تفسير سورة الحشر -4- من قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله..)، الآية: 5

تفسير سورة الحشر، من قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله..}، الآية: 5
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله..}، الآية: 5، إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ..}، الآية: 10

نص الدرس مكتوب:

(مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10))

 

الحمد لله مكرمنا بالحق المبين، والنبي الأمين، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه في كل لمحة ولحظة ونفس وحين، وعلى آله الطاهرين وأصحابه الأكرمين، وعلى مَن والاهم في الله وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين، وآلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعده،،،

فإننا في تأمل كلام ربنا -جلَّ جلاله- في هذه الأيام المباركة التي نختمها بهذا اليوم -آخر أيام رمضان مِن العام الحادي والأربعين بعد الأربع مئة والألف مِن هجرة النبي الأمين محمد ﷺ- لا نستطيع أن نعيد ساعةً فضلًا عن يوم أو ليلة مِن الليالي التي مضت، ونسأل الله أن يقبلنا فيها ويجعلها حجة لنا لا علينا وشاهدة لنا لا شاهدة علينا، ويبارك فيما بقي وهو بعض يوم، لم يبقَ يوم كامل، ولم تبقى ليلة قط لياليه جميعها انقضت ثلاثون ليلة وأيامه انقضى منها تسع وعشرون يومًا وبعض يوم، فبقي بعض اليوم الثلاثين فقط بارك الله لنا فيه وجعلنا مِن خواص الرابحين الفائزين فيه برضوان الباري -جلَّ جلاله- ونظره وجوده الذي به ينظر في آخر ليلة من رمضان إلى جميع المؤمنين: 

  • فيغفر لجميعهم إلاَّ المشاحن، وقاطع الرحم، والعاق للوالدين، وشارب للخمور، والمسكرات -والعياذ بالله-. 
  • ويعتق مثل ما أعتق مِن أول الشهر إلى آخره. 

ثم تقابل الناس ليلةٌ تسميها الملائكة ليلة الجائزة، وهي ليلة العيد و يباهي الله ملائكته بعباده المؤمنين الذين صاموا وقاموا، ثم يفيض عليهم فائضات جوده ويقول لهم عند خروجهم إلى مصليات العيد: "لا تسألوني في مقامكم هذا شيء لأمر آخرتكم إلاَّ أعطيتكم، ولا لأمر دنياكم إلاَّ نظرت لكم فيه، فإن كان خير لكم أعطيتكم إياه، وإلاَّ أعددته لكم عندي أجره"؛ الحمد لله على فضل الله.

انتهينا إلى تأمل آيات سورة الحشر، والله يجعلنا مِن السعداء في يوم الحشر، بمرافقة حبيبه البدر، والورود على حوضه المورود، والاستظلال بظل لوائه المعقود، والدخول معه إلى جنات الخلود، اللهم آمين.

قرأنا أن الحق -تبارك وتعالى- أشار إلى قصة خروج بني النضير: 

  • ثاني مَن خان العهد مِن قبائل بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة مِن اليهود الذين عاهدهم ﷺ، فغدر الأول، ثم غدر الثاني، ثم غدر الثالث. 
  • وتصرفوا تصرفات كثيرة فيها إرهاق وإتعاب كثيرة للمؤمنين ومَن حولهم، ومشاق كبيرة كثيرة.
  • وهم يعلمون أنه رسول الله، ويقرأون وصفه في التوراة حتى أن أحدهم أعرف به أنهُ نبي الله منه بولده: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [البقرة:146]، كما قال الله -سبحانه وتعالى-. 

ولكن الشقاوة إذا غلبت على الإنسان فلا يستمع لشيء، ولا يرى دليل، ولا ينظر آية ويظل ما غلب على رأسه وهواه وراءه، وراءه، وراءه حتى يورده إلى شديد العقاب، والعذاب، وخسران الدنيا والآخرة -والعياذ بالله- فالله لا يسلط علينا هوىً، ولا يسلط علينا نفسًا أمارة، ولا يسلط علينا شياطين إنس ولا جن، ويجعل هوانا تبعًا لما جاء به رسوله -صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم-. 

 

(مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5))

يقول -تبارك وتعالى- في تبرئة ما فعل المؤمنون، وأنهم لم يتصرفوا مِن شيء لأجل إفسادٍ، ولا لأجل إضاعة مالٍ، ولا لتكبر، ولا لغرض؛ وإنما كانوا ممتثلين مؤتمرين يريدون رضوان ربهم يقول: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5))، وذلك أن مِن الفاسقين وهم اليهود -أنفسهم معهم بعض المنافقين- قالوا على النُخيلات التي قطعت أو التي تحرقت: إن هؤلاء يقولون أنهم بُعثوا بالإصلاح وغيرهِ، وهم الآن في الإفساد يفسدون، فتكلموا، وردَّ الله على أولئك كلامهم وقال: هذا صنف مِن عبادي ما شغلهم إفساد، ولا شغلهم هوى، ولا شغلهم شيء مما عندكم؛ (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ) نخلة قائمة على أصولها؛ (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)).

 

(وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6))

 (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ (6))، وهذا يسمى الفيء: 

  • وهو ما يصل مِن الأموال إلى دائرة المسلمين مِن غير قتال، ومِن غير حرب فيكون الفيء الذي يقسَّم أخماسًا. 
  • في عهده  فيء بني النضير جعل له خاصة عليه الصلاة والسلام، فقسَّمه بين فقراء المهاجرين -كما تقدم معنا- وأعطى اثنين أو ثلاثة مِن الأنصار، كانوا فقراء. 

يقول: (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء)، وخاتم رسله محمد ﷺ، وللحق تعالى رسل بغير معنى الإنباء والرسالة كثير: 

  • يرسل -سبحانه وتعالى- الرعب.
  • ويرسل الخوف.
  • ويرسل سبحانه وتعالى أنواعًا مِن المؤثِّرات على الناس. 

(وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(6)).

 

(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7))

 

(مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ)؛ ذكر هذا للتعظيم، ثم مع كونه جميعًا لله: 

  • يقسم إلى خمسة أقسام بعد ذلك: (وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، فيكون كذلك حُكم الفيء.
  • وأما ما كان مِن الغنائم فذكر أيضًا: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) [ال عمران:41]. 

فالخُمس يخرج مخرج الفي، والأربعة الأخماس هي التي تعطى للمجاهدين، وتقسم على المجاهدين؛ 

  • ويعطى سهم للراجل.
  • وللفارس؛ ثلاث أسهم سهم له، وسهمان للفرس. 

يقول: الذي يدخل إلى دوائر المسلمين مِن المال: 

  • إما غنيمة.
  • وإما فيء.
  • و إما زكاة -صدقة-.

وكله مبين في الكتاب، أين يذهبون به؟ وكيف يرتبونه؟ 

فالنظام المالي في الشريعة محصن مرتب، إذا قاموا عليه كان أسدَّ شيئًا لحاجاتهم، وأبعد للخلل بينهم، وأحسن في أن يتناول الحظ منه مختلف أبناء مجتمعاتهم. قال: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى)؛ 

  • (وَلِذِي الْقُرْبَى) في الفيء، وفي الغنائم كذلك: هم بنو هاشم وبنو المطلب، قربى المصطفى ﷺ، وكذلك فعل في حياته، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون مِن بعده: 
    • فكانوا يأخذون خُمس الخُمس مِن الغنيمة، وخُمس الفيء فيعطونه لبني هاشم وبني المطلب، -ذوي القربى- قرابة رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- (وَلِذِي الْقُرْبَى). 
    • المشار إليهم بالآية الأخرى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) [الشورى:23].
  • يقول: (وَلِلرَّسُولِ)، واختلفوا بعد ذلك في سهم الرسول كيف يرجع؟ أي إلى الفقراء والمساكين، أو يرجع إلى الإمام والحاكم والوالي؟ 
    • الخُمس هذا. 
    • أو يرجع إلى المجاهدين أنفسهم. 
    • أو يرجع إلى المصالح العامة. 
  • وبقي سهم ذي القربى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، يوزع عليهم خُمس لهؤلاء، وخُمس لهؤلاء، وخمس لهؤلاء. 

قال: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً) دُولة يعني متداولاً، محصوراً بين الأغنياء منكم، لا يصل إلى الفقراء والمحتاجين:

  • قال الله: لا، الله لا يريد المال يكون هكذا؛ ولكن يوسع لمن يشاء، ويقتِّر مَن يشاء، يختبر ذا بذا، وذا بذا، وليست الكرامة عنده بتوفر المال، ولا الإهانة بنقص المال أبداً. 
  • ولهذا يقول: مَن أعزَّ بالمال، وأهان بالفقر فقد خالف ميزان الله وكتابه، وهو مِن الحمقى السفهاء البعيدين. 
  • قال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا) [الفجر:15-17]، هذا ميزان باطل ليس صحيح، ولا هو حق ما فيه، ليس صحيح أبدًا. 

قال: (كَلَّا)؛ ولكن الكرامة عنده بتقواه والإهانة بمعصيته، فمن اتقاه فهو المكرم -كائن مَن كان- ومَن عصى فهو المهان  -غني أو فقير- العصاة عليهم الهون والذلة، إذاً: 

  • فلا رفعة إلاَّ بطاعة الله، ولا خفض وضعة إلاَّ بمعصية الله. 
  • "وما أهانت العباد أنفسها بمثل معصية الله، ولا أعزت أنفسها بمثل طاعة الله". 

اللهم أعزنا بطاعتك ولا تُهنَّا بالمعصية.

قال تعالى: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ)، وفي قراءة: (دَولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) الدَولة؛ مصدر الدُولة الأمر الذي يتداول، والدَولة مصدر ذلك، أي:

  • الدُولة: المال الذي يُتداول. 
  • والدَولة: حصول تداول ذلك المال، يقال له دَولة، (دَولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ).

 كما يقال لما يتناول حال الإنسان وينازله مِن دَولة، أي أن هذا دولته كذا؛ إما سرور وفرح، وإما حزن، ويقول: هذا دَولة فلان، يعني الأمر المتعاقب عليه والنازل به، والمتردد عليه. 

وهكذا ولما كانوا أيضًا في شؤون أرباب الحكم وهم يتداولون تسيير الأمور بين مجموعة منهم  سمي دَولة، يقولون لها دَولة، الله ..لا إله إلاَّ الله.. 

يقول: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ) إرشاد الحق لعباده المؤمنين: 

  • (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) انتخبتُ لكم عبدي الأمين، الأعلم، الأصدق فلا تفكروا في استبدال شيء مِن أحواله بشيء آخر -كائن ما كان- لا في زمانه، ولا بعد وفاته إلى أن يلقاني آخر واحد منكم على ظهر الأرض.
  • (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، فالخير لكم في ذلك أن تطيعوا رسولي، وكان يقول لهم في بعض الآيات: 
    • (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ) -الذي تستحسنونه أنتم وترتبون- (لَعَنِتُّمْ) تقع المشَّاقات عليكم مشاكل كبيرة. 
    • (لَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)، فاتبعتم الرسول فسلمتم مِن مصاعب كثيرة، ومشاكل كبيرة. 
    • لو مشيتم فيها على عقولكم وراءكم فتتعبون: (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً) [الحجرات:7-8]. 

فاجعلنا راشدين وألحقنا بهم يا أرحم الراحمين.

 (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ): 

  • الذي اختاره بعلمه وهو (قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12]. 
  • أنزل الكتاب بعلمه، أنزله بعلمه؛ (لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ) [النساء:166]. 
  • (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ) [الصف:9]، قال: (اتَّقُونِ) [البقرة:197]. 

أنا اخترت هذا الرسول، أنا اخترت هذا الكتاب، أنا اخترت هذا الشرع، تُقدِّمون أي فكرة علي؟ ستُقدِّمون مَن علي؟ عربي .. عجمي، يهودي .. نصراني، ملحد،  صغير .. كبير! مَن هذا الذي ستقدمونه علي؟! 

  • أنا خالقكم وخالقهم جميعًا! (اتَّقُونِ)، لا تقدموا أحدا؛ على كتابي، على رسولي، على شريعتي، على ديني، مَن يتقدم علي؟ تريدون أن تقدموا علي؟! 
  • أنا إلهكم المحيط بكل شيء، الخالق لكل شيء، والذي بيده ملكوت كل شيء، ستقدمون مَن علي؟! (اتَّقُونِ) اتقوا الله؛ يغضب عليكم، تقوم تستحسن رأي شرقي غربي. 

وماذا بعد ذلك ياعاقل يا مؤمن؟! 

  • (مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا) [المائدة:50].
  • (أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140]
  • (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14]. 
  • (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].

من أنتم كلكم؟ أكبر مدَّعي للعلم كائن ما كان في العالم؛ لا يعلم. وبالأمس كان لا يعلم؛ كان نطفة، كان علقة، ماذا معه مِن العلم؟ 

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:78]، والآن في خلال السنوات هذه اكتسب علم، تقوم تقارنه بالإله! الذي خلقه والذي كونه، هل أنت فيك عقل؟! اتق الله. 

قال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) لا تقدموا على الرسول واحد ثاني، لا تستحسنوا فكر مِن شرق، ولا مِن غرب، مَن هم هولاء؟ مَن هم وما يكونون؟! لا خلقوا، ولا رزقوا، ولا بيدهم الأمر، ولا المرجع إليهم؛ (اتَّقُوا اللَّهَ) قدموا رسولي قدموا أوامره، قدموا منهجه، قدموا سيرته: (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)) واحد يقدم غير أمره على أمره! يقدم غير رسوله على رسوله! يقدم غير كتابه على كتابه! ربك شديد العقاب يقول لك: أنت تقدر على عقابي؟ تقدر على عذابي؟ (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26] -جلَّ جلاله- اللهم أجرنا مِن عذابك وعقابك وغضبك، قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) اللهم ارزقنا حسنا متابعة الرسول. 

  • فهذا أصل مِن الأصول في متابعة المصطفى: (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، ثم يعلنها الحق؛ كل واحد يدَّعي أنه عرف الإله الذي خلقه ويحبه قل له انظر؛ الباب والطريق كلها من عندي: 
  • (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ)، تعال إلى هنا، أنت صدق، إنت تحبه، عندك حقيقة محبة، عرفت هذا الإله؟ تحبه؛ تعال إلى هنا؛ (فَاتَّبِعُونِي)
  • وانظر إلى الجزاء الكبير: (يُحْبِبْكُمُ) هو يحبكم -الله تعالى- (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ)، (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [ال عمران:31]؛. 

ولذا قالوا: لا توجد أوصاف للأولياء والعارفين وصالحي الأمة أعظم مِن أن يقال: كان شديد المتابعة لرسول الله -يكفي- يعني؛ إذا صح ذلك؛ فالحق شديد المحبة له -الله يحبه محبة شديدة- هذا معنى أنه شديد المتابعة لمحمد -صلى الله عليه وآله وسلم- رزقنا الله حسن متابعته. 

ولما ذكروا للإمام أبي بكر بن عبد الله العطاس امرأة كان فيها صلاح، وفيها صفاء في باطنها، وربما بروحها شاهدت المكان البعيد؛ فكانت تبطئ في تكبيرة الإحرام، فقيل لها لماذا؟ قالت: حتى يتجلَّى لقلبي الكعبة فأكبِّر: 

  • فقال الحبيب أبي بكر العطاس: "عملها بالسنة إدراكها لتكبيرة الإحرام مع الإمام أفضل مِن رؤيتها للكعبة": 
    • رؤيتها للكعبة مزية وكرامة أعطاها الله إياها ممكن تأتي. 
    • لكن ما يترتب عليها الثواب والمحبة والدرجة، متابعة النبي يترتب هذا الأمر. 
  • قال: "فأحسن أن تتبع محمد" -عليه الصلاة والسلام- أحسن مِن أن تشاهد أي شيء، تبعيتها لمحمد أحمدْ، أحمدْ لها وأوفق وأرشد وأسعد. 

فالله يرزقنا حسن متابعته صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم.

يقول: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، ثم قال الله: هذا الذي حكمتُ لكم مِن الغنائم والفيء وقلت: (وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..(7)) قصدت بهم مَن؟ 

 

(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)) 

قال: (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ)، فصنَّف الذي يستحقون هذا الفيء مِن الأمة كلهم إلى ثلاث أصناف:

  1. مهاجرين.
  2. أنصار.
  3. متابعين لهم.

ممِن بعدهم يعرفون قدرهم، يستغفرون لهم؛ هؤلاء هم. قال: 

  • (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ) هم هؤلاء؛ فيهم ذو القربى، وفيهم اليتامى، وفيهم المساكين، وأبناء السبيل.
  • (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) كسادتنا أهل مكة المكرمة مِن المؤمنين 
    • (أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)؛ بقهر قريش لهم، وتسلُّط الكفار عليهم.

(أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)، ولماذا أخرجوا؟ هل آذوا أحد؟ سرقوا أحد؟! هل قتلوا أحد؟! 

  • ما مِن هذا شيء؛ إلاَّ أن يؤمنوا بالله ورسوله قال: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ)
  • صبروا على الخروج مِن الديار والأموال؛ لأن ابتغاؤهم هويتهم هوايتهم أمنيتهم طموحهم: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا). 

شيء مثل هذه الطموحات؟ شيء مثل هذه الأمنيات؟ شيء مثل هذه الهوايات العجيبة؟ 

  • قال: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)؛ وكان هذا مقصدهم.  
  • فما عملهم؟ قال: (يَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
  • فما حالهم؟ قال: (أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)).

هذا قصدهم، وهذا عملهم، وهذا حالهم  -الله اكبر- أنعم بهم مِن قوم:

  • قصدهم: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا).
  • عملهم: (يَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
  • حالهم: (أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)).

شهادة مِن الله لهم بالصدق -عليهم الرضوان-؛ ولذا هذه الثلة كل ما قالته في الحياة بأكملها؛ أنَّ هذا كذا، وأنَّ هذا كذا؛ لا سبيل للحيدة عنه، ولا الخروج عنه؛ مشهود لهم بالصدق مِن هنا، مِن عند الله. فإذا جاءوا بعد النبي ﷺ، وهذه الثلة يقولون: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا خليفة رسول الله، وهذا قريب رسول الله، وهذا كذا، ما لنا نحيد عن ذلك؟ كيف نخرج؟ 

والله يقول: (أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ):

  • قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119]؛ انتهت المسألة، ما قاله هو الصدق بشهادة مِن الله لهم ذلك، شهد لهم بذلك؛ 
  • لهذا قال لنا في الآية الأخرى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم) -شرع اتباعهم الله- شرع اتباعهم وقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [التوبة:100] الله أكبر.

(يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ وهذه الصفات العجيبة نسأل الله أن يحلينا بها، وتخرج مِن رمضان: 

  • وأنت تبتغي فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوان؛ فضل الله، أعلاه؛ قربه.. مغفرته.. رحمته.. جنته.. مرافقة أنبيائه؛ هذا فضل الله. 
  • ورضوانه، فوق هذا كله؛ (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72].  

(يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) همتهم، ونهمتهم، وشجاعتهم، وبذلهم وتضحيتهم بالنفس والنفيس؛ لنصرة الله ورسوله، هذا الذي يهمَّهم:

  • (يَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): في ديارهم، في منازلهم، في أهلهم، في أولادهم، في أصحابهم، في أصدقائهم، في معاملاتهم. 
  • (يَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ الله ورسوله منصور وسط ديارهم، وسط معاملاتهم، في مناسباتهم، وفي لباسهم، وفي أفكارهم، وفي أعمالهم.
  • (يَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ هنيئًا لهم اللهم ألحقنا بهم.

قال الله: (أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)) صدقوا معي وقبلْتهم، أفضتُ عليهم نور الصدق وملأتُ به قلوبهم، يا ما أعظمه مِن شهادة ووصف مِن الله.

 

(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9))

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ)؛ (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ): 

  • المدينة المنورة بقعة شُرِّفت وعُظمت، وما ظهر شرفها ولا عظمتها؛ إلاَّ لمَّا وطئتها قدما محمد بن عبد الله وحلَّ بها 
  • وقال لأصحابها: "فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ" ، دار شُرِّفت، وعُظمت سماها الله (الدَّارَ) في القرآن يقصد بها المدينة المنورة.

(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) ما الإيمان هذا؟ معاني متعددة، يأتي في معنى (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ):

  1. أولًا: لازموه هم، كما لازموا الدار -الإيمان- لازموه أيضًا، لازمين هذا الإيمان يعني: 
    • تبوؤوا الدار مع كونهم مؤمنين، يعني سبقوا إلى المدينة المنورة، نشأوا فيها، وعاشوا فيها، ثم أكرموا بالإيمان. 
    • وهم في المدينة، المهاجرون لم يصلوا للمدينة إلاَّ بعد هؤلاء، كانوا قبلهم (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ).
  2. ثانيًا: من أسماء المدينة الإيمان أيضًا، يعني معطوفًا عليه نفسه: (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ).
  3. ثالثًا(تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ) يعني كثير مِن المهاجرين سبقوا إلى الإيمان سادتنا الأنصار: 
    • لكن ما وصلوا إلى المدينة إلاَّ بعد، فلقد سبق الأنصار في المدينة المنورة فهم (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ) يعني: مِن قبل هجرة هؤلاء، مِن قبل مجيئ هؤلاء، مِن قبل أن يصلوا.
    •  فسبقوهم بالدار والحلول فيه واستقبالهم فيه، ولم يسبقوهم بالإيمان، أكثر المهاجرين كانوا آمنوا مِن قبل، قبل إيمان سادتنا الأنصار في بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، ثم انتشر فيهم الإسلام.
  4. رابعًا: ومعنى أيضًا (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ و -تبوؤوا- الإيمان) بمعنى: أظهروه، وأقاموا شعائره: 
    • فهذا لم يقدر عليه المهاجرون قبل الهجرة، ما قدروا أن يظهروا الشعائر -كالجمعة- المشركين فوقهم بالصميل -بالعصا- ما يتركونهم يقومون بشيء.
    • لكن سادتنا الأنصار أظهروا شعائر الإسلام قاموا بالجمعة في المدينة قبل أن يهاجر المهاجرون (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ).

الله يمدح هؤلاء يقول: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) لا قرابة، ولا تجارة، ولا مصلحة مِن مصالح الدنيا أبدًا، عايشين هؤلاء بعيدين مِن هؤلاء، ونادرا ما يتعرفون، نادرا ما يتقاربون؛ إلاَّ لسابق فضل مِن الله واختصاص؛ ساق الله هاشم -جد نبينا- هناك، يأتِ يتزوج عند هؤلاء. 

سبق اختصاص مِن الله  وفضل وإلاَّ مابينهم صهارات ولا كثير قرابات، ويأتي أصناف مِن القبائل وكثير مِن المستضعفين بعضهم مِن الأعيان فيستقبلوا الكل، (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) ما المحبة هذه؟ من أين جاءت؟ 

صدقهم مع الله، إيمانهم (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) -الله أكبر- انظر الى الوصف الرباني لهم، والحق أعلم عن وصف أي واحد، أوصاف الناس عن توهمات أو ظنون جميلات؛ لكن وصف مِن عند الله عِلِم، عَِلِم بهم تمامًا، قال سبحانه وتعالى: 

  • (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) هو المطَّلع على صدورهم، قال: ما في صدورهم ذرة مِن استثقال ما أوتي هؤلاء، ولا ما أعطوا، سواء مِن أموال  بني النضير التي أُخذت وما أُعطوا منها.
  • (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) لا حزازة، ولا استثقال، ولا اتباع، ولا التفات إليه، لا يلتفتون لشيء، لا يرون أن عندهم لهذا حاجة أصلًا؛ ما القلوب هذه العجيبة؟!

لكن الله رباها على يد نبيهم مباشرة؛ فبرزت هذه الصفات الصعب اكتسابها إلاَّ بعد مجاهدات طويلة، وهؤلاء بسرعة ثبت في قلوبهم ورسخ وصُبغوا بهذه الصبغة -عليهم الرضوان- فهنيئا لهم، صلى الله على مربيهم ومزكيهم -عليه الصلاة والسلام-. 

فمدحهم إلههم وباريهم وقال: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) حتى قال كما تقدم معنا لسادتنا الأنصار: "إن أحببتم قسمتُ أموال بني النضير" -هذا الفيء- "بينكم وبين المهاجرين، وتركتُم لهم ما أعطيتموهم مِن دياركم وبعض نخيلكم" -أعطوا المهاجرين ديار ونخيل وكذا مِما عندهم- "وإن شئتم قسمته فيهم ويرِدَُون ما أخذوا منكم" يرِدُّون عليكم ما أخذوا مِن دياركم، قالوا: "بل نُبقي لهم ما أعطيناهم ونؤثرهم بالفيء، لا نأخذ منه شيء -أعطوهم إيَّاه- عجيبين"؛ فرح منهم ﷺ، وأثنى الحق عليهم وقال: 

  • (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) حتى وقت الحاجة ووقت الإختصاص بالأمر والمساس له، كانوا يؤثرون، ليس مجرد الأغنياء وحدهم، بل كلهم يؤثرون. 
  • (يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) حتى أُهدي إلى بعضهم رأس مشوي، وكان به له حاجة فأهداه للثاني، والثاني محتاج كذلك أهداه للثالث، والثالث محتاج أهداه للرابع، ودار في تسعة، ثم رجع إلى الأول؛ رأس واحد. 

وجاء سيدنا عبد الرحمن بن عوف يقول له سيدنا الأنصاري: تعال انظر الى هذه الأموال؛ نصفها لك ونصفها لي، تعال اسمع عندي؛ زوجتان -قبل نزول آية الحجاب- قال: انظر إلى زوجتيَّ أحبهما إليك -أحسنهما في نظرك- أطلقها تعتد، ثم أنت تأخذها؛ إلى هذا الحد!؛ لكن سيدنا عبد الرحمن بن عوف، هل قال: هات؟! بل قال: "بارك الله لك في أهلك ومالك". فما أعجب الأنصار، وما أعجب المهاجرين، ما قال: تمام فرصة سآخذ كل شيء! قال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، لكن دلني على السوق أنا رجل أعرف التجارة"، دلني على السوق سأرتب لنفسي، وما رضي أن يأخذ هذه الأموال ولا يطلِّق واحدة من زوجتيه -عليه الرضوان- ودلَّهُ على السوق؛ وكان مِن أغنياء الصحابة سيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-. 

فما أعجب هؤلاء، وما أعجب هؤلاء قال: بعد ذلك، تلك الأموال قد يصل الناس إليها؛ لكن الشيء الذي الطبيعة -نفسها- تأبى أن يشاركك الغير فيها؛ هي امرأة لا ترضى، وصل إلى هذا الحد! وما قال: أنا أريد أن أطلقها، لا! بل قال أنت أنظر التي تريدها، والتي أعجب إليك أنا أطلقها وأنت خذها -الله أكبر-؛ لكن سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال: بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق، وابتدأ تجارته، وكان مِن تجار الصحابة، ومِن العشرة المبشرين بالجنة.

قال: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ)؛ ولهذا نحن ما نجد شهادات في العالم لأحد مثل الشهادات لساداتنا الصحابة -مِن الأنصار والمهاجرين- من الله في القرآن، فوق كل شيء. شهادات الأنبياء أعظم الشهادات؛ لكن دون نص القرآن: الأنبياء شهدوا وهنيئا لهم؛ لكن هذا نص قرآني في أعظم الكتب المُنْزَلَة مِن الله.

  • يقول في الآية الأخرى: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)، فلما أرسل الشهادة قال: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)، (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)، وهذا العالم المحيط بكل شيء، أي شهادة تأتي مثل هذه؟
  • مهما استدليت بالعلامات، من أين تغوص على ما في القلب، لكن الرحمن قال: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ماذا فوق الشهادات هذه؟ هل تريد -نحن- نأتي لك بشهادة من عند من؟ أنت؟! تريد شيء من جامعة أو نأتي لك بشهادة للجماعة من أجل تعرف قدرهم! هذه شهادة الله لهم عجيبة

 وبعد ذلك في الدقة يقول: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) [الفتح:18]، وقال: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ) هذا عالم الصدور يقول: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الملك:13] ليس أحد آخر، يصف لله، يصف مهما استدل بعلامات؛ لكن كيف يدخل إلى الصدر ويعلم  بهذا؟ الله؛ قال: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) ما هذا الثناء؟! ما الشهادات الربانية لهؤلاء القوم؟! كيف لا نحبهم؟! كيف لا نودهم مِن أجل الله؟! نحب مَن؟! نعظم مَن في الوجود! هذا ربي يثني عليهم بهذا الثناء.

يقول: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) شُح .. الشح هذا الوصف العالق بالقلب: البخل، الإمساك: 

  • البخيل قد يجد الإمساك فيما في يده، يقول دعوا الناس مساكين يستفيدون؛ لكن هو من ماله، لا يريد.
  • لكن صاحب الشح الذي تمكّن في قلبه هذا الوصف الخبيث، يشح على غيره بمال غيره حتى. 
    • حتى لا يريد أحد يعطي أحد آخر، يقول: لماذا تعطيهم هؤلاء! يا أخي هذا  ليس ملكك، 
    • يقول: لا تعطي، لماذا أنت تعطي؟ ماذا تريد منهم؟ -لاحول ولا قوة- شح -والعياذ بالله- هذا هلاك. 

شحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه؛ ثلاثة مهلكات، وكيف إذا اجتمعت كلها في واحد، من أين سينجو؟! هده مشكلة كبيرة:

  1. شحٌ مطاع.
  2. وهوىً متبع.
  3. وإعجاب المرء بنفسه.

وإذا صارت كلها فيه، الله يخلصه، وإلاَّ مافي مخلص؛ هذا هلاك خالص -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ لكن انظر يقول في الآية: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) -ينزع هذا الوصف منه- (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)) الفائزون بالسعادة والرضوان الأكبر، والعطاء الأوفر، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) اللهم اجعلنا منهم.

 

(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10))

بعد ذلك: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ)، (جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ) يعرفون قدرهم، وفي دعائهم يتوجهون لهم بالشهادة بالسبق: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)، وهذه تُخرِج كل مَن تحاملَ على مَن قبله مِن أهل البيت، مِن الصحابة، مِن صلحاء الأمة، وساء ظنه فيهم، ثم لا يقول: اغفر لهم، وربما نسبهم إلى المعصية، أو الشرك، أو الكفر، أوما إلى ذلك نقول له: أنت لست مِن (الَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)

والحق لم يذكر بعدهم صنف ثالث إلاَّ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا) [الحشر:11]، لم يذكر رابع بعدهم، ثلاثة أصناف هم:

  1.  لِلْفُقَرَاء..
  2. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ..
  3. وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ..

والآن أين تريدنا أن أُصنِّفك؟! لا أنت مِن المهاجرين! ولا أنت من الأنصار1 ولا من الذين جاءوا من بعدهم الذين يقولون ربنا، ماذا بعد ذلك؟! أين أذهب بك؟! نريد لك مكان، أنت لاتريد، لا أدري أين أضعك!.

هذا الذي قال عنه سيدنا جعفر الصادق، أن جماعة جاؤوا كانوا يسبون الذين قبلهم قال: مِمَّن أنتم؟

  • أأنتم مِن الْفُقَرَاء (الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ ..(8))؟! .. أشهد بالله أنكم لستم منهم.
  • أأنتم مِن الذين: (تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ..(9))؟! .. أشهد بالله لستم منهم.
  • فهل أنتم مِن الذين: (جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)؟! .. أشهد بالله أنكم لستم منهم.

فأين أضعكم؟! .. قال: مَن أنتم؟ قال: هاتوا لي هويتكم، مَن أنتم؟  ماذا أُسميكم الآن؟

المؤمنين؟ هم هؤلاء الثلاثة الأصناف:

  1. مهاجرين.
  2. وأنصار.
  3. (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ).

ومَن خرج مِن الأصناف الثلاثة، ما تدري أين نضعه؟! هذه مشكلة كبيرة! الله يوقظ قلوب المسلمين، ويرزقهم الأدب مع ربهم، ومع نبيهم، ومع كتابه ويعرفون قدر أهل البيت، وقدر الصحابة، وقدر صلحاء الأمة؛ هذا المسلك الحق والهدى، لا تضرب واحد بواحد؛ 

  • نحن لا نفرق بين أحد مِن رسله، ولا نفرق بين أحد مِن أوليائه. 
  • ولا نفرق بين صحابة نبينا، ولا نفرق بين آل البيت بعضهم البعض. 
  • ولا بين آل البيت والصحابة، ولا نفرق بين المؤمنين. 

