تفسير سورة الصف، من قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..}، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الصف، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..}، الآية: 1، إلى قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ..}، الآية: 5

نص الدرس مكتوب:

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5))

الحمد لله مُكرمنا برسوله المُصطفى المُختار، نور الأنوار وسرِّ الأسرار، اللهم أدم صلواتك على عبدك المُصطفى سيدنا محمد آناء الليل وأطراف النهار، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الأخيار، ومن سار على سبيلهم مُقتفيًا للأثار، إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم أجمعين، وتابعيهم بإحسان الى يوم الدين، وعلى ملائكتك المُقرّبين  وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك ياأرحم الراحمين.

وبعد،،،

 فإنّنا في تأمّل كلام ربّنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه- وفوزنا وسعادتنا بخِطابه إيّانا، وتعليمه لنا، وتَنَزُّلِه ليُبيّن ويُرشِد ويُعلِّم ويُزكّي ويُربّي ويُقرِّب ويُدنى، له الحمد والمِنّة، انتهينا إلى سورة الصف التي يأمُرنا الحق فيها أن نكون صفّاً واحداً لإعلاء كلمة توحيده، ولإعلاء دينه، وللترويج لشريعته، وللوفاء بعهده الذي عاهدنا عليه، يقول جلّ جلاله:   

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

تفسير قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) )

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ): العُلويات والسفليات مُقدِّسة للرحمن مُنزِّهة للجبّار ومُسبِّحة بحمده. 

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)؛ فلا ينبغي أن تتخلفوا عن ركب التسبيح للحي القيوم -جلّ جلاله- وتتصلوا بأرباب التسبيح من أكابرهم كالنبيين وملائكة الصفيح، ومن حول العرش: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر:7]. 

فشارِكوا الكائنات العُلوية والسفُلية في تسبيحي وتقديسي، أنّني الإله الحق الذي أحَطتُ علماً بكلِّ شيءٍ، وإليّ مرجعكم، فاتقونِ. 

قال تعالى يخاطب الذين خرجوا عن تسبيحه وتقديسه: ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [فصلت:23]. 

  • قال ما سبحتم بحمدي ولا عرفتم عظمتي، ظننتم كثير أنى لا أعلم شيء مما تعملون،
  •  قال: هذا ليس وصف الإله ولا وصف حكيم عليم قادر أن يخفى عليه شيء: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران:5].  
    • وهذا الظن السيء أرداكم، أهلككم (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت:24]. 

(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، فسبحوا: 

  • (وَهُوَ الْعَزِيزُ) جلّ جلاله، لا يحتاج إلى أحد، وأنتم مُحتاجون إليه، والذي يخصّ بتعرُّفه للطائف أفعاله وأسمائه وصِفاته وذاته العلية؛ أرباب الصدق معه والاقبال عليه بالكلّية. 
  • (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1))، الذي لا يقيم شيئاً ولا يخلق شيئاً إلا وله فيه حِكماً كثيرة بالغة -جلّ جلاله-. 

 

تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) )

وجّه الخِطاب إلينا معاشر المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)) أنتم عائشون في الكون المُسبّح بحمدي: 

  • ثم تتطاولون، ثم تُخلِفون الوعد. 
  • ثم تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. 
  • ثم تُظهِرون الاستعداد لأمر وتُنقصون عنه. 

هذه أخلاق اللئام، أشرار الأنام، لا تليق بالمؤمنين الكرام.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ): 

  • لِمَ تدّعون ما ليس لكم؟! 
  • لِمَ تقولون فعلنا ولم تفعلوا؟!  
  • لِمَ تقولون " سنفعل" ثم لا تفعلون؟! 
  • لِمَ تعِدون بالخير ثم تُخلِفون؟!

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ) ماهذه أخلاق أهل الإيمان ولا الصالحين أهل العِرفان ولا مَن آمن بالقرآن؛ هذه أخلاق الشِرار، أخلاق الأشرار الفجرة. 

(لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)، أنتم على مِنهاج قويم وصِراط مُستقيم. تبدأون بالمحاسن والجمائل والمعروف قبل الوعد، وإذا وعدتم بذلتم الوِسع في إنجاز ما وعدتم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)، وكان من المؤمنين مَن قال: ليتنا نعلم أحبّ الأعمال إلى الله تبارك وتعالى نعمل بها. فأمرهم الله بالقتال في سبيله، فشق عليهم؛ فقال: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)، تريدون أن تعلموا الأحب إليه لتفعلوه ثم تقولون: يشُق عليكم؟! لا إله إلا الله..

  • (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ) [البقرة:246]، يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، قالوا نريد ما يحب الله ونريد أن ننصره. 
  • (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا).
  • وليس القتال بمنْقصٍ أجل أحد، ولا القعود عنه مُطوّل عمر أحد: (أيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء:77-78]. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)؛ ومن هُنا قال؛

  •  من قال من أهل العلم: أن الوعد يجب الوفاء به،
  •  وأن نبينا عدَّ في المنافقين: من إذا وعد أخلف. 
  • حتى كان بعض التابعين وتابعي التابعين إذا وعد وعداً لم يأكل ولم يشرب ولم ينم حتى يفي بالوعد، يكمل الوعد ثم ينطلق؛ تعظيما لشأن الوعد. 

وكانوا يحْذرون أن يعِدوا الله من أنفسهم -سنعمل ثم نعمل- ثم ينقصون ذلك..

وكان جماعة من بنى إسرائيل أحدثوا رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، ثم تكاسلوا عنها وتقاعسوا، فعاتبهم الحق، وقال: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) [الحديد:27]، ما قاموا بحقّها. وقال ابن مسعود: يا معشر أمة محمد إن هذا القيام -الذي في رمضان- أحدثتموه لم يُفرض عليكم، ولكن ابتغاء مرضاة ربكم، وجمع الناس سيدنا عمر على صلاة التراويح. 

  • قال: فلا تُفرِّطوا فيه، فإن الله عاب على قوم قبلكم، عبدوه ثم نقَصوا وتخلّفوا. 
  • وقرأ الآية: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا).
  • قال: لا تُقصِّروا شيء في قيامكم في رمضان وحافِظوا عليه حتى تلقوا الحق -جلّ جلاله-.

وكان عامة سادتنا الصحابة على اجتهادٍ بعد وفاة نبينا ألا ينقصوا شيء من الخير الذي كانوا عليه في حياة رسول الله حتى يلقوه. الله، لا إله إلا الله.

 

تفسير قوله تعالى: ( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) )

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا) -مقت: بغض- شيء يبغضه الله: أن تقول ما لا تفعل، حتى جاء جماعة عند سيدنا خباب، فسكت، فقالوا: مالك لا تحدِّثنا؟ إنما جئنا لنسمع منك لتحدِّثنا. فقال لهم: تريدوني أن أقول ما لا أفعل! 

  • وراقب نفسه أنه ليس بأهلٍ أن يتكلّم مع الناس وهو صاحب المصطفى الذي صبر وصابر وكابد، رضى الله عنه. 
  • وأوذي بمكة، فثبت وبرهن عن صدقه مع الربّ -جلّ جلاله- ومحبّته له ولرسوله، خاف أن يكون ممن يقولون مالا يفعلون.

في هذا المعنى: ما جاء أن سيدنا عمر بن الخطاب، استأذنه بعض الشباب أن يتكلّم على الناس -ينصح- بعد الصبح، قال له: لا. فقال: أتنهى عن الدعوة إلى الله؟! قال له: لا، لكنّي أخشى أن تنتفِخ حتى تبلغ الثريا. أنا ما أقطع عن الدعوة ولكن أنت غير مُؤهل، غير مُهيأ، أنت بتنتفخ، ترى نفسك شيء. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُون مَا لَا تَفْعَلُونَ)، وهكذا قالوا للحبيب حسين بن عديد لِمَ شيخك الحبيب علي الحبشي يخصُّك بنظر مودّة ورحمة ورأفة ومحبّة، قال: أنا ما سمعِت منه شيء إلا أنزلته على نفسي، كل الكلام الذي أسمعه لا أُنزله على الناس، ولا أقول هذا يقصد به فلان وفلان، بل أنزله على نفسي وأُطبّق أنا في نفسي ما يقوله. بهذا ارتفع القدر.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُون مَا لَا تَفْعَلُونَ)، وما أسهل ما تنطلق النفس في الوعود، وقت الحاجة ووقت الشِّدّة ووقت التمنِّي، ولما يجيء الوقت، والحال ثاني ولا عاد شيء هِمّة ولا عاد يريد أن يعمل، يتملّص يبغى يتخلّص، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) )

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عند الله): 

  • شيء بغيض، كبير بغْضه عند الله: (أن تقولوا ما لا تفعلون (3))، تريدون أن تعرفوا، ما الذي يحب مِنكم؟ 
  • (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)): الذين يوفون معه بالعهد ويُقدِّمون أرواحهم في إعلاء كلمته، وتوحيده وفي الترويج لدينه ولشريعته. قال: هؤلاء الذين أنا أحبّهم، وهذه المواقف التي أحبّها. 

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ): 

حتى روي الإمام أحمد عنه ﷺ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ثلاثة يضحك الله إليهم"،  كناية عن كمال رضاه عنهم ومحبته لهم:

"ثلاثةٌ يَضحَكُ اللهُ إليهم: "

  • "الرَّجُلُ يَقومُ من اللَّيلِ،"، الناس نيام وهذا يقوم ويسجد لربه ويناجي ربّه ويقرأ كلامه ويعبده، يترك لذيذ منامه وفِراشهِ ويقوم لله؛ يضحك الله إليه. 
  • قال: "والقوم يصفُّون في القتال، والقوم يصفُّون في الصلاة"، يُسوّون الصفوف في الصلاة، يُقوِّمونها في الصلاة مُتراصَّة.

 وجاء في وصف هذه الأمة المحمدية في الكتب السابقة على الأنبياء السابقين: يصفّون في الصلاة كصفوفهم في القتال. وأُمِروا 

  • أن يصفّوا في الصلاة مُتلاصقين. 
  • مُتساويين، لا يتقدّم منهم أحد على الآخر. 
  • ويُلصِقون المنكب بالمنكب والكعب بالكعب. 

صف مستقيم؛ "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قلوبِكُم"، وهؤلاء: يُقاتِلون في سبيله صفاً يعني:

  • على كلمة واحدة. 
  • على قلب رجل واحد، 
  • تبع قائدهم وإمامهم، لا يتخالفون. 
  • الكل منهم يريد إعلاء كلمة الله، مجتمعة قلوبهم، مجتمعة كلمتهم. 

قال تعالى في التحذير: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال:46]، قوّتكم، نصركم، ولاية الله لكم، ومكانتكم عنده؛ ريحكم تروح وتذهب- يذهب ريحكم إذا تنازعتم.

ولهذا لمّا بيّن لنا عظمة السنّة: 

  • أن تسْوية الصفوف في الصلاة سنّة، لكن لا تحسبها هيّنة وتقول ماهي إلّا سُنّة. 
  • هذه السنة لو أهملتم فيها، تتخالف القلوب وتقعون في أكبر المصائب؛ "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قلوبِكُم".

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)، تجد صاحِب البنيان لا يريد أن يختلف بناءه، ولا يتقدّم شيء ولا يتأخر، يريده بناء مضبوط، وكذلك يُحِبّون الإحسان في أعمالهم وفي جهادهم، وفي قيامهم بالأمر.

  • (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ)، في طريقه لإعلاء دينه وكلمة توحيده، ولنشر شريعته، ولتبليغ دعوته، والعمل بمنهاجه الذي ارتضى للخلق، لتكون كلمة الله هي العليا.
  • (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا)، مُترابِطين مُتكاتِفين، مُتآلِفين، مُتحابين، (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)، حتى صار كثير من الصحابة والتابعين يميل إلى تنظيم الصفوف على الأرض، أحسن من رُكوبه على الفرس ليُقاتِل: 
    • مع أنه يُهيأ له مجال واسع في القِتال والجهاد؛ ولكنّه يُحِبّ الصف. 
    • ولأنه لا يُمكن أن يرتص أصحاب الخيول والفوارس مثلما يصطف أرباب الصفوف في الأرض.

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ): 

  • لذا كان يقول بعضهم: إذا رأيتموني في الصف- يعني صف الجهاد- ألتفتُّ وراءي، -دُقّوا خدي- دقُّوني. 
  • وهكذا، وجدوا الطعنات التي في سيدنا جعفر بن أبي طالب في معركة مؤتة. 
    • جاء في رواية البخاري عن ابن عمر أنها تسعين طعنة. وقيل: سبعين، وقيل: ثمانين،  وقيل: تسعين.

ولكن كلها فيما أقبل من جسده، ولا واحدة منها في جنبه ولا وراءه، كلها فيما أقبل؛ لإنه لم يلتفت هكذا ولا هكذا؛ مُقبِل غير مُدبِر. 

  • كل الطعنات فيما أقبل من جسده، ليس في جنبه ولا خلفه منها شيء، كل الطعنات -تسعين طعنة-: ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، تسعين وكلها فيما أقبل.
  •  وهو حامِل الراية -وقد قُطعت يده اليمنى، واليسرى قطعت- بالعضدين، تسعين رمية، تسعين طعنة أثقلته، فقال: خذوا الراية حتى لا تسقط، راية النبي، راية الدين. 
  • حملوا الراية وانتحَوا بها ناحية، وجاءوا له بالماء، قال: لا إني صائم. قالوا له: أنت في التعب هذا؛ أفطر وصُم يوم آخر. قال: أشتهي أن أفطِر في الجنة. قال: أشتهي أن أفطِر في الجنّة. 

الرجل في تسعة وثلاثين سنة -ما بين سبعة وثلاثين وتسعة وثلاثين سنة- لم يبلغ الأربعين بعد. قال: أشتهي أن أفطِر في الجنة. 

وفعلا، وفاضت روحه وتهيأ للجنة: 

  • ولكنه اشتاق لمن كان سبب دخوله الجنّة، ومحبّته له في قلبه أعظم من محبّته الجنة، وهو رسول الله، فقال: يا رب خُذني إلى حبيبك محمد. 
  • فجاء الملائكة يزفون بروحه إلى المدينة المنورة، رفع الرسول ﷺ يقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، يتكلّم ساعة، ثم التفت الصحابة وقالوا: من تُخاطِب يارسول الله؟ 
  • قال: "هذا جعفر بن أبي طالب، قد وقف عليَّ في نفر من الملائكة يسلِّمون عليَّ، قد أبدله الله مكان يديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء". 

ولكن الجنّة ما ألهته عن محبّة محمد ﷺ، كان محبّته لرسول الله أقوى، قال: "خُذْني إلى عند حبيبك"، وجاء يُسلِّم عليهِ، صلى الله عليه وعلى صحبه وسلم. 

سيدنا عمر كان كلما يحصّل عبدالله بن جعفر: "السلام عليك يا ابن ذي الجناحين"، كلما يلاقيه في الطريق، "السلام عليك يا ابن ذي الجناحين"، أبوك الذي أعطاه الله جناحين يطير في الجنّة لمّا قُطِعت يداه في سبيل الله -عليهم الرضوان-.

في ذلك الموقف، قُتِل زيد بن حارثة، وقُتِل عبدالله بن رواحة، فكانوا القادة الثلاثة الذين عيّنهم ﷺ لقيادة المعركة، ثم قال عن ابن رواحة: "فإن قُتل فليرتضي المسلمون من بينهم رجلاً"، كان بعض اليهود يقول للمؤمنين: أنتم تثقون في نبيكم؟ قالوا: كيف هذا رسول الله، -قال: الثلاثة سيُقتلون- وما قال: إن قُتل، بل قال فهو سيقتل، وكان الأنبياء فينا إن سمَّوا فلان سيقتل، ولو سمَّوا مائة لقُتلوا كلهم. وعلِم أنّهم سينالون الشهادة. 

الآية هذه لمّا نزلت، عبدالله بن رواحة، أحد الذين كان يتحدّث مع جماعة وقالوا لو علِمنا أحبّ الأعمال إلى الله، فأنزل الله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ(4))، قال: فلا أزال حبيساً في سبيل الله حتى أموت، وكان كذلك حتى قُتِل في مؤتة؛ عبدالله بن رواحة -عليه رضوان الله- الذي كان يقول في شعره:

وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَــــــهُ *** إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ

أَرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا *** بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِــــــــــــعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ *** إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ

ولمّا تهيّأ للمعركة، كان يبكي في البيت، فبكت زوجته، قال لها: ما بالك تبكين؟ قالت: إنّما أبكي لبكائك! فيمكنك أن تعتذر لرسول الله ﷺ للخروج. قال: ويحك! لا أبكي خوفاً من الموت ولا القتل في سبيل الله، ولكن آية في كتاب الله ابكتني، قوله: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) [مريم:71-72]، فقد استيقنتُ الورود، وأنّى لي بالصدر بعد الورود، لا أدري أأصدر عنها أو أسقط فيها، هذه الآية التي ابكتني.

 وكان هو سبب تشجيع الجيش لمّا فوجئوا بأن الجماعة استعدّوا لهم استعدادا وخرجوا كميّات كبيرة. قِوام الجيش الذي بعثه رسول الله ﷺ ثلاثة الآلاف، وإذا بالروم يستعدّون لهم مائة ألف مُقاتل، ثم من نصارى العرب مائة ألف ثانية، مائتي ألف مُقاتل، وفي رواية انضاف إليهم خمسون، مائتين وخمسون ألف؛ هؤلاء ثلاث آلاف.

  • وجلسوا في معان في الأردن -هناك في الشام- وبلغهم هذا الخبر، قالوا: الآن ننظر أمراً، نكتب إلى رسول الله ﷺ؛ إمّا يمدنا بجيش أو يأمرنا بأمر نتبعه، أو كيف نعمل؟ قال لهم سيدنا عبدالله بن رواحة: مالكم ياقوم تترددون، إن الذي تخافون الذي خرجتم من أجله، وإنا لا نُقاتِل بعدد ولا عُدّة، ولكن بهذا الدين الذي بعثه الله به نبينا ﷺ. فقالوا: صدق عبدالله وعزموا ودخلوا. 
  • وتقابلوا، ثلاث آلاف واسلِحتهم محدودة -بمائتين ألف- معهم أقوى الأسلحة، أول يوم وثاني يوم وثالث يوم، وهم في القتال، حتى انتهى القتال قريبا من أسبوع وانتهى بهروب الجيش الكبير، ورجوع هؤلاء بغنائم أخذوها من الحرب ورجعوا بها إلى المدينة المنورة. 

لما تولّى عليهم سيدنا خالد بن الوليد، والنبي في المدينة يقول والآن أخذ الراية، سيف من سيوف الله سلّهُ على المّشركين؛ خالد بن الوليد، سمّاه ذاك اليوم سيف الله. وكان عنده جماعة من الصحابة في المدينة فكان ينقل لهم مُباشرة ﷺ، ينظر هناك وهو يقول: الآن حمل الراية زيد، الآن دخل كذا، قابلَ كذا، الآن قُتِل، الآن حمل الراية جعفر، ويُطالع، يُكلِّمهم: الآن قُطِعت يده اليمنى وحمل الراية باليسرى، قُطِعت يده، فاحتضن الراية بعضُديه، أثخنته الجِراح، وقع على الأرض، حملوا منه الراية، انتحوا به. الآن حمل الراية سيف من سيوف الله: خالد ابن الوليد.

 فقذف الله الرُعب في قلوب أولئك، وهو في الليل -سيدنا خالد- حوّل المُقدّمة مُؤخّرة والمُؤخِّرة مُقدّمة، والميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، وبعث ناس من الوراء يبعثون الغُبار، ولمّا أصبحوا الصباح، الوجوه قابلت وجوه غير التي اعتادوها، قالوا: مدد جاء لهم من المدينة من عند محمد، ثم رأوا الغبار، قالوا: هذا جيش مُقبل، فزعوا، صاروا يهربون، فسحب وراءهم وهم يمشون. بعد ذلك أوقفهم سيدنا خالد وقال لهم: اتركوهم. ورجع بالصحابة، الجماعة في المدينة قالوا لهم: لماذا ترجعون! تابعوهم حتى تُقتلوا! فِرّار، أنتم فِرّار، فكان رسول الله لما يسمع هؤلاء يعيبون على إخوانهم يا فِرّار، يقول: "بل هم كرَّار إن شاء الله"، بل هم كُرَّارٌ إن شاءَ اللَّهُ، عليهم رضوان الله. 

 

تفسير قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) )

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).

وهكذا طبيعة النُفوس البشرية، تؤذي الناس، تعرف أنّهم أخيار وأنّهم صالحين، تقوم تبحث عن أي كلام لتتشفَّى فقط -لاحول ولا قوة إلا بالله- (يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي): 

  • وهذا تحذير للأمّة من أذيّة نبيّها أو أذية الأخيار فيها. 
  • وتسلية لرسول صلى الله عليه وسلم ؛ أن قبلك من الأخيار أوذوا، فكان رسول الله يقول: "رحِمَ اللهُ أخي موسى؛ لقد أُوذِيَ بأكثَرَ مِن هذا فصبَرَ". 

وجاءوا يصلِّحون خطط على سيدنا موسى: 

  • منها أنّهم كانوا قد يغتسلون عُراة. وكان سيدنا موسى حيّ ستّير ولا يغتسل إلا مستور، قالوا: هذا ما يستتر إلا لأن فيه أُدْرَة يعني منتفخة خصيته، فيه عيب -لا حول ولا قوة إلا بالله-. وهو ما به عيب.
  • وجاء واحد من جماعة قارون، يتّفق مع وحدة بغيّة، أن تدّعي أن سيدنا موسى عليه السلام قاربها، -أعوذ بالله- كذب- وأنَّه أعطاها مال، واندسَّ وسط الجيش،

 يقول: ما حُكم من زنى بإمرأة يا نبي الله؟

  •  قال: يُقتل.
  •  قال: أي أحد؟
  •  قال: أي أحد؟ ولو كان أنت؟
  • ! قال: حدُّ الله لأي أحد.
  •  قال: هذه المرأة تقول: أنّك.. 

فلمّا قامت، قالت: يا نبي الله هؤلاء أغروني وأعطوني كذا وكذا، من أجل أن أكذب عليك، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا) [الأحزاب:69].

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ): توصلون إلىّ: 

  • أنواع الأذى.
  •  والاتِّهامات. 
  • وتُخالِفون أمري. 

وأنتم تعلمون إنّي مُرسل من عند الرحمن -جلّ جلاله-.

 فذكر الله هؤلاء الزائغين منهم (فَلَمَّا زَاغُوا)، هذا الصِّنِف الذي ما عرف قدر الرسالة والنبوة و مكانة الكليم عند الرحيم -جلّ جلاله-؛ انحرفوا في مسالِكهم وتعامُلِهم؛ فزاغت قُلوبهم، امتلأت بالشك والريب والكفر والنِّفاق -نعوذ بالله-. 

(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، لا إله إلا الله، وملأها كُفر، وظُلمة وشك وريب ونِفاق بسبب سوء أدبهم، (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). فياربِّ ثبّتنا على الحق والهُدى، يا مُقلِّب القلوب والابصار ثبّت قلوبنا على دينك. 

(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، ثم ذكر سيدنا عيسى عليه السلام، وأنه جاء مُصدِّقاً لموسى ومُبشِّراً بمحمد ﷺ. وفي هذا بيانات من الله مما لاقاه النبيون: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام:34]. فكان يُسلّي الله نبيه ويُذكِّره بما حدث للأنبياء قبله وما عانوا من أممِهم وأقوامهم. 

وهكذا يا كُلّ من تريد نُصرة الحق ورسوله؛ وطّئ نفسك أنّه مهما نازلك وحصل لك ما يشُقُّ عليك فتحمّل، اصْبر: 

  • (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ)، يقولون: (تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
  • (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) وبعد ذلك لمّا وصلوا في النهاية (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ).
  • قال الله هذا لكلّ واحد صدق معي (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ..) مهما آذاه من آذاه، فإذا اشتد الأمر أُبعدهم وأُقوّمه هو (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [ابراهيم:10-14] الله أكبر.

وهكذا صبر الأنبياء والمُرسلون وكانت لهم العاقِبة والغاية، والنهاية والعاقِبة للمُتّقين:

ولهذا قال لنا الحبيب محمد الهدار -عليه رحمة الله- أنّهُ مرَّة وقد بدأ يقوم بالدعوة في نواحي اليمن، في عدن، وفي البيضاء، ونواحيها، انتفع به ناس كثير. ثم وشى عليه بعضهم في عدن -أيام حكومة بريطانيا في عدن- فحبسوه كم أيام، ثم أطلقوه. 

جاء إلى حضرموت في حياة الحبيب علوي بن شهاب -عليه رحمة الله- قال، فقال لي الحبيب علوي بن شهاب: "الحمد لله بلغنا خبر هذا وكنت خائف عليك، لكن فرحت لما قالوا لي، بلغنا أنّك قُمت بالدعوة وانتفع بك ناس، وما بلغنا شيء أذى حصل عليك، فخفت عليك، وقلت: إن كان وارث من ورثة الصالحين سيصيبه شيء -لابُدّ أذى-، وإن كان مُستدرج أو في طريقه، ولمّا بلّغونا بالخبر وأنهّم حبسوك، عرفت أنّك ثابت في محلِّ الطريق وأنك وارث للصالحين من قبل ، فالحمد لله"،  لا إله إلا الله..

من أدعية سيدنا العدني: "اللهم أجرنا من غير ابتلاء، واغننا من غير امتلاء، اللهم أجرنا من غير ضرر، واغننا من غير بطر"، يا أكرم الأكرمين.

وهكذا إرشادات الحق لنا وإخباره عن انبيائه وما كان منهم، رزقنا الله محبّتهم واتِّباعهم وحشرنا في زُمرتهم، وأصلح لنا ولكم وللامّة بما أصلح بها شؤون الصالحين.

بسر الفاتحة

إلى حضرة النبي، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

22 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

15 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام