه الصحابة وانزعج سيدنا أبو بكر قال: أين ذهب رسول الله؟ قاموا يبحثون عنه ما وجدوه، ووجدوا رجلًا مقبِل، سألوه قال: أنا رأيته في المدينة، دخل المدينة، فجاءوا إليه فأخبرهم بما صنع القوم، ونقضِهم العهد وإرادَتِهم قَتله ﷺ.
فأرسلَ إليهم محمد بن مَسلمة، قال له : قُل لهم بعدما همَمتُم به وعمِلتُم ونقضتُم، اخرجوا من الأرض وانتشروا، وجاء وأخذَ يقول لهم صاحبهم: ما قلت لكم! قلت لكم لا تفعلوا فإنه سيُخبَر، الآن قد افتَضَحنا وذهب العهد والميثاق، ومَن اليوم لنا؟ وكيف نفعل؟ قال: أخرجوا من هذه الحصون، اعتنَوا ببِنَائِها وتقويمها، ويَرون أنفُسَهم ملوك يُفسدون بين الأوس والخزرج يلعبون بالجزيرة من حواليهم، واليوم يُخرَجون!!.
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا..(2)) الله، بعظيم تدبيره وغريب تصرُّفِه في خَلقِه -جلّ جلاله- قلَّب الموازين، وسمعته يقول عن طائفة في بني اسرائيل لمّا طغى فرعون في البلاد: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ *وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) [القصص:7-6] وبدأت القصة في هذا، وانتهى عرشُ فرعون كُله، سبحان مُحوّل الأحوال ومن بيده الأمر كله.
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) قالوا كيف نخرج؟ قال: هو هذا، قالوا: أعطنا فرصة عشر أيام، رجع إلى النبي، أخبره قال: لهم ذلك.
علِم إخوانهم من المشركين من المُنافقين في المدينة أن الجماعة قد زُلزِل بهم وهم عازمين، أرسلوا إليهم: أن لا تخرجوا.. اجلُسوا في حُصونِكم نحن معكم، وأرسلَ إليهم عبد الله بن أُبَي يقول: عندي كذا كذا من العَدد نُقاتل معكم إن قُوتِلتم، فاغترّ حُيَي بن أخطب بكلام المُنافقين قال: قل لمحمد لن ننزل.
أصلحوا حصونهم وأدخَلوا ما يحتاجُونه من متاعٍ ونفقة وقالوا: قولوا له يفعل ما شاء لن نخرج.
وصل الخبر للنبي ﷺ فخرَج بأصحابه، فحاصرهم؛ أول يوم، وثاني يوم، وثالث يوم، أوّل ما وصل في وقت صلاة العصر، صلّى قريبًا من دِيارهم بأصحابه، وحاصرهم وهم يَرمُون من حُصنِهم بالسّهام ويريدون أن يؤذوا الرسول ﷺ ومن معه، وصبَر في اليوم الأول، والثاني، والثالث ،والرابع، والخامس، سادس سابع، أسبوع وهو جالس هناك، وأسبوعين إلى إحدى وعشرين ليلة.
(وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ..(2)) وهم يقولون: أين أنت ياأبا أُبَي؟ وأين أصحابك؟! كما سيأتي معنا في الآيات: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ)، (وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ)؛ -ولا أحد جاء ولا أحد نصَر ولا أحد قال- (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11))؛ وامتلأوا رُعب.
قال: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ..(2)):
(مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا) كنتم بِحسَب الموازين الحِسيّة المادية قلتم ما الذي سيبُعد هؤلاء؟! وكم وكم من دُول، وأحزاب، وجماعات، وهيئات تقول ما الذي سيُبعد هؤلاء! صعب! قليل وبعد ذلك تنقلِب الموازين وسبحان القوي المتين، (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ)، مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ، يعني:
(وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم) من رسوله ومن محمد قال: (مِّنَ اللَّهِ) يعني من رسول الله ﷺ من بطشه وانتقامه على يد رسوله.
(وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ) وهكذا من يظُن أن يَمنعه حزبه من الله، ومن يظُن تمنعه حكومَته من الله، ومن يظن يمنعه عساكِره من الله.
لا أحد يمنع من الله:
قال: (وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا؛ بقهرِه وإذلالهم، ما كان يتوقّعون قط هذا ولا يَخطُر على البال، أنّ هؤلاء أهل الثروة وأهل القوة وأهل السيطرة؛ وأهل اللعب بالموازين وأهل المكر أن أحد يُخرجهم، أحد يبعدهم، ابتدأ الأمر: (هُوَ) .. (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا).
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ..(2)) و امتلأوا خوفًا على أنفسهم وعلى أولادهم، كيف نَصنع كيف نَصنع؟! وأرسلوا إلى النبي ننزِل على الصُّلح، نتصالح وإياك بالذي تريده فقال: لا، إلا الجَلاء، اُخرجوا من بلادنا واترُكونا في بلاغِنا لأمر الله تعالى؛ ودعوتنا لخلق الله، اخرجوا أنتم بمكركم واذهبوا الى أرض أخرى.
ولم يلبِّ لهم منافق ولا مشرك ولا أحد من أصحابهم، ولا الذين بينهم التحالف ولا الذين بينهم المواعيد ولم يبقَ شيء. قالوا: كيف نذهب وعندنا متاعَنا؟ قال: كُلّ ثلاثة أبيات منكم لهم جَمل يُحمِّلونه من مَتاعِهم ما شاءوا، ماعدا السلاح، السلاح لا تأخذوا شيء، أنتم مُفسدون في الأرض، تستعملونه بالطريق الخبيث بما يضرّعباد الله، اتركوا السلاح، احملوا أي شيء من متاعكم تحمله لكم هذه الجمال، كل ثلاثة أبيات أصحاب كل ثلاث غرف لهم جمل يحملون عليه ما يقدروا، صاروا يُحمِّلون ويُحمّلون ويُحمِّلون، حتى انهم ينظرون في سقوفهم، إذا عمود أعجبهم يُخرِّبونه يخرجونه يُحمِّلونه معهم على الجمل؛ (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم) يقولون: ربما يأخذونه هؤلاء الذين بعدنا، فصاروا يحاولون يُخرِّبون يُكَسِّرون في بيوتهم.
(وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ)، وفي قراءة: (يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) كيف هم يخربون بيوتهم بأيدي المؤمنين؟! لظلمهم وطغيانهم وخيانتهم ونقضهم العهد؛ فهم خرّبوا بيوتهم بأيدي المؤمنين بدخولهم وتسلّيط الله عليهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.
وكانوا إذا رمى المؤمنون مقاتليهم من الخارج، وهم في الداخل يلعبون بالديار والمَتاع من أجل ما طابَت نفُوسهم يتركونها، وحمّلوا كل ما استطاعوا وأمرهم أن يخرُجوا ﷺ وكان بإمكانه أن يُقتّلهم وبإمكانه أن يُعذِّبهم ولم يسلك شيء من هذا الطريق.
وقال: اخرجوا بأفكاركم هذه وسوءكم إلى بعيد، راجعوا حسابكم راجعوا أنفسكم عسى، فما أسلم منهم في ذاك الوقت إلا اثنان فأمّنهم ﷺ وأمَّن أموالهم قال: كلُّ مالكم خذوه، أمّنهم وأمّن أموالهم وديارهم الذين أسلموا، وخرج الآخرون ولم يبقَ لهم نصير من قريب ولا من بعيد، والهيمَنة ذهبت، والحِيَل والمَكر انتهت، والتبختُر ذهب، ولم يبقَ شيء فخرجوا أذِلّة.
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ) العزيز الحكيم الذي يُسبح كل شيء بقدسه، (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)) يقول الله: هذا أمر من الذي قضينا عليكم منطوٍ بالنسبة لقُدرتنا تحت رحمةٍ مِنا.
(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ) لولا أن قدّرنا عليكُم برحمتنا هذا أنكم تُفارِقوا هذه الأرض وتخرجوا منها (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا): بالأسر والقتل والشِدّة، لأنهم يستحقون العذاب.
(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ وحَقُّ من يُشاقّ الله ورسوله عذاب الدنيا والآخرة؛ فليس لهم إلا ذلك.
(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4)) وهكذا كان ما كان من أمر القوم؛ فأُجلُوا فكانوا أول من أُجلِيَ من اليهود نحو المدينة المنورة وحول المدينة المنورة، وكانوا فيها وحولها بنو النَّضير وبنو قَينُقاع وبنو قُرَيظة:
فكلٌ أخذَ حقَّهُ من الخيانة، ولمّا خان هؤلاء اليهود لم يُعَمِّم بِساط الحُكم يقول: أنتم يهود، واليهود كلهم نُخرِّجهُم، بنوقَينُقاع ما نقَضوا، ما ظهر منهم شيء، فتركهم، بنوقُرَيظة ما نقضُوا ما ظهَر منهم شيء مكَانكُم على العهد؛ في حِمايته كانوا؛ مصالحهم وأموالهم تحت حِمايته تحت حِماية دولته -عليه الصلاة والسلام- وترتيبه، أمِنُوا على أموالهم وعلى أعراضِهم وعلى تجاراتِهم وعلى أهلِهم وأولادهم في حِمايته -عليه الصلاة والسلام-؛ بما جعل بينه وبينهم من صُلح.
ولولا ذلك منه ﷺ لمَا تُرِكُوا على هذا الحال ولا امتّدت إليهم الأيدي من هنا ومن هناك، ولكنّه ما أَوفاهُ! وما أحلَمَه! وما أكرَمَه! وما أعظَمه! وما أكرَم منهَجه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يأتي معنا بقية خبرهم فيما قص الله علينا لا إله إلا هو وصلّى على عبده المُصطفى محمد ورزقنا حُسن مُتابعته.
اللهم بالقرآن ورمضان ومن أنزلتَ عليه القرآن افتح لقلوبنا أبوابًا في فَهْم شريفِ المَعاني، شَيِّد لنا في تَقواك والصدقِ معك أعزَّ المباني، وعلِّمنا من لدُنك عِلمًا يا عزيز ياحكيم نسألك العِلم اللّدُنّي، والمشرب الصافي الهني، وهّاب ياغني.
اللهم ومَن في زماننا من أرباب السُّوء من الذين يريدون السوء بشَرعك ودينك ورسولِك وأتبَاع رسولِك، هم مُغترِّين بشيء مما آتيتهم فزَلزِلهُم وأبعِد شرَّهُم عنا، وعن جميع أهل لا إله إلا الله، ولا تُبلِّغهُم مرادًا فينا ولا في أحد من المسلمين ياقوي يا متين، يا عزيز يا حكيم، يا أرحم الراحمين.
اللهم ورُدَّ كيدَ النفسِ والشيطانِ عنَّا وعن أهلينا وأولادنا وذَوينا، واجعلنا من أسعد خلقك برمضان وما فيه، وجودك على أهْلِيه وبأيامه ولَيَالِيه، قرِّبنا إليك زُلفى وارزُقنا الصدق والوفاء، وألْحِقنا بخواص الأئمة الحُنفاء، وشرِّفنا بما شرَّفت به المحبُوبين الشُرفاء، وصفِّنا عن كُل الأدْرَان يا خَير من صفّى؛ فإنّا بين يديك والحالُ لا يَخفى عليك.
ونسألُك حقيقةَ تسبيحك وتقديسك، وتنزيهك وتحميدك، وتهليلك وتكبيرك، فنقِّنا عن الشوائب وارفعنا عَلِيَّ المَراتِب، وأذِقنا أحلى المَشارِب وتولَّنا بما تولَّيت به الصالحين الأطايب، يارب العالمين وياأكرم الأكرمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
03 رَمضان 1442