(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ..}، الآية: 11، إلى قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}، الآية: 14
﷽
(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10) ۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (12) لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14))
الحمد لله مُكرمنا بتدبّر الآيات والتعرّضِ للنفحات وتلقّي فائضات الرحمات والعطايا الكبيرات، لا إله إلا هو وحده لا شريك له ربّ الأرض والسماوات وما فيهن وما بينهن وإليه مرجع الجميع في يوم الميقات، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله من جاءنا بالآيات البينات ودلَّنا بأكرم وأحسن الدلالات وختم الله به النبوّة والرسالات صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبِعهم إلى يوم الميقات في كل لمحة ونفس أفضل وأعظم وأزكى الصلوات والتسليمات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفع الله لهم المراتب والدرجات وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم بإحسان، وعلى ملائكة الله المُقربين وجميع عباد الله الصالحين والصالحات وعلينا معهم وفيهم إنه قريب مُجيب الدعوات.
أما بعدُ،،،
فإنّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربّنا واجتماعنا على الوجهة إلى خالِقنا وتدّبرنا لِما أوحى إلى قلب نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، مررنا في سورة الحشر على الآياتِ الكريماتِ التي بيّنت لنا أصناف المؤمنين أتباع النبي الأمين والذين لهم الحق من الفيء ومن الغنيمة؛ فبيّنت لنا صِنف المُهاجرين وصِنف الأنصار ثم من جاء بعدهم يستغفر لهم ويعلم اسبقيتهم ويدعو بتنزُّه قلبه عن الغِلّ؛ فهؤلاء هم المؤمنون وهم أتباع الأمين المأمون، وهم أهل قُربِه وأهل حُبّه وحِزبه، وهم المحشورون في زمرته يوم القيامة، جعلنا الله منهم.
فذكر لنا: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8))، ولقد قال سيدهم وإمامهم: "ولقد أُوذِيتُ في اللهِ وما يُؤذَى أحدٌ، وأُخِفْتُ في اللهِ وما يُخافُ أحدٌ" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال له ربه سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام:34]:
قال سبحانه وتعالى عن الرسل من قَبل نبينا ﷺ:
تقول الرسل لقومهم: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)؛ والنتائج: (فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم:12-14]، في أعمارنا القصيرة رأينا من هذا أمثلة عديدة، قوم حلّ خوف الله في قلوبِهم أُضطهِدوا وأُذوا، وحصل ما حصل فيهم وربّما شُرِّد من شُرِّد منهم أو قُتل من قُتل منهم، ما هي إلا أوقات معدودة وسنوات محدودة؛
في عدد من الدول أمام أعيننا، رأينا ذلك أمام أعيننا، بأعيننا رأينا هذا، ولكن الناس لا يبصرون الوقائع كما ينبغي ولا يمدّون أنظارهم إلى الحقيقة كما يليق؛ فبذلك تهيّجهم الشهوات والأهواء والأحوال الآنية الوقتية، ويندفعون وراءها، ولو صبروا وصدقوا: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، كما قال سيدنا يوسف، وإخوته الذين أعملوا فكْرهم في أذاه ونالوا منه: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) وبكرمهِ واستقامة قَدمه في السبيل قال: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف:90-92]؛ فنعم المسلك مسلك الأنبياء.
قال: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا(8))، وهو أعلى الفضل، ذَكر الفضل على العموم، ثم خصّ هذا الشأن؛ الرضوان؛ لأنه أكبر من كل شيء، أكبر الفضل أن يتفضّل عليك برضوانه هو.
إذا قال لأهل الجنة: "هل رضيتم؟". يقولون: يا ربنا ما لنا لا نرضى وقد أنجيتنا من النار وبيّضت وجوهنا وأدخلتنا الجنّة وأعطيتنا وأعطيتنا، يقول لهم: "ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟". قالوا: ربنا وما هو أفضل من ذلك؟ يقول: "أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا"، ولنا رجاء أن نسمع هذا النداء وأن ندخل مع أهله في ذاكم الموعِد الشريف الكريم، اللهم اجعلنا في خيارهم.
يقولُ: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، أَحْيَانَا اللهُ عَلَى نُصْرَتِهِ وَنُصْرَةِ رسوله؛ بأقوالنا وأفعالنا ونياتنا ومقاصِدنا وأموالنا وأحوالنا وأرواحنا. (وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ قال: (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8))، وهذه شهادة لسادتنا المُهاجرين ربّانية رحمانية من فوق؛ فمن ذا الذي يبلغ شأوهم (أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، إنما يلحق بهم من صدق من بعدهم على العُموم؛ لكن هذه شهادة خاصة، شهادة خاصة لقوم مخصوصين كانوا في زمن سيد المرسلين، هاجروا إلى الله ورسوله، وحصل لهم ما قال سبحانه وتعالى: فهم (هُمُ الصَّادِقُونَ) جعلنا الله معهم.
(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ) -الأنصار- (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9))، يعني وصلوا إلى الدرجات العُلا في طهارة النفس إلى أعلى مراتب السخاء والعطاء والبذل:
يقول: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)):
وقال ﷺ لابنةِ -المشهور بالكرم في العرب- حاتم الطائي: "إن في أبيكِ خصلة يحبها الله لو كان أبوك مسلمًا لترحّمنا عليه"؛ يقولها ﷺ للكرم الذي فيه.
قال بعد أن ذكرنا الفريقين المُهاجرين والأنصار:
فما دعاؤهم؟ (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا..(10))، مُهتمّين بشأن المغفرة؛ يخافون من الذنوب؛ لأنها:
لا تصيب الناس أنواع الشرور والآفات إلا من الذنوب، من المعاصي:
يقول: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا)، ولهم بعد ذلك نظْرة إلى مَم قبلهم ومن في زمنهم من المؤمنين؛ وهذه التربية قرآنية عظيمة تُلزِم كلّ مؤمن في كل وقت؛
مع الذين مضوا: (اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا)؛ يطلب لهم المغفرة ويشهد باسبقيتهم، أي أفضليتهم وأنهم فضَلوه بالسبق وقد سبقوه إلى الإيمان: (اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ..(10))، سبقونا: فضلونا -هم قبلنا- فإذاً نشهد فضل الماضين ونشهد اسبقيتهم، هذا حالنا مع من مضى قبلنا من الصحابة فمن بعدهم.
لذا تعجّبت السيدة عائشة لمّا بدأت تظهر بعض البِدع قالت: أُمروا أن يستغفروا لهم، ولكنهم سبُّوهم، بدلًا من أن يقولوا (ربنا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، جاءوا يسبُّونهم، الله أمرهم قال: استغفروا لهؤلاء واشهدوا أسبقيتهم وتقدّمهم قبلكم، وأفضليتهم عليكم.
(اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، حالنا مع الحاضرين معنا؛(وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا) للمؤمنين، لا تجعل في قلوبنا غِلّ، غيظ، ولا حقد ولا حسد ولا كِبر ولا غِلّ؛ (…غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(10))؛ فهذا وصف الذين جاءوا من بعدهم يدخلون في دوائرهم.
أراد أن يصفهم فعبّر عن أوصافهم بأشدّ ما يشغلهم ويهتمّون به بقلوبهم فيدعون ربّهم أن يُنيلهم إيّاه، يهتمّون ويخافون من ذنوبهم، والذي يخاف من ذنوبه ويطلب المغفرة؛ لا يتجبّر ولا يتكبّر ولا يسب ولايشْتم فزعًا على نفسه من ذنوبه.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، ويشهد أسبقيتهم وفضلهم، ومن معه يعيشون: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ)، لا يتحامل على أحد.
من هيَّأ قلبه ليلقى الله بقلب سليم، (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88-89]:
فلنَدِينُ اللهَ بما أحبَّ مِنَّا، وهو:
فكلُّ إناءٍ بما فيه ينضحُ، ظهورُ السوءِ من الغيرِ لا يُبيحُ لك أن يكون فيك السوءُ، وكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ.
وهكذا، قالوا لسيدنا عيسى بن مريم عليه السلام -وسيخرج إلى الأرض ويُبيِّنُ هذه الحقائق لمن يسمع من الناس ولمن يتَّبعُه من المؤمنين- سيُبيِّنُ هذه الحقائق في هذه الأخلاق. يقول:
لا إله إلا الله، هكذا أنبياءُ الله. رزقنا اللهُ اتِّباعَهم، (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90]، (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10)).
وذكر مايحصل بعد ذلك من العلاقات والاتّفاقات، والعقود بين العباد، وأصناف المُخالِفين، وأصناف الكافرين وأصناف الفاسقين، وأصناف من تحكّم في قلبهِ محبّة الدنيا وزهرتها: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هؤلاء منافقين وهؤلاء يهود يقولون: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ)، هم الذين بعثوا إلى حُيي بن أخطب وقالوا: لا، لا تقبل من محمد الخروج والفِرار أبدًا نحن معك.
(لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ)، أي أحد يتكلّم عنكم أو يُريدنا نخذلكم أو نتخلّى عن نصرتكم لن نطيعه، نحن سند لكم؛ وهكذا يفعل أهل الباطل يُصلِّحون مثل هذا، بعد ذلك: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11))؛ أمورهم ليست مبنيّة على أساس صحيح، ليست مبنيّة على أمر ثابت؛ إنها نفوس وأهواء وأغراض وشهوات، من أين سيصدقون؟!
قال: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(11))، ما الذي سيحصل؟
(لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ)، وهو الواقِع، من خرج من المنافقين معهم؟ دعهم يخرجون (وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ..(12))، من جاء؟ من رفع رأسه؟ من قدر أن يتكلّم؟ خوَّفوهم بنخلات، أكثر الأقوال في العدد إنها ست، نحن ذكرنا سبع. أكثر الأقوال إنها ست، وقيل أربع، وقيل واحدة حرقوها، وواحدة قطعوها، وأولئك دبَّ الرعب في قلوبهم واصحابهم، ولم يأتِ أحد و(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ) [الحشر:2]، ولم يأتِ أحد، لم يأتِ أحد.
(وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ)، لو أحد منهم همّ وعزم أن يأتِ؛ سيمتلئ رعب و-يشرد-: (وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ) -ويشردون- (ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (12))؛ فلا أحد سيقف مع هؤلاء أبدًا، ولن تكون العاقبة لهم، الحُكُم حُكم ربّ، من فوق يحكم على الجميع: (إِنَّ لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُوا الْأَشْهَادِ) [غافر:51].
قال: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (12))، مثل قولهم هذا؛ قال: إبليس، وقد تصوَّر بصورة سراقة بن مالك المدلجي، جاء إلى قريش وهم خارجون لقتال النبي ﷺ في يوم بدر، وهم خافوا من بني مدلج من ورائهم -بينهم وبينهم حرب- يقولون؛ إنهم سيستغلون الفرصة، نحن سنذهب لنقاتل محمداً ويأتون هؤلاء من ورائنا.
قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48]؛ ذهب، إبليسُ بِكُلِّهِ، ليس فقط قبيلةٌ أو جماعةٌ؛ إبليسُ بِكُلِّهِ -رأسهم كله ذهب وترك القوم، ما عاد ينفعهم بشيء؛ فقُتِلَ سَبعون وأُسِرَ سَبعون، وهو قد فرَّ وهرب.
كلامه الفارغ هذا كله: (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ)؛ هذا منطقه إلى اليومَ سارٍ. كلّ مرة يخدع أحداً يقول: أنتم، مَنْ يقدر عليكم؟ معكم سند ومعكم ظهر ووراءكم ترتيب، وابشر، وبعد ذلك؛ (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ)، بَرِيءٌ! .. بَرِيءٌ! (إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ)؛ هكذا يفعل، والناس يُصدِّقونه إلى اليوم، وهو يفعل بهم هكذا طول السنين وطول القرون، هو يفعل بالناس هكذا وهم يُصدِّقونه ويمشون وراءه، تحب يكذب عليك أول مرة، ثاني مرة، يكذب على آبائك وعلى أجدادك، ويجيءُ عندك يكذب عليك وتُصدِّقه! وإلى متى؟
قال لهم هكذا، والقوم هؤلاء أيضًا في تحالفاتهم، يقول الله: اجتماع قلوبكم عليّ، وإنابتكم إلي؛ تجعل في قلوبهم رعب منكم وخوف ورهبة:
(لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ(13))؛ لأنهم لا يعرفون الله، ولكن الله الذي ما عرفوه وتجرّأوا عليه، جعل لأحبابه هيبةً في صُدورهم تهزُّ أولئك ولو كانوا قِلَّة، ولو كانوا لا يملكون السلاح؛ لكن القلوب ترتعِب منهم، وتُفزع منهم، قال ﷺ: "نُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر".
يقولُ -أحدُهم-: أيامَ كان يُقاتِلُ بعضُ المُجاهدين في أفغانستان مع الروس الذين داهموا البلاد وهم من المُلحدين، ثم يتكلًمون مع بعض الأسرى، وقال المجاهد للأسير الملحِد: كيف أنت بالدبابةِ المصنوعةِ من حديدٍ وأُسِرتَ لهؤلاء؟ إثنين ثلاثةٌ منهم فقط أسروكَ واستولوا على دبابتَك؟! قال -الأسير-: كانوا يقولون كلماتٍ، قلوبُنا تهتز -بالترجمة يكلمونهم- خصوصا كلمة واحدة يقولونها، نحن لا نقدر بعدها أن نُمسِكَ السلاح، ولا نُمشِّيَ الدبابة.
ما الكلمة التي يقولونها؟ قال: بَرْ بَرْ بَرْ! الله أكبر ... الله أكبر! قال؛ يقولون: بَرْ... بَرْ! ونحن نرتعب وننتفض، إذًا عندما ينطق هذا المُجاهد الذي له قصدٌ مع ربّه، بـ "الله أكبر"، تهتز قلوب هؤلاء، الله أكبر! لا إله إلا الله.
وفي النهاية راحوا خائبين وانتصر هؤلاء، هؤلاء في بداية أمرهم، يقول بعض قادتهم: اجتهدتُ أن أُوجِدَ مُسدّسًا واحدًا لنبدأ به القتال، لم نجد، حتى مُسدّس ما في، ولا غيره. قال: كله شجرٌ وحجر، شجرٌ وحجر! بدأنا القتال بها، يقاتلون روسيا، كانت أضخم دولةٍ تفزع منها أمريكا في ذلك الوقت، وهؤلاء بالشجر والحجر بدأوا ببسم الله؛ ونصرهم الله -سبحانه وتعالى-، لا إله إلا الله.
يقول: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13))، عدم فِقه الحقيقة يورِّط الناس هذه الورطات، يخافون غير الله أكثر من الله: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) [النساء:77].
ويقول: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ)، ولو فقِهوا، من هو الذي يخافون منه هذا؟! كائن ما كان، صاحب حق أو صاحب باطِل، هو:
وهكذا قال الله في وصْفهم:
(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا)، لا يتجرأون على مُقابلة جمعكم؛ (إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ..(14)) أو مِنْ وَرَاءِ جدارٍ: وَسَطَ حُصُونِهِم، أَمَّا مُوَاجَهَةً لَكُمْ مُبَاشَرَةً فَيَفْزَعُونَ وَيَخَافُونَ مِنْكُمْ.
(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ) وهكذا.. وإذا اليوم أيضًا يحب بعض اليهود -هؤلاء- الذين يحتلّون بلاد المسلمين، يُحِبُّونَ أَنْ يقيموا عَازِلًا، يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ؛ تبني جِدَارًا، أو لا تبني الجِدَارَ؛ إِذَا جَاءَ وَقْتُ أَمْرِ الجَبَّارِ، سَوْفَ يَنْهَارُ، أَمْرِهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
يقول: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)، قلوبهم مُتفرِّقة مُتخالِفة من الداخل؛ (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ)، مُتربّصين ببعضهم البعض، ولكن بعض مصالح تجْمعهم في الصورة؛ (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14))، ضُعف العقل مُشكلة؛ يعني عدم حُسن استخدام ما أتانا الله من عقول على الوجه الصحيح؛ هو يسبب بيننا هذا التباعد وهذا التخالف، وهذا الغيظ القلبي على بعضنا البعض.
(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14)):
(لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14)).
فالله يرزقنا الفِقه والعقل؛ لنعقِل عنه خِطابه ونُدرِك الحقيقة، ونستمسك بالعُروة الوثيقة، حتى يجعل الله لنا في رمضان هذا من أسرار بدر ومن أسرار فتح مكة ما به يكشِف الغمّة عنّا وعن جميع الأمة، ويدفع البلاء عن يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا.
يا كاشِف البلايا، يا دافِع الآفات والرزايا، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، ثبّتنا على ما تُحِبّ، واجعلنا فيمَن تُحِبّ، وارفعنا أعلى مراتِب القرب مِنك والدنو اليك في خير ولطف وعافية. يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ولا ننسى:
وحان وقت طُلوع الشمس، يبقى على وقت ارتِفاعها دقائق، نقرأ فيها الورد اللطيف حتى ترتفع قدر رمح، فنُصلّي، فإن قَبِلَنا الله فلكل مِنّا حجٌ وعمرةٌ تامةٌ تامةٌ تامة: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:194]، إذا قَبِلَكَ الله؛ حقّق لك حجةً وعمرةً وأنتَ في رمضان الآن، من دون أن يكون عندك جواز، ولا تأخذ فحص كورونا، ولا تقف مواقف، ولا تقطع تذكِرة؛ له الحمد والمِنَّة. يُعطي ولا يُبالي، يُعطي ولا يبالي، مولى الموالي، عظيم الإفضال، لا إله إلا هو، به آمنا، وعليه توكّلنا، وإليه أنبنا، وإليه المصير.
ثبّتنا الله وإيّاكم، وجعلنا في خواص: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10)).
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
07 رَمضان 1442