تفسير سورة الحشر -7- من قوله تعالى: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ الله..)، الآية: 13

تفسير سورة الحشر، من قوله تعالى: {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ الله..}، الآية: 13
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ الله..}، الآية: 13 ، إلى قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}، الآية: 20

نص الدرس مكتوب:

(لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20))

 

الحمد لله مُكرِمنا بالوحي الشريف، وصلى الله وسلم وبارك وكرّم على عبده المُنزّل عليه القرآن، أهل المكانة والتكريم والتشريف، صلِّ اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن والاهم فيك واتّبعهم بقلبٍ نظيف، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، أئمة كل صادِق ومُخلِص وعفيف، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المُقرّبين وعِبادِك الصالحين أجمعين وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين، يا برُّ يا لطيف. 

أمّا بعدُ… 

فإنَّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربّنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه- في الغدوات الرمضانية المُباركة، مررنا على آيات في سورة الحشر، وتأمّلنا بعض معاني قوله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13))، وعلِمنا: 

  • إذا فُقد الفقهُ والإدراكُ للحقيقة؛ قامت الأخواف من غير الله تبارك وتعالى، حتى جاوزت حدَّها ونُسيَ أنَّ الأمر كُلَّه بيد الله -جلّ جلاله-. 
  • وأنه لا يستطيع غيره كائناً من كان أنْ ينفع أو يضر إلا بإذنه، وتحت أمره وتقديره وقهره -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

ولكن على قدر ما يذهبُ الفقه يُتخوّف، يُتخوّف من البشر، كحال هؤلاء الذين تحدّث الله عنهم قَالْ: 

  • يُظْهِرُونَ لَكُمْ أَنَّهُمْ يَوْمِنُونَ بِاللَّهِ وأنهم يخافون منه، سواءً كَانُوا يَهُودًا أوَمُنَافِقِينَ. 
  • (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ)، يخافونكم. 
  • كما قال في الآية الأخرى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ) [النساء:108]. 

يأتي الخوفُ من الناس، والخوفُ من الفقر، والخوفُ من المادة، والخوفُ من الحوادث؛ يقوى على قدر قِلّة الفِقْه، فإذا تمكَّن الفِقْهُ من قلب المؤمن، صار لا يخاف إلا الله، قال تعالى: 

  • (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) [الأحزاب:39]. 
  • وقال لنا ربُّنا آمرا، ومُعلِّمًا، ومُذكِّرًا بالحقيقة: (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:175]. 

قال: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) -هَيبة وخوفًا- (فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا) -مُجتمعين- (إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ) لا يواجهونكم في الصحراء، ولا يقومون بأنفسهم إلى هذه المُقابلة؛ لأنهم لا يقومون على حقٍ، ولا على هدى؛ (إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)، بينهم تباعُد قلبي، وتخالُف، كلٌّ له مصلحته. 

وكما أنه خائن غادر فهو كذلك يضع في ذِهنه خيانةَ الآخر، وغدر الآخر، ولا يطمئن إليه وإن أعطاه العهود والمواثيق؛ لأنه يعرف نفسه، ولا يقف عند عهده ولا عند ميثاق ويرى الناس مثله، فيضل في خوفِه، وكلٌ خائف من الآخر ومُتربّص به. 

(بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا) أنهم مُجتمعون على أمر لكن (قُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ)؛ فيها تحامُل على بعضهم، وغِلُّ لبعضهم، وتربّص ببعضهم البعض، وهكذا شأن من لم يستحكِم فيهم العقل ولم يُحسنوا استخدام ما أوتوا من عقولٍ، فبجهالة وقِلّة العقل تخالفوا وتباعدوا وتباينوا: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14))

وكان ميزةُ الإنس والجن والملائكة أن شُرِّفوا بما يُسمّى بالعقل، وهو عطاء من الرحمن تُدرك به مدارِك لا تصل إليها الجمادات والنباتات والحيوانات. 

  • بهذا العقل تنكشِف كثير من الأمور على وجهها، فهو من أعلى ما يُعطى الإنسان، وهو مُتعلِّق بسِرّ روحه وخصوصيته. 
  • فأعلاه أنَّ هذه الموهبة عند الإنسان؛ أن تعقِل وتفهم عن الله -الذي خلقها- خِطابه وبيانه؛ فهذا أسنى ما يُتوصّل إليه هذا العقل من المدارِك، والمعارِف. 
  • فإذا أدركها وأيقن بها، واقترن بذلك نورُ توفيق وطمأنينة؛ تمت النعمة على هذا العبد وكان من الموقنين، المُترقّين أعلى ذرى القُرب من الحق، والحائزين أشرف المِنحِ والمِنن. 
  • قال عن سيدنا الخليل إبراهيم (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام:75]. 

فانجلاء معاني خِطاب الله وبياناته أسنى ما تتميز به هذه الأرواح والعُقول في الفهم والإدراك، إذا أشرق ذلك النور فصحِبه الطمأنينة والتوفيق من الله؛ فقد تمّت النِعمة على هذا العبد، وفيها قالوا: 

  • "ما نزل من السماء للأرض أشرف من اليقين". اللهم أكرِمنا بنور اليقين وارزقنا اليقين التام. 
  • وإنّما يعمل المرء بقدر يقينه وقال ابن المسعود كما روى عنه الإمام البخاري في صحيحه: "اليقينُ الإيمانُ كلُّه". 
  • وهكذا عبَّر سيدُنا علي وغيره عن هذا بقوله: إنَّما يعمل الإنسان بقدر عقله، وأنَّه بقدر ما يعقل، يكونُ مُستواه ودرجته في العمل وفي حركة الحياة وفي المنزِلة عند الحق -جلّ جلاله-. 

اللهم ارزقنا من العُقول أوفرها ومن الأذهان أصفاها. 

قال تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14))، وفي هذا: 

  • حذَّرﷺ أُمَّته من مُشابهة هؤلاء القوم، وقال: "إذا تحاب الناس بالألسُنِ وتباغضوا بالقلوبِ وتقاطعوا في الأرحامِ, لعنهم اللهُ عند ذلك, فأصمَّهم وأعمَى أبصارَهم" تحابوا بالألسنة، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم. 
  • ولكنَّ المؤمنين كما قال، وذكرنا وقرأنا وصفهم، والذي وصفهم الله به و(يحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ..(9)). 

حتى انتهى إلى ما جاءنا من قصة سادتنا الصحابة في بعض الغزوات والمعارك، وأنَّ قريبًا جاء يحملُ الماء إلى قريبه الذي أشرف على الموت في وقت شِدِّة العطش وبه الجروح، وأشار إليه: أن عندي الماء أُسقيك؟ أشار: نعم! فلمَّا رفع رأسه وقرَّب الإناء، سمع أنينًا بجانبه فأمسك، فقال له: ما لك؟ إشرب! فأشار إلى الذي بجانبه وقال: اسقِ هذا! فقال له: إشرب ثم اسقيه! قال: لعلّه أحوج مني، لا أشرب! -فواحدٌ مجروح، ظمآن ومُشرف على الموت و يؤثر أخاه، كيف ترى هذه القلوب!؟- سبحانه.

قال: لمَّا رفض رجعت إلى الأرض، وقمتُ إلى الثاني فلمَّا رفعتُ رأسه، وقرّبتُ منه الإناء، سمع أنينًا بجانبه، قال: فأشار إليه بعلامةِ قريبي، قلتُ له: أشرب ثم أسقه! قال: لعلّه أحوج مني، وأبى أن يشرب. قال: قمتُ إلى الثالث فوجدته قد مات، فجئتُ إلى الثاني فوجدته قد مات، فرجعتُ إلى قريبي فوجدته قد مات. كلٌ منهم في هذه الحالة ويؤثر الآخر، ماهذه القلوب؟! هكذا الإيمان يفعل بأصحابه! الله أكبر. 

وأمَّا هؤلاء فقال الله في شأنهم: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) طائفة من أهل الكفر منهم الذين قابلوا النبي يوم بدر، وكانوا يُغنُّون، ويشربون الخمور، ويقولون، ويتحدّون، ويفعلون، وجاءوا إلى بدر؛ فهزمهم الله -تبارك وتعالى-، ورجع من رجع بالويل والعويل وقد قُتل صناديدهم، وأُسِرَ من أُسِر، قُتِلَ سبعون، وأُسِرَ سبعون..

  • (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) يعني قبل وقت قريب؛ غزوة بدر وبعد ذلك غزوة بني النضير. 
  • (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ)، ذاقوا النتيجة لنياتهم ووجهاتهم واختياراتهم السيِّئة. 
  • (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15))، ليس فقط قُتِلوا وهُزِموا؛ ولكن أمامهم مصير سيِّء، شديد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15)) وأمثال هؤلاء ما كان في الأمم السابقة أيضًا، وكلها قريب، كما تكرّر ذكر هذا في الآيات: 

  • (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، في هذه السورة الكريمة. 
  • ويقول -جلّ جلاله وتعالى في علاه- أيضا: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التغابن:5]. 
  • فالقريب الذين كان من الكفار الذين قاتلوا النبي والذين قبْلهم من الأمم، المصير هو واحد؛ يخسر من كذَّب المرسلين: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) [الأنعام:31]. 
  • (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) [النمل:4] في عَمَه، قرارات عمَه، ترتيبات عمَه، نظام عمَه؛ ليس له أصل، ولا أساس، ولا عاقبة، إنَّما العاقبة للمتّقين. 

يقول: (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ..(16)) فمثلُ هؤلاء -بني النضير- (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) -من مُشركي قريش- (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ). 

  • مثل هؤلاء المُنافقين الذين يقولون لهم: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ..(11)). 
  • (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)) فهذا مثَل لهؤلاء ولهؤلاء؛ لبني النضير وللمُنافقين الذين قالوا لهم سننصركم. 

وقد عَمِلَ ذلك الشيطان، كما تقدّم معنا في غزوة بدر، وجاءنا في الصحيحين وغيرهما، أنَّه تمثَّل للمشركين بصورة سُراقة بن مالك المُدلجي، وطمأنهم أنه وقبيلته -كلّه كذب- وقال لهم كما حكى القرآن: (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48] -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا..(17)). 

(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ..(16)) وجاءوا لذلك بأمثلة: 

  • ومنها ما جاء بعِدَّة روايات عن بعض بني إسرائيل، في بعض الروايات: 
    • كان عابِد عالم يقْصُده الناس من الأماكن المُختلفة، أُغري -والعياذ بالله- وخذله الشيطان إلى الوقوع في معصية الزنا، ثم القتل، ثم الكفر، وتبرَّأ منه.
  •  منها الرواية التي ذكرها الإمام البخاري في تاريخه، وهي عند عدد من أهل السيرة عن سيدنا علي. 
  • ومنها غيرُها في قصصٍ مُتعدّدة نهايتها هذه العاقِبة.

وأنَّ عابداً من عُبَّاد بني إسرائيل كان في صومعةٍ له، وأنَّ أربعة إخوةٍ كانت لهم أخت، فمرضت وقالوا: "لا يقوم بعلاجها إلا هذا الرجل الصالح"، فجاؤوا بها إليه. فردَّها أولاً، فألحُّوا عليه حتى تركوها عنده، فتعالجت وصحَّت. فأغواه الشيطان بها، فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان يقول له: "اسمع! ستُفتضح! أحسن شيء، اقتُلها وادفِنها! وقل لهم ماتت، وأنت مُصَدَّق، سيُصَدِّقونك بأنها ماتت". -قتل ودفن-. 

  جاءوا يسألونه: أين أختُنا؟، فقال: "ماتت ودفنتُها". فذهبوا، فجاءهم الشيطان يقول: أصدَّقتموه؟ هذا قد فجر بها ثم قتلها. ابحثوا في المحل الفلاني وستجدون أثر القتل فيها. فذهبوا، فوجدوها، فقالوا: تعال يا خبيث!. وأخذوه وهيّاًوه للقتل.، فبرز له الشيطان وقال له: اسمع، أنا الذي أوقعتُك في هذه المصائب، وأنا الذي زيَّنتُ لك هذا، والآن أنا أُخَلِّصُك، فقط اسجد لي سجدة واحدة وأخلِّصك. فأشار بالسجود له، فمرَّ السيف على رقبته، فقتله؛ وبذلك ربِحَ الشيطان.

(قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)) وهكذا في أنواع الشياطين فيما يغوون فيه الإنسان: 

  • أكبر شيء يُحبّونه من الإنسان الكفر. 
  • فإذا ما قدر فبِبَريدِ الكفر من المعاصي. 

وبعد أن يقع في ذلك يتبرأون منه، ويرون سوء العاقبة، والكل يقع فيها.

(إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)) لو كنت صادِق في خوف الله ما أغويت هذا، يا كذّاب! لكن أمام هيبة العذاب التي جاءت تقول: (إِنِّي أَخَافُ)! لو خفت لأمَّنك ونجَّاك من عذابه، ولكن هكذا! (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا) الذي كفر و الذي أغواه الشيطان: 

  • (أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)) فإنّ من مات على الكفر بعد أن تبلغه الدعوة يُخلَّد في النار -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 
  • (أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) الذين يظلمون أنفسهم، هذا بالإغواء، وهذا بالتصدّيق للمغوي والاسترسال وراءه، ونسيان الناصِح الذي بلَّغه الحق والحقيقة من الأنبياء وأتباعهم. 

يقول الله تعالى بعد هذا البيان موجّهاً الخطاب إلينا -جعلنا الله وإيّاكم من المؤمنين المُتحققين بحقائق الإيمان المُترقّين في مراتبه-: 

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) احذروا من لا يُطاق مكْره، ولا يُقدر على عذابه، ولا على عقابه وبيده الأمر كُلُّه. 
  • (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ) من أجل أن تُقيموا التقوى على الوجه الصحيح، اجعلوا نظركم إلى الغد وهو مُستقبلكم الكبير؛ الآخرة والقيامة، وما قدَّمتم لها، وما استعددتم لها، وما أعددتم لها. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ) -كُلُّ نفس منكم- (مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ..(18))، عُبِّرَ بغدٍ إشارةً إلى أنه المرجعُ والمآلُ، وإشارةً إلى قُربه؛ لأن الغدَ -اليوم الذي يليه يومك هذا- هو القريب، الساعةُ أمامكَ، وأنت تبدأ ساعتك ليس من حين النفخ في الصُّور بل من حين تُؤخَذ روحُك وتبلغ الحُلقوم! قامت قيامتُك وحصلت ساعتُك، لا إله إلا الله. 

من مات قامت قيامتُه، وانكشفتِ له السِتارة، ووصل إلى الحقيقة، وانتهى كل شيء، ثم له اليوم الموعود. (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) انظروا ماذا قدّمتم لآخرتكم، وما أعددتم، وماذا كسبتم، وماذا هيَّأتم من الخير، وماذا نزّهتم أنفسكم عن موجب الخزي في ذلك اليوم، وعن مُوقِعاتٍ في العذاب؟ 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ..(18)) قبل وبعد؛ الله هو ربّ الدنيا وربّ الآخرة وانتبِهوا لنفسكم من غضبة الجبّار هذا، فإنه: 

  • إن رضي فلا شيء يضرّكم، وإن سخط عليكم فلا شيء ينفعكم. 
  • حتى الجنّة والنار لا تقدر عليكم، ولا تقدرون عليها.
  • إلا إن رضي فلكم الجنة، وإن سخط فلكم النار. 

ولا تقدر النار أن تأخذ مرضي عنه، ولا تستطيع الجنة أن تستوعب مسخوطاً عليه؛ فالأمر أمره والتقوى له، انتبه منه! الجنة جنّته، والنار ناره، والدنيا دنياه، والآخرة آخرته، والأرض أرضه، والسماء سماؤه، والمُلك مُلكه: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1]. 

قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ..(18)) وَصَايَا مِنْ وَصَايَا رَبِّنَا لَنَا! اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى التَّقْوَى وَاجْعَلْنَا عِنْدَكَ مِنَ الْأَتْقِيَاء فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى. 

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) اجعل لك مُحاسبة دقيقة لِما تُقدّمه لغدِك، ليوم موتك، وبرزخك، وآخرتك، ويوم وقوفك بين يديه -جلّ جلاله-. 
  • (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ما تركتَ من الشهوات من أجله؟! ما قاسيت من المشاق من أجله؟! -جلّ جلاله- ليُكرمك و ليَقيك السُّوء في ذاك اليوم، الله.. لا إله إلا الله.

(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ..(18)) كان كثيرٌ من أهل الصلاح، في مُعاملته مع الحق -جلّ جلاله-، كلما جاء أحدهم ليلةً إلى أهله وجيءَ له بالعشاء، قال: "بَقِيَ عشاءُ القبر!". "عشاءُ القبر! هاتوا نصيباً من عشائنا نتصدّق به على مُحتاجٍ فقيرٍ، نُقدِّمُ للغد -عشاءَ قبري!-؛ ليَلة أصِلَ إلى القبرِ أحصّلُ هذا.

(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ما قدّمتَ لآخِرتك؟! الله..لا إله إلا الله. في مثل هذه الأيام في رمضان، سيدنا الشافعي له ختمةٌ في الليل وختمةٌ في النهار؛ فينهي رمضان بستين ختمة، يختمها في قراءته -عليه الرضوان- غير عباداته الأُخَر، وعُلومه، وتعليمه، الله.. لا إله إلا الله.

(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) فإن الدواعي أمامكم المُغوية، والمُغرية، والفاتِنة، والمُخادِعة، تدعوكم إلى دقِّة النظر، ما جمعتم للحاجات القصيرة، القريبة؟ ما أعددتم لها؟ ما انتبهتم من أجلها؟ هي… هي! فقط. جسمك، ودارك، وبيتك، وسيارتك، وأهلك، وأولادك، وفلوسك، ماذا.. ماذا..ماذا أعددت؟ كأنك خُلقت لها وكأنها دار بقاء! 

ويتبع هذا البوق الشيطاني شياطينُ الإنس والجن، وكلهم يقولون للناس: هذا! هذا أهم شيء! أعِدّوا! اضمن مستقبلك! اضمن مستقبلك! أي مستقبل هذا؟ يعني حياة الأبد هذا؟! لا.. لا ليست حياة الأبد. وأنت لست تدري بها هل هي خمس.. عشرة سنين، عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، ستين أقل أو أكثر، هذا هو المُستقبل؟! وأين مئات السنين وألوف السنين التي ستأتينا من بعد؟! ليست عندهم!

الحق قال: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) وهؤلاء يقولون لنا كلهم، وينشرون في مُختلف أجهزتهم وبرامجهم للدنيا! للدنيا! أعِدّوا لدنياكم! اخدموا دنياكم! عظِّموا دنياكم! انظروا ماذا عندكم من دنياكم لدنياكم؟! فقط، هذه دعوة خبيثة! يُخدع بها كثير من الناس، لكن الله قال: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ماذا معك للدار الآخرة؟ ماذا أعددت لدار البقاء والدوام؟ وحياة الأبد؟ 

(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)) لمّا مات قبل سنوات الشيخ نوح القضاة -عليه رحمة الله تعالى-، المفتي الذي كان في الأردن، وكان من علمائها: 

  • يقول ولده: أني رأيته أقول له: يا أبي، ماذا أحسنُ ما نفعك؟ قال: خوفي من هذا المصير، خوفي من هذا المصير هو الذي نفعني اليوم. قال: وقلت له: وقيامك في الليل؟ قال: خوفي من هذا المصير والرجوع إلى هذا.
  • كان لذلك يحذر، وهو مفتٍ، أولًا كان في القوات المسلحة، وبعد ذلك صار المفتي العام للمملكة، أوراق دفاترهم لا يستخدمها لشيء من أغراضه الشخصية، وإذا كتب رسالةً لأولاده وأهله، يقول عن ورق العمل: "هذه أوراقهم لأجل العمل عندهم". كان يفزع، يخاف من المصير.

(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ): 

  • ومن دقّق في مُحاسبته على نفسه في الدنيا؛ استحيَا الله أن يُدقّق عليه الحِساب في الآخرة، يقول هذا من أجلي قد حاسب نفسه، اترُكوه، ليس عليه حِساب في الآخرة. 
  • والذي لا يُبالي في الدنيا يُنصب  له الميزان -وهات  الآن أدخل وأخرج- الآن كيف وكيف "فمن نُقِّش حسابُه عُذِّب". اللهم اجعل مآلنا خيراً واجعلنا من اهل جنّاتك. 

(اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ) مرة ثانية؛ 

  • الأمر راجع إليه، يعني لا تقصِدون الغد والآخرة لذاتها فإنّما هي خلْق من خلْقه. 
  • يذكّركم بها من أجل أن تكون صِلتكم به حسنة ومآلكم طيب، وإلَّا فالأمر له هو. 

(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18))

  • أعلم منكم بعملكم، ومُطّلِع على سرائركم. 
  • خبير بعملكم؛ دوافعه وأغراضه، ومقاصِده، وكيفيته، وهيئته، ووقته، وحالته، ونتائجه، وثمرته. 

أخبر بها، إنه: (خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فما يضيع شيء من الخير عملِتُموه لوجهه، ويبارك في القليل ويردّه كثير: 

  • (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) [النساء:40]. 
  • (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأنعام:160]. 

(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) عاشوا في الحياة: 

  • نسوا ذكره، نسوا أمره، نسوا إنعامه عليهم. 
  • نسوا إحاطته بهم، نسوا ألوهيته، نسوا ربوبيته. 
  • نسوا دينه، نسوا شريعته، نسوا رسله. 

(نَسُوا اللَّهَ)! فما الذي حصل؟ 

  • (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) كل الخير الذي في نفوسهم حُرِموه، لم تتزكّى نفوسهم، لم تتنوّر، لم تتطهّر. 
    • الكنوز التي ينالها الإنسان من خلال تزكية نفسه حُرِموها. 
    • السوء الذي يناله من خلال تدْسية نفسه وقعت عليه. 
  • (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُم) فما تزكّت، ولا تنوّرت، ولا تطهّرت، ولا صفت: 
    • فما عاد يعرف نفسه، لا يسعى لتزكيتها ولا لتنقيتها ولا لتطهيرها ولا لتخليصها ولا لرفعتها، أبدا! 
    • وراء المظاهر والملاذ والشهوات والدنيا فقط، و نفسه غير موجودة، أين هي؟ نسيها. 
  • (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) تطهير نفسك، تزكية نفسك، ترقيتها، تنويرها، أين هو؟ 
    • غير موجود عنده (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:9-10] فهذا نسي نفسه لم يُزكّيها، فتتدسّى وتُهلك. 

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) ما عاد انتبهوا لأنفسهم، انتبهوا فقط لشهواتهم وملذّاتهم ودُنياهم، ونفسك! نفسك؛ صالِحة للرُقِّي والرفعة والمعرفة، تقوّمها، ولا هو حول نفسه، نسي نفسه، (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)) الذين خرجوا عن سواء السبيل (أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)).

وغاية الميزان في الأشياء، والمرجِع إليه: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20))

  • (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية:21]، لا إله إلا الله. 
  • وما يستوي الأحياء ولا الأموات: 
    • (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:9]. 
    • (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ) [السجدة:18]. 

أين الفرق؟ 

  • (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) [السجدة:19-20]. 
  • أمَّا الأمر الذي يمُرُّ في الحياة القصيرة، فلا يغُرّك: 
    • يكون الرفاهية أو التيسير عند المؤمن وعند الكافر. 
    • ويكون التضييق والشدة عند المؤمن وعند الكافر، كلهم يمر عليهم. 
  • لكن لا يغُرّ: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ) [آل عمران:196-198]. 
  • هذا الفرق! فرق كبير جدا عظيم! (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) [آل عمران:198]، الله لا إله إلا الله. 

إذاً فالفارق الكبير بين الإنسان والإنسان! المصير الكبير! الجنة أو النار؟ هذا هو الفارِق، الذي يجب أن يحسب حِسابه الإنسان، ويعمل عليه: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)) اللهم اجعلنا منهم، نسألك رِضاك والجنّة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

 نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة،  ونعوذ بك من النار ..

 نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة،  ونعوذ بك من النار..

نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة،  ونعوذ بك من النار ..

 اللهم إنّك عفو تحُب العفو فأعفوا عنّا.. اللهم إنّك عفو تحُب العفو فأعفوا عنّا.. اللهم إنّك عفو تحُب العفو فأعفوا عنّا، يا كريم. 

ويقال أيضاً في القيامة للذين نسوا الله تبارك وتعالى: 

  • (كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ) [طه:126]، الله.
  • (بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا) [السجدة:14]؛ (تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) [الأنعام:93]. 

(بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا): 

  • بنسيان هذا اليوم، نسيان لقائه، نسيان الرجوع إليه. 
  • نسيان نعمائه، نسيان إفضاله علينا، نسيان جوده. 
  • نسيان ألوهيته وربوبيته. 
  • نسيان آياته التي أنزلها على نبيه، فالله اجعلنا ذاكرين.

اللهم اعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا منهم مُتذكّرين، واجعلنا من المُنيبين، وفّر حظّنا من ذلك، واسلك بنا خيرَ وأشرف وأقوم المسالِك، وأجرنا وأعدنا وحصّنّا واحفظنا من جميع الزيغ والآفات والمساوي والمهالِك، يا حي يا قيوم يا ملِك الممالك يا الله.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

08 رَمضان 1442

تاريخ النشر الميلادي

20 أبريل 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام