تفسير سورة الطور - 1 - من أول السورة الكريمة

تفسير سورة الطور، من أول السورة الكريمة
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطور، من أول السورة، إلى قوله تعالى: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، الآية:16. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • الأقسام الإلهية العظيمة وجواب القسم:
    • المقسم به: (جبل الطور، الكتاب المسطور، البيت المعمور، السقف المرفوع، والبحر المسجور).
    • حتمية وقوع العذاب بالمكذبين دون قدرة أي قوة على دفعه.
  • عمارة البيوت (الظاهرة والباطنة):
    • عمارة البيت الحرام ومكانته في القلوب.
    • عمارة "بيت القلب" وتطهيره بالإيمان والعلم.
  • خصائص القرآن وأثره الإيماني:
    • حفظ القرآن العظيم وتواتره.
    • أثر القرآن في النفوس (قصة إسلام جبير بن مطعم).
  • أهوال يوم القيامة وحال المكذبين:
    • حقيقة البعث والنشور وانقلاب نظام الكون (اضطراب السماء ونسف الجبال).
    • سوق المكذبين إلى النار وتقريعهم.
    • بطلان الصبر في النار؛ إذ يستوي عندهم الصبر والجزع.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمِنا بالآيات، وتنزيلها على خير البريّات، وصلّى الله وسلّم وبارك وكرّم على عبده الّذي جاءنا منه بالبيّنات، من ختم به النّبوة والرّسالات، سيّدنا محمد وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، ومن على منهاجهم سار إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفع الله لهم الدّرجات، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع الملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين مجيب الدّعوات،

وبعد…

تفسير قوله تعالى: (وَالطُّورِ (1))

فإنّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربّنا، وتدبّرنا له، جعلنا الله من خواص أهله عنده. نبتدئُ في سورة الطور، السورة المكيّة، العظيمة القدر والدّلالة، السَّنيّة. يقول الحقّ -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 (وَالطُّورِ (1)) 

ابتدأها بأقسام، و أَيمان، وأحلافٍ يحلف بها -سبحانه وتعالى- 

فقال: (وَالطُّورِ (1)) 

  • يحلف بجبل الطور، وهو الجبل الّذي كَلَّم عليه موسى، على نبيّنا وعليه أفضل الصّلاة والسّلام. 
  • أقسم بالطور فقال -جلّ جلاله-: (وَالطُّورِ). 
  • فهو طور سيناء، كما أقسم به في سورة التّين: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ) [التّين:1-2]، ويجيء بك إلى جبل مَدْيَن. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3))

(وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2))، يقسم -جلّ جلاله- بالكتاب المسطور المكتوب. 

  • (فِي رَقٍّ)، والرّق ما يُكتب فيه من جلد خفيف، ومن أوراق. 
  • (مَّنشُورٍ (3)) أي ظاهر، واضح، مذكور للكل.

الكتاب المسطور في الرق المنشور هو: 

  • اللّوح المحفوظ. 
  • أو القرآن العظيم. 
  • أو التوراة التي أنزلها الله على موسى. 

فكلٌّ من هذه: (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3)). كما أنّ الصّحف التّي تُنشر لنا، ونؤتاها يوم القيامة، كُلٌّ مسجّل فيها ما عمله، وما قدّمه، وما صدر منه في عالم الدنيا، 

قال سبحانه وتعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء:13-14]، منشور غير مطوي.. 

  • فتلك الصّحف التّي نُؤتاها في الآخرة: 
    • (كِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3))
    • (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [الكهف:49] 
  • واللّوح المحفوظ (كِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3)) يُطْلِع الله عليه من يشاء من ملائكته وأنبيائه وبعض أوليائه.
  • والقرآن العظيم الّذي بين أيدينا (كِتَابٍ مَّسْطُورٍ) مهيمن على جميع الكتب، المنزلة من السّماء مخصوص بخصائص، (فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ)
    • يُكتب بأنواع المواد التي يُكتب فيها. 
    • ويُحفظ. 
    • ويُحرس. 
    • ويبقى منتشراً بين الخلق إلى آخر الزمان، حيث تُطلّ القيامة على الخلائق. 
    • ويغار الله على كتابه: 
      • لقلة المؤمنين به. 
      • وقلة القلوب المعظّمة له. 
      • فيرفعه. 

فيصبح النّاس يوماً ولا قرآن، لا في الصّحف ولا في الصّدور، ما عاد أحد يحفظ شيئاً من كلامه، كلّه يمتحي، لا إله إلا الله.

فيمتدُّ هذه المدّة الطويلة إلى وقت رفع القرآن، وهو منشور بين النّاس -محفوظ- لا أحد يحاول تقديم شيء، ولا تأخير شيء فيه، ولا حذف شيء منه، ولا إضافة شيء إليه؛ لا إنسيٌّ ولا جنّي، ولا صغير ولا كبير، إلا رُدّ وافتضح وفشل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] -سبحان الله! 

وبقيت محفوظة بين الأمّة: 

  • حتّى مُدودهُ على حسب ما مدّها ﷺ في هذه المرة وفي هذه المرة. 
  • وحتّى حركاته وكيفية النطق به، مُسند متواتر إلى من أُنزل عليه القرآن ﷺ. 
  • وتلقّاه عنه من الصحابة من أحسنوا محاكاة قراءة رسول الله: 
    • كمثل ابن مسعود الّذي قال عنه: "من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أُنزل، فليقرأ بقراءة ابن أم عبد" يعني ابن مسعود، عليه الرضوان.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4))

وأقسم الله بهذه الأشياء: (وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)) أقسم بالبيت المعمور. 

قال: (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ): 

  • بيت في السماء. 
  • وبيت في الأرض.

البيت في السماء بناء فوق السماء السابعة، جاءنا في الأحاديث المتعدّدة عن تسميته بالبيت المعمور، أنهم يقولون له في السماء "الضُراح"، وأنّه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، يذكرون الله فيه، يصلُّون ويعبدون، ثمّ يخرجون منه، فلا يعودون إليه إلى يوم القيامة، يدخل في اليوم الثاني سبعون ألف والثالث سبعون ألف وهكذا. 

وهذا (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) ذَكرهُ ﷺ في رحلته، ليلة المعراج يقول: فإذا بإبراهيم فوق السماء السابعة مسنِد ظهره إلى البيت المعمور.. 

  • ودخله ﷺ، وصلّى فيه إمامًا، بمن فيه من الملائكة وغيرهم من الأرواح، قد ظهروا مأمومين خلفه ﷺ. 
  • فإن كان غشي السّدرة ما يغشى، فكذلك البيت المعمور عندما وصله حبيب الرحمن بدر البدور، فما أبهجه بوصول حبيب الرحمن إليه.
  • وفي الأحاديث ما يدل على أن أرواحًا دخلت معه إلى (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) تحضر صلاته ﷺ، سوى الملائكة الذين دخلوا معه، في ليلة الإسراء والمعراج. 

هذا (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) وهو كالكعبة في الأرض، وله من الحُرمة عند أهل السماء والتعظيم والتبجيل، ما للكعبة في الأرض، حتّى جاء في الأخبار أنّهم يطوفون به، كما شرع الله الطواف بالكعبة على ظهر الأرض، ووصف النبي الطائف بالكعبة أنه خائض في رحمة الله، يخوض في رحمة الله عند طوافه بالبيت العتيق. 

ويُقال أنّ (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) أُنزل من السماء إلى الأرض، وأُمر بالحج إليه، وحجه آدم بعده، فلمّا جاء وقت الطوفان رُفع إلى السماء. 

وعلى كل الأحوال فجَاءتنا أحاديث صحيحة عن تسمية (الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) بالبناء الذي فوق السماء السابعة.

  • والبيت الذي عندنا على ظهر الأرض قال الله عنه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ) [آل عمران:96-97]. 
  • وذلك أنّه بعد طمِّه من السّيول العارمة، أرشد الله إليه سيّدنا إبراهيم، وأمره أن يعيد بناءه: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) [الحج:26]. 
  • (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة:127] وصعد على حَجَرة ليُعلي البيت:
    • فغاصت قدماه في الحجرة، وظهرت مصوّرة قدمه، فكان هذا مقام إبراهيم! 
    • وبقي على ممرّ الأجيال، كان ملتصقًا بالكعبة، ثم نُحِّيَ من أجل الزحامات في القرن الماضي هذا. 

والتفت نظر الصّحابة الى هذا الأثر من آثار الخليل، فقال سيّدنا عمر: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى؟ لو اتخذنا مقام إبراهيم نصلي عنده هنا، نقصد المكان هذا لنصلي، فأنزل الله: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة:125]، فكان يصلّي إليه ﷺ، إذا طاف بالكعبة، صلّى متّجهًا نحو المقام.

يقول: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)).. 

  • فعِمارة البيت الّذي في السماء -البيت المعمور- بدخول الملائكة إليه وتسبيحهم، وتهليلهم إلى يوم القيامة.
  • وعمارة هذا البيت بما هيّأ الله من إلفِ القلوب المؤمنة له، ومحبتها له، فتهْفو إليه قلوب المؤمنين كما يشير الإمام الحداد في ديوانه. 

وترى إلى اليوم، لمّا جاءت الأزمة الّتي مرّت بالنّاس، مما يُدعى بكورونا، وخفّ تردّد النّاس، وصار يُمنع، انظر بمجرّد ما وجدوا ثغرة، كيف أقبلوا بالقوّة و بالكثرة على هذا البيت العتيق، الّذي تحنّ إليه قلوب المؤمنين. 

  • فهو معمور إلى آخر الزمان: 
    • حيث يُكسّر حجرًا حجرًا، ويرمى في البحر، ولا يُعمر بعد ذلك، هذا في آخر الزمان. 
    • بعد سيّدنا عيسى بن مريم عليه السلام وأيام رفع القرآن سيحصل مثل هذا، ولا عاد يبقى هذا البيت المصان. 
  • فهو إذًا معمور على هذا الامتداد بمحبّة قلوب المؤمنين، والمتردّدين إليه.

وهكذا وإن كان على ظهر الأرض من الّذين مع الكفر ابتلُوا ببغض الإسلام والهدى و دين الحق، من يتمنّى أن لا يطوف طائف بالبيت، وأن لا يتّجه إليه متّجه، فلا يكون إلا: 

  • ازدياد محبة القلوب لهذا البيت العتيق. 
  • وترددها إليه. 
  • وإقبالها عليه: 
    • (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) [الحج:27-28].

يذكر هذه الكعبة الإمام الحداد -بيت الله هذا المعمور على ظهر الأرض- يقول:

رَعَى اللَّهُ مَنْ هَامَ الْفُؤَادُ بِحُبِّهَا *** بَدِيعَةِ حُسْنٍ مُخْجِلٍ لِلزَّوَاهِرِ

عَزِيزَةِ وَصْفٍ حَارَ فِيهِ أُولُو النُّهَى *** مِنَ الْعَارِفِينَ أَهْلِ الْهُدَى وَالْبَصَائِرِ

بِهِ هَامَتِ الأَرْوَاحُ فِي حَالِ كَوْنِهَا *** مُجَرَّدَةً عَنْ كُلِّ جِسْمٍ وَخَاطِرِ

وَمِنْ بَعْدِهِ مَهْمَا حَدَتْهَا بِذِكْرِهِ *** حُدَاةُ الْمَطَايَا لِلرُّبُوعِ الْعَوَامِرِ

وَمَهْمَا سَرَتْ مِنْ حَيِّهَا سَحَرِيَّةٌ *** مِنَ النَّسَمَاتِ الطَّيِّبَاتِ الْعَوَاطِرِ

وَمَهْمَا شَأَمْ بَرْقُ الْحِمَى فَأَجَنَّهُ *** وَغَنَّتْ عَلَى الأَغْصَانِ وُرْقُ الطَّوَائِرِ

شَهِدْتُ مَعَانِي حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا *** بِرُوحِي وَجِسْمِي تَحْتَ جُنْحِ الدَّيَاجِرِ

وَسَامَرْتُهَا فِي خَلْوَةٍ أُنْسِيَّةٍ *** بِأَلْطَافِ أَسْمَارٍ وَخَيْرِ مُسَامِرِ

وَلَذَّ لِيَ التَّقْرِيبُ مِنْهَا وَأَشْرَقَتْ *** عَلَى بَاطِنِي أَنْوَارُهُ وَظَوَاهِرِي

وَيَا لَطَالَمَا قَبَّلْتُهَا وَالْتَزَمْتُهَا *** وَقَدْ هَجَعَتْ عَيْنُ الرَّقِيبِ الْمُدَابِرِ

كَأَنَّ أُوَيْقَاتِ النُّزُولِ بِحُبِّهَا *** مُعَجَّلَةٌ مِنْ جَنَّةٍ فِي الْمَصَائِرِ

وَلِلَّهِ مَا أَحْلَى الْوُقُوفَ بِسُوحِهَا *** وَأَطْيَبَهُ مَا بَيْنَ تِلْكَ الْمَشَاعِرِ

بِوَادِي خَلِيلِ اللَّهِ لِلصِّدْقِ وَالْوَفَا *** أَبُو الرُّسْلِ إِبْرَاهِيمُ تَاجُ الأَكَابِرِ

وَقِبْلَةِ أَهْلِ الدِّينِ مِنْ كُلِّ شَاسِعٍ *** وَدَانٍ إِلَيْهَا فَهِيَ أُمُّ الْحَوَاضِرِ

وَطِلْسَمُ سِرِّ الذَّاتِ رَمْزٌ بِهِ اهْتَدَى *** إِلَيْهَا رِجَالُ الْحَقِّ مِنْ كُلِّ نَاظِرِ

وَمِنْ هَاهُنَا جَذْبُ الْقُلُوبِ وَمَيْلُهَا *** وَمِنْهَا مَطَارُ الرُّوحِ مِنْ كُلِّ طَائِرِ

وَمَهْبِطُ إِمْدَادَاتِ كُلِّ رَقِيقَةٍ *** بِأَسْرَارِ عِلْمِ الذَّاتِ لِلأَهْلِ السَّرَائِرِ

إِلَى الْحَجَرِ الْمَيْمُونِ زَادَ تَشَوُّقِي *** وَكَانَ بِهِ أُنْسُ الْفُؤَادِ الْمُجَاوِرِ

بِهِ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ يَشْهَدُ بِالْوَفَا *** لِكُلِّ وَفِيٍّ مُخْلِصِ الْقَلْبِ طَاهِرِ

وَمُلْتَزَمٌ نُجْحُ الْمَطَالِبِ عِنْدَهُ *** وَحِجْرٌ لِبُعْدِي عَنْهُ فَاضَتْ مَحَاجِرِي

وَزَمْزَمُهَا رَاحُ الْكِرَامِ وَمَرْهَمُ *** أَسْقَامٍ بِهِ تَبْرَأُ كُلُومُ الضَّمَائِرِ

وَإِنَّ مَقَامًا بِالْمَقَامِ أَلَذُّ فِي *** فُؤَادِي وَأَحْلَى مِنْ وُرُودِ الْبَشَائِرِ

وأخذ يصف الكعبة وما حواليها، ثم حجّه عليه رضوان الله -تبارك وتعالى- وما كان من ذلك، ثمّ يقول:

فَيَا كَعْبَةَ الْحُسْنِ الْبَدِيعِ الَّذِي غَدَا *** بِهَا كُلُّ صَبٍّ وَالِهَ الْقَلْبِ حَائِرِ

وَيَا مَرْكَزَ الأَسْرَارِ وَالنُّورِ وَالْبَهَا *** وَلُطْفَ جَمَالٍ رَاقَ فِي كُلِّ نَاظِرِ

تَحِنُّ إِلَيْكِ الْمُؤْمِنُونَ قُلُوبُهُمْ *** وَأَرْوَاحُهُمْ مِنْ وَارِدٍ مِثْلِ صَادِرِ

بَعُدْتُ بِجِسْمِي عَنْكِ وَالْقَلْبُ حَاضِرٌ *** لَدَيْكِ وَإِنِّي بَعْدَ ذَا غَيْرُ صَابِرِ

وَلَمْ يَكُ بُعْدِي عَنْكِ زُهْدًا وَخِيَرَةً *** عَلَيْكِ وَلَكِنْ لِلشُّؤُونِ الْعَوَاذِرِ

وَيَا مَكَّةُ الْغَرَّاءُ يَا بَهْجَةَ الدُّنَا *** وَيَا مَفْخَرًا مُسْتَوْعِبًا لِلْمَفَاخِرِ

عَسَى عَوْدَةٌ لِلْمُسْتَهَامِ وَرَجْعَةٌ *** إِلَيْكِ لِتَقْبِيلِ الثَّرَى وَالْمَآثِرِ

أُرَجِّي وَلِي ظَنٌّ جَمِيلٌ بِخَالِقِي *** وَإِنَّ الرَّجَاءَ فِي اللَّهِ أَسْنَى ذَخَائِرِي

فهذا بيتٌ معمور! ثمّ اعلم أن لله في باطنك بيتًا وهو القلب! وهذا بيت بناه الله في باطنك، مركز لنظره وعنايته، وتردّد رحمته وينظر ما فيه. 

قال الإمام الحداد: وقد أُمر إبراهيم؛ علمُك، وإسماعيل؛ عقلك، أن يطهرا هذا البيت، كما أمر إبراهيم وإسماعيل أن يطهرا الكعبة. فعقلك وعلمك مأموران للبيت الّذي عندك هذا حق الله، حق ربك؛ بيت وهو القلب، بعقلك وعلمك طهّره، طهره للطّائفين والعاكفين من الملائكة الروحانيين والواردات الربانية الإيمانية أن يطهّره، فَالله يطهّر قلوبنا.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5))

(وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)) السقف، فوقكم المرفوع مشيرًا إلى العرش، سقفَ على السماوات والأرضين، فإن كانت السماء سقفًا للأرض، لكن العرش سقف للكل، سقف للسماوات وما تحتها، وجميع هذه العوالم تحت العرش، فالعرش سقف، جسمٌ خلقهُ الله -جل جلاله-. 

  • ليست السماوات السبع والأرضون السبع والكرسي عنده إلا كسبعة دراهم ملقاة في فلاة واسعة -صحراء-
  • الكرسيّ: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [البقرة:255]، السماوات السبّع والأرضون السبع في الكرسي كسبعة دراهم ملقاة في فلاة. 
  • والكرسيّ مع السماوات السبع والأرضين السبع بالنّسبة للعرش كسبعة دراهم ملقاة في فلاة كبيرة. 

فسبحان ربّ العالم وسبحان رب الكون!

وبني آدم، يعيشون على ظهر الأرض، كل واحد اتخذ حدود مع الثاني، قال تقدمت، قال تأخرت، قال مُلكي قال مُلكك! أين العالم؟ أين كل الكرة الأرضية من جملة الكواكب الصغيرة! وكم كواكب وفوقها السّماوات! والسّقف فوق. 

  • (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ)، قيل إنه السّماء، لكن السّماء سقف مرفوع بالنّسبة للأرض، هذا سقف مرفوع! 
  • لكن هذا السّقف -العرش- فوق فوق السّماء، ومرفوع على السّماء والسماوات، وما دونها كلّها تحته. 
  • (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)) يسمي الحق بعرشه -جل جلاله-، ولم يصل إلى ذلك العرش، جسد من أجساد الخلائق، إلّا جسد محمّد في ليلة الإسراء والمعراج.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6))

(وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6))، أقسم الله بالبحر المسجور. 

المسجور بمعنى: 

  • المملوء. 
  • ويأتي في هذه البحار المحيطات وغيرها. 
  • أو ما يؤول لأمرها في العاقبة عند النّفخ في الصور، تُسجّر: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)، يعني: 
    • اشتعلت نارًا
    • تشتعل كلّها نيران 
    • وتضاف فوق نار الآخرة -و العياذ بالله- 

(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)  [التكوير:6]: البحر المسجور. 

وقيل البحر المسجور: 

  • أنّه بحر تحت العرش، وأنّه عظيم.
  • وهو الذي يُمطر منه ما بين النفختين، مقدار أربعين، ما بين النفخة الأولى في الصور والنفخة الثانية. 
  • ينزل منه المطر فلا يصادف عَجْبَ الذَّنَبِ من أيّ مكوّن من أجساد الحيوانات وبني آدم، وجميع الكائنات إلّا عاد الجسم بها. 

ودائمًا يشبِّه الله إعادة الأجسام، بالنّبات في الأرض، يقول: 

  • ترى الأرض ميتة (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [فصلت:39].
  • كما قال سبحانه وتعالى: (كَذَٰلِكَ النُّشُورُ): 
    • يقول سبحانه وتعالى في أوائل سورة فاطر، يقول -جل جلاله وتعالى في علاه-: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ) [فاطر:9].

فإذا نزل هذا المطر من هذا البحر إلى الأرض، يغوص في الأرض، فلا يدع عَجْبَ ذَنَبٍ لأيّ جسم عاش على ظهر الأرض إلّا وصل إليه، وبمجّرد ما يصل إليه يتكون الجسد الذي كان، في أيّام دنياه. 

فإذا بالأرض ملآنة أجساد، أجساد للإنس والجن والحيوانات، بكثرة هائلة، وقد مُدَّت الأرض، فيُحيي الله إسرافيل، يقول: انفخ في الصور مرة أخرى. تطير الأرواح وتمشي.

 أنتم تعرفون طائرة بدون طيّار؟ أرواح مسيّرة -طائرة مسيّرة- تعرف أين الجسد الذي عاشت فيه في الدنيا، هل هو هنا، أو هناك، فتصل إلى عنده مباشرة، ليس بتسيير شريحة في الكمبيوتر، وبعد ذلك يدخل فيه فيروس، يتعطل.

ولكن الأرواح تسير مضبوط، -الله- قوّة! كل واحدة تذهب إلى جسدها في لحظة: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68]، بكامل قُواهم التي كانوا عليها، ينظرون، يسمعون: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [مريم:38]. 

يقول: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) هذه الأقسام كلّها والأيْمان: 

  • (وَالطُّورِ (1)).
  • (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2)).
  • (فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3)). 
  • (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)).
  • (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)).
  • (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6)).

على ماذا يقسم ربي؟ وهو الحقّ النّاطق بالحقّ.

 

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8))

 يقول: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8))

  • وكل من كذّب بي، وقد وصلته دعوتي، وكذب برسلي، صغير أو كبير؛ العذاب واقع به، لا يستطيع أن يدفع عنه أحد. 
  • هذه الأيمان من الرب الرحمن!؟ لا يُشَكُّ شاك. 

مَساكين من كفروا، ومن كذّبوا، وقد وصلتهم الدّعوة، مساكين بقصورهم، مساكين بطائراتهم، مساكين بحضارتهم، ماذا ينتظرهم؟ 

  • (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) حاصل! 
  • وقال: (مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ) عمّن يستحق ذلك العذاب. 

لا يستطيع أحد أن يدفعه؛ لا وزارة دفاع، ولا وزارة أمن ولا صغير ولا كبير، لا حد يدفع هذا العذاب. الله! (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8))

يقول سّيدنا جُبير بن مطعم -عليه رحمة الله-: جئت إلى المدينة لأكلّم النّبي في أسرى بدر -قبل إسلامه- قال جئت فلمّا وصلت الى المسجد وجدت النّبي يصلّي بهم في المغرب، يقرأ سورة الطور، فبدأ يقرأ، قال: وصوته يُسمع من خارج المسجد. قال وسمعته يقرأ: (وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8))، قال فارتعدت، انخلع قلبي حتى أتوقع أن العذاب نازل بي، لمّا سمعت صوت النبي يقرأها، قال: فأسلمتُ خوفاً من العذاب، وكنت أستشعر أنّي لا أقوم من موضعي إلا وقد حل بي العذاب. لمّا سمعها من صوت من أُنزلت عليه؛ الصّادق المصدوق، والعلم والكلام حق، والنّبي يقرأها بأعلى مراتب حقّ اليقين، فأثرتْ في قلبه وهو كافر، كانت سبب إسلامه. الله لا يحرمنا من سماع ذاك الصوت.

فإنّ في آذان الأمّة من تسمعه، وكان في كثرة مرائي الإمام أحمد بن حسن العطاس، يقول: كنت أتدارس القرآن وأسمعه يقرأ القرآن وأنا أقرأ،. يقول: وإنّي أقلّده في القراءة. وكانت له قراءة عجيبة، أكابر العلماء عندنا في الوادي إذا صلّى بهم يقولون نقلّد القائلين بسقوط الفاتحة عن المأموم في الجهرية، من شأن سماع صوته لمّا يقرأ. يقول: إني أقلّده فيما أسمعه منه، فأجيء على نغمته أحيانًا، قال: فإذا جئت على نغمته أكاد أن أغيب عن إحساسي، -الله- 

ولذلك جاءنا أيضًا في الأخبار أنّهم، في ساحة النظر لوجهه الكريم، يأمر سيّدنا داود أن يقرأ، فيقرأ من القرآن، ما يُقرأ في الساحة شيء من الكتب، وكلها حقّ، لكن القراءة للقرآن. فيقرأ سيّدنا داود من سورة مريم، ثمّ يُكرم أهل الموقف، بأمر الحبيب من قِبل الحق أن يقرأ، فيقرأ عليهم ﷺ. في قراءة النّبي داود تهيئة لهم، لسماع الصوت المحمّدي النّبوي، يتهيّأون لذلك، فيقرأ عليهم، ويتحمّلون سماع جمال، وجلال هذا الصّوت، وهذا تهيئة لهم، لأن يكشف الحجاب ليسمعوا القرآن ممّن أنزله، -لا إله إلا الله-. 

إجمعنا معهم يارب، أدخلنا في ضمنهم وزمرتهم يا رب، يا منزل القرآن بجاه القرآن.

(إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) حق وصدق، (مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ)، ما يمكن أحد أن يردّه ولا يدفعه، ولا يصرفه بأيّ وسيلة، ولا بأي حيلة -الله .. الله- 

  • (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26]. 
  • (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا) -أي أيقنوا أنّهم داخلين فيها- (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) [الكهف:53]، لا تأخير، لا صرف عنها، لا إله إلا الله. 

قال: هذا العذاب واقع يقين لا محالة بكل من بلغته دعوة الله، فأبى، وأصر، واستكبر، كائنًا من كان، أفراد وجماعات. 

 

تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9))

يقول: متى يكون هذا؟ 

(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ)، صاحب الملك، المتصرّف في ملكه، سيُنفّذ هذا العذاب في يوم تكون حال السماء في هذا الحال، فكيف ببقيّة أجزاء الوجود؟ 

(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا)، تدور، وتذهب وتجيء، تضطرب، تتحرك بشدة، (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) فهي تمور، وتدور، وتتحرّك بأهلها، (وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا) [الحاقة:17] تتقسّم وتتشقّق الى قطع، تتشقق السماء: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) [الفرقان:25-26] (كان يومًا على الكافرين عسيرًا). 

الحمد لله على نعمة الإسلام، يا رب ثبتنا على الإسلام وتوفّنا مسلمين.

ما يغنيك شيء عن هذا الإسلام، لو ملكت الأرض من طرفها إلى طرفها وما عندك نعمة الإسلام! ويل لك وخيبة لك، ومآلك صعب. لكن الحمد لله على نعمة الإسلام. وعزّة ربّنا، عامة ملوك الأرض وزعماؤها من غير المؤمنين الذين وصلتهم الدعوة، يتمنّى يوم القيامة أنّه يقرب من أقل المسلمين في العالم، الّذي عاش حياة رثّة، وكان زبّالًا وكان كنّاسًا، سيتمنّى الملوك هذا، وكل من يقرب منه أو ينالوا شيئًا من درجته، لكن لا يقدرون عليها. 

الحمد لله على نعمة الإسلام، -الله- فأهل الإسلام من مات منهم على الإسلام، هم ملوك الآخرة، هم الملوك هناك: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الانسان:20]، يقول: إتركْ أهل الملك الصغير، لا يغرونك ولا يفتنونك ولا تميل إليهم، ليسوا على شيء، أنظر الى أهل الملك الكبير: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46]، هؤلاء أهل الملك الكبير.

يقول جلّ جلاله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا)، تدورُ بشدة وتضطرب وتتشقّق: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) والمور: 

  • يأتي بمعنى الذهاب والمجيء.
  • ويأتي بمعنى الدوران. 
  • ويأتي بمعنى الاضطراب كله في المور. 

 

 تفسير قوله تعالى: (وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10))

(يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10))

  • (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) [التكوير:3] -الله .. الله- تُحمل، تُخرج من الأرض:
  • وتُدك بالأرض، (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) [الحاقة:14]. 
  • وتسير (كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) [القارعة:5] -لا إله إلا الله-، كالصّوف المندوف. 
  • ثمّ تنسحق نهائيًا (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه:105]. 
  • فما يبقى إلّا أرض مستوية، (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا) معتدلة. 
  • (لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:106-107]، لا هبوط ولا طلوع. 
  • (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) [ابراهيم:48]. 
  • (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق:3-5] 

 

 تفسير قوله تعالى: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12))

(وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11))، الهُون، والعذاب الشّديد، والخزي للمكذّبين.

(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12)) يخوضون في كلام الكفر، وأعمال الفسوق، ويتبجّحون بأنفسهم، يقول سبحانه الله وتعالى: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12))

 

تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13))

في ذلك اليوم، (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ..(9))، (يَوْمَ يُدَعُّونَ)، يعني يُدفعون بشدّة، بعنف وبجفاء، لأن الدَّع هو الدفع بجفاء وعنف يقول: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) [الماعون:1-2] يعني ينفّره، ويدفعه، ويجفو اليتيم. 

وهؤلاء (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13))، يعني: يُدفعون إليها بعنف وبجفاء وبشدّة، فيتناول أحد الزبانية، فيغل يديه إلى عنقه، ويربط رجليه إلى ناصيته، (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) [الرحمن:41] من خلف ويقمِّطه. 

 

تفسير قوله تعالى: (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15))

إذا قرّبوهم من النار قالوا: (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟ 

كنتم تقولون للأنبياء سحرة، وتقولون يسحرون أعين النّاس، وتقولون سحر. 

(أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15))؟ 

ما فيكم عيون تنظر! أنظر جيدًا! هذا الذي كان يكلّمكم؛ موسى وعيسى وإبراهيم ومحمد والأنبياء، أنظروا إنهم هؤلاء! خذ الآن الجزاء! كان يحذّرك ويخوفك وأنت تضحك وتستهزئ تقول سحر، (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟ هذه النار (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13)) يدفعون دفعًا، يُعرف المجرمون، فيُؤخذ بالنواصي: 

  • (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) [الرحمن:41]. 
  • (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) [الفرقان:13-14]. 

فإذا قرّبوهم من النّار قالوا: (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟ يوبخونهم على الكلام الذي كانوا يقولونه في الحياة، في عالم الدنيا: (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)؟ كيف تقولون أنتم إن الأنبياء سحرة؟ (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15))؟ ليس لديكم عيون تنظر؟ إدخل. 

 

تفسير قوله تعالى: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16))

(أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا)، إشتوِ فيها الآن، قاسِها وأَلَمَهَا واخل،. الله الله الله الله! 

(اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ)، كلُّه سواء، ما عاد ينفع الصبر، بل كان الصبر ينفع لأنّ العُقبى حسنة، أما العذاب لا ينفع فيه الصبر، صبرت أو جزعت كله سواء، لا يوجد لك أجر، ولا لك ثواب ولا لك عاقبة، في موضعك، إن بكيت وإن صحت وإن سكتّ، كله سواء، عذاب .. عذاب.

اللهم أجِرنا من النار، وأجِر أهلينا، أجِر أولادنا، أجِر أصحابنا، أجِر قرابتنا، أجِر كل من في مجمَعنا ومن يسمعنا ووالدينا ووالديهم واهالينا وأهاليهم، أجِرنا من النار .. أجِرنا من النار، يارب النّار. 

(أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16)) فالحمدلله وفقنا للصلاة، وفقنا للصيام، وفقنا للزكاة، وفقنا لقراءة القرآن، وفقنا لمجالس العلم، عمل صالح نسأل الله أن يقبله ويصفّيه من شوائبه ونجزى بالعمل الطيب. 

وأولئك يجزون ما كانوا يعملون؛ تكذيب واستهزاء واستخفاف وظلم وحيل، وكيد، وغِل، وإلى غير ذلك من الأعمال الّتي يعملونها، وخمور وفجور وشرور: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).

أصلح أعمالنا، سدّد أقوالنا، جمّل وأحوالنا، لا تعرّضنا لعذاب الدنيا ولا عذاب الآخرة، ولا أحداً من أهلينا وذوينا وقَراباتنا وجيراننا وأصحابنا وطلابنا وأحبابنا ومن والانا فيك يا رب الدنيا والآخرة، يا من بيده ملكوت كلّ شيء أجِرنا من النار، فإننا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، برحمتك يا أرحم الراحمين. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

30 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

30 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام