(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ}، الآية: 3، إلى قوله تعالى: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، الآية: 7
﷽
(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4))
الحمد لله مالِك المُلك، مُنجّي الصادقين معه من كل هُلك، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ختم المرسلين بعبده سيدِنا محمد المصطفى الذي شرّفه وكرّمه وبجّله وفضّله، اللهم أدم صلواتِك على عبدك المُختار المُصطفى سيدنا محمد، وعلى آله المُطهرين وأصحابه الغرِّ الميامين، وعلى من والاهم فيك واتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين صفوتك في العالمين، وعلى آلهم وأصحابهم والتابعين، وعلى ملائكتك المُقرّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعدُ…
فإنّنا في نِعمة تأمُّلِنا لخطاب ربنا، وتأمُّلِ معاني كلماته وآياته، التي أوحاها إلى قلب خير برياته؛ سيدنا -محمد صلى الله عليه و صحبه وسلم- في هذه الأيام الزاهية المُباركة التي في مِثلها أنزل القرآن، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة:185]؛ في هذه النِعْمة، وقضاء وقتٍ محدودٍ نرجو أن يكون له أجر غير محدود، وثواب غير محدود، وجزاء لا تحدُّه حُدود. إقبلنا يا رب ياودود، وبلِّغنا ذلك بمحض الفضل والجود، وزِدنا ما أنت أهله.
مررنا على أوائل سورة الحشر وعلِمنا:
وَضاعَ شأنُ هذه القبيلة لغلبة الأهواء على قادتها، ونافذي القول فيها من مثل حُيَيِّ بن أخطب ومَنْ قام معه:
وأنهم بعد ذلك أُخرجوا من حصونٍ كانوا يظنّون أن لا يخرجهم منها أحد، وأن تظل من بعد لأولادهم وأولاد أولادهم وأحفادهم وأولاد أحفادهم وأحفاد أحفادهم، ولكن كل من رسم صورة من: اغترارٍ بمجرّد الأسباب ناسيًا للمُسبب؛ فهو الذي لِما رسم يُخرِّب، وقد خرّبوا (بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(2))، إن أردت أن ترسُم لك أملًا أو رجوى، يمتد لها خير في الدنيا أو في الآخرة، في نفسك أو في أهلك وولدك من بعدك:
فهو الذي يعطيك ما رجوت وفوق ما رجوت وغيرُه لن يُنفعك بشيء. ومهما اعتمدت على سِواه فأنت غافِل، لاهنٍ، ساه، وسوف تقع في أنواع الخسران والندامة هنا ويوم الموافاة، ألا فبحكم إيمانك يا مؤمن! يامصلي! ياصايم! لا يكن في قلبك اعتماد على غيره ولا استناد إلى سواه .
ربِّ عليك اعتمادي *** كما إليك استنادي
صِدقـاً وأقصى مُرادي *** رِضاؤك الدائم الحال
اللهم ارض عنّا
ثم إن الذين انتهجوا خِطّة الاستجابة للأهواء، وتركوا ما أبرز الله لهم من: علامات، ودلالات واضِحات، تدل على الهدى، محكوم عليهم -من قِبَل الخلاق الذي لا مُعقِّب لحُكمِه- أن يُعذّبوا في الدنيا والآخرة، كما قال -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)، يقول -جلّ جلاله سبحانه وتعالى- في ذكرِ هذه الحقيقة، يقول سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) [آل عمران:56].
قال جلّ جلاله في بيان هذه الحقيقة نفسها عن هؤلاء القوم من صنف الكفار:
(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3)) فإن الذي انتهج هذا النهج الخاطئ لابد له من عذاب الدارين؛ فيا ويل المُعاندين لآيات جبّار السماوات والأرضين، ومن وصلتهم دعوة النبيين، فخالفوا وتعامووا وتصامموا عن الحجج الواضًحة والبراهين، أولئك الذين لابد لهم من عذاب شديد في الدنيا، وأشدّ منه وأشقّ في الأخرى، أجارنا الله من ذلك والحمد لله على نعمة الإسلام.
ويا ربِ ثبّتنا عليه وزِدنا إسلامًا، والحمد لله على نعمة الإيمان ويا ربِ ثبّتنا عليه وزدنا إيمانًا، واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنّا.
(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3)) وما عذاب النار!؟ هو الذي لا يُطاق ولا يُقدر على أحد من هؤلاء المخلوقين، حتى أنهم عند دخولهم إلى هذا العذاب يُمدّون بكِبرٍ في الأجسام وضخامة من أجل شِدّة هذا العذاب؛ ولا يطيقونه:
لأنه لا يطاق أصلًا -أجرنا من عذابك-، (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران:192]؛ هذا هو الخزي.. هذا هو الخزي..
قال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) -أمر هائل فضيع دائم لازم مستمر- (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) [الفرقان:65-66] اللهم أجرنا من النار.
(وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3)) يقول الحق: هذه سُنَّتي في عبادي (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر:16]، يا عبادي أطيعون، ولا تسترسِلوا مع تصوراتكم الباطلة، وتخيلاتكم الكاذبة، ما يمليه عليكم أنفسكم وإبليسكم -شياطين الإنس والجن- من الوحي الذي هو زُخرف الغرور، يُقابلون به وحي الحق على قلوب أنبيائه، وأنّى هذا من هذا: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام:112]:
وحي باطل ظُلماني ساقط هابط، ما بين شياطين الإنس والجن، يريدون أن يُضادوا ويُعاندوا به وحي الرحمن؛ وحيًا ربانيا نورانيًا حقًا خالِصًا نزل على قلوب الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.
وانظر أنت في تبعيّة الوحيين، ولا تُخادِع ولا تُصدِّق شيء من هذا الوحي الباطل الكاذِب الزائف:
وَحْيُ الْحَقِّ وَالْهُدَى، لماذا؟ حتى لو لم يسبق عليهم هذا الجلاء لابد لهم من عذاب في الدنيا والآخرة؟!
وهذا إذاً من عجائب سُنّة الله في الخلق:
لكن النتيجة مع الكل:
يقول -جلّ جلاله وتعالى في علاه- في ذكر أحوال أولئك القوم الذين مضوا:
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)؛ وخذوا الحقيقة: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ)؛ يكون مظهر عِلم، أو قوة عسكرية، أو قوة مادية، أو عدد، أو خِطط لكن يتخذونها أولياء من دون الله، يعاندون بها الله، (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) [العنكبوت:40-41] وبيت العنكبوت يحمينا من ماذا؟
إن جاءت ريح تلاشى واختفى، إن جاءت مطر تلاشى واختفى، إن جاء طفل فعل بأصبعه كذا تهدّم، ما هذا البيت! كله ذهب! إن أحد نفخ يتناثر - قال كذا- أليس هكذا؟! وكل الذين اتخذوا من دون الله أولياء حقيقتهم مثل هذا.
(كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) [العنكبوت:41]؛ فأوهن ما يُعتمد عليه كلُ ما سوى الله، واهن واهي، واهي واهن، لكن إذا وجد في الأرض واحد صادق الاعتماد على الله، هذا قوي، هذا خطير، هذا الذي إليه المآل والمرجع والعاقبة له -ولو واحد-.
إن إبراهيم كان وحده مؤمن بالله، ووحده معتمد على الله، وهؤلاء بمُلكهم وبما عندهم:
وجاء اليوم:
من القوي إذًا؟ ماذا كانت قوته المادية سيدنا الخليل؟!
قوته المادية، يضعونه وسط منجنيق يرمون به -يفلخ- إلى النار، هل هناك قوة مادة عنده؟! لكن هو القوي، ونارهم ما عاد نفعت، ولا حرقت الخليل ولا قميصه ولا نعليه؛ رجع بالنعلين والقميص ولا به شيء، أسبوعًا كاملًا وسط نار موقدة دنيوية؛ صارت له بردًا وسلامًا، يصلي فيها، ويُسَبِّح فيها، ويأتيه جبريل بالطعام فيها -الله أكبر- ليعلموا أنَّ القوة له سبحانه وتعالى.
وهكذا (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) [العنكبوت:40]، (قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) [فصلت:15-16] لا أحد وقف معهم، ولا أحد قام معهم ولا أحد أنقذهم من عذاب الله.
يقول تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ) كل من يمشي في هذه المُخالفة:
فيُعرض ويدبر ويُعاند؛ (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4)) هو يخاف من أحد عنده عقاب شديد، قال له: العقاب الشديد عندي أنا، يامن تُخالفني، يا من تكابر آياتي ورسلي، أنا شديد العقاب!، لا أنت ولا جماعتك ولا حزبك ولا طائفتك ولا قبيلتك ولا سجنك، أنا شديد العقاب! نريك العذاب كيف يكون؟ (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة:165]. اللهم أجرنا من عذابك.
فإنَّ الله يُعطي بغير حساب، سبحانه. ثم كان فيما عمل القوم أنَّ نفسياتُهم قائمة على:
وكان الذي يُعتمد عليه في ذلك الوقت قتاد النخل، وكان عندهم نخيل كثير، معتنين به عناية خاصة، من أجود أنواع النخل، قِوام اقتصادهم ومركز غِذائهم، فلمَّا عاندوا وتحصّنوا في الحِصن، وأراد ﷺ أن يُغيظهم، أمر ببعض نخلاتهم، -انظر- يصيحون من حريق النخل، نحو سبع نخلات، أمرهم ﷺ أن يقطعوها ويحرقوها لينكِّل بهم، و ليقول لهم: هذا الذي تعتمدون عليه أنظروا إليه كله، ويفزعون هم؛ عبيد بُطونهم وشهواتهم -ثم من أين نأكل؟- عجيب طريقة التفكير هكذا عندهم، ولكن هذه مئات النخل ليست سبع نخلات التي حرقت فقط.
فكان فيها نوع من السلاح الحربي النفسي والفكري عليهم، كان من جُملة ما هزّهم؛ حتى صاحوا: يا محمد! أنت جئت بالصلاح! لا تحرق ولا تفسد، كيف يعملوا أصحابك كذا؟! تركوا الباقي وتكلّموا عليهم، والصحابة بينهم البين قالوا: تراخينا في تنفيذ التحريق، ما حرقنا إلا قليل بعد إذن النبي لنا، عسى ما علينا حرج فيما تركناه -فزعوا!-، لأنه آيل إليهم، قال بعضهم لبعض: أبقوا النخيل لأنها ستعود إليكم، فزعوا فأنزل الله يطمن هؤلاء يغيظوا أولئك: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ..(5)):
(مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ) -من نخلة- (أَوْ تَرَكْتُمُوهَا) -أو الذي تركتوه- (قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) كله قال: برضى مني وأذني، الله أكبر. قال: أنتم على هدى وحق، عندكم رسولي والذي قال لكم الحق: ما قطعتم وما تركتم كله برضاي، (فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)) الذين لا يرون إلا بطونهم، ويُعظِّمون النخل تعظيمًا خرج بهم عن حدِّهم في ثِقتهم بالعلي العظيم.
قال: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5))، وهؤلاء الفاسقون من بني النضير، (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ): وهو كل ما تركوا بعد ذلك من حصونهم، وديارهم، ونخيلهم، وسلاحهم، وما لم تحمله الإبل من بقيّة أموالِهم.
قال الله: (مَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ..(6)) ما تمكّنتم من تحصيل هذا بإيجاف الخيل والركاب -الجمال-، يعني ما كان منكم جُهد ولا قتِال، قذفنا الرُعب في قلوبهم ورضوا بالخُروج بما ترك لهم نبيّنا من أن يحملوا زاد، ويحملوا كل ما تحمله الجمال غير الحلقة يعني: غير السلاح، حمّلوا جمالهم ما حملت وخرجوا، كل ثلاثة لهم جمل، واحملوا ما قدرتم. ساروا حتى أسقفة الباب -يزعزعونه- يخرجونه ويضعوه فوق الجمل؛ والحاصل خربوا بيوتهم -كما قال الله- و لحرصهم، ولكن إلى أين وصلوا؟!.
وهذا الذي تولى قيادتهم في هذا السوء، حيي بن أخطب، لبَّخ بنفسه بعد ذلك ثم لم يسمع الرأي حتى من أصحابه، لبَّخ بنفسه من هنا وشرد وبعد ذلك ذهب، هو ذهب لخيبر، وأكثرهم ذهبوا إلى أذرعات في الشام، خرجوا لأرض المحشر، راحوا إلى أذرعات، ومنهم طائفة راحوا إلى خيبر منهم هذا حيي بن أخطب، وبعد ذلك جاء مع بني قُريظة وقت خيانة بني قريظة، محل الخيانة هو يحضر هذا، وقع له مع بني قُريظة وقُتل هناك، ماذا استفاد من هذا العناد؟ ماذا استفاد من هذا التكذيب ومُخالفة الحبيب؟! ماذا جنى من هذا الفكر الذي يحمله؟!
ثم مرّت فترات وهؤلاء يكذبون عليهم، يقولون لهم: اشتد، (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ..(11))؛ فما عاد شيءٌ منه تم، وهل هذا هو وحده؟! كل الذين عاندوا الرسل بهذه الصورة، وكل الأفكار المُخالِفة لوحي الله هكذا مآلُها. ماذا استفاد أصحابها؟ ماذا يُحَصِّلون؟ ماذا يكسِبون؟ ماذا يجمعون؟ وإلى أين ينتهون؟
(وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ (6)) وكان من رسله هنا:
انقطعت بهم الأسباب، امتلأوا رعبًا، قالوا: الآن لو سيُقطِّعُنا قِطَعًا قِطَعًا سيقدر، لكن أمامهم عظيمٌ لو كان مُنتقِمًا، وقد همُّوا بقتِله، وخانوا عُهوده، وألَّبُوا القبائل عليه. لو كان سينتقم، وقال: مجرمين حربٍ، قطعةً قطعة فلا تُخَلُّوا واحدًا منهم. لكن أمامهم محمد، ما أعقلَ منه! ولا أحكمَ منه! ولا أحلمَ منه! ولا أنصفَ منه! ﷺ.
قالوا: أبقِ لنا دماءنا، لا تَمَسَّ أحدًا مِنَّا، سنخرج كما قلتَ نخرج. قالوا: دعنا نخرج ونأخذ من مالنا. قال: لكلِّ ثلاثة جَمَال، حمِّلُوه ما شئتم فيه، "اتركوا السلاح وحمِّلوا ما شئتم من الأموال واخرجوا"، هذه أرواحكم وهذا مالكم، امشوا فقط، ابعدوا عن هذا المكان؛ مصدر فِتنةٍ وشرٍّ في المحل، ابعِدوا. دعوا دين الله ينتشر، ويسمع الناسُ الأمرَ على ما هو عليه، اذهبوا أنتم وهذا المال، وحياتكم التي كتبها الله لكم، أيامكم المعدودةٌ اقضُوها بعيدًا. تفرقوا وراحوا وخرجوا.
قال: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6)) فيقول: هذا كان خاصة لرسول الله ﷺ ليس حُكمه حكم الغنيمة تُقسم أخماس، وعلى ما جاء في مذاهب أئمة أهل السُنَّة في كيفية قسمة الغنيمة:
أما هذا فيء أفاءه الله على رسوله، فلهذا يقول: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)) فأخذه ﷺ، وقسَّمه على فقراء المُهاجرين:
هذا ما دخل من دون قتال أو جهاد، أمَّا ما كان بقتالٍ وجهاد (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..(7))، فهذا يُقسم كله خمسة أخماس:
الغنيمة غير الفيء: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ..(7)) يعني نظام الشريعة:
قال: بل تُبذل لهؤلاء، وقال: (دُولَةً) يعني مُتداولًا بين الأغنياء مِنكم، فيتصرَّفون بمُقتضى أهوائهم وشهواتهم، يقول: لا، خذ ووزع؛
خذ من أموال الأغنياء وتُردُّ على الفقراء؛ (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) فما أحسن هذا النظام للخلق.
لا رأسمالية ولا اشتراكية، كل ما ضادَّ هذا تحت أي مسمى يفشل؛ فشلوا أو ما فشلوا؟ والله فشلوا!.. والله فشلوا! ومازالوا مُتربّصين بعضهم ببعض، الآن الحروب، وعينهم على المحلات الثانية والأماكن الثانية، هذه كذا ولا كذا! هذه تبعي وإلا تبعك، رأسمالي وإلا اشتراكي؛ كل واحد فاشل.
كلهم في بُلدانهم أصناف من الفقراء لا يجدون المساكن، بالمئات، بالألوف، في أمريكا وفي روسيا موجودون، هذا النظام مُشكلة! نِظام فاشل! وهم قد تنكروا للاشتراكي هذا وقد غيروا وبدلوا، وأولئك يتأرجحون؛ ساعة يأتون كذا وساعة يأتون كذا، لا رأسمالية ولا اشتراكية نجحت معهم في صلاح العالم وسط نظام المال.
لكن نِظام الخالِق هذا هو الأصلح، سنتان في حُكم سيدنا عمر بن عبد العزيز ما بقي مُحتاج في المملكة الإسلامية كلّها. حملوا الذهب وداروا به من محل إلى محل، فردّوه، قالوا: ياأمير المؤمنين ما وجدنا من يقبله! قال: ضعوه في بيت المال، ذهب! ذهب يدورون به! هذا وقع بنظام الإسلام في خلال سنتين وستة أشهر، أغنى عدلُ عمر بن عبد العزيز الناس.
لكن الأنظمة الثانية والخطة الخمسية، خمس بعد خمس بعد خمس، كل خمس سنين، والى بعد خمسين سنة والمشاكل قائمة، ولا أحد اغتنى.
يقول هذا أفلس! وأنتم على نظام رأسمالي، كيف أفلس؟! شركة كاملة، بنك كامل؛ أفلس!! لا يوجد شئ لك؟! هل رأيتم النظام؟! هذا النظام! كم بنوك أفلست؟ كم شركات أفلست.
في ضِمن هذا النظام مررنا على ناس يسكُنون تحت الجُسور، جُسور الطريق هذه، أسرٌ ساكنون لا يجدون سكن، لا ايجار ولا مُلك، أين؟ في أمريكا! هو قريب من واشنطن. في بعض أماكنهم عمارات كبيرة وفارغة وفيها عصابات يأتون يسكنون. ماذا حصل؟! قالوا: أصحابها فلّسوا، البنك حَجَرَها عليهم ما سلّموها وهي محجورة، والعِصابات. لماذا لا تأتون بالأسر ليسكنوا هناك؟!
نظام رأسمالي، نظام غريب! فاشل! لا رأسمالي ولا اشتراكي، فشل في فشل، وكل ما خالف نظام الحق -عز وجلّ- لا بد أن يفشل.. لا بد أن يفشل، الله، لا إله إلا الله.
إنَّ الله فرض في أموال الأغنياء ما يكفي الفقراء؛ لا بطريق انتفاضات وتأمِيمات واعتداءات ولا بشيء:
وهكذا، حتى إن بعض أهل هذا الاقتصاد في زماننا لمّا رأى الأرقام لأموال المسلمين في بعض بنوك العالم، وجد:
والذين أخرجوا الزكاة، الكثير منهم لم يضعها في مواضعها ولا في محلِّها، فبقي هذا الخلل؛ و إلا لو طُبِّق نظام الحق، كما يُطبِّق هؤلاء أنظمتهم بالقسر والقهر.
في الدول يقول لك: الحرية! -الحرية: نظام الحق خلّه تعال إلى نظامنا بالقوة؟!- نظام! نظام! أنت تمشي على النظام؟! قانون! ولِمَ إذا احتكمنا للشريعة قلتم: كبَّلنا الحريَّات.
وإذا لا شريعة في نظامكم قلتم: يجب أن نلتزم بالقّوة. ومن الذي جعل الحرية خضوع لنظام بشر؟ وكَبْت الحرية خضوع لنظام الربّ؟ كيف هذا؟ هذا كبت حرية! وهذا حرية! ميزان من؟!.. ميزان من؟!..
وهكذا يمشي الناس كأنّهم عُميان، أنظر أمام عينك، ما تفسير الحرية؟ ما تفسير النظام؟ ما تفسير..؟!
ما اللعب هذا؟ وإن كان هذا أصلح لي، وأحسن لحياتي، وأهنأ لقلبي؛ أبدًا! هذا فقط لنا! وماذا قال لك: ديمقراطي وحر وحقوق إنسان، والواقع هذا هو. يا محوّل الأحوال حوّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال.
(فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ) -احذروا بطشهِ وغضبه إن خالفتم أمره- (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)) -جلّ جلاله وتعالى في علاه-
جاءت امرأةٌ عند ابن مسعود قالت: أنت الآن تنهانا عن الوصل وعن الوشم، وتنهانا عن شعر المرأة ووصله بشعرٍ آخر، أهذا شيءٌ من عندك أنت تأتي به، أم هو من كلام الله ورسوله؟ قال: من كتاب الله! قالت: أنا قرأت القرآن من أوله إلى آخره، فما وجدتُ فيه هذا. قال أما قرأت قول الله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، قالت: بلى! قال: فإن رسول الله نهى عن الوصل، هذا في القرآن محرم، فقد قال لكم:
(وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)؛ لأنه مأمون من قِبلنا، لا يُشرِّع بمجرد رأي، ولا بمجرد نظرة، هو معصوم وهو مؤيد من عندنا:
فلنا الشرف في تبعيته والاقتداء به، فذلك محبوب ربنا ومُراد ربنا مِناّ.
فالحمد لله على نعمة الاسلام، ثبَّتنا الله عليها وجعلنا من المُتحققين بحقائقها، وزادنا إسلاما وزادنا ايمانا وزادنا عافية وبارك لنا في أعمارنا، وبارك لنا في أيامنا وليالينا وفي شهرنا هذا يارب، ما تعتِق من الرقاب من النار فرِقابنا بين يديك مُحتاجة إلى أنواع العِتق فأعتقها يا ربّنا، ورًقاب اهلينا وآبائنا وأحبابنا، وأولادنا وأصحابنا وطُلابنا وذوي الحُقوق علينا والمؤمنين والمؤمنات، اعتق الرقاب يا رب الأرباب من النار والعذاب، ومن الكُفر ومن الشِقاق ومن النِفاق ومن سوء الأخلاق، اعتق رقِابنا يا مُعتق الرِقاب
ما من دابة دين الله و آخذ بناصيتها وأنت على صراط مستقيم اعتق رقابنا من عذابك ومن غضبك ومن سخطك ومن نارك، ومن العيوب، ومن الذنوب، ومن سوء الخلق يا حي ياقيوم ياالله، وبلِّغنا فوق آمالنا مع صلاح جميع أحوالنا في دنيانا ومآلنا.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي محمد
اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
05 رَمضان 1442