نواصل بينهم ونحبهم ونواليهم مِن أجل الله؛ هذا الذي دعانا الله إليه ورسوله، فمن الذي شرع لنا أن نبغض هذا، ونكره هذا، ونسب هذا؟! مَن هذا الذي شرع؟ وكيف يكون لنا؟.

(وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(10))، الله يجعلنا من هؤلاء، جئنا مِن بعدهم، هل أحد منكم أدرك أيام الهجرة مع النبي؟ أحد منكم كان مِن الأنصار في عهد النبي؟ 

لا أحد مننا؛ جئنا مِن بعدهم كلنا، بيننا وبينهم ألف وأربعمائة سنة رضي الله عنهم؛ لكن جئنا مِن بعدهم نقول ما علَّمنا الله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)

  • مِن أولهم؛ مِن عند أول مَن آمن؛ خديجة بنت خويلد والسابقين الأولين هناك. 
  • والذين اتبعوهم مِن الأوس والخزرج. 
  • وبقية الأنصار والصحابة. 
  • إلى مَن آمن الساعة هذه وإلى مَن يؤمن بعدها. 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا) ولا لواحد منهم:

  • هذا القلب الذي يحب الله يريد أن يراه فيك وتلقاه به؛ (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88-89]. 
  • سلِّم قلبك وصَفِّه ونقِّه؛ حتى تلقى الله بهذا الوصف، فيحبك ويرضى عنك -جلَّ جلاله-، ولا تعادي أولياءه، ولا توالي أعداءه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (10)) برحمتك يا أرحم الرحمين.

وبذلك نختم دروس رمضان بهذا الدعاء، رجاء أن نكون ممن أرادهم الحق بهذه الآية وأدخلهم فيها، وجعلهم من المعنيين بها -إن شاء الله- أجعلنا مِن (الَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) حتى نلقاك بالقلوب السليمة ونجتمع معهم في المواقف العظيمة، ونرافقهم في جنة النعيم الكريمة، مع الذين أنعمت عليهم من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب برحمتك يا أرحم الراحمين يا كريم يا وهاب يا الله.

الجزية داخلة في الفيء، الجزية التي تأخذ منهم وترجع إلى المصالح العامة للمسلمين، تجي إلى بيت مال المسلمين. 

يغفر الله للمنتقلة إلى رحمة الله فاطمة بنت عبدالقادر بن محمد بن طه السقاف-الحمدلله- يعلي درجاتها ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة، ويتقبل جميع حسناتها ويضاعفها لها  ويتجاوز جميع سيئاتها ويجعل قبرها روضة من رياض جناته ويبوؤها المراتب العلا مع خيار الملأ ويرفقها بالزهراء والكبرى والسابقات والمهاجرات والأنصاريات، ويخلفها فينا وفي أهل الملة بالخلف الصالح ويصلح الشأن كله، ويتقبل من  اللواتي ختمن الثلاثين ختمة، واللاتي ختمن الثلاث الختمات ويتقبل منهن ذلك في ما تم منهن مِن قراءة القرآن في رمضان هذا، ويوصله مضاعف إلى ما لا نهاية إلى حضرة مشرِّف المدينة المنورة حبيب الله محمد -صلى الله عليه وسلم -وآل بيته، وصحابته والداخلين في دائرته، ومحبيه، ومحبوبيه، وآبائه، وإخوانه مِن الأنبياء والمرسلين، وصحابته، والتابعين ووالدي قرَّاء هذه الختمات خاصة  وذي الحقوق علينا وعليهم وأموات المسلمين وأحياهم إلى يوم الدين عامة، ويقبل مِن الجميع ويوصل الثواب إلى الجميع، ويجمعنا بالحبيب الشفيع، ويرفعنا المقام الرفيع في خير ولطف وعافية.

وإلى حضرةِ النَّبي محمد ﷺ

اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

الآن التسبيحة بألف، والركعة بألف، والصدقة بألف، وبعد أن تغرب الشمس رجعت إلى العشر، والحمد لله على كل حال، عسى البركة لنا في خاتمة هذا الشهر في هذا اليوم، وبقي معنا بعض يوم الله يسعدنا فيه بما أسعد به خيار القوم، وينقينا فيه عن كل لوم، وعن موجبات اللوم، ويرزقنا حسن العوم في بحار القرب منه مع الصالحين مِن عبادة أهل وداده إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

01 شوّال 1441

تاريخ النشر الميلادي

24 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام