(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ..}، الآية: 23، إلى آخر السُّورة المباركة
﷽
( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24))
الحمد لله الذي أكرمنا بتلّقي أنوار ما ألقى على قلب نبيه المُصطفى ومُقابلته ما أنزل من الوحي والتنزيل وتأمُّل ذلك؛ لنستضيء ونستدل بخير دليل؛ فنسلك أقوم سبيل؛ لنحوز قربًا من العليّ الجليل، ومرتبةً تفوقُ في التكريم والتبجيل من الفهم عنه والمعرفة به -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، وهو المُنزّه عن كل شريك ونظيرٍ ومثيل، لا إله إلا هو.
ختم النبوة بعبده الهادي الدليل سيدنا محمد أكرم رسول، البرّ الوصول صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه بالغدو والأصيل، وعلى آله الأطهار وصحبه خير جيل، وعلى من والاهم في الحق وتابعيهم في النيّة والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتبجيل والتفضيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا ذا العطاء الجزيل.
أمّا بعد،،،
فإنّنا في نعمة تأمّل كلام ربّنا وتلقّي ما ألقى على قلب عبده ﷺ، واستقبال ما أنزل وأوحى، انتهينا إلى أواخر سورة الحشر، وقد ضمّ الله لنا في خاتمة سورة الحشر تعرّفات من حضرته العلية ومدّ لنا من أسرار الصفات والأسماء حِبالًا متينة، من استمسك بها أشرقت عليه أنوار مُبينة؛ تجعله واعيًا وعاليًا وراقيًا مرقى يتفضّل فيه بتعيينه ويُكرم بحُسن تبيينه.
في خاتِمة سورة الحشر آيات عظيمات كان في أوّلها الإشارة إلى أن هذه التعرّفات والتنزّلات والدلالات لو وُجّهت إلى الجبل؛ لتصدّع لها الجبل:
ومررنا على الدواء والبلسم لكلّ ظُلمة ولكلّ حِجاب؛ الشافي من داء البُعد المعنوي عن الربّ الحق -جلّ جلاله-؛ بقوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، المُحيط علمًا بكلِّ شيء، وليس بمقاييسكم؛ الغيب والشهادة عنده شيء واحد، لا فرق بينه؛ (هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (22)).
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ..(23)): تكرير لحسن التأثير وللرُقي في المعنى الكبير، ولانكِشاف ما يحتويه ويشتمل عليه التعبير من جوهر وإكسير.
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ):
ولكن حظَّ المؤمن من اسم (الْمَلِكُ):
ينتهي في ذلك المُلك إلى أن:
وأين واحد من هذه الأربعة في المُلك من أيام أبينا آدم إلى أن يُنفخ في الصور؟! ليس فيها شيء من هذا:
يا الله طلبناك يا من *** ليس ملكه يزول
لكن المُلُك هذا زائل، المُلك في حياة بني آدم فقط من أيام أبيهم آدم إلى الآن قد زال، الموجود منه والذي سيوجد في الوقت القصير الباقي إلى وقت النفخ في الصور، نسبة ضئيلة بنسبة واحد في الألف أو أقل. فما هناك بقاء! من يستوثق بهذا الفناء! من يستوثق بهذا الانقضاء! من يستوثق بهذا الزوال!
يقول: (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) -جلّ جلالة- الذي:
(الْقُدُّوسُ)، وما حظّ المؤمن من هذا الاسم العظيم: إلا أن يتقدّس، وأجلى ما يُتقدّس فيه عِلمُه وإرادته.
فعِلْمه: يتقدس فيه عن الاسترسال وراء المحسوسات والمُتخيلات والمُدركات بالحواس التي يُشاركه في إدراكها وتعلّمها الحيوانات.
والقدْس في الإرادة: بأن يطلب ويريد معاني القُرب والمعرفة الخاصة والمحبة من الحق وللحقِّ، ونيل الرضوان:
وتُجرِّد الهمّة لذلك ولعظيم هذا القدس في الإرادة، فبقدسك في العلم والإرادة تلتحق بأفق الملائكة وتتميز عن الحيوانات بحقائق الإنسانية الشريفة الكريمة وتُدرِك سرَّ: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29].
(الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ) جلّ جلاله وتعالى في علاه:
(السَّلَامُ) جلّ جلالة، ذكرنا من هذه المعاني وحظّ المؤمن من ذلك:
كما يأتي معنا في اسم المؤمن. والْمُؤْمِن: من أِمنهُ الناس على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، لا أحد منهم يخاف على مال ولا عرض ولا على نفس (السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ) جلّ جلاله وتعالى في علاه..
(الْمُؤْمِنُ)، وحظّ العبد المؤمن من هذا الاسم الكريم، أن تؤمن بوائقه، غوائله وشروره:
هذا خير المؤمنين: "يُرجى خيرُه ويُؤمَنُ شرُّه"، وشرُّهم؛ من لا يُرجى خيره ولا يُؤمَن شره، لا تنتظر منه فائدة ولا منفعة والمصائب منه مُتنوعة -لا حول ولا قوة الا بالله- هذا شرُّ الناس، وبينهم درجات.
لكن المؤمن يُرجى خيره ولا يُخشى شرّه:
(الْمُؤْمِنُ)، ويوقِفك على سرّ هذا، قوّة إيمانك بهذا المؤمن الحق -جلّ جلاله وتعالى في علاه- زادنا الله إيمانا في كل يوم، في كل ليلة وفي كل ساعة وفي كل لحظة وفي كل نفس، اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا.
(الْمُهَيْمِنُ)، (الْمُهَيْمِنُ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- (الْمُهَيْمِنُ):
(الْمُهَيْمِنُ):
فحظُّ المؤمن من هذا أن: يأخذ النصيب الواسِع من العِلم، ثم يُهيمن على صِفات نفسه وشهوته وغضبه؛ فيحكُمها بنصيب من علمه بدسائسها وخبائثها وخدائعها وكيفيّة التخلّص مِنها وعلاجها حتى يملك أعضاءه، ويُقلِّب مقلِّب القلوب قلبه على مرضاته وما يُحِب، يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبّت قلوبنا على دينك.
(الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ):
فـ(الْعَزِيزُ) بالمعنى المُطلق ليس إلا هو -جلّ جلاله- فبَقِي ما أفاض من كرمه، من عزّته على من أعزّهم:
والذي يتعلّق بالحقيقة وهداية الخلق بأقوم طريقة إلى مُوجب سعادة الأبد؛ قليل من الناس:
سبحانه، من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليه إلا من أراد أن يوصله إليه:
يقول في إدراك هذه الحقيقة العظيمة، في آخر سورة هود -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- يقول -جلّ جلاله-: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ):
وهكذا أكثر الناس، فالحمد لله على نعمة الإسلام. اللهم زدنا منه. الحمد لله على نعمة الإيمان، اللهم زدنا منه، والعافية يا ربِّ زِدنا منها، والعمر بارك لنا فيه.
(الْعَزِيزُ) جلّ جلاله لا يُحاط بوصفه ويحتاج كل شيء إليه حاجة ضرورية، كل شيء مُضطر إليه:
والله ما أعزَّه! ولا يمكن أن يُنال بحال ولا أن يبلغه من أحد نفع ولا ضُر، ما أعزَّه!
(الْعَزِيزُ): فأعِزّ نفسك بالقرب من هذا العزيز، فإن العِزّة كلها له، وهبها لرسوله والمؤمنين. وأبطل خيال وتصوُّر الباطِل عند المنافقين ومن تابعهم في قولهم: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، قال الحق: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8]؛ لا يعلمون الحقيقة، وبذلك في المدينة المشرّفة من الذي بقي؟ ومن الذي بقي ذكره؟ ومن الذي انتهى؟
وإبنه عبدالله ابن عبد الله بن أُبي، جَرَّد سيفه ووقف عند مدخل المدينة، وقفَ وقال لأبيه: قِف، ليس لك دخول إلى المدينة حتى يأذن رسول الله، قال: ياقوم ابني يمنعني؟! قال: أنت الذي اجترأتَ على الله ورسوله، اقعد محلّك ليس لك دخول حتى يأذن رسول الله، ومامعه إلا أن أرسل إلى عند النبي، فأشار ﷺ؛ أن قُل له: يترك أباه يدخل، قال: أما وقد أذن رسول الله، لابأس، لكن تحت السيف -وطِّ رأسك-، ثم قال: أنت الأذل ورسول الله الأعز؛ ادخل يا ذليل. العزيز هُناك وانت الذليل ادخل؛ أدرَك الحقيقة هذا بإيمانه؛ فأعزّه الله سبحانه وتعالى.
فالله يُعزَّنا بطاعته وبقُربه، وتُعلم العِزّة، بمجلاها الواضِح الظاهِر في موقف القيامة، كلٍّ يعرف نفسه؛ من العزيز ومن الذليل، الله الله الله، من الذي يحيط به الخزي؟ ومن الذي يحيط به الذل في ذلك اليوم، ومن هو (الْعَزِيزُ)؟ إنهم أحباب (الْعَزِيزُ) أتباع أعزَّ خلقه -صلى الله عليه وصحبه وسلم- الذين يجمعهم لواء الحمد.
(الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- الذي لا يكون شيءٌ إلا بتكوينه، ولا يتحرّك إلا بتحريكه، ولا يسكن إلا بتسكينه، ولا يزيد إلا بزيادته، ولا ينقص إلا بتنقيصه، ولا يريد إلا بإرادته، ولا يُبصِر إلا بما بصّره..
لكن، (الْجَبَّارُ) الوصف العظيم للإله، والله بهذا المعنى، (الْجَبَّارُ): الذي تنفذ إرادته في كل شيء، ولا تنفذ إرادة شيء فيه، سبحانه.
ومن حكَّمَ مُراد الله على مُراد نفسه؛ اكتسب من وصفه -الْجَبَّارُ الشريف الرفيع النزيه الطيب- مكانةً ساميةً عالية تُقرِّبه منه -جلّ جلاله تعالى في علاه-..
(الْمُتَكَبِّرُ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الجاثية:37]، الذي كل شيء دونه، كل شيء صغير أمامه، كل شيء يسير؛ هذا مُتكبِّر:
(يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف:146]: يعني يدَّعُون عُلُوًا وارتفاعًا على من سِواهم، وليس ذلك لهم، فمن المُتكبِّرون بالحق؟
وهكذا قال بعض الملوك لرجل صالح: سلني حاجتك، قال: أتقول لي هذا، وإثنانِ هما سيداك، وهما عبيدي. قال: من هما؟ قال: الحِرص والطّمع، قال: هؤلاء عبيدي أنا تخلّصت منهم، وهم سيّداك يقودونك، يعملون لك، وانت تقول لي: سل حاجتك؟ عبيدي سادة عندك.
وهكذا قال مرة بعضهم لبعض الزُهاد الأخيار: أيها الزاهد. فالتفت إليه وقال: أنت أزهد مني. قال صاحب الدنيا: كيف أنا أزهد منك؟ قال: أنا لم أزهد إلا في هذا الحقيرة الساقطة الفانية، أنت زهدت في قُرب من الرحمن وفي الجنّة والدرجات العُلا وفي الفردوس الأعلى، أنت زهادتك أكبر، أما أنا فزهادتي إلا في حقير، زهدت في شيء أصلًا ليس شيء، لكن -هات- الذي فيك أنت: زهدتَ في القرب من الحق والدنو والمعرفة به، وفي الفردوس الأعلى، أنت الزاهد ليس أنا، لا إله إلا الله.
فالمُتكبِّرون بحق هم الذين ترفّعوا عن أهوائهم، وعن شهواتهم، وعن أن يأسرهم شرقي أو غربي، إنسي أو جني، خضعوا لربّ المشارق والمغارب، وربّ الإنس والجن؛ فأعزّهم، فهم المُتكبِّرون بحق، وفيهم الوصف الشريف، أنَّ علامتهم؛ التواضع.
فالتواضع من أجل الله في الخلق؛ تكبُرٌ على كل قاطع وعلى كل رذيل وعلى كل هابِط بالإنسان، هو التواضع وبذلك:
(الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23))، فلا شريك له في مُلكه ولا شريك له في ذاته ولا في صفاته، (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ..(24))، خالق بارئ مصوّر، خالق بارئ مصوّر:
خالق بارئ مصوّر جلّ جلاله وتعالى في علاه :
هكذا، كما في عالم الخلق: تجده يرسم في ذهنه المنزل أو خارطة البيت، ثم يُقوّم صُلبه، ثم يقول تشطيب كما يسمونه. لكن هذا بالنسبة للخلائق كله مجاز، عبارة عن تصوير في تصوير، لا خالقية فيه، ولا بارئية، لا يخلقون شيئا؛ مخلوق مع مخلوق في مخلوق؛ فهم فقط في دائرة التصوير، أما الدائرة الخالقية والبارئية ما لهم دخل فيها.
(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ)، يقول: (قل هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [فاطر:3]؛ إذًا فما حظ العبد من الخالق والبارئ، إلا شُهود خلقه للخلائق ومخلوقية الكائنات، وإبداعه لها وإبرازه لها -جلّ جلاله-.
وما له بعد ذلك، إلا ما كان على سبيل المجاز البعيد: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) [العنكبوت:17]، و"أحيوا ما خَلَقتُمْ"، صَوّر صورة، لكن لمّا شابه وضَاها خلق الله، قال له: أحيوا؛ ما خلق شيء، لا يقدر أن يخلق شيء، ولكن يطلق هذا على سبيل المجاز.
فحظّ العبد في شأن هذا التصوير:
صورة معنوية حَسنة، لا إله إلا الله، (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ): الأسماء التي تدل على الحُسنِ كلها له؛ فالحسن منه وإليه.
(لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، يقدسه وينزهه جميع ما في السماوات وما في الأرض، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44].
(يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)):
هكذا تنتهي سورة الحشر بهذه التأمّلات وما في كل آية، وما في كل كلمة أكثر من كل ما ذكرنا وكل ما فهِمنا وتعلّمنا.
اللهم زِدنا عِلما وهب لنا من لدنك فهمًا، وأرزقنا رُقيًّا في المعرفة بك يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين، وتولّنا بما أنت أهله ظاهرًا وباطنًا. وقد مضى علينا أسبوع، بل ثمان ليالي من رمضان ونحن في اليوم الثامن؛ فقد أكملنا ربع الشهر الكريم، وما بقي إلا ثلاثة أرباعه، بارك الله لنا فيها، وجعلنا من أهلها.
ننتقل إلى سورة المجادلة إن شاء الله تبارك وتعالى، رزقنا الله الاستقامة والفهم وحسن التلقّي لما ألقى على قلب نبيه، (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [النمل:6]، اللهم ارزقنا حسن التلقّي لِما ألقيتَ على قلب نبينا، وارزقنا حُسن الاستقبال للإنزال الذي أنزلته على حبيبك محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم، وثبّتنا على ما تُحبّه مِنّا وترضى به عنّا في أقوالنا وأفعالنا وصفاتنا ونياتنا ومقاصدنا وحركاتنا وسكناتنا، يا حكيم يا عزيز يا أكرم الأكرمين، يا سلام يا مؤمن يامُهيمن يا حي يا قيوم.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
كل ما نحن فيه فضلٌ مِن عنده، أَذِنَ لنا أن نذكره: مَنْ هو؟ وما صفاته؟ وما أسماؤه؟ وما كان لنا أن نذكرها، ولكن أَذِنَ لنا بذكرها سبحانه، هووفّقنا لها، وإلا فمن نحن، ومن هو؟ لا مُقاربة ولا مُقارنة أصلًا ولا مُناسبة.
ولكنه تنزّل وتفضّل لعباده، وسيد العارفين به يقول كلّما استيقظ من نومه: "الحمدُ للهِ الذي عافانِي في جَسَدِي، ورَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وأَذِنَ لي بذِكْرِه"، وهو أعرَفُ الخلق به. وإن ذِكرَه ليس مثلُ ذِكرِ غيره، لكن قال هذا إلا إذنُ منه إذنٌ، وإلا لو كان لا يذكره إلا من يُحيط بوصفه، ما أمكن وما قَدَر.
ولكن نحن والملائكة والإنس يتفضّل علينا وقال: اذكروني وأنا سأذكركم من عندي، وإذا ذكرتموه على قدركم وماذا تعرفون، لكن أنا أجازيكم، وبذكري أزيدكم معرفةً وعِلمًا، ولا تزالون تزدادون كذلك إلى الأبد ولا تحيطون بشيء.. ولا تحيطون بشيء من صفاتي ولا من عِلمي حتى وسط الجنة، حتى بعد النظر إلى وجهه جلاله الكريم لا تحيطون بشيء. لكن خذوها.. خذوها فضائل، وخذوها رسائل، وخذوها مِنَنًا، وخذوها مواهب، وخذوها نعيمًا، وخذوها فضلًا، له الحمد والمنة.
سيد العارفين يقول: "وأَذِنَ لي بذِكْرِه.. وأَذِنَ لي بذِكْرِه"، و أعطانا رخصة أن نذكره، وأنت محدود، وألفاظنا محدودة، وفهمنا محدود. قال لك الذي لا حدَّ له: اذكرني -كيف المحدود أن يذكر ما لا حدَّ له؟- على قدرك هذا وأنا أُسمّيه ذكرًا لي، وأنا سأذكرك بلا محدوديتي، ولا أول ولا آخر لي، سأذكرك ذكرًا لائقًا بي، الله أكبر: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: 152].
اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنُّ فضلًا، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. وفي رمضان نذكره، وفي غدوات رمضان كذلك، نتعرّض لرحماته وتنزّلاته. اللهم لك الحمد.. اللهم لك الحمد.. اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنُّ فضلًا، فأتمم علينا النعمة، برحمتك ياأرحم الراحمين.
ولما رُئِيَ بعضُ العارفين بعد أن توفي، قيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وهِبْتُهُ، وقال: بما جئتني به إليّ؟ قلت له: يا رب، أنت كنت تعلم أني لا أجلس في عبادك مجلسًا إلا أثنيتُ عليك وحمدتُك وذكرتُك فيه. قال، فقال الله: "صدق، انصبوا لعبدي كرسيًّا يذكرني ويثني عليَّ ويسبح بين ملائكتي كما كان يذكرني بين عبادي في الأرض". قال: فنُصِبَ لي كرسيٌّ بين الملائكة، والملائكة حولي يسمعون تمجيدي وتحميدي وعبادتي لله وثنائي على الله -تبارك وتعالى- كما كنتُ في الأرض أُثني عليه. لا إله إلا هو، أتمم علينا النعمة يا ربنا، والحمد لله رب العالمين.
09 رَمضان 1442