(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {مَّا أَفَاء الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..}، الآية: 7، إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، الآية: 10
﷽
(مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10))
الحمد لله، مُكرِمنا بآيات الكِتاب والتَنزيل، وهادينا إلى أَقوَمِِ سَبيل، على يَد خَير مُعَلِّمٍ ودَليل، عَبده المُصطفى محمد، أهل التَّكريم والتَّعظيم والتَّبجيل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكَرِّم كما أنت أَهلُه بما أنت أهلُه في كل لمحةٍ ونَفَسٍ، على عبدِك الراقي إلى أعلى المَراقي سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه، ومن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الوقوفِ بين يَديك، وعلى آبائه وإخوانِهِ من أنبيائك ورُسُلك، وآلهم وصحبهم وتابِعيهم وعلى مَلائِكتك المُقَرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
فإنّنا في نِعمَة الغَدوةِ في سبيلِ تَفَهُّم القُرآن، وتَبَيُّن ما خاطَبنا به الرحمن، في أيام رمضان، مررنا على قوله -جلّ جلاله- في سورة الحشر يقول: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ) ما أُوصَلَ إليه؛ من أَموالِهم وأمتِعَتِهِم مِمَن قاتَلوا فَغُنِمَ ما عِندَهُم، مما لم توجِفوا عليه (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ..(7)) ثم إنّ القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل هم المُفَسَّرون في الآية بعدها الذين كانوا في عهد النبي ﷺ منهم؛ هم المُهاجرون والأنصار، رضي الله عنهم.
قال: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) وفَهِمنا حِكمَة الله في توزيع المالِ والمَتاع لِيَصِلَ لذوي الحاجة منه نصيبهم، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ..(7)): فهو المَأمون من قِبَل رَبِّكُم على إحلالِ الطيبات وتحريم الخبائث؛ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4] فمنهج كل مُسلم على ظهر الأرض أن:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ)؛ حتى لا تَستَهينوا بأمرٍ من أَوامِرِ هذا المُصطَفى، ولا تَقتَحِموا شَيئًا نَهاكُم عنه (اتَّقُوا اللَّهَ)، فأنا الذي اخترتُ لكم هذا العبد المُجتبى المُنتقى، أمينًا مُبَلِّغا هاديًا مُرشِدا، فلا تَستَخِفّوا بأوامره، ولا تَقَعوا في شَيء مِما زَجَرَكُم عنه ونَهاكُم.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ..(7))؛ فَيُعاقِبُ الذين خالَفوا رَسوله بِأشدّ العِقاب، كما قال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63]، وقد جُمِع الخير كُله في اتّباع المُصطفى مُحمد، وما من شَرٍّ في الدارين إلا وسببه مُخالفة النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، رزقنا الله حُسن مُتابَعَته، وَفَّرَ حظّنا من صيامه؛ حتى يكون لصيامنا مُشابهةٌ لصيامه وسِرايةٌ من صيامه إلى صيامنا، ورَزَقَنا مُشابَهَته في القِيام، وفي قِراءة القرآن في رمضان وفي مُدارَسَتِه، فَنِعم القُدوة هو والله، ونِعمَ الأُسوة، من اقتدى به أحبّه الله، (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31].
وإنّ من مقاصِد الصيام والقيام: أن يشتَدّ حَبلُ صِلَتِكَ بِمُتابَعِة خَير الأنام ليكون القُدوة لك، حتى لا تَخرُج من شهر الصيام والقيام؛ إلا وقد طَهرّتَ قلبك وذِهنك وبيتك وأُسرتك من القُدوةِ بأي أحد سِواه، ممن يُخالِفهُ ويَخرُج عن أمرهِ كائِنًا ما كان، وأوّلهم نفسك الأمارة بالسوء، فَيكونُ المُقتَدى محمد الطُهر الطاهِر، والعَلَم الزاهِر، فَيُحبّك الحق العزيز الفاطِر -جلّ جلاله-.
(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8))
يقول: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) -يَقسِمُ في هذه الآية ﷺ فيهم- (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)، وهؤلاء كان فيهم في بُلدانِهم أغنياء وتُجّار، ولكن لَمّا هاجَروا تَرَكوا الأموال، وتَرَكوا المَتاع، وتَرَكوا الأهل والأولاد، مَحَبّة.. مَحَبّة اقتَضاها الإيمان، فأحبّوا الله ورسولَه أكثَر من أَهلِهم وأولادهم وأموالهم؛ بل ومن أَنفُسِهم، فَصاروا في المدينة فُقراء، وأصبحوا لا يَملِكون شيء، ما حَمَّلوا الأحمال بل كان بعضهم يُريدُ التخلُّص بنفسه من بين فريق الكُفرِ؛ ليذهب إلى الرسول ﷺ، لا يَطمَع أن يأخذ شيء من ماله يُريد أن يتخلّص هو بنفسه فَيَخرُج وحده.
وعامة المُهاجرين في المدينة هاجروا خُفيه وسِرًّا، لِما كان يَتَرَبّص بهم المُشرِكون.
(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)، (أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) تَحَمَّلوا، قاسوا، قابَلوا الأتعاب فتَحمَّلوها من أجل ربّ الأرباب وسَيّد الأحباب، وطابَ لهم الفقر في قُربٍ من عَليِّ الجَناب.
وهكذا كما سمِعنا في قِصةِ سيدنا ذو البجادين، ذو البجادين: لُقِّب لمّا وصل الى المدينة بـ"ذي البجادين" وذلك أن عشيرَتهُ وقومه مُشركون كُفار ومنعوه من أن يُهاجر، وفي قَلبِه رَغبَةٌ وَشوقٌ شديدٌ لأن يُهاجر إلى المدينة لِيَرى الحبيب، ولِيُجالِسه، ولِيَسمَع كلام الله منه، وليحظى بقُربه، فبقي كذلك حتى تَرَقَّب فُرصةً فَخَرج وصادَفَ في الطريق مِثل صُهيب، قال: ها! إرجِع، قال: ما تُ ريدُون منّي؟ خُذوا كل ما أَملُك في البَلد واتركوني، قالوا: حتى ما في يَدَك، قال: حتى مافي يَدي، أتركوا لي ثوب يسترني -ثوبين-، فتركوا له إزار ورداء فقط وأخذوا كل شيء، قالوا: إذهب لا حاجة لنا بك، ذَهَب وجاء إلى المدينة، فكان يَتَرَقَّب مَجالس المُصطفى ويَجلِس معه، إذا دخل ﷺ بيته أو كان في شيءٍ من أعماله الخاصة لا يَحضُر مَعَهُ فيها، جَلَس في المَسجِد يَذكُر الله، كان أوّآه -كَثير الذِّكر-.
حتى مرّ ﷺ تحت المسجد معه بعض أصحابه، وذو البجادين وسط المسجد رافِع صوته بالذِّكر، فقال واحد من الصحابة: أخشى أن يكون هذا مُرائي يا رسول الله قال: "لا، ولكنه أوّآه".. أوّآه: رجّاعٌ إلى الله. شَهِدَ له ﷺ.
ولم يَزَل كذلك حتى جاءت غزوة خيبر، فخرج مع النبي ﷺ، ومع رُجوعِهِم في الطريق مات، مات ذو البجادين، فحفروا قبره وجهّزوه، كان من جُملِة مَن حَفَر: سيدنا أبو بكر، وسيدنا علي، وسيدنا عمر حفروا القبر، وصَلَى عليه ﷺ ونَزَلَ إلى قَبره، سَوّى التراب له بيده وقال: ناولوني إيّاه، فَناوَلوه، فَأخَذَه بِيده وَوَسَّده، ورفع يديه قال: "اللهم ارضى عنه فإني أمسيت عنه راض"، "ارضَ عنه فإني أمسيت عنه راض"؛ فتمنّى كثير من أصحابه أنّه هو المَيت؛ لمَّا سمع النبي يقول هذا الكلام، وهنيئًا لذي البِجادين.
(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ) -يَطلُبونَ- (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا):
وهكذا كلّ من ناله أذى وهو في سبيل مَحَبَّة رَبّه ورَسوله فَإنّ قَدرَهُ يَرتَفِع، وشَمْلُه بالمحبوب يجتمع، وكل السوء في الدارين عنه يندفِع.
قال الحبيب محمد الهدار -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وكان ابتدأ بالدعوة لله تعالى، فانتشر أثر الدعوة في كثير من القرى ومن المدن؛ في البيضاء، وفي عدن، وفي شبوة في نواحي نِصاب، وغيرها من المناطق، وللرجال وللنساء ظهر أثر، ثم في مَرة وكان في عدن، وُشِي به -أيام كان البريطانيين هناك- وحَبَسوه، ثم خَرَج من السجن قال: جِئت إلى عند الحبيب علوي بن شهاب قال: الحمد لله بَلَغَنا أنّهم سجنوك هنا، وكنت أسمع بأنّك قمت بالدعوة وحصل بك نفع، وفكّرت أنه ما قد جرى عليك شيء من الاختبار وكذا، فخفت عليك وقلت: إن كان وارث لأهله لابد أن يناله شيء، قال: فبلغنا أنهم سجنوك، فاطمأنينا عليك، إنك على القَدَم ووارِث -عليهم رضوانه-.
ثم لم يزل حتى جاءت الشيوعية، وجاء في أيام الشيوعية -عندما بدأت- كعادته كلّ عام يخرج ليَحضُر زيارة النبي هود، وليحضُر المجالس ويُجدّد عهده بالرُّبوع، ويرجع داعياً إلى الله في ذهابه وإيابه، فحبسوه قبل أن يحبسوا واحد من العلماء عندنا، ونقلوه إلى سيئون ومن سيئون إلى المُكلا، ودخل في السجن، فتحوّل السجن معهد ومسجد ومدرسة، أذكار ودروس وعِلم، فَرِحوا المَساجين ولم يَشعُروا بالسجن، انشرحت صدورهم وقعدوا مُرتاحين، وكان واحد قال: سَخَرَهُ الله لي في السجن، يعتني بخدمتي ويأخذ ثيابي ويَغسِل، ويُقَرِب لي، فأشكره وأَتَعَجَّب في تَسخير الله -سبحانه وتعالى- لي.
جاء الإذن له بالفَكاك، أُخْرِج، قال عدد من المَساجين: كيف ستخرج وتَترُكنا؟ وقد فَرِحنا بوجودك، وكانت حياتنا أُخرى، ستذهب؟! قال: أنتم تُريدون السيد عِندَكُم على طول؟! وخرج، حتى قال: جاء إلى عند والدي يقول: عسى يكون حَبسي هذا فِداء لَكُم وسلامة، وكان يَحكي لي قال: لم أعلم أنهم سيعملوا أفاعيل من بَعد ذلك. وفَعَلوا أشياء شَديدة. ثُم سافر وَخَرَج، وكان اليَمَن مقسوم في تِلكَ الأيام الى قِسمين، فأرسل إليه بَعض الشيوعيين قال: امسِكوه، قالوا: قد خَرَج من حدود الجَنوب ودَخل إلى بَلَده، وهكذا وكان يَقَول في كَلامِه: لَيتَنا قُمنا بين يَدي رسول الله ﷺ نَنصُر الله وَرسوله قُطِّعنا قِطَع قِطَع بين يَدَيه.
(الذين أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)):
حتى كان بعض أهل المعرفة من أهل السُّنة، يقول إن هذه الأية من أقوى الأدلّة على خِلافة الصِّدّيق أبي بكر! يقولون: لماذا؟ قال: لأن الله قال: (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وكان كلّهم هؤلاء المُهاجرون (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) المذكورين في الآية يقولون: يا خَليفَة رسول الله -يقولون له-، والله قال: (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) صَدَقوا فهو خَليفَة رسول الله.
(أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ):
(أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وفي هذه الآية تَعليمٌ لنا وأَمرٌ أن نَتَّبِعَهُ ونقتدي به؛ لأنّه قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وهؤلاء صادِقون بالنَص، صادقون بالنَص، فَوَجَب أن نَكون مَعَهُم (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119].
قال: (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) ويَلحَقُ بهم مَن:
قال سبحانه وتعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحجرات:15] (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) اللهم ألحِقنا بهم، واجعلنا منهم وفيهم ومعهم، يا أرحم الراحمين، (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).
(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9))
قال سيدنا أنس بن مالك: لَمّا كان اليوم الذي دَخَلَ فيه رَسولُ الله ﷺ إلى المدينة أَضاءَ مِنها كُلُ شَيء.. أضاءَ منها كُلُ شَيء.
فكانت قلوبهم تستشعر الإضاءة في الأشجار والأحجار والجِبال والدِّيار بِوُصول رسول الله، أضاء مِنها كل شيء- الله أكبر-.
(تَبَوَّءُوا الدَّارَ) نَزلوا المَدينة وحَلّوا فيها من قَبل، جاءوا من اليَمَن -أوس وخَزرَج- وقَعَدوا في المدينة المنورة.. (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) أي: وأَخلَصوا الإيمان (مِن قَبْلِهِمْ)؛ من قَبل مَجيء المُهاجِرين إلى الدار -إلى المدينة- ( تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) أي: وأَخلَصوا الإيمان (مِن قَبْلِهِمْ).
وقيل أن من أسماء المدينة أيضًا: الإيمان، لأن الإيمان يَأرِز إليها ويَرجِع إليها،" إنَّ الإِيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينةِ كَمَا تَأرِزُ الحيَّةُ إلى جُحرِها" فهي:
(تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ) أو مِن تَمَكُّنِهم في الإيمان؛ صارَ كالمَنزِل الذي يَنزِلونه ويَحِلّونَ فيه، فَعَبَّرَ عن حُلول الإيمان في قُلوبِهِم؛ بِتَمَكُّنهم وحُلولِهم هُم في الإيمان:
(تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ): فالأمر دائِر على المَحَبّة، الصدق في الإيمان واليَقين علامَتهُ المَحَبّة، وأحبُّوا المُهاجرين الذين جاءوا من أجل نُصرة الله ورسوله، أحبُّوهم لماذا؟! فُقراء جاءوا، لا يُحَصِلّون من وَرائِهم مَكسَب دُنيوي، ولا رِبح لماذا يُحِبونَهُم؟ يُحِبونَهُم لأنهم نصروا الله ورسوله، فأحبُّوهم، وفَسَحوا لَهُم صُدورهم ودِيارُهم وأموالهم.
(يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) يَفرَحون بالمُهاجِر إذا جاء، وعلى قَدر إيمانك تَفرَح بِإخوانَك المُؤمنين، وتَفرَح بالإحسان إليهم، وتَفرَح بِمُساعَدَتِهم، وتَفرَح بِإقبالِهِم، وبِمَجيئهِم.
(يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً) -استِثقالًا ولا حَزازَةً ولا حَسَدًا ولا غِلًا- (مِّمَّا أُوتُوا)؛ كُلَّما أوتي هؤلاء الذين هاجروا إليهم؛ مالًا أو متاعًَا؛ كانت طَيبَةً بها نُفوسهم، فَرِحَة بها قلوبهم (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا).
وهكذا حتى كان بعد غَزوَة بني النَّضير، يقول لهم ﷺ: "مَعشَرَ الأنصار إن شِئتُم قَسَمتُ لَكُم في الغَنيمة، واستَمِرّ إخوانُكُم المهاجرون فيما آتيتُموهم مِن دِيار، ومِن مال، وإن شِئتُم قَسَمتُهُ بين المُهاجِرين، وَرُدوا عَليكم ما آتيتُموهم، قالوا: بل نَترُك لهم ما آتيناهُم، ولا نُشارِكهُم في الغَنيمة، هي لهم".
(يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ) وآثَروا إخوانهم المُهاجرين، حتى جاء في الحَديث أنه قال لِسادتنا الأنصار: "أُقطِع لَكُم أرض في البحرين، قالوا: حتى تَقطَع لإخواننا المُهاجرين مِثلها -لا نَقبَل-، قال ﷺ: "فاصبِروا، فإنكم سَتلقَون أَثرَةً من بَعدي" -يَستَأثِرون عليكم-، وفي لَفظٍ: "حتى تَلقَوني على الحَوض، فإني مُنتَظِرُكُم" وصَدَقوا -عليهم الرضوان-. وأيام الخُلفاء الراشدين كانوا خَيرَ جُنود لله ولرسوله، ولا اشرَأَبّوا لِشَيء مِن الإمارات ولا مِن الأموال قط، وَفوا بالعَهد -عليهم الرِّضوان-.
(يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)؛ حتى الفُقَراء منهم، حتى الفُقراء من الأنصار يَجودون بِما عِندَهُم، يفرحون بما آتوا وهم مُحتاجون -الله أكبر- (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ): يعني حاجة، مِثل الخَصاصة: الفَراغ، المَجال الذي يَدخُله، هُم في ضيق وحاجة إلى الأمر، ولكنّهم يُعطون ويَفرحون.
وجاء في ذلك أنه ﷺ أتاهُ ضَيف يوم من الأيام، استضافه النبي، قال يا رسول الله: أضِفني -ضَيفَ عندك-، فَبَعثَ إلى البيت الأول: إئتوا للضيف بطعام قالوا: ما في البيت غير الماء، أرسل إلى البيت الثاني قالوا: والذي بَعَثك بالحق لا نَجِد إلا الماء، أرسل إلى البيت الثالث قالوا: والذي بعثك بالحق لا نجد في البيت إلا الماء -لا تَمرة ولا كِسرة ولا بُر ولا ذُرة ولا شَعير، لايوجد شيء-، دار على بُيوتِه التِسعة فَصادَف ذلك اليوم، لم يجد في بُيوتِه التِّسعة إلا الماء، فقالﷺ: مَن يُقري هذا -مَن يُكرِم- هذا الضَّيف؟ قال سيدنا أبو طلحة: أنا يا رسول، قال: فَخُذه،
أَخَذَهُ وذَهَب إلى عِند أهله، يَقول لِزَوجَته: أَكرِمي ضيف رسول الله، الليلة عِندنا ضَيف النبي نُريد نُكرِمُهُ، قالت: من أين نُكرِمه؟ ما عندنا إلا عشاء الصبية، أنا وإياك ليس لنا عشاء -هي وزوجها ليس لهم، إلا عشاء الصبيان، قال: إسمعي سأصلي معه المَغرِب والعِشاء مع رسول الله ﷺ وأنتِ نوّمي الصبيان، وجهِزي العَشاء، وأوقدي السِّراج، فإذا جِئنا والضيف سنجلس على الطعام، فقومي إلى السراج كأنّك تُصلِحينه فأطفئيه، واتركينا بلا ضوء حتى يأكل الضيف، ويظننا نأكل فيشبع ضيف رسول الله، قالت: مرحبا، صلوا المغرب وانتظر العِشاء، ناموا الصبيان -نَوَمَّتهُم-، جَهَزَت العَشاء، جاءوا؛ قَدَمَت العَشاء، وقامت عند السِّراج كأنها ستصُلِحه؛ أنطفأ، قال: لا بأس دام انطفأ أُترُكيه الى بعد العشاء، جاءا يوهمانه أنّهما يأكلان وهم لم يأكلوا، ولا أكلوا لقمة واحدة، يُقرِّبون الطعام تحته ويوهِمونه أنهم أكلوا، ما أكلوا باتا طاويين، وفي مِثلهم نزل (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
فأصبح عند النبي ﷺ لصلاة الفجر قال: عَجِبَ رَبُكُما من صَنيعَكُما البارحة -أنت وأم طلحة- الذين صدرت منكم المنقبة هذه والمكارم، عَجِبَ يعني: رَضي، عَجِبَ رَبُكُما من صَنيعكما البارحة، وأنزل فيكما قرآنًا يُتلى، وتَلا عليه: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون.
(يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) الشُح: البخل (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) البخل، والإمساك للمال: بخل، ولكن الحالة التي تُخالِج النفس من الظِّنة والإشمِئزاز من الإنفاق هذا شُح، (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) يقول الله: الفَوز والفَلاح في أن توقَ شُح نفسك، فَتَطيب نَفسك بالعَطاء:
فقد وقي شُح نفسه، فقد وُقي شُح نفسه؛ "ثلاث مَن كُن فيه، فقد وقي شُح نَفسِه، من أدى الزكاة، وقَرى الضيف، وأعطى في النائبة"، (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) اللهم اجعلنا منهم.
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10))
ثم قال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ) -ونسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم ممن عَناهُم رَبُّنا بهذه الآية- (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ): في القَرن الثاني، والثالث، والرابع، والخامس إلى أيامنا هذه، وما بقي هذا القرآن وما بقيت الأمة، وصفهم هذا: ( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) -المهاجرين والأنصار- (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ) الذين يعيشون معنا على ظهر الأرض،
(وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) ألحَقَنا الله بهم.
جاء جَماعة عند سيدنا جعفر الصادق يَسبّون بعض الصحابة والرَّعيل الأول، فقال لهم: مِمَن أنتم؟
قولوا لي من أنتم؟ لا أدري أين أضعكم؟ الله ذَكَر المسلمين: مهاجرين وأنصار والذين جاءوا من بعدهم، -لاوقعتم مِن ذا ولا من ذا ولا من ذا-، أضعكم أين؟ قولوا لي من أنتم؟ لله ، لا إله إلا الله.
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10)) اللهم اجعلنا منهم، اُسلك بِنا في مسلكهم، واحشرنا في زمرتهم، برحمتك يا أرحم الراحمين، وفرّج كروب المسلمين.
وإنه "لا يَصلح آخر هذه الأمّة إلا بما صلُح به أولها"، فيا من أصلحت أولنا، انظر إلينا من عندك بعين رحمة تُصلِحنا بها، تُصلح بها زماننا وأهل زَماننا، وتُصلِح بها المُسلمين في وَقتنا، وتُصلِح بها المُسلمين في يَمننا وشامنا وشرقنا وغربنا ياحي يا قيوم، أصلحنا بما أصلحت به الصالحين، واكشف عنّا الشدائد والكُرب والآفات، ولا تُسلِّط علينا أعداءك الفُجّار والكفار ولا أعداء الدين، ولا تُبلِّغهم مُرادًا فينا ولا في أحد من المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
05 رَمضان 1442