(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحشر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ الله..}، الآية: 13 ، إلى قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}، الآية: 20
﷽
(لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20))
الحمد لله مُكرِمنا بالوحي الشريف، وصلى الله وسلم وبارك وكرّم على عبده المُنزّل عليه القرآن، أهل المكانة والتكريم والتشريف، صلِّ اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن والاهم فيك واتّبعهم بقلبٍ نظيف، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، أئمة كل صادِق ومُخلِص وعفيف، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المُقرّبين وعِبادِك الصالحين أجمعين وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين، يا برُّ يا لطيف.
أمّا بعدُ…
فإنَّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربّنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه- في الغدوات الرمضانية المُباركة، مررنا على آيات في سورة الحشر، وتأمّلنا بعض معاني قوله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13))، وعلِمنا:
ولكن على قدر ما يذهبُ الفقه يُتخوّف، يُتخوّف من البشر، كحال هؤلاء الذين تحدّث الله عنهم قَالْ:
يأتي الخوفُ من الناس، والخوفُ من الفقر، والخوفُ من المادة، والخوفُ من الحوادث؛ يقوى على قدر قِلّة الفِقْه، فإذا تمكَّن الفِقْهُ من قلب المؤمن، صار لا يخاف إلا الله، قال تعالى:
قال: (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) -هَيبة وخوفًا- (فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا) -مُجتمعين- (إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ) لا يواجهونكم في الصحراء، ولا يقومون بأنفسهم إلى هذه المُقابلة؛ لأنهم لا يقومون على حقٍ، ولا على هدى؛ (إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)، بينهم تباعُد قلبي، وتخالُف، كلٌّ له مصلحته.
وكما أنه خائن غادر فهو كذلك يضع في ذِهنه خيانةَ الآخر، وغدر الآخر، ولا يطمئن إليه وإن أعطاه العهود والمواثيق؛ لأنه يعرف نفسه، ولا يقف عند عهده ولا عند ميثاق ويرى الناس مثله، فيضل في خوفِه، وكلٌ خائف من الآخر ومُتربّص به.
(بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا) أنهم مُجتمعون على أمر لكن (قُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ)؛ فيها تحامُل على بعضهم، وغِلُّ لبعضهم، وتربّص ببعضهم البعض، وهكذا شأن من لم يستحكِم فيهم العقل ولم يُحسنوا استخدام ما أوتوا من عقولٍ، فبجهالة وقِلّة العقل تخالفوا وتباعدوا وتباينوا: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14)).
وكان ميزةُ الإنس والجن والملائكة أن شُرِّفوا بما يُسمّى بالعقل، وهو عطاء من الرحمن تُدرك به مدارِك لا تصل إليها الجمادات والنباتات والحيوانات.
فانجلاء معاني خِطاب الله وبياناته أسنى ما تتميز به هذه الأرواح والعُقول في الفهم والإدراك، إذا أشرق ذلك النور فصحِبه الطمأنينة والتوفيق من الله؛ فقد تمّت النِعمة على هذا العبد، وفيها قالوا:
اللهم ارزقنا من العُقول أوفرها ومن الأذهان أصفاها.
قال تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14))، وفي هذا:
حتى انتهى إلى ما جاءنا من قصة سادتنا الصحابة في بعض الغزوات والمعارك، وأنَّ قريبًا جاء يحملُ الماء إلى قريبه الذي أشرف على الموت في وقت شِدِّة العطش وبه الجروح، وأشار إليه: أن عندي الماء أُسقيك؟ أشار: نعم! فلمَّا رفع رأسه وقرَّب الإناء، سمع أنينًا بجانبه فأمسك، فقال له: ما لك؟ إشرب! فأشار إلى الذي بجانبه وقال: اسقِ هذا! فقال له: إشرب ثم اسقيه! قال: لعلّه أحوج مني، لا أشرب! -فواحدٌ مجروح، ظمآن ومُشرف على الموت و يؤثر أخاه، كيف ترى هذه القلوب!؟- سبحانه.
قال: لمَّا رفض رجعت إلى الأرض، وقمتُ إلى الثاني فلمَّا رفعتُ رأسه، وقرّبتُ منه الإناء، سمع أنينًا بجانبه، قال: فأشار إليه بعلامةِ قريبي، قلتُ له: أشرب ثم أسقه! قال: لعلّه أحوج مني، وأبى أن يشرب. قال: قمتُ إلى الثالث فوجدته قد مات، فجئتُ إلى الثاني فوجدته قد مات، فرجعتُ إلى قريبي فوجدته قد مات. كلٌ منهم في هذه الحالة ويؤثر الآخر، ماهذه القلوب؟! هكذا الإيمان يفعل بأصحابه! الله أكبر.
وأمَّا هؤلاء فقال الله في شأنهم: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) طائفة من أهل الكفر منهم الذين قابلوا النبي يوم بدر، وكانوا يُغنُّون، ويشربون الخمور، ويقولون، ويتحدّون، ويفعلون، وجاءوا إلى بدر؛ فهزمهم الله -تبارك وتعالى-، ورجع من رجع بالويل والعويل وقد قُتل صناديدهم، وأُسِرَ من أُسِر، قُتِلَ سبعون، وأُسِرَ سبعون..
(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15)) وأمثال هؤلاء ما كان في الأمم السابقة أيضًا، وكلها قريب، كما تكرّر ذكر هذا في الآيات:
يقول: (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ..(16)) فمثلُ هؤلاء -بني النضير- (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) -من مُشركي قريش- (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ).
وقد عَمِلَ ذلك الشيطان، كما تقدّم معنا في غزوة بدر، وجاءنا في الصحيحين وغيرهما، أنَّه تمثَّل للمشركين بصورة سُراقة بن مالك المُدلجي، وطمأنهم أنه وقبيلته -كلّه كذب- وقال لهم كما حكى القرآن: (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48] -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا..(17)).
(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ..(16)) وجاءوا لذلك بأمثلة:
وأنَّ عابداً من عُبَّاد بني إسرائيل كان في صومعةٍ له، وأنَّ أربعة إخوةٍ كانت لهم أخت، فمرضت وقالوا: "لا يقوم بعلاجها إلا هذا الرجل الصالح"، فجاؤوا بها إليه. فردَّها أولاً، فألحُّوا عليه حتى تركوها عنده، فتعالجت وصحَّت. فأغواه الشيطان بها، فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان يقول له: "اسمع! ستُفتضح! أحسن شيء، اقتُلها وادفِنها! وقل لهم ماتت، وأنت مُصَدَّق، سيُصَدِّقونك بأنها ماتت". -قتل ودفن-.
جاءوا يسألونه: أين أختُنا؟، فقال: "ماتت ودفنتُها". فذهبوا، فجاءهم الشيطان يقول: أصدَّقتموه؟ هذا قد فجر بها ثم قتلها. ابحثوا في المحل الفلاني وستجدون أثر القتل فيها. فذهبوا، فوجدوها، فقالوا: تعال يا خبيث!. وأخذوه وهيّاًوه للقتل.، فبرز له الشيطان وقال له: اسمع، أنا الذي أوقعتُك في هذه المصائب، وأنا الذي زيَّنتُ لك هذا، والآن أنا أُخَلِّصُك، فقط اسجد لي سجدة واحدة وأخلِّصك. فأشار بالسجود له، فمرَّ السيف على رقبته، فقتله؛ وبذلك ربِحَ الشيطان.
(قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)) وهكذا في أنواع الشياطين فيما يغوون فيه الإنسان:
وبعد أن يقع في ذلك يتبرأون منه، ويرون سوء العاقبة، والكل يقع فيها.
(إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)) لو كنت صادِق في خوف الله ما أغويت هذا، يا كذّاب! لكن أمام هيبة العذاب التي جاءت تقول: (إِنِّي أَخَافُ)! لو خفت لأمَّنك ونجَّاك من عذابه، ولكن هكذا! (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا) الذي كفر و الذي أغواه الشيطان:
يقول الله تعالى بعد هذا البيان موجّهاً الخطاب إلينا -جعلنا الله وإيّاكم من المؤمنين المُتحققين بحقائق الإيمان المُترقّين في مراتبه-:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ) -كُلُّ نفس منكم- (مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ..(18))، عُبِّرَ بغدٍ إشارةً إلى أنه المرجعُ والمآلُ، وإشارةً إلى قُربه؛ لأن الغدَ -اليوم الذي يليه يومك هذا- هو القريب، الساعةُ أمامكَ، وأنت تبدأ ساعتك ليس من حين النفخ في الصُّور بل من حين تُؤخَذ روحُك وتبلغ الحُلقوم! قامت قيامتُك وحصلت ساعتُك، لا إله إلا الله.
من مات قامت قيامتُه، وانكشفتِ له السِتارة، ووصل إلى الحقيقة، وانتهى كل شيء، ثم له اليوم الموعود. (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) انظروا ماذا قدّمتم لآخرتكم، وما أعددتم، وماذا كسبتم، وماذا هيَّأتم من الخير، وماذا نزّهتم أنفسكم عن موجب الخزي في ذلك اليوم، وعن مُوقِعاتٍ في العذاب؟
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ..(18)) قبل وبعد؛ الله هو ربّ الدنيا وربّ الآخرة وانتبِهوا لنفسكم من غضبة الجبّار هذا، فإنه:
ولا تقدر النار أن تأخذ مرضي عنه، ولا تستطيع الجنة أن تستوعب مسخوطاً عليه؛ فالأمر أمره والتقوى له، انتبه منه! الجنة جنّته، والنار ناره، والدنيا دنياه، والآخرة آخرته، والأرض أرضه، والسماء سماؤه، والمُلك مُلكه: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1].
قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ..(18)) وَصَايَا مِنْ وَصَايَا رَبِّنَا لَنَا! اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى التَّقْوَى وَاجْعَلْنَا عِنْدَكَ مِنَ الْأَتْقِيَاء فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى.
(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ..(18)) كان كثيرٌ من أهل الصلاح، في مُعاملته مع الحق -جلّ جلاله-، كلما جاء أحدهم ليلةً إلى أهله وجيءَ له بالعشاء، قال: "بَقِيَ عشاءُ القبر!". "عشاءُ القبر! هاتوا نصيباً من عشائنا نتصدّق به على مُحتاجٍ فقيرٍ، نُقدِّمُ للغد -عشاءَ قبري!-؛ ليَلة أصِلَ إلى القبرِ أحصّلُ هذا.
(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ما قدّمتَ لآخِرتك؟! الله..لا إله إلا الله. في مثل هذه الأيام في رمضان، سيدنا الشافعي له ختمةٌ في الليل وختمةٌ في النهار؛ فينهي رمضان بستين ختمة، يختمها في قراءته -عليه الرضوان- غير عباداته الأُخَر، وعُلومه، وتعليمه، الله.. لا إله إلا الله.
(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) فإن الدواعي أمامكم المُغوية، والمُغرية، والفاتِنة، والمُخادِعة، تدعوكم إلى دقِّة النظر، ما جمعتم للحاجات القصيرة، القريبة؟ ما أعددتم لها؟ ما انتبهتم من أجلها؟ هي… هي! فقط. جسمك، ودارك، وبيتك، وسيارتك، وأهلك، وأولادك، وفلوسك، ماذا.. ماذا..ماذا أعددت؟ كأنك خُلقت لها وكأنها دار بقاء!
ويتبع هذا البوق الشيطاني شياطينُ الإنس والجن، وكلهم يقولون للناس: هذا! هذا أهم شيء! أعِدّوا! اضمن مستقبلك! اضمن مستقبلك! أي مستقبل هذا؟ يعني حياة الأبد هذا؟! لا.. لا ليست حياة الأبد. وأنت لست تدري بها هل هي خمس.. عشرة سنين، عشرين، ثلاثين، أربعين، خمسين، ستين أقل أو أكثر، هذا هو المُستقبل؟! وأين مئات السنين وألوف السنين التي ستأتينا من بعد؟! ليست عندهم!
الحق قال: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) وهؤلاء يقولون لنا كلهم، وينشرون في مُختلف أجهزتهم وبرامجهم للدنيا! للدنيا! أعِدّوا لدنياكم! اخدموا دنياكم! عظِّموا دنياكم! انظروا ماذا عندكم من دنياكم لدنياكم؟! فقط، هذه دعوة خبيثة! يُخدع بها كثير من الناس، لكن الله قال: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) ماذا معك للدار الآخرة؟ ماذا أعددت لدار البقاء والدوام؟ وحياة الأبد؟
(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)) لمّا مات قبل سنوات الشيخ نوح القضاة -عليه رحمة الله تعالى-، المفتي الذي كان في الأردن، وكان من علمائها:
(وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ):
(اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ) مرة ثانية؛
(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)):
أخبر بها، إنه: (خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فما يضيع شيء من الخير عملِتُموه لوجهه، ويبارك في القليل ويردّه كثير:
(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) عاشوا في الحياة:
(نَسُوا اللَّهَ)! فما الذي حصل؟
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) ما عاد انتبهوا لأنفسهم، انتبهوا فقط لشهواتهم وملذّاتهم ودُنياهم، ونفسك! نفسك؛ صالِحة للرُقِّي والرفعة والمعرفة، تقوّمها، ولا هو حول نفسه، نسي نفسه، (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)) الذين خرجوا عن سواء السبيل (أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)).
وغاية الميزان في الأشياء، والمرجِع إليه: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)):
أين الفرق؟
إذاً فالفارق الكبير بين الإنسان والإنسان! المصير الكبير! الجنة أو النار؟ هذا هو الفارِق، الذي يجب أن يحسب حِسابه الإنسان، ويعمل عليه: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)) اللهم اجعلنا منهم، نسألك رِضاك والجنّة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار ..
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار..
نشهد أن لا إله إلا الله، نستغفر الله، نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار ..
اللهم إنّك عفو تحُب العفو فأعفوا عنّا.. اللهم إنّك عفو تحُب العفو فأعفوا عنّا.. اللهم إنّك عفو تحُب العفو فأعفوا عنّا، يا كريم.
ويقال أيضاً في القيامة للذين نسوا الله تبارك وتعالى:
(بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا):
اللهم اعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا منهم مُتذكّرين، واجعلنا من المُنيبين، وفّر حظّنا من ذلك، واسلك بنا خيرَ وأشرف وأقوم المسالِك، وأجرنا وأعدنا وحصّنّا واحفظنا من جميع الزيغ والآفات والمساوي والمهالِك، يا حي يا قيوم يا ملِك الممالك يا الله.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
08 رَمضان 1442