تفسير سورة الحشر، من قوله تعالى: {هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ..}، الآية: 23
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ..}، الآية: 23، إلى آخر السُّورة المباركة

نص الدرس مكتوب:

( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24))

 

الحمد لله الذي أكرمنا بتلّقي أنوار ما ألقى على قلب نبيه المُصطفى ومُقابلته ما أنزل من الوحي والتنزيل وتأمُّل ذلك؛ لنستضيء ونستدل بخير دليل؛ فنسلك أقوم سبيل؛ لنحوز قربًا من العليّ الجليل، ومرتبةً تفوقُ في التكريم والتبجيل من الفهم عنه والمعرفة به -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، وهو المُنزّه عن كل شريك ونظيرٍ ومثيل، لا إله إلا هو. 

ختم النبوة بعبده الهادي الدليل سيدنا محمد أكرم رسول، البرّ الوصول صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه بالغدو والأصيل، وعلى آله الأطهار وصحبه خير جيل، وعلى من والاهم في الحق وتابعيهم في النيّة والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتبجيل والتفضيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا ذا العطاء الجزيل. 

أمّا بعد،،، 

فإنّنا في نعمة تأمّل كلام ربّنا وتلقّي ما ألقى على قلب عبده ﷺ، واستقبال ما أنزل وأوحى، انتهينا إلى أواخر سورة الحشر، وقد ضمّ الله لنا في خاتمة سورة الحشر تعرّفات من حضرته العلية ومدّ لنا من أسرار الصفات والأسماء حِبالًا متينة، من استمسك بها أشرقت عليه أنوار مُبينة؛ تجعله واعيًا وعاليًا وراقيًا مرقى يتفضّل فيه بتعيينه ويُكرم بحُسن تبيينه. 

في خاتِمة سورة الحشر آيات عظيمات كان في أوّلها الإشارة إلى أن هذه التعرّفات والتنزّلات والدلالات لو وُجّهت إلى الجبل؛ لتصدّع لها الجبل: 

  • وقد قال الله في آثارها عند الذين آمنوا -إذا استقبلوها وقابلوها ففهِموها ووعوها- (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ) [الزمر:23]. 
  •  وكم من مسلمٍ ظاهِرهُ الإسلام يعيش بين المسلمين وربّما قام بصورة الصوم والصلاة، لم يقشعر جلده من كلام ربّه قط ولا لآن جلده ولا قلبه: 
    • فكأنه لم يسمع وكأن وحيًا لم ينزل، وكأن رسولًا ما بلّغ -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر:22]، (ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر:23].

 ومررنا على الدواء والبلسم لكلّ ظُلمة ولكلّ حِجاب؛ الشافي من داء البُعد المعنوي عن الربّ الحق -جلّ جلاله-؛ بقوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، المُحيط علمًا بكلِّ شيء، وليس بمقاييسكم؛ الغيب والشهادة عنده شيء واحد، لا فرق بينه؛ (هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (22)).

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ..(23)): تكرير لحسن التأثير وللرُقي في المعنى الكبير، ولانكِشاف ما يحتويه ويشتمل عليه التعبير من جوهر وإكسير. 

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ): 

  • وقُلنا أن الملك الذي يستغني عن كل ما سواه، ويحتاج إليه كل ما سواه، وليس بهذا المعنى مُلك إلا لله، هو الملك وحده. 
  • وقلنا أن من ملك نفسه وهواه من البشر واستغنى عن التذلل والعُبودية للخلق من حيث هم خلق، كيف من حيث هم خلق؟ 
    • لأن خفض الجناح من الذل لمثل الوالدين أو للمؤمنين أو للشعائر؛ ذلّة لله ليست للخلق. 
    • ولكن الذلة للخلق من حيث هم خلق مُنقطعين عنها، لأجل الله مع كونه منقصة وعار وعيب على الإنسان، فهي قاطعة له وحاجبة، وليس من أهل المُلك الحقيقي.
  • وقلنا أنَّ الخلق اغترّوا بالمُلك الصوري المجازي المؤقّت الفاني القصير الحقير، وأنزلوه فوق منزلته. 
  • ولأجله تقاتلوا؛ ولأجله تسابوا وتشاتموا، ولأجله تباغضوا وتباعدوا، ولأجله ضيعوا قيمًا وأديانًا ودينًا -والعياذُ بالله تعالى-. وهو أمام عيونهم، لم يدُم لمن قبلهم ولن يدوم لأحد منهم، وفي وقته المحصور: 
    • مُحاط بأنواع من الكُدور والشُرور وأنواع من المحذور، ولكن: (وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) [الكهف:17]. 
    • وقال الله عن أقوام يتشبّثون بالدنيئات والسواقط: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة:41]. 

ولكن حظَّ المؤمن من اسم (الْمَلِكُ): 

  • أن يخرج عن الذلة للكائنات من حيث هي ذِلة فلا يكون فيها شيء مقصود له البتّة. 
  • ويجعل قصده الحق ووجهته إليه، ويجعلها فيما يصح ويصلح له استخدامه، وسائل تُعينه على المقصود والوصول إلى المقصود. 
  • يبدأ المُلك الذي هو بالنسبة للخلق مُلك حق وشرف، ويتأبَّد باتصاله بمُلك الجنة الذي قال الحق عنه: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20]. 

ينتهي في ذلك المُلك إلى أن:

  1.  يشب فلا يهرم أبدًا.
  2.  وأن يحيا فلا يموت أبدًا.
  3.  وأن يصح فلا يمرض أبدًا. 
  4. وأن ينعم فلا يبأس أبدًا.

 وأين واحد من هذه الأربعة في المُلك من أيام أبينا آدم إلى أن يُنفخ في الصور؟! ليس فيها شيء من هذا: 

  • ولا واحد من الأربعة، بل كلهم يبأسون وكلهم يشيبون ويشيخون -إذا طالت بهم الأيام في الحياة الدنيا- وكلهم يمرضون، وكلهم يموتون. 
  • بل كلهم ماتوا، فما عاد بقي مِمَنْ يملك على ظهر الأرض هذا المُلك الصوري المجازي؛ إلا نسبة ضئيلة من الذين ملكوا، كلهم قد ماتوا. 
  • فالبقية الذين سيموتون أو سيولدون وسيموتون نسبة ضئيلة أقل من واحد في المئة، واحد في الألف، من المُلوك، قد مات الملوك، سبحان الملك الذي لا يموت سبحانه. 

يا الله طلبناك يا من *** ليس ملكه يزول 

لكن المُلُك هذا زائل، المُلك في حياة بني آدم فقط من أيام أبيهم آدم إلى الآن قد زال، الموجود منه والذي سيوجد في الوقت القصير الباقي إلى وقت النفخ في الصور، نسبة ضئيلة بنسبة واحد في الألف أو أقل. فما هناك بقاء! من يستوثق بهذا الفناء! من يستوثق بهذا الانقضاء! من يستوثق بهذا الزوال!

يقول: (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) -جلّ جلالة- الذي: 

  • تقدّس عن أن يَخطُر ببال ويُتخيّل بخيال. 
  • تقدس -جلّ جلاله- عن أن يُشابهه شيء أو يُشابه شيء.

(الْقُدُّوسُ)، وما حظّ المؤمن من هذا الاسم العظيم: إلا أن يتقدّس، وأجلى ما يُتقدّس فيه عِلمُه وإرادته. 

فعِلْمه: يتقدس فيه عن الاسترسال وراء المحسوسات والمُتخيلات والمُدركات بالحواس التي يُشاركه في إدراكها وتعلّمها الحيوانات. 

  • ويتعلّق في عِلمه بالأزليات، ومعرفة أسماء الحق وصِفاته الباقية، التي يظل العِلم بها نورًا نافعًا ولو مات هذا الإنسان، ولو تلاشت أعضاؤه كلها. 
  • يبقى هذا العِلم نورًا، هو سبب رِفعة وسبب سعاده: 
    • العِلم بالله وبصفاته؛ وبهذا يتقدّس ويتميّز الإنسان في علْمهِ عن الحيوانات. 
    • وعن عِلم الغافِلين الذي يستوي فيه البَرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر؛ كلّهم بهذه المدارك سواء. 
  • لكن هذا العِلم الأشرف بالأزليات يختصُ به مَن نوّر الله قلبه وهو المعرفة الخاصة التي يتميّز بها من سبقت له السعادة من الإنس والجن، كما تميّز بها الملائكة، والكلّ على درجات. 
  • هذه المعرفة التي أول قدَم فيها عند هذا الإنسان في نزاهته، هو استواء السريرة والعلانية: 
    • وبذا كانوا يقولون عن الصادِق في السلوك والواصِل إلى الخير والاستقامة؛ أنّه لو برز ما في باطنه على طبقٍ يُطافُ به في السوق ما استحيا من ظهور شيء منه. 
    • فاستواء السريرة والعلانية أول خطوة وأول قدم في طريق المعرفة الخاصة. 

والقدْس في الإرادة: بأن يطلب ويريد معاني القُرب والمعرفة الخاصة والمحبة من الحق وللحقِّ، ونيل الرضوان: 

  • هذه الإرادة الشريفة الكريمة القُدسية العلية التي تنْفك عنها إرادة الحيوانات والكائنات والمخلوقات هذه والبهائم. 
  • فأمّا إرادة الشهوات والمطاعم والمشارب فأنت مع البهائم فيها مشتركة، ليست محل قُدسٍ لك ولا محل رفعه. 
  • بل ذكر الله خِسّة من حُرم هذه القدسية ممن كفر فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12]. 
  • لكن هذه الإرادة هي أن تريد قُربه؛ معرفته الخاصة ومحبته العالية ورضوانه الأكبر

 وتُجرِّد الهمّة لذلك ولعظيم هذا القدس في الإرادة، فبقدسك في العلم والإرادة تلتحق بأفق الملائكة وتتميز عن الحيوانات بحقائق الإنسانية الشريفة الكريمة وتُدرِك سرَّ: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29].

(الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ) جلّ جلاله وتعالى في علاه: 

  • الذي لا يمكن نسبة نقص إليه بشأن في سرٍّ وإعلان. 
  • (السَّلَامُ): السالِم من جميع النقائص والذي لا يسلم غيره من أي سوء إلا بتسليمه إيّاه  منه.

(السَّلَامُ) جلّ جلالة، ذكرنا من هذه المعاني وحظّ المؤمن من ذلك: 

  • أن يسلم الناس من ضُرّه وشرّه وبلائه. 
  • وأن يسلم من أن يُستتبع ويُستعبد لغير الربّ. 
  • وبذلك يقوى على نشر الأمن والطمأنينة في مُحيطه. 

كما يأتي معنا في اسم المؤمن. والْمُؤْمِن: من أِمنهُ الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، لا أحد منهم يخاف على مال ولا عرض ولا على نفس (السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ) جلّ جلاله وتعالى في علاه.. 

  • (الْمُؤْمِنُ): الذي لا يمكن أن يُتطرّق إليه خوفًا من شيء، ولا يقدِر أحد أن يضرَّه ولا أن يمسّه بشيء فإنّهم لن يضرّوا الله شيئًا. 
    • "يا عبادي إنّكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضُرّي فتضروني".
  • (الْمُؤْمِنُ) ولا يأمن غيره إلا بحسب تأمينه بحسب ما يُؤمِّنه، جلّ جلاله وتعالى في علاه.

(الْمُؤْمِنُ)، وحظّ العبد المؤمن من هذا الاسم الكريم، أن تؤمن بوائقه، غوائله وشروره:

  • ويتحقق بأن يُحِب لأخيه ما يُحب لنفسه؛ مُؤْمِنُ.
  • قال ﷺ: "خيرُ العبادِ من يُرجى خيرُه ويُؤمَنُ شرُّه". 

هذا خير المؤمنين: "يُرجى خيرُه ويُؤمَنُ شرُّه"، وشرُّهم؛ من لا يُرجى خيره ولا يُؤمَن شره، لا تنتظر منه فائدة ولا منفعة والمصائب منه مُتنوعة -لا حول ولا قوة الا بالله- هذا شرُّ الناس، وبينهم درجات. 

لكن المؤمن يُرجى خيره ولا يُخشى شرّه: 

  • ومِن أرفعهم درجة من كان سببًا لتأمين الناس من العذاب الأليم المُهين الدائم؛ هذا عبدٌ مؤمن. 
  • والكمال في ذلك للأنبياء، وأكملُهم زينُ الوجودِ ﷺ، قال:
    •  "ومثلي ومثلكم كمثل الفراش يتهافت على النار وأنا آخذ بحجزكم" ﷺ
    •  "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".

(الْمُؤْمِنُ)، ويوقِفك على سرّ هذا، قوّة إيمانك بهذا المؤمن الحق -جلّ جلاله وتعالى في علاه- زادنا الله إيمانا في كل يوم، في كل ليلة وفي كل ساعة وفي كل لحظة وفي كل نفس، اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا. 

(الْمُهَيْمِنُ)، (الْمُهَيْمِنُ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- (الْمُهَيْمِنُ): 

  • الذي لا تبقى ذرّة في الوجود إلا وهي مُحاطة بعِلمه وتقديره وتصويره وتدبيره. 
  • (الْمُهَيْمِنُ)،  فـ(الْمُهَيْمِنُ) بالمعنى المُطلق ليس إلا هو، ليس إلا هو وحده -جلّ جلاله-.

 (الْمُهَيْمِنُ):

  • الذي لا تكون ذرّة في جميع الوجود إلا وهي مُحاطة بعِلمه وتقديره وقهره وتدبيره وتصويره وقدرته جلّ جلاله وتعالى في علاه. 
  • فكلّ شيء تحت عِلمه، تحت قهره، تحت إرادته، تحت تقديره، تحت تدبيره؛ كل شيء، فهو المُهيمن حقيقة، لا إله إلا الله. 

فحظُّ المؤمن من هذا أن: يأخذ النصيب الواسِع من العِلم، ثم يُهيمن على صِفات نفسه وشهوته وغضبه؛ فيحكُمها بنصيب من علمه بدسائسها وخبائثها وخدائعها وكيفيّة التخلّص مِنها وعلاجها حتى يملك أعضاءه، ويُقلِّب مقلِّب القلوب قلبه على مرضاته وما يُحِب، يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبّت قلوبنا على دينك.

 (الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ)

  • (الْعَزِيزُ): الذي لا يوجد له مثل، ويعظُمُ الوصول إليه وتشتد الحاجة إليه.
  •  عزيز.. عزيز: ليس له مثيل، فوق أنه ليس له مثيل؛ تعظُمُ الحاجة إليه، كل شيء مُحتاج إليه.
  • فوق أنّه كل شيء مُحتاج إليه، لا يمكن الإحاطة به ولا الوصول إليه، يعسر ذلك ويصعب ذلك؛ هذا عزيز.

 فـ(الْعَزِيزُ) بالمعنى المُطلق ليس إلا هو -جلّ جلاله- فبَقِي ما أفاض من كرمه، من عزّته على من أعزّهم: 

  • (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، بعد أن قال: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر:10]، ولكنّه أعزّ هؤلاء.
  • "وما أعزّت العباد أنفسها بمثل طاعة الله ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله". 

والذي يتعلّق بالحقيقة وهداية الخلق بأقوم طريقة إلى مُوجب سعادة الأبد؛ قليل من الناس: 

  • فهناك نسبة من العِزِّة لمن يكون بهذا الوصف، وهذا الوصف؛ الخلق أحوج ما يكونوا إليه، هم أحوج إلى هذا من طعامهم وشرابهم ومن الهواء الذي يستنشقونه في الحقيقة؛ فهذا عزيز. 
  • وايضاً الوصول إليه عسِير؛ فهذه نسبة من العِزّة يُدركها الذي يهدي إلى الله، ويُنقِذ العباد من سخطه -جلّ جلاله- إلى رضاه صادِقًا مُخلصًا لوجهه، يقلُّ وجود مثله، والحاجة شديدة إليه جدًا، وإدراكه والوصول إليه صعبًا. 

سبحانه، من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليه إلا من أراد أن يوصله إليه: 

  • (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:13]. 
  • (إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ) [هود:116].
  • (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) [يونس:98]. 

يقول في إدراك هذه الحقيقة العظيمة، في آخر سورة هود -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- يقول -جلّ جلاله-: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ): 

  • (إلا قليلًا ممن أنجينا منهم)؛ هؤلاء عزيزين قليل؛ لأن وجود مثلهم قليل.
  • (إلا قليلًا ممن أنجينا منهم)؛ (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) [هود:116]. 

وهكذا أكثر الناس، فالحمد لله على نعمة الإسلام. اللهم زدنا منه. الحمد لله على نعمة الإيمان، اللهم زدنا منه، والعافية يا ربِّ زِدنا منها، والعمر بارك لنا فيه.

(الْعَزِيزُ) جلّ جلاله لا يُحاط بوصفه ويحتاج كل شيء إليه حاجة ضرورية، كل شيء مُضطر إليه:

  • السماء مُضطرة والأرض: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا) [فاطر:41]، والأرض مُضطرة، وما بينهما مُضطرٌّ إليه. 
  • والأرواح مضُطرة إليه، والأجسام مُضطرة إليه، والعيون مُضطرة إليه، والكائنات كلها مُضطرة إليه.

والله ما أعزَّه!  ولا يمكن أن يُنال بحال ولا أن يبلغه من أحد نفع ولا ضُر، ما أعزَّه!

(الْعَزِيزُ): فأعِزّ نفسك بالقرب من هذا العزيز، فإن العِزّة كلها له، وهبها لرسوله والمؤمنين. وأبطل خيال وتصوُّر الباطِل عند المنافقين ومن تابعهم في قولهم: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، قال الحق: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8]؛ لا يعلمون الحقيقة، وبذلك في المدينة المشرّفة من الذي بقي؟ ومن الذي بقي ذكره؟ ومن الذي انتهى؟ 

وإبنه عبدالله ابن عبد الله بن أُبي، جَرَّد سيفه ووقف عند مدخل المدينة، وقفَ وقال لأبيه: قِف، ليس لك دخول إلى المدينة حتى يأذن رسول الله، قال: ياقوم ابني يمنعني؟! قال: أنت الذي اجترأتَ على الله ورسوله، اقعد محلّك  ليس لك دخول حتى يأذن رسول الله، ومامعه إلا أن أرسل إلى عند النبي، فأشار ﷺ؛ أن قُل له: يترك أباه يدخل، قال: أما وقد أذن رسول الله، لابأس، لكن تحت السيف -وطِّ رأسك-، ثم قال: أنت الأذل ورسول الله الأعز؛ ادخل يا ذليل. العزيز هُناك وانت الذليل ادخل؛ أدرَك الحقيقة هذا بإيمانه؛ فأعزّه الله سبحانه وتعالى. 

فالله يُعزَّنا بطاعته وبقُربه، وتُعلم العِزّة، بمجلاها الواضِح الظاهِر في موقف القيامة، كلٍّ يعرف نفسه؛ من العزيز ومن الذليل، الله الله الله، من الذي يحيط به الخزي؟ ومن الذي يحيط به الذل في ذلك اليوم، ومن هو (الْعَزِيزُ)؟ إنهم أحباب (الْعَزِيزُ) أتباع أعزَّ خلقه -صلى الله عليه وصحبه وسلم- الذين يجمعهم لواء الحمد.

 (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- الذي لا يكون شيءٌ إلا بتكوينه، ولا يتحرّك إلا بتحريكه، ولا يسكن إلا بتسكينه، ولا يزيد إلا بزيادته، ولا ينقص إلا بتنقيصه، ولا يريد إلا بإرادته، ولا يُبصِر إلا بما بصّره..

  •  (الْجَبَّارُ): الذي تنفُذ إرادته في كل شيء، ولا تنفذ إرادة شيء فيه؛ هذا هو وحده. فـ(الْجَبَّارُ) بالنسبة للحق بهذا المعنى.
  •  أما الخلائق فـ(الْجَبَّارُ) تأتي على معاني؛ لأن كل من اتصل بباطل من قتَّالٍ وسفّاَكٍ للدماء يقال له: جبّار.. 
    • قال صاحب سيدنا موسى: (أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ) [القصص:19]، أي قتّالاً، أن تكون جبّارًا في الأرض، أن تكون من المُفسدين. 
    • وصاحب الطغيان والبغي والبطش يقال له: جبّار، (قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا) [المائدة:22]، البطّاشين هذا فقط عند الخلق. 

لكن، (الْجَبَّارُ) الوصف العظيم للإله، والله بهذا المعنى، (الْجَبَّارُ): الذي تنفذ إرادته في كل شيء، ولا تنفذ إرادة شيء فيه، سبحانه. 

ومن حكَّمَ مُراد الله على مُراد نفسه؛ اكتسب من وصفه -الْجَبَّارُ الشريف الرفيع النزيه  الطيب- مكانةً ساميةً عالية تُقرِّبه منه -جلّ جلاله تعالى في علاه-.. 

  • ومن ذلك ما يحصل من جبر خواطِر المسلمين؛ فإنّه تقديم إرادة (الْجَبَّارُ) على إرادة نفسه، فإن النفس تحب الذي يتّصل بمصالحها، وما نفهمه هو جبر الآخرين، لكنها تُحِب أن تجبر نفسها هي! 
  • فإذا غلب إرادته بما أراد وأحب منه الإله (الْجَبَّارُ)؛ فقد صار قريبًا من (الْجَبَّارُ) واكتسى من نور هذا الوصف والاسم الشريف. 

(الْمُتَكَبِّرُ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الجاثية:37]، الذي كل شيء دونه، كل شيء صغير أمامه، كل شيء يسير؛ هذا مُتكبِّر: 

  • التكبُّر بالحق على الإطلاق لله الحق وحده. 
  • والتكبُّر بالباطل كثير في بني آدم والجن. 

(يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف:146]: يعني يدَّعُون عُلُوًا وارتفاعًا على من سِواهم، وليس ذلك لهم، فمن المُتكبِّرون بالحق؟ 

  • المُتكبِّرون بالحق: الذين ترفّعوا وتعالوا عن الدنايا، زهدوا في الدنيا، تكبّروا على الدنيا؛ إنزالًا للكبير في منزِلته، ثم من انجلتْ لهم الحقائق وراء ذلك، زهِدوا في الدنيا، وزهِدوا في الآخرة ورِغبوا في ربّ الدنيا والآخرة. 
  • هؤلاء مُتكبِّرون بحق ولهم الشّرف والكرامة والرِفعة والعلُو والعظمة، الله الله. 

وهكذا قال بعض الملوك لرجل صالح: سلني حاجتك، قال: أتقول لي هذا، وإثنانِ هما سيداك، وهما عبيدي. قال: من هما؟ قال: الحِرص والطّمع، قال: هؤلاء عبيدي أنا تخلّصت منهم، وهم سيّداك يقودونك، يعملون لك، وانت تقول لي: سل حاجتك؟ عبيدي سادة عندك. 

وهكذا قال مرة بعضهم لبعض الزُهاد الأخيار: أيها الزاهد. فالتفت إليه وقال: أنت أزهد مني. قال صاحب الدنيا: كيف أنا أزهد منك؟ قال: أنا لم أزهد إلا في هذا الحقيرة الساقطة الفانية، أنت زهدت في قُرب من الرحمن وفي الجنّة والدرجات العُلا وفي الفردوس الأعلى، أنت زهادتك أكبر، أما أنا فزهادتي إلا في حقير، زهدت في شيء أصلًا ليس شيء، لكن -هات- الذي فيك أنت: زهدتَ في القرب من الحق والدنو والمعرفة به، وفي الفردوس الأعلى، أنت الزاهد ليس أنا، لا إله إلا الله. 

فالمُتكبِّرون بحق هم الذين ترفّعوا عن أهوائهم، وعن شهواتهم، وعن أن يأسرهم شرقي أو غربي، إنسي أو جني، خضعوا لربّ المشارق والمغارب، وربّ الإنس والجن؛ فأعزّهم، فهم المُتكبِّرون بحق، وفيهم الوصف الشريف، أنَّ علامتهم؛ التواضع. 

فالتواضع من أجل الله في الخلق؛ تكبُرٌ على كل قاطع وعلى كل رذيل وعلى كل هابِط بالإنسان، هو التواضع وبذلك: 

  • من تواضع رفعه الله؛ لأنه تكبّر عن الدنايا، تكبّر عن الأهواء، وعن الخيال الباطِل، ما رضي به، دعته نفسه خيالًا أنه يترفّع: يا كذّابة؛ هذا ضُرّ، وهذا سوء، وهذا إساءة أدب. 
  • تواضَع؛ أي هذا أدرك الحقيقة، تكبّر على الخيال، على الباطِل، على الدناءة، ترفّع عنها وتنزّه؛ فله الكبرياء الشريفة التي بها رِفعة العبد عند الحق. 

(الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23))، فلا شريك له في مُلكه ولا شريك له في ذاته ولا في صفاته، (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ..(24))، خالق بارئ مصوّر، خالق بارئ مصوّر:

  •  (الْخَالِقُ): يُُقدّر تكوين الأشياء.
  •  (بارئ): يُوجدُ الشيء ويُحدِثه.
  •  (مصور): يُتمّم شأنه وهيئته: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة:7].

  خالق بارئ مصوّر جلّ جلاله وتعالى في علاه : 

  •  فالخالقية تتعلّق بتقديره وإيجاد الشيء قبل وجوده. 
  • والبارئية، (بارئ): تكوين الشيء فعلًا وابرازه. 
  • والمُصوّر: إكماله وتتميمه وإحسانه وتقديره على وجهه. 

هكذا، كما في عالم الخلق: تجده يرسم في ذهنه المنزل أو خارطة البيت، ثم يُقوّم صُلبه، ثم يقول تشطيب كما يسمونه. لكن هذا بالنسبة للخلائق كله مجاز، عبارة عن تصوير في تصوير، لا خالقية فيه، ولا بارئية، لا يخلقون شيئا؛ مخلوق مع مخلوق في مخلوق؛ فهم فقط في دائرة التصوير، أما الدائرة الخالقية والبارئية ما لهم دخل فيها.

(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ)، يقول: (قل هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [فاطر:3]؛ إذًا فما حظ العبد من الخالق والبارئ، إلا شُهود خلقه للخلائق ومخلوقية الكائنات، وإبداعه لها وإبرازه لها -جلّ جلاله-. 

وما له بعد ذلك، إلا ما كان على سبيل المجاز البعيد: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) [العنكبوت:17]، و"أحيوا ما خَلَقتُمْ"، صَوّر صورة، لكن لمّا شابه وضَاها خلق الله، قال له: أحيوا؛ ما خلق شيء، لا يقدر أن يخلق شيء، ولكن يطلق هذا على سبيل المجاز. 

فحظّ العبد في شأن هذا التصوير: 

  • أن يُصحح تصوره وفِكره عن الأشياء ومعرفته بدقائق في التكوين والإيجاد والإبداع. 
  • ليعرف عظمة البديع المُوجد المُكوّن المُبديء البارئ -جلّ جلاله وتعالى في علاه. 
  • ويستكمل نقائصه في العِلم؛ في العمل والخُلُق؛ حتى تستقيم عنده الصورة الباطنية له: من عِلم وحِلم وتواضِع وإحسانٍ وإخلاصٍ وصدقٍ ونزاهةٍ. 

صورة معنوية حَسنة، لا إله إلا الله، (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ): الأسماء التي تدل على الحُسنِ كلها له؛ فالحسن منه وإليه.

(لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، يقدسه وينزهه جميع ما في السماوات وما في الأرض، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44].

(يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24))

  • (الْحَكِيمُ) الذي لا يُحدِث شيئًا إلا وفيه من الحِكَم ما لا يُحاط به. 
  • ويتعرّف الخلائق من الحِكَمِ على قدر ما هُيّأ لهم.

 هكذا تنتهي سورة الحشر بهذه التأمّلات وما في كل آية، وما في كل كلمة أكثر من كل ما ذكرنا وكل ما فهِمنا وتعلّمنا. 

اللهم زِدنا عِلما وهب لنا من لدنك فهمًا، وأرزقنا رُقيًّا في المعرفة بك يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين، وتولّنا بما أنت أهله ظاهرًا وباطنًا. وقد مضى علينا أسبوع، بل ثمان ليالي من رمضان ونحن في اليوم الثامن؛ فقد أكملنا ربع الشهر الكريم، وما بقي إلا ثلاثة أرباعه، بارك الله لنا فيها، وجعلنا من أهلها. 

ننتقل إلى سورة المجادلة إن شاء الله تبارك وتعالى، رزقنا الله الاستقامة والفهم وحسن التلقّي لما ألقى على قلب نبيه، (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [النمل:6]، اللهم ارزقنا حسن التلقّي لِما ألقيتَ على قلب نبينا، وارزقنا حُسن الاستقبال للإنزال الذي أنزلته على حبيبك محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم، وثبّتنا على ما تُحبّه مِنّا وترضى به عنّا في أقوالنا وأفعالنا وصفاتنا ونياتنا ومقاصدنا وحركاتنا وسكناتنا، يا حكيم يا عزيز يا أكرم الأكرمين، يا سلام يا مؤمن يامُهيمن يا حي يا قيوم.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه 

الفاتحة

 كل ما نحن فيه فضلٌ مِن عنده، أَذِنَ لنا أن نذكره: مَنْ هو؟ وما صفاته؟ وما أسماؤه؟ وما كان لنا أن نذكرها، ولكن أَذِنَ لنا بذكرها سبحانه، هووفّقنا لها، وإلا فمن نحن، ومن هو؟ لا مُقاربة ولا مُقارنة أصلًا ولا مُناسبة.

ولكنه تنزّل وتفضّل لعباده، وسيد العارفين به يقول كلّما استيقظ من نومه: "الحمدُ للهِ الذي عافانِي في جَسَدِي، ورَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وأَذِنَ لي بذِكْرِه"، وهو أعرَفُ الخلق به. وإن ذِكرَه ليس مثلُ ذِكرِ غيره، لكن قال هذا إلا إذنُ منه إذنٌ، وإلا لو كان لا يذكره إلا من يُحيط بوصفه، ما أمكن وما قَدَر.

ولكن نحن والملائكة والإنس يتفضّل علينا وقال: اذكروني وأنا سأذكركم من عندي، وإذا ذكرتموه على قدركم وماذا تعرفون، لكن أنا أجازيكم، وبذكري أزيدكم معرفةً وعِلمًا، ولا تزالون تزدادون كذلك إلى الأبد ولا تحيطون بشيء.. ولا تحيطون بشيء من صفاتي ولا من عِلمي حتى وسط الجنة، حتى بعد النظر إلى وجهه جلاله الكريم لا تحيطون بشيء. لكن خذوها.. خذوها فضائل، وخذوها رسائل، وخذوها مِنَنًا، وخذوها مواهب، وخذوها نعيمًا، وخذوها فضلًا، له الحمد والمنة.

سيد العارفين يقول: "وأَذِنَ لي بذِكْرِه.. وأَذِنَ لي بذِكْرِه"، و أعطانا رخصة أن نذكره، وأنت محدود، وألفاظنا محدودة، وفهمنا محدود. قال لك الذي لا حدَّ له: اذكرني -كيف المحدود أن يذكر ما لا حدَّ له؟- على قدرك هذا وأنا أُسمّيه ذكرًا لي، وأنا سأذكرك بلا محدوديتي، ولا أول  ولا آخر لي، سأذكرك ذكرًا لائقًا بي، الله أكبر: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152].

اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنُّ فضلًا، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. وفي رمضان نذكره، وفي غدوات رمضان كذلك، نتعرّض لرحماته وتنزّلاته. اللهم لك الحمد.. اللهم لك الحمد.. اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنُّ فضلًا، فأتمم علينا النعمة، برحمتك ياأرحم الراحمين.

ولما رُئِيَ بعضُ العارفين بعد أن توفي، قيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وهِبْتُهُ، وقال: بما جئتني به إليّ؟ قلت له: يا رب، أنت كنت تعلم أني لا أجلس في عبادك مجلسًا إلا أثنيتُ عليك وحمدتُك وذكرتُك فيه. قال، فقال الله: "صدق، انصبوا لعبدي كرسيًّا يذكرني ويثني عليَّ ويسبح بين ملائكتي كما كان يذكرني بين عبادي في الأرض". قال: فنُصِبَ لي كرسيٌّ بين الملائكة، والملائكة حولي يسمعون تمجيدي وتحميدي وعبادتي لله وثنائي على الله -تبارك وتعالى- كما كنتُ في الأرض أُثني عليه. لا إله إلا هو، أتمم علينا النعمة يا ربنا، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

09 رَمضان 1442

تاريخ النشر الميلادي

21 أبريل 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام