تفسير سورة الحشر -2- من قوله تعالى: (وَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ..)، الآية: 2

تفسير سورة الحشر، من قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، الآية: 1، إلى قوله تعالى: { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..}، الآية: 7

 

نص الدرس مكتوب:

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7))

 

الحمد لله مُكرِمنا بتأمُّل كتابه، المُنزَل على قلب سيّد أحبابِه، من أوّل الشهر الكريم الذي عظّم من شأنه وشأن ثوابه، إلى أواخر هذا الشهر، فالحمد لله الذي أكرمنا بحضور أوّله، وبلّغنا إلى أواخره، والله يُتِمُّ ما بقي علينا منه بأعلى النعمة وأسناها، وأكرم العِيشة وأهناها، في مُصافاةٍ من الرحمن يُصافي به القلوبَ ويتولّاها.

 اللهم آت نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها أنت وليُّها ومولاها، واجعل لنا النصيب الوافي من سرِّ الصيام، ومن سرِّ القيام، ومن سرِّ تلاوة القرآن، ومن بركات الأعمال الصالحات، بما به مِنّا تثبُتُ القلوب والأقدام أحسن الثبات، ونرتقي به عليَّ المقامات، في الإسلام والإيمان والإحسان والمعرفة بك والمحبة منك والمحبة لك والرضا منك والرضا عنك، والدُنوِّ من حضرتك برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلِّ وسلِّم على سبب النِّعمة، معدِن العِصمة، عبدك المُصطفى المبعوث بالرحمة سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذين ارتَقَوا به إلى أعلى قِمّة، وعلى من تبعهم بصدق وإخلاص في كل مهمة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أئمّة الأئمّة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المُقرّبين وعباد الله الصالحين أولي العزَمات والهِمَّة، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا واسع الرحمة.

 وبعد،،،

 فإننا انتهينا في تأمُّل كلام ربنا إلى أواخِر سورة المُمتحنة حتى انتهينا إلى أوّل سورة الحشر: 

  • سورة الحشر كان يُسميها ابن عباس: سورة بني النضير؛ لأنها أُنزِلت أوائلها فيهم. 
  • وذلك أن بنوالنضير كانوا أول قبائل يهود بالمدينة، خانوا العهد مع رسول الله ﷺ. 

وكان قد عاهدهم أوّل ما جاء إلى المدينة؛ 

  • أن لا يقاتلهم ولا يُقاتِلونه. 
  • ولا يُساعِد أحدا على قتالهم، ولا يُساعدون أحدا على قِتاله.
  • وعلى أمورٍ بسَطَها من ترتيب حُسن العَيش والتجاوُر.

فأخذوا ذلك ثم نقَضوا العهد. 

وكان كُفّار قُريش قد كتبوا إلى عبد الله بن أُبَي ومن معه من العبدةِ للأوثان -ممن لم يُسلِم بعدُ من الأنصار- وقالوا: إنكم آوَيتُم صاحبنا هذا وقُمتُم معه فإمّا أن تُسلِّموه وتُقاتلوه، وإلا مَشينا إليكم بجمعنا وقتَلناكم وملَّكنا نساءكم واستخدمنا بناتِكم وعمِلنا وعمِلنا. 

ولما وصل الخبر لعبد الله بن أبَي، جمع جماعة من المشركين والمُنافقين واجتمعوا من أجل أن يرتِّبوا ترتيبهم لِحرب النبي ﷺ؛ فعلم النبي ﷺ فخرج إليهم وجمَعهم وقال: "أبَلَغَتْ بكم تخويفات وتهديدات قُريش كل المَبالغ حتى أردتُّم بأنفسكم ما لا يصير لعدوّكم بكم، أتريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم؟"

لما سمعوا هذا الكلام تفرّقوا، قالوا: لماذا تريدنا أن نُقتِّل أصحابنا وأولادنا، دعهم قُريش في مكانهم، ومحمد وأصحابه في مكانه، يعملون ما شاءوا.

 فجاءت غزوة بدر وأذلّ الله المشركين، وخاف وفزِع المُنافقون في المدينة، وكتبَ كفارُ قريش إلى يهود وقالوا: لهم أنتم أهل الحَلَقة -يعني السلاح- والمَنعة والحُصون فإما أن تُقاتلوا صاحِبنا وإلا سِرنا إليكم نُقاتلكم وما بيننا وبين نسائكم واستخدِامهن شيء؛ فتأثّرت بذلك بنوالنضير، وأرادوا التجمُّع لقتل النبي ﷺ وبدأوا يُرتِّبون بعض الخِيانات، منها أن:

  •  قالوا له: يا محمد تخرج أنت وسبعين من أصحابك، نُحضِرلك من عُلمائنا يجلِسون معكم إن آمنوا بك نؤمن بك كُلنا، وأعدّوا لذلك عُدّة، كانوا جمّعوا خناجر من أجل ذلك، فإذا خرج إليهم ومعه عدد قليل يقضون عليه ومن معه ويتخلّصون منه. وكان بعض النساء بينهن المُؤمنات أرسلت خبر إلى واحد من الأنصار تقول له: أن القوم مُرتّبين كذا وكذا.
  • ثم إنه أيضا وقعت واقعة أصحاب بِئر مَعونة من القُرّاء الذين قُتِلوا، وكان قبيلة بني عامر -جاء بعضهم إلى النبي ﷺ فأمّنهُم-، وكان بعض الذين نجَوا وفلَتُوا من الصحابة، لقي العامِرييَن هؤلاء وظنّ أنهم من المُحاربين المشركين الذين ساعدوا على قتل الصحابة فقتلهم، فلما أخبر النبي تأثّر منه وقال: "لأدِيَّنهم وعليّ الدِية"؛ لأنه قد أمّنهم، فأخذ يجمع الدِّية -ما كان في خزينته وما في أيدي صحابته ما يكفي لديّة الرجُلَين- وكان بين بني عامر هؤلاء وبين بني النضير عهد، فخرج إلى بني النضير أو أرسل إليهم أن يستقرِضهم شيئا من المال ليَدِي به الرجلين من بني عامر جماعتهم، يُعطي الدية ويردّوا لهم الدين، فقالوا: سنقرضك، فاخرج إلينا أنت وواحد من أصحابك، خرج ومعه سيدنا أبوبكر وسيدنا عمر وسيدنا علي وكم نفر من الصحابة، وجاء إلى ديارهم -كانت شرقي المدينة على أميال من المدينة المنورة-، فجلس تحت جدار لهم لبعض وُجهائهم مع الصحابة وتشاوروا بينهم قالوا: إنكم لن تجدوه كالآن، معه نفر قليل مع الصحابة والآن جالس تحت الجدار فمن يُطلِع صخرة فوق كبيرة يرميها عليه يُخلِّصنا منه ونخلص منه، قالوا: أنت اذبح  فلان وفلان، أعدَّ حجرة بخفية من وراء وصعد بها إلى السطح، من أجل أن يرمي بها فوق النبي، ونزل جبريل يُكلم النبي ﷺ: أن الجماعة أعدُّوا كذا والرجل الآن طالع بدربه، فقام ﷺ كأنه يريد شيء ومشى، توجّه نحو المدينة. 

الصحابة مُنتظرينه يأتي قلِق سيدنا أبو بكر: أين رسول الله؟! قام سيدنا أبوبكر وسيدنا عمر وسيدنا علي ومن معهم يبحثون عن رسول الله توجّهوا نحو المدينة، وجدوا واحد مُقبِل الى المدينة سألوه قال: رأيت رسول الله داخل المدينة. جرَوا إلى المدينة المنورة، فلما جاءوا إليه أخبرهم قال: إن الجماعة أعدّوا كذا وكذا وخرجوا كذا، وأعدِّوا العدة نخرج إليهم؛ فأعدُّوا العُدّة وخرجوا، خرج إليهم ﷺ فقال لهم: خُنتُم العهد والأمانة فلابد أن تخرجوا قالوا: ما نخرج من المدينة أبدا، الموت أخفّ علينا من أن نخرج. قال: ما هو إلا هذا. 

  • سمِع الخبر عدد من المنافقين الذين بعثوا إليهم عبد الله بن أبَي قال: لا تخرُجوا ونحن معكم وسنقِف وسنُقاتل إن قاتلوكم، وإن خرج سنخرُج معكم ولا نطِيع فيكم أحد أبدا -كما سيأتي معنا في الآيات- فقالوا: أبدا لا نخرج يا محمد. 
  • وتحصّنوا بحصونِهم وكانت حصون قويّة ومَنيعة وفيها العتاد والعُدّة والغذاء، وكانوا يستعدون بذلك في حصونهم، فتحصّنوا بالحصون وأبَوا أن يخرجوا أول ليلة، ثاني ليلة، ثالث ليلة، رابع ليلة، مرّ أسبوع، عشرة أيام.. بضعة عشر ليلة، أرادوا أن واحد يأتي من هؤلاء المُنافقين يقول: أنتم أين؟! 

بدأ الرعب في قلوبهم، أمر النبي ﷺ الصحابةَ أن يُناوِئوهم فحرّقوا نخَلات. قالوا: اوه هذا طعامُنا وقُوتُنا، من أين بعد ذلك سنأكل؟!. تخويف لهم ورعب، نخلات معدودة وقطعوا بعضها. وكانت الأماكن التي تقدّموا إليها يُبعِد منها بعض النخيل وبعض الحِيطان لكي تتّسِع ساحة القتال. وهم كلما هربوا إلى ماوراء يُخرِّبون البيوت من ظهرها يعملون لهم طريق، والأمام يُحصِّنونه ويُقوّونه، ولما مرّت الأيام وخافوا ولا أحد نبّأ بهم من جماعتهم الذين وعدوا -أننا سنكون وأننا سنكون- وأمثال هذا تتكرر في الناس. 

فلما كان ذلك قالوا: سنسطلح معك يا محمد، قال: نُصالح على خُروجِكم، تخرجون من البلد تذهبون. قالوا إلى أين؟ قال: إلى أول الحشر: 

  • أول حشركم يعني جمعكم وبعدكم هناك اليهود. 
  • ولأول الحشر إلى الشام أرض المحشر التي يحشر إليها الناس.

 قالوا: سنتصالح معك ونبني نحن وإياك هنا ونسكن. قال: لا، لا جلوس لكم بعد هذا هنا، فما كان إلا أن توافَقوا معه، قال لهم: لكم ما حملت الجمال من أموالكم إلا السلاح. السلاح اتركوه، وغير السلاح خذوه، أي شيء مما تحمله وتَسَعه جمالكم خذوه معكم. من حُمقهم وحَنَقِهم قالوا الآن يزيلون البيوت هذه ويرون أي عمود ممتاز وأي قاسم جيد قطعوه يخرجونه ويحملونه فوق الجمال: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ ..(2)) فصاروا هكذا.

 يقول الحق في ذكر هذه الأخبار: بسم الله الرحمن الرحيم، (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ..(1))، يقول: 

  • يا عبادي المؤمنين قِفوا على حقيقة إيجادي للكون حكمةً، ولأصطفي من أصطفي منكم مُؤمناً بي، صادقاً معي؛ لأوصِلَه إلى عاقبةٍ فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر
  • وأن كل ما سواي مقهور لي، مُلك لي، خَلق لي، تحت قهري وأمري لا يملك شيء، لا تغترّوا بمظاهِره ولا بمظاهر مُلكه ولا بمظاهر قُواه ولا بمظاهر حركته ولا سكونه فالكل إلي. 
    • (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
    • (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44]. 

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ ..(1)) 

  • (الْعَزِيزُ) العالي الجناب الرفيع القدر الذي لا يبلغ أحد ضُرّه فيضرُّه ولا نَفعِه فينفَعه وهو الذي ينفع من يشاء ويضرُّ من يشاء -جلّ جلاله- 
  • (الْحَكِيمُ(1)) في أقداره وأحكامه في شريعته وأقضيته -سبحانه وتعالى-. 

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) -يعني بني النضير- (مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ..(2)) أول التجميع، وما قد حصل لهم من قبل، و قد كان لهم سنين ومدة طويلة في بلاد العرب، كانوا يُرتّبون أنفسهم على التعالي على الغير وعلى فتنة الآخرين بعضهم البعض ولهم عِزّة ومَنعة، يعني أول مرة يخرجون من بيوتهم ويذِلّون بعد الخيانات هذه ومقابلة النبي ﷺ بهذا التكذيب وهذا العِناد.

 (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) هو بداية تجمُّعات اليهود وللتوجه إلى أرض المحشر فخرجوا. قال: (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا) أنتم أنفسكم المسلمين كنتم تتصورون عن قوة حصون هؤلاء وقوة الاستعداد فيها بالسلاح والغِذاء، لم تتوقعوا أنهم سيخرجون أبدا، ولا في سنة ولا سنتين ولا ثلاث سنين -تحاصرونهم- ما كنتم تتوقعون أنهم سيخرجون (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا) -وهم إذاً كانوا مغرورين (وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ..(2)):

  •  يعني من عذاب الله. 
  • ومن قُدرة الله. 
  • ومن تنكيل الله بهم.

  قال لهم الحق: لا تُمنع مني حُصون ولا أسلحة ولا دار ولا نفق في الأرض ولا جبل، لا شيء يمنع:

  • (قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ) [هود:43]:
    • فمن هذا على ظهر الأرض يظن أنه سيمتنع من الله بشيء! بماذا يمتنع من الله -جلّ شأنه-. 
  • (أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُور) [الملك:20]، 
  • (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) [الأنبياء:43]، 
  • (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ) [الأنبياء:42]. 

من الذي سيمنعكم من الله؟! لا شيء، أسلحة! .. حصون! .. أجهزة! ما الذي يمنَعك من الله؟ إما ينتقم منك، وإما يُعذبك، وإما يُنهيك؛ إن أراد يُنهي عينك، إن أراد يُنهي إذنك، إن أراد يُنهي  قلبك، في أي لحظة من اللحظات تنتهي أنت وما معك، من أين تمتنع على الجبار الذي كوّنك وخلقك و(بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [يس:83]، لكن (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُور) [الملك:20]، والمُصيبة أن كثير من المسلمين يغترّون بغرور الكافرين، وهم مؤمنون بالله، الله .. لا إله إلا الله.

 قال: (وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ..(2)) وبهذا يأتي معاني التأويل عند أهل التأويل: 

  • (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) معلوم يعني: عذابه على يد رسوله والصحابة (أَتَاهُمُ اللَّهُ)، كيف (أَتَاهُمُ اللَّهُ)؟ المعنى أي جاءهم الله، كيف جاءهم الله؟. 
  • (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) نزل بهم عذابه على يد رسوله، وخرّجهم خائفين مقهورين مُستَذلّين. 

(فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ) لم يخطر على بالهم أبداً أنهم كانوا سيخرجون من هذه الديار ولا من هذه الحصون، (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) قال الإمام ابن كثير: وكيف لا يقذف في قلوبهم الرعب وقد حاصرهم الذي أُيِّدَ بالرعب مسيرة شهر؛ نصره الله بالرعب مسيرة شهر، وكيف هو محاصرهم الآن، كيف لا يُرعبون! امتلأوا رُعبا، ملأ الخوف صدورهم.

 قال: (يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُم) في قراءة أبي عمرو، وفي قراءة ثانية: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)) كل ذي بصر:

  • لا تعتمد على غير الله. 
  • لا تستند إلى غير المولى. 
  • انتبه من الغرور بشيء. 

وانظر أمثالك الذين قد مضوا؛ الذين اعتمدوا على الحصون.. والذين اعتمدوا على السلاح.. والذين اعتمدوا على القبائل.. والذين اعتمدوا على الخطط التكتيكية والذين اعتمدوا على .... وعلى وعلى؛ كلهم فشلوا وراحوا وانتهوا، وما فاز إلا المُتَّصلون بالله، المُعتمدون عليه من أنبياء ورسل ومن تبِعهم بإحسان والسلام؛ غير هؤلاء ليس بفائز.

 (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(2)) مُجرد غرور يغترّ به الناس في الحياة يظهر هذا على هذا وهذا على هذا مدة سنة، سنتين، عشر سنين، خمسة عشر، عشرين، ثلاثين، أربعين ويذهب هذا ويذهب هذا!! ثم أين العاقبة؟ أين النهاية؟ أين حقيقة العزة أين حقيقة الكرامة؟! 

  • ليست في غير تقوى الله.
  • ليست في غير طاعة الله. 

ما أعزَّت العباد أنفُسها بمِثل طاعة الله، ولا أهانت أنفُسها بمثل معصية الله، هذه هي الحقيقة، الباقي كله صور وكلام: 

  • يذهب سرَاب: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) [الحديد:20]. 
  • وهكذا يقول عن قوم عاد: (فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة:8]، وكانوا يقولون: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15]. 
  • يقول عن قوم فرعون: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137] ذهب. لا إله إلا الله وهكذا. 

يقول: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ياأهل النظر السليم، يا أهل العُقول الواعية، اعتبروا وادّكِروا بحوادث الزمان ومايجري في أيامكم، وما مضى في تاريخ الأمم والشعوب على مدى القرون.

(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)) قال الله: والأمور تمشي بحِكَمِنا، هذا الصنف من اليهود لو لم يسبِق مني في الكتاب عليهم أن يُجلَوا ويُخرَجوا من الديار؛ لأوقعتُ بهم عذابًا آخر -أشد منه- مثل القتل والسبي كما فعل بغيرهم: (وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ) -الخروج والانتقال من الأرض التي هم فيها- (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ..(3)). 

قال: (وَلَوْلَا) هذا يعني لا يَفلِت من:

  •  خان عهدي. 
  • وكذَّب رسلي.
  • وعانَد وَحيِي وتنزيلي. 

لا يفلت مني، إذا لم يتعذب ذا فبذا، وهؤلاء كتبتُ عليهم أن يُجلَوا فأجليتهم؛ (وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) هل هناك عذاب آخر؟ وهل العذاب لون واحد؟! وكم الله يُعذِّب! (وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا) [العنكبوت:40]، ألوان من العذاب؛ 

  • أحد بالصيحة. 
  • أحد بالريح العقيم.
  • أحد بالغَرق. 
  • وأحد بالخَسف.

 (وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) أما في الآخرة قال: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3)) عذابنا لكل من مات على الكفر بعد أن بلَغتهُ الدعوة، فالعذاب الشديد أمامه -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ)؛ حَتْم لازِم لا مفر لهم منه: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا- أيقنوا- نَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) [الكهف:53].

(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ) -الخروج إلى الأرض الأخرى- (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ(3)) فخرجوا إلى أدرعات وأريحاء في الشام، الأرض التي يكون يوم المَحشر تَجَمُّع الناس فيها من هناك، بعدما تمتد الأرض وتتّسِع يكون التجمُّع هناك، ووراء كل جماعة جماعة وهكذا، الله لا إله إلا الله، وقليل منهم راحوا إلى خَيبر -لحقوا بخَيبر- الباقين راحوا إلى أدرعات وأريحا.

(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ(3)) -اللهم أجرنا من النار وأجرنا من عذاب الدنيا والآخرة-. 

أنواع الشدائد تحصل للمؤمنين والكفار ولكن:

  • الذي يحصل لكل كافر ومُعاند ومُخالِف لله تعالى؛ يكون مُقدِّمة للعذاب الأكبر. 
  • والذي يحصل للمؤمنين؛ رِفع درجات، تكفير سيئات، زيادة إيمان، قُرب من الرحمن، مراتب يحصِّلونها به. 

وإلا لِكون الكل تحت القهر؛ ينال الشِدَّة والرَّخاء هؤلاء وهؤلاء، لكن حقائق ذوقية للروح والقلب طيّبة حلوة لا يذوقها إلا المؤمنون وحدهم فقط! (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]

هؤلاء لو بحثوا عن شيء من الطُّمأنينة هذه بالمُخدرات بالمُسكِرات بالرقصات، بالمُصارَعات بالمأكولات، لايجدون! يأكل ما يأكل؛ لا يطمئن، يشرب ما يشرب لا يطمئن، يرقص ما يرقص لا يُحصِّل الطمأنينة التي للمؤمن -في قلبه- أبدا، فهذا نعيم مُعجَّل للمؤمنين وحدهم في الدنيا دون غيرهم.

 وأما مظاهر الإختبار والابتلاء والشِّدة والرخاء والفقر والغنى والمرض والصحة حاصل في الكل، مؤمن كافر، صالِح طالِح، مُقبل مدبِر، صادق كاذب؛ كلهم يحصل لهم مثل هذا، لكن: 

  • يكون لهؤلاء رِفع درجات، تكفير للسيئات، زيادة في الحسنات. 
  • ويكون لهؤلاء تقديم عذاب قبل العذاب الأكبر -والعياذ بالله تعالى-.

يقول: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، (شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)

  • خالفوا أمر الله، تَحدَّوا منهج الله، عاندوا حكم الله. 
  • أرادوا إيذاء رسوله والنَّيل منه وقتلِه وسبُّوه، تكلّموا عليه. 
    • وغيّروا أوصافه التي عِندهم في التوراة. 
    • وكتَموا ما عندهم وقالوا ليس هو، وهم يعلمون أنه هو الذي بشَّر به موسى-عليه السلام-.

(شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) قال الله؛ وأيّ احد؛ أفراد وجماعات، شُعوب ودُوَل -يُشاقّون الله ورسُلَه- لهم هكذا: 

  • (وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4))؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ يُعجِّل شيء في الدنيا والْعِقَابِ الأكبر في الآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
  • قال في الآية الأخرى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:13].

ثم يقول لسادتنا الصحابة مع النبي ﷺ، أنكم -قد وقع في أنفسهم شيء- الآن كم نخلات حرَقناها؟ وكم قطَعناها؟ كلها تسع، وهل علينا فدية الآن في الذي أحرقناه والذي قطعناه؟ قال الله: 

  • (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ) يعني نخلة، اسم للنخل غير العجوة والبَرني، يقول له لينة، الأنواع الأخرى تُسمَّى لينة.
  • (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ) واحدة من هذا النخل، ولماذا ما كانوا يقطعون العجوة والبرني، بل هذا يُبقُونه؛ من أجل أنه أجود أنواع التمر، يُبقونه، من أجل أن يكون للمؤمنين والرسول ﷺ.

وجاء في الغزوة أنه اثنين من الأنصار؛ واحد حرّق أو قطَع نخل عجوة والثاني لينة..

  • ثم سألوا هذا قالوا: لماذا قطعت عجوة؟ قال: لأُغيظهم، من أجل أغيظهم أكثر
  • قالوا للثاني: لماذا تركت العجوة وقطعت لينة؟ قال: لأجل رسول الله، قال: من أجل أن تكون هذه النخلة لرسول الله ﷺ، تركتها للنبي وأغظتهم بالثانية.

يقول الحق لأصحابه ويُطَمئِنهم لأنه وقع في نفوسهم شيء، ماهذا التصرّف؟! من أصل التعاليم النبوية عندهم أنهم لا يقطعون شجر، فكيف يخرقون الأصل؛ لكن أمرهم في هذه الحالة لمّا تأبَّوا أولئك وأراد زَعزَعتهم وتحريكهم بقطع نخلات مُعينة ليدخل الرعب في قلوبهم.

 قال لهم الحق: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا) -بجِذعها- (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) -أنا أذِنتُ لكم بالأمر، أمرت رسولي يأمُرَكم فقطعتم، وما تركتم عليكم شيء في هذا- (فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)) هؤلاء المُتجبّرين المُتكبرين (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ).

 (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ..(6)) كانت بيوتهم قريبة من المدينة، ولا أعددتم عُدّة، ولا كان بينكم وبينهم قتال شديد، فقُذِف الرُّعب في قُلوبهِم وسلّموا وذهبوا، هذا غير الغنيمة؛ هذا صار حُكم الفيء؛ 

  • فالغنيمة التي تأتي في القتال؛ أربع أخماس منها للمجاهدين والخُمس يُقسَّم. 
  • لكن هذا؛ أربع الأخماس لرسول الله ﷺ والخمس يُقسَّم، الخمسة أقسام هذا حُكم الفَي.

 (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) -ما جاء بقتالٍ منكم- (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ)، ما يُرسله من الخوف ومن الرعب من الأسباب التي يقرِّرون بها القرار في الفِرار وغيره: (يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)).

(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ) -ما كان من الفَيء- (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..(7)) فيُوَزّع عليهم.

 فكان هذا النخل الذي أخذه ﷺ من نخل بني النضير أموالهم كلها؛ قسَّمها في المهاجرين وأعطى اثنين أو ثلاثة من الأنصار؛ سهل بن حُنيف وابو دجانة وثالث معهم كانوا فقراء أعطاهم منه

والعجيب خيَّر الأنصار قال: "إن شئتم قسَمت بينكم وبين المُهاجرين هذا، ولم يردُّوا عليكم ما أعطيتموهم من قبل، وإن شئت ردّوا عليكم ما أخذوا منكم وقسَمتُ هذا فيهم في المهاجرين"، قال الأنصار -بصدقهم وإيمانهم-: "يا رسول الله ما أخذنا منهم لهم وهذا لهم ما نريد منه شيئا"، نحن نصَرناك وأعطيناهم لله ولرسوله، الذي قد أعطيناهم لهم، وهذا أعطِهم؛ لأنهم فقراء ليس لديهم شئ وليس لهم أموال ولا أملاك غير ما أعطيناهم، فأعطهم هذا لهم؛ فدعا للأنصار. وأخذ هذا فقسّمه على فقراء المهاجرين وأعطى الثلاثة هؤلاء من الأنصار؛ لشدة فقرهم، أعطاهم لأنهم فقراء، وترك منه بعض الشيء كان يُنفق على أمهات المؤمنين منه ﷺ.

 يقول: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً) -مُتَداوَلا دائراً- (بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ..(7)) فقد يصِل إلى الفقراء والمساكين؛ وهذه سياسة ترتيب المال في الشريعة المُطهّرة جعل الزكاة، منها: 

  • زكاة الفطرة.
  • وزكاة المال. 
  • وجعل الغنائم. 
  • وجعل الفيء. 

ورتَّبه الحق ترتيب؛ بحيث أيَّ مجتمع أقام أمر الله فيه كما ينبغي، لن يبق فيهم فقير:

  • فالآن مشاكل المسلمين، من أن المفروض من الزكوَات لم تخرج في محلِّها. 
  • وإلا فإن الله جعل في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء، الله .. الله .. الله.

ولهذا يتعجّب بعض الناس لمّا يطّلِع على حسابات من قبل هذه الفترات في البنوك وغيرها، وأنّ زكاة عام كفيلة بغِنى عامَّة المُسلمين في المشارق والمغارب؛ لو أُخرِجت في محلِّها، لكن ما تطيب النفوس تُخرِج ما فيه إلا في ألعاب ومُفاخرات أو تروح في الميسر والقمار وغير ذلك من المصائب -والعياذ بالله- أو في أذى المسلمين لبعضهم البعض و(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة:156].

اللهم أيقِظ قلوب المسلمين وأصلح شؤونهم ظاهراً وباطناً يا رب العالمين، لا انصرف رمضان إلا وقد صرفت عنا الهموم والغموم والكروب والظُّلُمات والآفات والعاهات والبليات من حيث أحاط بها علمك يا رب الأرضين والسماوات، حوِّل أحوال المسلمين إلى أحسن الأحوال والحالات وأجِب الدعوات، وعجِّل الإجابات، وأسرٍع الإغاثات.

يا سريعَ الغَوثِ غَوثاً *** مِنكَ يُدرُكُنـا سَريعـــا

يَهزِمُ العُسرَ وَيَأتي *** بِالَّذي نرجو جَميعا

يا قَريباً يا مُجيباً *** يا عَليماً يا سَميعا

قَد  تَحَقَّقنا  بِعَجــزٍ *** وَخُضوع  وَاِنكِسار

 فارحمنا برحمتك الواسعة وارفعنا مراتب قُربك الرافعة. 

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

 فإن لم يُرَ الهلال الليلة وكان معنا غدًا من رمضان يكون غد عندنا آخر درس من الدروس الرمضانية هذه والله يُبارك لنا في هذا الشهر وخاتمته، يا رب النظرة في الشهر الكريم ويا من يغفر في آخر ليلة منه لعباده المؤمنين ويعتِق مثل ما أعتق من أول الشهر إلى آخره وفِّرحظّنا من عِتقِك من النار ومن عفوك وعافيتك ومغفرتك وجودك يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا اله إلا انت نستغفِرُك ونتوب إليك. 

تاريخ النشر الهجري

30 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

23 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام