(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطور، من أول السورة، إلى قوله تعالى: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، الآية:16.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16))
الحمد لله مُكرمِنا بالآيات، وتنزيلها على خير البريّات، وصلّى الله وسلّم وبارك وكرّم على عبده الّذي جاءنا منه بالبيّنات، من ختم به النّبوة والرّسالات، سيّدنا محمد وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، ومن على منهاجهم سار إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفع الله لهم الدّرجات، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع الملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين مجيب الدّعوات،
وبعد…
تفسير قوله تعالى: (وَالطُّورِ (1))
فإنّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربّنا، وتدبّرنا له، جعلنا الله من خواص أهله عنده. نبتدئُ في سورة الطور، السورة المكيّة، العظيمة القدر والدّلالة، السَّنيّة. يقول الحقّ -جلّ جلاله وتعالى في علاه-:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وَالطُّورِ (1))
ابتدأها بأقسام، و أَيمان، وأحلافٍ يحلف بها -سبحانه وتعالى-
فقال: (وَالطُّورِ (1))
تفسير قوله تعالى: (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3))
(وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2))، يقسم -جلّ جلاله- بالكتاب المسطور المكتوب.
الكتاب المسطور في الرق المنشور هو:
فكلٌّ من هذه: (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3)). كما أنّ الصّحف التّي تُنشر لنا، ونؤتاها يوم القيامة، كُلٌّ مسجّل فيها ما عمله، وما قدّمه، وما صدر منه في عالم الدنيا،
قال سبحانه وتعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:13-14]، منشور غير مطوي..
فيصبح النّاس يوماً ولا قرآن، لا في الصّحف ولا في الصّدور، ما عاد أحد يحفظ شيئاً من كلامه، كلّه يمتحي، لا إله إلا الله.
فيمتدُّ هذه المدّة الطويلة إلى وقت رفع القرآن، وهو منشور بين النّاس -محفوظ- لا أحد يحاول تقديم شيء، ولا تأخير شيء فيه، ولا حذف شيء منه، ولا إضافة شيء إليه؛ لا إنسيٌّ ولا جنّي، ولا صغير ولا كبير، إلا رُدّ وافتضح وفشل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] -سبحان الله!
وبقيت محفوظة بين الأمّة:
تفسير قوله تعالى: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4))
وأقسم الله بهذه الأشياء: (وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)) أقسم بالبيت المعمور.
قال: (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ):
البيت في السماء بناء فوق السماء السابعة، جاءنا في الأحاديث المتعدّدة عن تسميته بالبيت المعمور، أنهم يقولون له في السماء "الضُراح"، وأنّه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يذكرون الله فيه، يصلُّون ويعبدون، ثمّ يخرجون منه، فلا يعودون إليه إلى يوم القيامة، يدخل في اليوم الثاني سبعون ألف والثالث سبعون ألف وهكذا.
وهذا (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) ذَكرهُ ﷺ في رحلته، ليلة المعراج يقول: فإذا بإبراهيم فوق السماء السابعة مسنِد ظهره إلى البيت المعمور..
هذا (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) وهو كالكعبة في الأرض، وله من الحُرمة عند أهل السماء والتعظيم والتبجيل، ما للكعبة في الأرض، حتّى جاء في الأخبار أنّهم يطوفون به، كما شرع الله الطواف بالكعبة على ظهر الأرض، ووصف النبي الطائف بالكعبة أنه خائض في رحمة الله، يخوض في رحمة الله عند طوافه بالبيت العتيق.
ويُقال أنّ (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) أُنزل من السماء إلى الأرض، وأُمر بالحج إليه، وحجه آدم بعده، فلمّا جاء وقت الطوفان رُفع إلى السماء.
وعلى كل الأحوال فجَاءتنا أحاديث صحيحة عن تسمية (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) بالبناء الذي فوق السماء السابعة.
والتفت نظر الصّحابة الى هذا الأثر من آثار الخليل، فقال سيّدنا عمر: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى؟ لو اتخذنا مقام إبراهيم نصلي عنده هنا، نقصد المكان هذا لنصلي، فأنزل الله: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة:125]، فكان يصلّي إليه ﷺ، إذا طاف بالكعبة، صلّى متّجهًا نحو المقام.
يقول: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4))..
وترى إلى اليوم، لمّا جاءت الأزمة الّتي مرّت بالنّاس، مما يُدعى بكورونا، وخفّ تردّد النّاس، وصار يُمنع، انظر بمجرّد ما وجدوا ثغرة، كيف أقبلوا بالقوّة و بالكثرة على هذا البيت العتيق، الّذي تحنّ إليه قلوب المؤمنين.
وهكذا وإن كان على ظهر الأرض من الّذين مع الكفر ابتلُوا ببغض الإسلام والهدى و دين الحق، من يتمنّى أن لا يطوف طائف بالبيت، وأن لا يتّجه إليه متّجه، فلا يكون إلا:
يذكر هذه الكعبة الإمام الحداد -بيت الله هذا المعمور على ظهر الأرض- يقول:
رَعَى اللَّهُ مَنْ هَامَ الْفُؤَادُ بِحُبِّهَا *** بَدِيعَةِ حُسْنٍ مُخْجِلٍ لِلزَّوَاهِرِ
عَزِيزَةِ وَصْفٍ حَارَ فِيهِ أُولُو النُّهَى *** مِنَ الْعَارِفِينَ أَهْلِ الْهُدَى وَالْبَصَائِرِ
بِهِ هَامَتِ الأَرْوَاحُ فِي حَالِ كَوْنِهَا *** مُجَرَّدَةً عَنْ كُلِّ جِسْمٍ وَخَاطِرِ
وَمِنْ بَعْدِهِ مَهْمَا حَدَتْهَا بِذِكْرِهِ *** حُدَاةُ الْمَطَايَا لِلرُّبُوعِ الْعَوَامِرِ
وَمَهْمَا سَرَتْ مِنْ حَيِّهَا سَحَرِيَّةٌ *** مِنَ النَّسَمَاتِ الطَّيِّبَاتِ الْعَوَاطِرِ
وَمَهْمَا شَأَمْ بَرْقُ الْحِمَى فَأَجَنَّهُ *** وَغَنَّتْ عَلَى الأَغْصَانِ وُرْقُ الطَّوَائِرِ
شَهِدْتُ مَعَانِي حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا *** بِرُوحِي وَجِسْمِي تَحْتَ جُنْحِ الدَّيَاجِرِ
وَسَامَرْتُهَا فِي خَلْوَةٍ أُنْسِيَّةٍ *** بِأَلْطَافِ أَسْمَارٍ وَخَيْرِ مُسَامِرِ
وَلَذَّ لِيَ التَّقْرِيبُ مِنْهَا وَأَشْرَقَتْ *** عَلَى بَاطِنِي أَنْوَارُهُ وَظَوَاهِرِي
وَيَا لَطَالَمَا قَبَّلْتُهَا وَالْتَزَمْتُهَا *** وَقَدْ هَجَعَتْ عَيْنُ الرَّقِيبِ الْمُدَابِرِ
كَأَنَّ أُوَيْقَاتِ النُّزُولِ بِحُبِّهَا *** مُعَجَّلَةٌ مِنْ جَنَّةٍ فِي الْمَصَائِرِ
وَلِلَّهِ مَا أَحْلَى الْوُقُوفَ بِسُوحِهَا *** وَأَطْيَبَهُ مَا بَيْنَ تِلْكَ الْمَشَاعِرِ
بِوَادِي خَلِيلِ اللَّهِ لِلصِّدْقِ وَالْوَفَا *** أَبُو الرُّسْلِ إِبْرَاهِيمُ تَاجُ الأَكَابِرِ
وَقِبْلَةِ أَهْلِ الدِّينِ مِنْ كُلِّ شَاسِعٍ *** وَدَانٍ إِلَيْهَا فَهِيَ أُمُّ الْحَوَاضِرِ
وَطِلْسَمُ سِرِّ الذَّاتِ رَمْزٌ بِهِ اهْتَدَى *** إِلَيْهَا رِجَالُ الْحَقِّ مِنْ كُلِّ نَاظِرِ
وَمِنْ هَاهُنَا جَذْبُ الْقُلُوبِ وَمَيْلُهَا *** وَمِنْهَا مَطَارُ الرُّوحِ مِنْ كُلِّ طَائِرِ
وَمَهْبِطُ إِمْدَادَاتِ كُلِّ رَقِيقَةٍ *** بِأَسْرَارِ عِلْمِ الذَّاتِ لِلأَهْلِ السَّرَائِرِ
إِلَى الْحَجَرِ الْمَيْمُونِ زَادَ تَشَوُّقِي *** وَكَانَ بِهِ أُنْسُ الْفُؤَادِ الْمُجَاوِرِ
بِهِ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ يَشْهَدُ بِالْوَفَا *** لِكُلِّ وَفِيٍّ مُخْلِصِ الْقَلْبِ طَاهِرِ
وَمُلْتَزَمٌ نُجْحُ الْمَطَالِبِ عِنْدَهُ *** وَحِجْرٌ لِبُعْدِي عَنْهُ فَاضَتْ مَحَاجِرِي
وَزَمْزَمُهَا رَاحُ الْكِرَامِ وَمَرْهَمُ *** أَسْقَامٍ بِهِ تَبْرَأُ كُلُومُ الضَّمَائِرِ
وَإِنَّ مَقَامًا بِالْمَقَامِ أَلَذُّ فِي *** فُؤَادِي وَأَحْلَى مِنْ وُرُودِ الْبَشَائِرِ
وأخذ يصف الكعبة وما حواليها، ثم حجّه عليه رضوان الله -تبارك وتعالى- وما كان من ذلك، ثمّ يقول:
فَيَا كَعْبَةَ الْحُسْنِ الْبَدِيعِ الَّذِي غَدَا *** بِهَا كُلُّ صَبٍّ وَالِهَ الْقَلْبِ حَائِرِ
وَيَا مَرْكَزَ الأَسْرَارِ وَالنُّورِ وَالْبَهَا *** وَلُطْفَ جَمَالٍ رَاقَ فِي كُلِّ نَاظِرِ
تَحِنُّ إِلَيْكِ الْمُؤْمِنُونَ قُلُوبُهُمْ *** وَأَرْوَاحُهُمْ مِنْ وَارِدٍ مِثْلِ صَادِرِ
بَعُدْتُ بِجِسْمِي عَنْكِ وَالْقَلْبُ حَاضِرٌ *** لَدَيْكِ وَإِنِّي بَعْدَ ذَا غَيْرُ صَابِرِ
وَلَمْ يَكُ بُعْدِي عَنْكِ زُهْدًا وَخِيَرَةً *** عَلَيْكِ وَلَكِنْ لِلشُّؤُونِ الْعَوَاذِرِ
وَيَا مَكَّةُ الْغَرَّاءُ يَا بَهْجَةَ الدُّنَا *** وَيَا مَفْخَرًا مُسْتَوْعِبًا لِلْمَفَاخِرِ
عَسَى عَوْدَةٌ لِلْمُسْتَهَامِ وَرَجْعَةٌ *** إِلَيْكِ لِتَقْبِيلِ الثَّرَى وَالْمَآثِرِ
أُرَجِّي وَلِي ظَنٌّ جَمِيلٌ بِخَالِقِي *** وَإِنَّ الرَّجَاءَ فِي اللَّهِ أَسْنَى ذَخَائِرِي
فهذا بيتٌ معمور! ثمّ اعلم أن لله في باطنك بيتًا وهو القلب! وهذا بيت بناه الله في باطنك، مركز لنظره وعنايته، وتردّد رحمته وينظر ما فيه.
قال الإمام الحداد: وقد أُمر إبراهيم؛ علمُك، وإسماعيل؛ عقلك، أن يطهرا هذا البيت، كما أمر إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا الكعبة. فعقلك وعلمك مأموران للبيت الّذي عندك هذا حق الله، حق ربك؛ بيت وهو القلب، بعقلك وعلمك طهّره، طهره للطّائفين والعاكفين من الملائكة الروحانيين والواردات الربانية الإيمانية أن يطهّره، فَالله يطهّر قلوبنا.
تفسير قوله تعالى: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5))
(وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)) السقف، فوقكم المرفوع مشيرًا إلى العرش، سقفَ على السماوات والأرضين، فإن كانت السماء سقفًا للأرض، لكن العرش سقف للكل، سقف للسماوات وما تحتها، وجميع هذه العوالم تحت العرش، فالعرش سقف، جسمٌ خلقهُ الله -جل جلاله-.
فسبحان ربّ العالم وسبحان رب الكون!
وبني آدم، يعيشون على ظهر الأرض، كل واحد اتخذ حدود مع الثاني، قال تقدمت، قال تأخرت، قال مُلكي قال مُلكك! أين العالم؟ أين كل الكرة الأرضية من جملة الكواكب الصغيرة! وكم كواكب وفوقها السّماوات! والسّقف فوق.
تفسير قوله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6))
(وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6))، أقسم الله بالبحر المسجور.
المسجور بمعنى:
(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [التكوير:6]: البحر المسجور.
وقيل البحر المسجور:
ودائمًا يشبِّه الله إعادة الأجسام، بالنّبات في الأرض، يقول:
فإذا نزل هذا المطر من هذا البحر إلى الأرض، يغوص في الأرض، فلا يدع عَجْبَ ذَنَبٍ لأيّ جسم عاش على ظهر الأرض إلّا وصل إليه، وبمجّرد ما يصل إليه يتكون الجسد الذي كان، في أيّام دنياه.
فإذا بالأرض ملآنة أجساد، أجساد للإنس والجن والحيوانات، بكثرة هائلة، وقد مُدَّت الأرض، فيُحيي الله إسرافيل، يقول: انفخ في الصور مرة أخرى. تطير الأرواح وتمشي.
أنتم تعرفون طائرة بدون طيّار؟ أرواح مسيّرة -طائرة مسيّرة- تعرف أين الجسد الذي عاشت فيه في الدنيا، هل هو هنا، أو هناك، فتصل إلى عنده مباشرة، ليس بتسيير شريحة في الكمبيوتر، وبعد ذلك يدخل فيه فيروس، يتعطل.
ولكن الأرواح تسير مضبوط، -الله- قوّة! كل واحدة تذهب إلى جسدها في لحظة: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68]، بكامل قُواهم التي كانوا عليها، ينظرون، يسمعون: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [مريم:38].
يقول: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) هذه الأقسام كلّها والأيْمان:
على ماذا يقسم ربي؟ وهو الحقّ النّاطق بالحقّ.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8))
يقول: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8)):
مَساكين من كفروا، ومن كذّبوا، وقد وصلتهم الدّعوة، مساكين بقصورهم، مساكين بطائراتهم، مساكين بحضارتهم، ماذا ينتظرهم؟
لا يستطيع أحد أن يدفعه؛ لا وزارة دفاع، ولا وزارة أمن ولا صغير ولا كبير، لا حد يدفع هذا العذاب. الله! (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8))
يقول سّيدنا جُبير بن مطعم -عليه رحمة الله-: جئت إلى المدينة لأكلّم النّبي في أسرى بدر -قبل إسلامه- قال جئت فلمّا وصلت الى المسجد وجدت النّبي يصلّي بهم في المغرب، يقرأ سورة الطور، فبدأ يقرأ، قال: وصوته يُسمع من خارج المسجد. قال وسمعته يقرأ: (وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8))، قال فارتعدت، انخلع قلبي حتى أتوقع أن العذاب نازل بي، لمّا سمعت صوت النبي يقرأها، قال: فأسلمتُ خوفاً من العذاب، وكنت أستشعر أنّي لا أقوم من موضعي إلا وقد حل بي العذاب. لمّا سمعها من صوت من أُنزلت عليه؛ الصّادق المصدوق، والعلم والكلام حق، والنّبي يقرأها بأعلى مراتب حقّ اليقين، فأثرتْ في قلبه وهو كافر، كانت سبب إسلامه. الله لا يحرمنا من سماع ذاك الصوت.
فإنّ في آذان الأمّة من تسمعه، وكان في كثرة مرائي الإمام أحمد بن حسن العطاس، يقول: كنت أتدارس القرآن وأسمعه يقرأ القرآن وأنا أقرأ،. يقول: وإنّي أقلّده في القراءة. وكانت له قراءة عجيبة، أكابر العلماء عندنا في الوادي إذا صلّى بهم يقولون نقلّد القائلين بسقوط الفاتحة عن المأموم في الجهرية، من شأن سماع صوته لمّا يقرأ. يقول: إني أقلّده فيما أسمعه منه، فأجيء على نغمته أحيانًا، قال: فإذا جئت على نغمته أكاد أن أغيب عن إحساسي، -الله-
ولذلك جاءنا أيضًا في الأخبار أنّهم، في ساحة النظر لوجهه الكريم، يأمر سيّدنا داود أن يقرأ، فيقرأ من القرآن، ما يُقرأ في الساحة شيء من الكتب، وكلها حقّ، لكن القراءة للقرآن. فيقرأ سيّدنا داود من سورة مريم، ثمّ يُكرم أهل الموقف، بأمر الحبيب من قِبل الحق أن يقرأ، فيقرأ عليهم ﷺ. في قراءة النّبي داود تهيئة لهم، لسماع الصوت المحمّدي النّبوي، يتهيّأون لذلك، فيقرأ عليهم، ويتحمّلون سماع جمال، وجلال هذا الصّوت، وهذا تهيئة لهم، لأن يكشف الحجاب ليسمعوا القرآن ممّن أنزله، -لا إله إلا الله-.
إجمعنا معهم يارب، أدخلنا في ضمنهم وزمرتهم يا رب، يا منزل القرآن بجاه القرآن.
(إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) حق وصدق، (مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ)، ما يمكن أحد أن يردّه ولا يدفعه، ولا يصرفه بأيّ وسيلة، ولا بأي حيلة -الله .. الله-
قال: هذا العذاب واقع يقين لا محالة بكل من بلغته دعوة الله، فأبى، وأصر، واستكبر، كائنًا من كان، أفراد وجماعات.
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9))
يقول: متى يكون هذا؟
(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ)، صاحب الملك، المتصرّف في ملكه، سيُنفّذ هذا العذاب في يوم تكون حال السماء في هذا الحال، فكيف ببقيّة أجزاء الوجود؟
(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا)، تدور، وتذهب وتجيء، تضطرب، تتحرك بشدة، (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) فهي تمور، وتدور، وتتحرّك بأهلها، (وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا) [الحاقة:17] تتقسّم وتتشقّق الى قطع، تتشقق السماء: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) [الفرقان:25-26] (كان يومًا على الكافرين عسيرًا).
الحمد لله على نعمة الإسلام، يا رب ثبتنا على الإسلام وتوفّنا مسلمين.
ما يغنيك شيء عن هذا الإسلام، لو ملكت الأرض من طرفها إلى طرفها وما عندك نعمة الإسلام! ويل لك وخيبة لك، ومآلك صعب. لكن الحمد لله على نعمة الإسلام. وعزّة ربّنا، عامة ملوك الأرض وزعماؤها من غير المؤمنين الذين وصلتهم الدعوة، يتمنّى يوم القيامة أنّه يقرب من أقل المسلمين في العالم، الّذي عاش حياة رثّة، وكان زبّالًا وكان كنّاسًا، سيتمنّى الملوك هذا، وكل من يقرب منه أو ينالوا شيئًا من درجته، لكن لا يقدرون عليها.
الحمد لله على نعمة الإسلام، -الله- فأهل الإسلام من مات منهم على الإسلام، هم ملوك الآخرة، هم الملوك هناك: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الانسان:20]، يقول: إتركْ أهل الملك الصغير، لا يغرونك ولا يفتنونك ولا تميل إليهم، ليسوا على شيء، أنظر الى أهل الملك الكبير: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46]، هؤلاء أهل الملك الكبير.
يقول جلّ جلاله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا)، تدورُ بشدة وتضطرب وتتشقّق: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) والمور:
تفسير قوله تعالى: (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10))
(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10)):
تفسير قوله تعالى: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12))
(وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11))، الهُون، والعذاب الشّديد، والخزي للمكذّبين.
(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12)) يخوضون في كلام الكفر، وأعمال الفسوق، ويتبجّحون بأنفسهم، يقول سبحانه الله وتعالى: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12))
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13))
في ذلك اليوم، (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ..(9))، (يَوْمَ يُدَعُّونَ)، يعني يُدفعون بشدّة، بعنف وبجفاء، لأن الدَّع هو الدفع بجفاء وعنف يقول: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) [الماعون:1-2] يعني ينفّره، ويدفعه، ويجفو اليتيم.
وهؤلاء (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13))، يعني: يُدفعون إليها بعنف وبجفاء وبشدّة، فيتناول أحد الزبانية، فيغل يديه إلى عنقه، ويربط رجليه إلى ناصيته، (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) [الرحمن:41] من خلف ويقمِّطه.
تفسير قوله تعالى: (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15))
إذا قرّبوهم من النار قالوا: (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟
كنتم تقولون للأنبياء سحرة، وتقولون يسحرون أعين النّاس، وتقولون سحر.
(أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15))؟
ما فيكم عيون تنظر! أنظر جيدًا! هذا الذي كان يكلّمكم؛ موسى وعيسى وإبراهيم ومحمد والأنبياء، أنظروا إنهم هؤلاء! خذ الآن الجزاء! كان يحذّرك ويخوفك وأنت تضحك وتستهزئ تقول سحر، (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟ هذه النار (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13)) يدفعون دفعًا، يُعرف المجرمون، فيُؤخذ بالنواصي:
فإذا قرّبوهم من النّار قالوا: (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟ يوبخونهم على الكلام الذي كانوا يقولونه في الحياة، في عالم الدنيا: (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟ كيف تقولون أنتم إن الأنبياء سحرة؟ (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15))؟ ليس لديكم عيون تنظر؟ إدخل.
تفسير قوله تعالى: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16))
(أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا)، إشتوِ فيها الآن، قاسِها وأَلَمَهَا واخل،. الله الله الله الله!
(اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ)، كلُّه سواء، ما عاد ينفع الصبر، بل كان الصبر ينفع لأنّ العُقبى حسنة، أما العذاب لا ينفع فيه الصبر، صبرت أو جزعت كله سواء، لا يوجد لك أجر، ولا لك ثواب ولا لك عاقبة، في موضعك، إن بكيت وإن صحت وإن سكتّ، كله سواء، عذاب .. عذاب.
اللهم أجِرنا من النار، وأجِر أهلينا، أجِر أولادنا، أجِر أصحابنا، أجِر قرابتنا، أجِر كل من في مجمَعنا ومن يسمعنا ووالدينا ووالديهم واهالينا وأهاليهم، أجِرنا من النار .. أجِرنا من النار، يارب النّار.
(أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16)) فالحمدلله وفقنا للصلاة، وفقنا للصيام، وفقنا للزكاة، وفقنا لقراءة القرآن، وفقنا لمجالس العلم، عمل صالح نسأل الله أن يقبله ويصفّيه من شوائبه ونجزى بالعمل الطيب.
وأولئك يجزون ما كانوا يعملون؛ تكذيب واستهزاء واستخفاف وظلم وحيل، وكيد، وغِل، وإلى غير ذلك من الأعمال الّتي يعملونها، وخمور وفجور وشرور: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
أصلح أعمالنا، سدّد أقوالنا، جمّل وأحوالنا، لا تعرّضنا لعذاب الدنيا ولا عذاب الآخرة، ولا أحداً من أهلينا وذوينا وقَراباتنا وجيراننا وأصحابنا وطلابنا وأحبابنا ومن والانا فيك يا رب الدنيا والآخرة، يا من بيده ملكوت كلّ شيء أجِرنا من النار، فإننا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
30 رَمضان 1443