تفسير سورة الصف -2- من قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، الآية: 5

تفسير سورة الصف، من قوله تعالى:  {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ..}، الآية: 5
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الصف، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ..}، الآية: 5، إلى قوله تعالى: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، الآية: 8

نص الدرس مكتوب:

(وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9))

الحمد لله مُكرمنا بالهدى ونور الحق ليُظهِره على الدين كلّه ولو كرِه المُشركون، وصلى الله وسلم على من أُنزل به القرآن عبده الأمين المأمون سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذين يهدون بالحق وبه يعدِلون، وعلى من اتّبعهم بإحسان في الظهور وفي البُطون، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكة الله المُقرّبين، وجميع عبادِك الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد،،،

 فإنّنا في نِعمة مولانا في تأمّل كلامه وخِطابه وتبيينه وتعليمه وإرشاده وتوجيهه -جلّ جلاله- تفُضّلاً مِنه وتكرُّماً علينا، تأمّلنا في أوائل سورة الصف ما ذكر الحق:

  • من تسبيح الكائنات التي نشهدها أمامنا وما يعيش معنا في الأرض، وما فوقنا من السماوات ومافيها أنّه مُسبّح بحمده. 
  • ونادانا أن نستقيم على المِنهاج ونحذر من الاعوجاج، وأن نبطِل الدعاوى التي تلذّ بها النفوس أنّنا سنعمل او نعِد ولا نوفي، ونترك أن نقول ما لا نفعل وأن نصدُق معه عز وجلّ. 
  • وذكّرنا بموسى عليه السلام وما لاقا من قومه من عنت وتعب واتِّهامات وكان صبوراً، 
  • وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يذكُر الخبر ليصبِر، ولنحذر من أن نؤذي من يستحق التوقير والاحتِرام وأولهم الأنبياء والمرسلون.
  • وحذّر الحق -تبارك وتعالى- أن من تمادى في إيذاء محْبوبٌ له، أوصله ذلك لأن يزيغ قلبه فيكفر ويموت كافِراً فيُخلّد في النار، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)).  

 

تفسير قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) )

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)؛ وفي هذا أنّ في واقع البشر صُدور أذايا كثيرة وتحامُلات وحصول اتّهامات؛ لمن يُعلَم أنّه مُطهّر ونقي وأنه لا يليق إلا أن يُوقّر وأن يُحترم. 

ولكن مع ذلك يصدُر عنه في مُقابلته بأنواع من السوء؛ لغلِّ في النفوس، لنقصٍ، لغلبة للأهواء وللشهوات، لأسباب مُتعدّدة، تجعلك مع من توقّن أنّه يستحق التوقير والاحتِرام، تتطاول وتسبُّ وتدّعى وتفتري، وأحيانا أبوه، وأحيانا أمه، وأحيانا قريبه، وأحيانا ولي أمر صالح، وأحيانا عالم، وأحيانا ولى من أولياء الله -تبارك وتعالى- ولكن يتطاول ويقول وهو يعلم. 

ويقول موسى: (لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ)، وعِلْمُكم أنّي رسول الله يقتضي التوقير والاحترام، مع ذلك انتم تؤذون، وتقولون: 

  • (لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ) [ٍالبقرة:61]. 
  • (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [ٍالبقرة:55].
  • (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَة) [الأعراف:138]. 

كلّ ساعة يُصلّحون مُشكلة، وأذيّة من الأذاياء، وساعة يتّهِمونه أنه ساحر وساعة يقولون أنّه آذار، وبعد ذلك (لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، ويسلّي الله نبيه، أن الأنبياء من قبلك قد أوذوا، فلم يحدث جديد، واصبر على أذى من يؤذيك من أمّتك. وكان ﷺ أصْبرهم. 

(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ):

  • ثم يُحذِّرنا الله (فَلَمَّا زَاغُوا) مالوا عن الحق، والدلائل  تقوم على أنّه رسول الله وكليمه موسى عليه السلام.
  • (أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ): أمالها عن الحق بتكثيف الظلمات فيها، وحُلول الشك والكفر. وإن كان جميع الذنوب بريد الكفر، وكثرتها تؤدّي إلى الكفر، ولكن من الذنوب ما هو أسرع في غضب الجبّار وخُروج الأنوار والوقوع في الكفر -والعياذ بالله- كمثل أذى الأنبياء وأذى الأولياء والصالحين، والحق يقول في حديث قدسي-: "مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ".

إذا تبيّن الأمر لأحد من الناس: 

  • أن أحدا يستحق التوقير لكِبر سنّهِ في الإسلام. 
  • أو لرسوخ قدمهِ على الاستقامة مع من استقام. 
  • أو لرسوخهِ في العلوم النافعة على الورع والتقوى. 
  • أو لمعنى من المعاني التي يعتبرها الجبّار-جلّ جلاله-. 

ثم آذى، ثم ضرّ، ثم اتّهم، فإنه 

  • على أكبر الخطر. 
  • وأنه يستعد بحرب من الجبار.

 "مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ" 

ومن لم يعلم ذلك، وكان يُشاع ما يُشاع ويُذاع ما يُذاع: 

  • وصدّق فأمْره أقل ضرراً وخطراً، ومهما لم تكن عنده دوافع السوء؛ فيسخِّر الله له ما يُبيّن له الحقيقة ويكشف الغِطاء، ويعلم أن الأمر ليس كما يقولون عن هذا الإنسان أو عن هذا الشخص وما إلى ذلك؛ فيهديه الحق -جلّ جلاله-.
  • ولكن من ارتضى الغلّ، ومن ارتضى الغش في قلبه، فيبقى غالبا. 
  • ونادراً ؛ أن واحدا يكون في بلية، ما تدري إلا الله قلب قلبه وأصلحه وهداه (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]. ليس الأمر لنا ولا للملائكة، ولا لأحد من الإنس والجن، يهدي من يشاء ويضل من يشاء جلّ جلاله، 
  • لكن غالباً في سنّتهِ، أن من وقر في قلبه الغِل والبُغض بلا سبب.

 إذا كان يقول الإمام الحداد عن الصالحين الذين تركوا شؤون الدنيا لأهلها؛ أموالهم وجاهاتهم وسلطانهم ودولهم وحُكوماتهم، لماذا تبغضهم؟ 

  • لا داعي يجعلك تبغضهم! الشيء الذي أنت مُتشبِّث به، اتركه لك فاترُكهم لربّك، وهم قد تركوا لك الشيء الذي تحرص عليه وتُحبّه، تركوا لك ولم يُنافسوك فيه، فلِمَ تبغضهم؟ 
  • ولهذا لا أرى إلا أن من يبغضهم إلا مُتعرِّضاً لغضب الله؛ لأن ما هنُاك سبب يستثير نفسك حتى تبغضهم، الشي الذي أنت فرحان به ومُتشبِّث فيه وحريص عليه تركوه لك، تركوه لك ولا نافسوك فيه، فلماذا تبغضهم؟ 
  • ما الداعي الذي يدعوك لبُغضِهم؟ إلا إذا شيء سابِق غضب من الله -والعياذ بالله، تبارك وتعالى- وغِلِّ من الله، ما يُبغض مثل هؤلاء.

وهكذا يقول الحق: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، إذًا من الذنوب ما يُشتدّ الأمر فيه للتعرّض لسوء الخاتمة، كمثل سبّ الصالحين، وإيذاء المُقرّبين عند الله تعالى؛ هذا يكون الأمر فيه أخطر للوقوع في سوء الخاتمة أخطر من غيره. 

إذا كان آذنته بالحرب، من أين سيأتي بحسن الخاتمة، من عند من؟! إذا ربّ العرش يُحاِربه، سيأتي بها من أين؟ من يُعطيها إيّاها؟ من يقدِر غير الله، أن يحسن خاتمته -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.

وحذّر من هذا، آذايا المؤمنين على وجه العُموم: 

  • "من آذى مسلِمًا فقد آذاني". 
  • (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [ٍالأحزاب:58]. 
  • (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) سبحان الله ماوضع الرسول لوحده، هم لا يقدِرون يؤذون الرحمن، فجعل الأذى للرسول هو، أذى له (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا)ٍ [الأحزاب:57] هذا على وجه أخص. 
  • ثم ذكر على وجه عام أذيّة المؤمنين كلهم: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).

أنظر المقامين والحالين:

  1. الحال الأول: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، ياالله! ماذا الذي بقي لهم في الدنيا أو في الآخرة هؤلاء؟ (وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا).
  2. الحال الثانية: المقام الثاني عُموم المؤمنين لا تؤذيهم؛ أنت على خطر، وإن كان ذاك خطر أكبر، يقول لك: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).

لكن أذيّة الله ورسوله أشدّ وأعظم، وأذيّة المؤمنين خطيرة ؛ وتلك أخطر، لا تؤذي: 

  • إذا لم تستطع أن تنفع لا تضُرّ. 
  • إذا لم تستطع أن تُكرِم وتُحسن، لا تُسئ ولا تؤذي. 

هذا واجِبك بحُكم الإيمان.

 تفسيره قولة تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6))

(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ):

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ): 

  • خاتمة المُرسلين من بني إسرائيل؛ سيدنا عيسى ابن مريم. 
  • آخر واحد من بني إسرائيل قبل بعثة نبينا محمد ﷺ.

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ): 

  • هُناك موسى خاطبهم: (يَا قَوْمِ). 
  • وفي هذا السياق -من الآية- عيسى قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ). 

وإن لم يكن له نسب من جهة الأب كما قال بعضهم: لأنه نفخ الله روحه في مريم بنت عمران من دون أب، وخاطبهم: بـ (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ). 

ولكن نسبه ثابت من جهة الأم، ولهذا أعدّه الله في القرآن من ذُرّيّة إبراهيم ومن ذُرّيّة نوح ومن ذُرّيّة داود وسليمان: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) [الأنعام:84-85]، جعله من ذرية إبراهيم، ليس له من جهة الأب نسب، ليس له أب أصلا، لكنه من جهة الأم وسمّاه الله: عيسى ابن مريم، نسبهُ إليها؛ وأثبت له النسب من هذه الناحية.

ولهذا لما يقول بعض الامراء؛ الحَجَّاج او غيره من أمراء بني أميّه، يقول؛ هؤلاء آل البيت يقولون: إنّهم من ذُرّيّة النبي محمد، وليس لأبنائه أبناء -ماتوا صغار-،أو من جهة ال..! أين دليلها من القرآن؟ لا تأتي بآية: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) [ٍآل عمران:61]، هو يعرف بعض الآيات. 

  • قال له دليلها قوله تعالى: (وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَـرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى)، قل لي: عيسى كيف كان من ذُرّيّة إبراهيم؟ من أين دخل؟ ألهُ أب؟! -هو من ذرية إبراهيم- من قِبَل أمه. 
  • فأولاد فاطمة دخلوا على محمد ﷺ من قِبَل أمّهم كما دخل عيسى من قِبَل مريم، ودخلوا هؤلاء من قِبَل فاطمة. قال له: ما أعربك وأغرب ما عِندك من الإستِدلال، وهكذا..

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاة):

  • (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، أرسلني الربّ الرحمن -جلّ جلاله-.
  • (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاة) آمنت بموسى وما بلّغكم به، وما أنزل الله من الكتاب.

وهكذا شأن جميع الأنبياء يُصدِّقون مَن قبلهم: 

  • هو مُصدِّق بموسى وهو مُصدِّق بمن قبل سيدنا موسى من الأنبياء عليهم السلام: كسيدنا يوسف، وكسيدنا يعقوب، وكسيدنا إسماعيل، وكسيدنا اسحاق، وكسيدنا إبراهيم؛ عيسى ابن مريم مُصدِّق بهم اجمعين، ومُعظِّم لهم أجمعين، وبما أنزل الله إليهم. 
  • وربنا قال لنا: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [ٍالبقرة:136]. 

وكانت هذه علامة أهل الحق، معرِفتهم بقدر مَن قبلهم من أهل الحق؛ هذه علامة أهل الحق، وجميع الأنبياء كلٌّ مُصدِّقا لما قبله، حتى جاء خاتم النبيين محمد مُصدِّق لجميع النبيين، فكان أهل الثبات على الحق السْوي من أمّته، كذلك مُصدِّقين لمن قبلهم:

  • فأولهم الصحابة مُعظِّمين لمحمد ﷺ، ومُعظِّمين لبعضهم بعض. 
  • والسابقين الأولين منهم مُعظّمون عند من جاء من بعد، ومعروف لهم قدرهم بالسبق إلى الهجرة والسبق إلى الإسلام. 
  • ثم جاء التابعون، فكان أخيار التابعين مُوقِرون للصحابة ومُعظِّمون لهم. 
  • ثم جاء تابعو التابعين، فكان أخيار تابعي التابعين، يُعظِّمون التابعين ويُعظِّمون الصحابة ويعرِفون قدرهم. 
  • ثم جاء تابعو تابعي التابعين، فكان أخيارهم الراسخين القدم على الحق، يُعظِّمون تابعي التابعين ويُعظِّمون التابعين ويُعظِّمون الصحابة، ويعرِفون القدر لمن سبقهم من أهل العِلم والولاية والصلاح.

وأهل البِدع والزيغ، أتوا من عهد الصحابة: 

  • جاء ناس في عهد التابعين يقولون: ذا غيَّر -على الصحابة- ذا بدَّل، ذا حرَّف، وذا خالف القرآن. 
  • يا جماعة أنتم ما عرفتم القرآن ولا محمد ﷺ، إلا من يد هؤلاء، ولكن -والعياذ بالله- قاموا يُقاتلون، وقاتلوا من؟ 
  • قاتلوا السابقين الأولين من المُهاجرين والأنصار! ما قاتلوا الذين جاءوا من بعد حتى. السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار قاموا يقاتلونهم ويتكلّموا عليهم.
  • وبعدهم أنواع من أهل الزيغ والبدع والضلال في كل وقت، ينتقدون هذا في الدين، من غير أهل الدين على ضلال وباطل. 

ولمّا كانوا كذلك، أنظرهم في حالاتهم: 

  • كلما جاءت فئة أو جماعة تكلّموا على من قبلهم، أحيانا حزب واحد، وأحيانا اسرة واحدة، والثاني الذي يأتي يقول: فعله وتركه، و أحيانا باسم مبدأ واحد. 
  • انظر خبرهم، أصبر قليلا ستلاقي كل واحد يتكلم على الثاني، كل واحد يسبّ الثاني. 

هذه صفة لأهل الضلال، صفة لأهل الزيغ. 

أهل الحق والانبياء: كلٌّ مُصدِّق لمن قبل، ويعرِف قدر من سبق من الأخيار، من الصالحين، من العلماء، هكذا إلى آخر الزمن. لهذا ذكر النبي ﷺ علامة من علامات الزيغ والباطل والضلال في آخر الأمة قال: "إِذَا لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُظْهِرْهُ، فَإِنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَوْمَئِذٍ كَكَاتِمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". 

سيدنا عيسى يقول لهم: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ): فهو يُعظِّم الأنبياء الذين من قبله؛ فإن مرسلهم واحد، وهم يدعون إليه، الإله الواحد -جلّ جلاله-،

 (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ). 

  • قال في آية أخرى: ( وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) [ٍالمائدة:45-46]. 
  • هو مُصدِّق لما بين يديه من التوراة والكتاب المنزل عليه مُصدِّق لما أنزلنا من التوراة؛ فهذا شغل الأنبياء يعرِفون قدر من كان قبلهم، ويعرِفون الفضل لأهله، وكذلك الصالحون.

قال تعالى: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ)، و(مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ): 

  • وهو قد بُشِّر به سيدنا عيسى في التوراة، وعلى لسان مَن قبله. 
  • وهو حامِل البِشارة التي عمّت جميع الأنبياء. 

وهو عهد من الله لكلّ نبي: 

  • أن إذا بُعث محمد وأنت حي لتتّبعنه، ولتنصرنه، وأن تعهد إلى قومك وأمّتك، إذا بُعث النبي محمد ومنهم حيٌّ فليتّبعه. 
  • (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [ٍآل عمران:81-82]. 

انظروا الى هذا الذي أخذ الله العهود على الأنبياء كلّهم أن يؤمنوا به، وعبّر عن ذلك بقوله: "لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وسِعَه إلا أن يَتبَعني"،

  •  لو عيسى ابن عمران وموسى موجود في الحياة عندي -أمامي- لا يسعه إلا اتّباعي. 
  • لا يقول: أنا كليم الله وصاحب التوراة، ماذا معك يامحمد؟! بل هو سيتبعني ويهتدي بهديي ويستنُّ بسنتي، 

"لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي".

فهو إمام الكل ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، فلنا الفخر أن يكون إمامنا، وأن يكون متْبُعونا، ومُقتدانا، ثبِّتنا اللهم على قدم الاتِّباع له.

سيدنا عيسى يُبلّغ قومه، قال: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، كان يقول سيدنا كعب الأحبار: أن قوم سيدنا عيسى سألوه هل من أمّة من بعدنا؟ 

  • قال: نعم، أمة أحمد، أتقياء، أصفياء، أبرار، أخيار. 
  • كأنهم من فقههم أنبياء. 
  • يرضون من الله باليسير من الرزق. 
  • ويرضى منهم باليسير من العمل.

قال: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ﷺ: 

  • والعجيب أن هذا الاسم من عهد آدم احتُفظ، ما سمّى به أحد إلى أن جاء الرسول ﷺ. 
  • واسم محمد ما أحد سمّى به، إلى أن كان العام الذي ولادته فيه قُرب بُروزه. 
  • كثر كلام علماء التوراة والإنجيل، أن هذا زمان يولد فيه نبي اسمه محمد. 
  • فما جاوز حدود الخمسة عشر من الناس سمّوا أولادهم محمد، ولدوا في ذاك العام. 

منهم من كان من أصحاب النبي محمد ﷺ وأتْبعوه بعد ذلك: محمد بن مسلمة وجماعة. والبقيّة منهم لا أحد منهم ادّعى النبوة، من أجل يعلم الكل أن هذا الاسم محمد وأحمد المُبشِّر به على مدى القرون، لا سبيل للشك ولا سبيل للتردد، ولا واحد اسمه محمد قبله، وهذا الاسم الذي سموه في وقته، ولا واحد منهم ادَّعى النبوة، ولا عليه أي علامة من علامات أنه يُقصد في هذا، أنه ليس إلا محمد بن عبدالله ابن عبدالمطلب ابن هاشم ﷺ، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].

(وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ﷺ، مامعنى محمد وأحمد هذا؟ 

  • من كثُرت خِصاله الحميدة، محمد ﷺ. 
  • من كان كثير الحمد يُقال له أحمد. 
  • ومن كان يُحمد كثيراً يُقال له أحمد. 

فجاء أحمد

  • كل الأنبياء حمّادون لله، ولكن أكثرهم حمداً أحمد، فهو أحمد ﷺ. 
  • كل الأنبياء يحوون شمائل حميدة، وصفات حميدة، ويحوون حميد الخِصال، ولكن أوسعهم وأقواهم في الخِصال الحميدة والطيّبة، هذا؛ فهو أحمد ﷺ. 
  • والله تعالى حمِد جميع أنبيائه وأثنى عليهم، ولكن أعظم من أثنى عليه وحمِده؛ هذا فهو أحمد ﷺ. 

أحمد، وهو محمد ﷺ، ألْهمَ الله جده عبدالمطلب أن يسمّيه محمد، فقالوا جماعة من قريش: ما هذا الاسم الغريب العجيب لم نعهده، وليس من أسماء آبائك، لِم سميته؟ قال: لا والله إلا رجاء أن يُحمد في السماء والأرض، قال: أنا أرجو أن يُحمدَه أهل السماء والأرض، إلهام من الله.

وعقّ عنه سـابـع الميــلاد * * * دعا قريشا رؤساء النادي‏ 

سمّاه لمّا حضروا محمّــــدا * * * قالوا لماذا قال حتّى يحمدا 

يحمدَه أهل السما والأرض‏ * * *  فحقّق اللّه رجاه المرضي‏ 

فلا أحد من البرية والخلائق يجمع من الصفات الحميدة وأوصاف الكمال والمجد كما جُمعت في محمد ﷺ، ولا أحد من أهل الأرض والسماء يحمَد الله ويعرف من حقائق حمد الله، ويرتقي في معاني الحمد لله كمحمد ﷺ. 

  • حتى في موقف القيامة، عند المقام المحمود، يحمده محامِد لا يعلمها أحد من الأولين ولا الآخرين. 
  • ولا أحد حمِده الرحمن كما حمِد محمداً، فهو محمد وهو أحمد، وهو الحامد وهو المحمود. 

صلوات ربي وسلامه عليه، وقد جاء في صحيح البخاري وغيره، "إنَّ لي أسْماءً، أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ علَى قَدَمَيَّ، وأنا العاقبُ الَّذي ليس بعده رسول، وأنا المُقفِّي، وأنا نبي الرَّحمة، ونبي الملحمة، ونبي الهدى". 

جاء في البخاري وفي غيره عدد من الروايات ذكْر الرسول ﷺ لأسمائه: نبي المرحمة، معلوم الهدى. ونبي الملحمة- يعني- يجعل الله في أمّته من يرُدّ كيد المُعتدين المُفترين الظالمين الصادين عن سبيل الحق -تبارك وتعالى- بالملحمة، بالجهاد في سبيل الله؛ فهو نبي المرحمة وهو نبي الملحمة ﷺ الذي لا يُخْلي الله -أمّته- من وجود أهل غَيرةٍ واستقامة من يرُدّ كيد الظالمين البُغاة الطاغين في أي زمان، الله أكبر.

يقول: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ): 

  • وبين ميلاد عيسى وولادة النبي محمد ﷺ بالسنوات الشمسية؛ خمسمائة وواحد وسبعين (571) عام. 
  • فهي بالسنوات القمرية؛ فوق ستمائة (600) سنة، بين عيسى ابن مريم ومحمد ﷺ. 

ومن قبلها يقول: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، والآن سيدنا عيسى من حين وُلِد بالسنوات الشمسية له ألفان وعشرون (2020) من السنين، وبعدها سينزل ويتِّبع أحمد، ويقول: "صدق أحمد الذي بشرتُ به وأُنبأتُ عنه، ويحكم بشريعته، ويستن بسنته، و يُصلي كما صلى رسول الله، ويصوم كما صام رسول الله ﷺ، ويُزكّي كما زكى رسول الله ﷺ، ويقتدي بسيدنا رسول الله ﷺ؛ سينزل وسيفعل ذلك كله، فما أعجب سيدنا محمد ﷺ، الله يثبِّتنا على دربه واتِّباعه حقيقة.

قال: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)، أولا عيسى جاء الى قومه، ثم سيدنا محمد ﷺ جاء به، قالوا: (قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ(6))، عيسى جاء بالبينات يُبرئ الأكمه -الأعمى- وما العملية الذي يصلح بها ذلك؟ هل هي عملية ليزر؟ ليست كذلك! فقط يضع يده كذا ويدعو الله؛ ويفتح عينيه الرجل الأعمى، لا تخدير ولا إجلس كذا ولا؛ لاتسجد، فقط يضع يده فيفتح عينيه.

 أبرص، يقول بيده كذا؛ يرجع جلده كما هو. (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ) [آل عمران:49]، اتِّبعوه، قالوا؛ لا، هذا سحر، سحر-لاحول ولا قوة إلا بالله- هيا هاتوا سحر مثله! هاتوا سحر إبرءوا الأكمه ولا واحد منهم، بالسحر يبرئ الأكمه! إذًا ليس بسحر، مايرضون.

(فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)، ولما جاء محمد ﷺ الى قومه، قالوا: سحر، والى آخر شيء، هناك آية أحدثها الله، ما أحدثها لنبي قبله، ماهي؟! تغيير الأجرام السماوية، شقٌّ في القمر، ما حصل من يوم كوّن الله القمر وخلقهُ، ما شقَّه لأحد، من أيام آدم إلى أن جاء النبي ﷺ، قام قومهُ قالوا: إن كنت صادقا شِق لنا القمر، قال: يا جماعة اتقوا الله! قالوا: إذا شققت لنا القمر سنؤمن بك رسول، صِدق أنت جئت من عند ربّ القمر، إن كان صادقا، فلقتَ لنا القمر

قال: بسم الله، موعدكم ليلة النصف من شعبان. رفع يديه الكريمتين، انفلق القمر، كانوا ينظرون؛ فلْقةٍ من الجبل كذا وفلقة من الجبل كذا؛ يتعجّبون! هذا سحر! هذا سحر! أمرٌج عظيم عجيب ما قد حصل، قالوا: سحر! قال بعضهم لبعض: إن كان سحركم في عيونكم، هناك ناس سيأتون من خارج البلد فاسألوهم، جاءوا ناس في اليوم الثاني الى مكة، هل حصل شيء؟ قالوا: انشق القمر! هذا قريب، انتظروا وقت الحج، سيأتون ناس من بعيد، مضى رمضان وشوال والقعدة، جاءوا الناس، قالوا: هل حصل شيء في شعبان؟ قالوا: انشق القمر.

وكذا ذكروا لنا في التاريخ في الصين، كان مضى عليهم سنين، مناطق في الصين عندهم تاريخ انشقاق القمر، أرّخوا التاريخ بحادثة انشقاق القمر، يعنى عمّ الأرض كلّها. ولا انتهت في ساعة ولا ساعتين ولا ثلاث ساعات، طول الليل والقمر مُنْشق بِقُدرة الذي خلق، ثم رده -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. هذه المعجزة ما حدثت لأحد من الأنبياء غير نبيّنا ﷺ، ومع ذلك قالوا: سحر! -إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ- (وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة:41].

 

تفسير قوله تعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) )

قال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، يتّخذ أندادا، ويتّخذ شُركاء، ويتّخذ آلهة من عنده، ويُكذِّب بالأنبياء والمرسلين، ويقول للذي جاء من عند الله؛ سحر، ويقول للذي جاء من عند الله: هذا كذِب. 

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ)؛ فلا أظلم من هؤلاء، الذين الآيات أمامهم بيّنة وهم يُخالفون، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(7))، الذين يظلِمون أنفسهم، ويرُدّون الحق الصريح أمام أعينهم؛ لا يهديهم، يزيدهم -والعياذ بالله- ظُلمة فوق ظُلمتِهم، ورجس فوق رجسهم -نعوذ بالله من غضب الله- (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [البقرة:10]، وفي قراءة: (بِمَا كَانُوا يُكذَّبون).

 

تفسير قوله تعالى: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) )

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ)، نُورَ اللَّهِ: القرآن، الإسلام، محمد. 

محمد الذي أُنزل عليه القرآن وجاء بالإسلام:

  • محمد: 
    • (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة:15]. 
    • (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب:45-46].
  • القرآن: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)[النساء:174].
  • الإسلام: 
    • (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام:125]. 
    • (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) [الأنعام:122]. 
    • ويقول سبحانه وتعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة:257]. 

فهذا هو النور: محمد، القرآن الذي نزل عليه، والدين الذي بُعِث به، وهو المذكور في الآية بعدها. 

 

تفسير قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9))

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ)، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَه؛ هو محمد، (بِالْهُدَى)، القرآن، (وَدِينِ الْحَقِّ)، الإسلام. هذه الثلاثة المذكورة في التي بعدها، هي هذه النور، هذا نور الله.

أعلى مظاهر نور الله: محمد والقرآن والإسلام، أعلى مظاهر نور الحق -جلّ جلاله-، ونور الحق عام، وخصوص أعلى المظاهر خاص، فلذا: 

  • جاء في العام عموم بقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8)). 
  • وجاء بالخاص خاص بقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(9)). 

فالمشركون خاص من الكافرين، مخصوصين من جملة الكفار، وكما أن الرسول والقرآن والإسلام مخصوص من النور، من نور الله العام: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) [النور:35] جلّ جلاله.

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ)، يعنى يغلبون محمد، يُبدِّلون القرآن، ينهون الدين الإسلامي، (بِأَفْوَاهِهِمْ)؛ افترائهم، وكذِبهم، قولهم هذا غير صالح، هذا يضر، هذا ما في.. (بِأَفْوَاهِهِمْ)، شبههم الحق بمن يريد أن يطفئ الشمس بفمه، ينفخ، ما معك؟! يطفئ نور الشمس! إذهب الى عند شمعة صغيرة وانفخ. أما عند الشمس لا تُتعِب نفسك.

  • كما أنه يستحيل أن يطفئ نور الشمس بالنفخ. 
  • فيستحيل إطفاء نور محمد والقرآن والإسلام بكل الكلام. 

إلى أن تشبع لا ينطفي، لا ينطفي نور محمد، ولا نور الإسلام، ولا نور القرآن الكريم. 

قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ)، وفي قراءة: (مُتِمُ نُورَهِ)، أي: 

  • (مُتِمٌ نُورَهُ): هو النور تام ليس فيه نقص حتى يُتِمّه. 
  • (مُتِمٌ نُورُهِ): مُتِمّم ظهور هذا النور حتى يظهر في عالم الحس وسُطوعه حتى يملأ الأرض ويدخل إلى كل بُقعة. 

هذا معنى (مُتِمٌ نُورَهُ)، هو نور تام وقوي، ولكن يتم ظهوره وبروزه على مراتِب ومراحل فمنها: 

  1. الظهور الأول بالحُجّة والبرهان والدليل، وهذا من أيامه ﷺ، لا أحد قدر أن يجيء بآية واحدة، مثل آية واحدة من الآيات التي نزلت عليه، ولا أحد قدر أن يُحاجّه بالبرهان والدليل قط، وكذلك إلى أن تقوم الساعة، ظاهِرٌ بالبرهان.
  2. ثانياً، بانتِشاره ونصره وتوالي الآيات: 
    • أخبر عن فتح الشام، وأخبر عن فتح صنعاء، وتم ذلك في عصره ﷺ، وأخبر عن فتح مدائن كسرى وقيصر؛ كلّها تمّت وكلّها ظهور لدينه ﷺ. 
    • وتحدث عن أنواع الفتن التي تكون في آخر الزمان، وحتى أخبر عن تحول الأحوال وتقلُّباتها وتطوّراتها بالناس. 

وحتى "إذا رَأَيْتُم المَعْرُوفَ مُنْكَرًا ورَأَيْتُمُ المُنْكَرَ مَعْرُوفًا؟"؛ فوجود هذه الرؤية الخاطئة انتِشار لدينه وعلامة لصدِقه، وحتى ما بعده، "إذا أَمَرْتُم بالمُنْكَرِ ونَهَيْتُم عَنِ المَعْرُوفِ"، أَمَرْتُم بالمُنْكَرِ ونَهَيْتُم عَنِ المَعْرُوفِ؟، قَالُوا: أو كائِنٌ ذلك يارسولَ الله؟! قالَ: "يكون في أمتي وأَشَدُّ مِنْ ذلِكَ " -والعياذ بالله-. 

وكلّها علامات على صدِقه، ثم يكون ظهورٌ في أيام نزول عيسى ابن مريم، يشمِل انتشار للإسلام في جميع أنحاء الأرض، حتى لا يبقى بيتٌ من البيوت على ظهر الأرض إلا وفيه الإسلام، بعِمومها: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [التوبة:33]، (وَاللَّهُ مُتِمُّ)، هذا الإتمام.

وهكذا، إلى أن يأذن الله: 

  • برفع القرآن بعد عيسى ابن مريم. 
  • وبعد خروج الدابة، الجسّاسة من عند الصفا. 
  • وبعد طلوع الشمس من مغربها. 

ويرتفع القرآن، وتمر ريح تخطف روح من في قلبه مِثقال ذرّة من الإيمان، ولا عاد يبقى مؤمن على ظهر الأرض، وأما قبل ذلك، فالدين ظاهِر إلى أن يأتِ ذلك اليوم.

قال تعالى: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(8))، جميع المُخالِفين لِمَا بُعِث به محمد، ولِمَا أنزل عليه، بمختلف أديانهم في العالم -ولو كرهوا، على رغم أنوفهم- سيتم النور، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورَهُ)، (مُتِمٌ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، عناصر من الناس يشُق عليهم ظهور هذا النور وتمامه، وسيتم ولو كرهوا؛ لأن المرجعّية كما أخبر، ويأتي معنا أن شاء الله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ): 

  • إن كان مرجعيات الدول والحركات والأفكار على الأرض بشَرٌ في بشَر. 
  • فإن مرجعية هذا -رسول الله- تختلف، من أين جاء؟ قال رب العالمين: أنا الذي بعثته. 

هذا الذي يسّير الكواكب من فوقِنا، ورافع السماء من فوقِنا، قال: أنا الذي أرسلت هذا، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ..(9)).

اللهم أرزقنا اتّباعه واحشرنا في زُمرته، وارزقنا حسن مُتابعته، ووفّر حظّنا من الاقتداء به، والاهتداء بهديه حتى تسقينا من شربه وأنت راضٍ عنّا في لطف وعافية.

بسر الفاتحة

إلى حضرة النبي

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

23 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

16 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام