تفسير سورة الطور - 2 - من قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ)، الآية: 17

تفسير سورة الطور، من قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ}، الآية: 17
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الطور، من قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ}، الآية: 17، إلى قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}، الآية:28. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) ۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • هوان المكذبين وعذابهم:
    • سوقهم بعنف إلى النار، وهوانهم فيها.
    • وبطلان نفع الصبر أو الجزع من عذاب الله الحتمي.
  • نعيم المتقين في الجنات:
    • تكريمهم بالوقاية والنعيم.
    • دخول الجنة بالرحمة واقتسام منازلها بالأعمال.
    • الراحة على السُرُر مع الحور العين.
  • إلحاق الذرية وفضل الأخوة:
    • إلحاق الذرية المؤمنة بدرجات آبائهم تكرمةً لهم بلا نقص من أجورهم.
    • وفضل الأخوة الصادقة في الله.
  • ضيافة أهل الجنة وخدمتهم:
    • النعيم الدائم وطعام الجنة من الفواكه واللحوم بلا ذبح ولا فناء.
    • خمر طاهر خالٍ من الإثم والسُّكر.
    • جمال الخدم وحسن صفائهم ، والاستشهاد بحديث المرأة الصالحة (مسكينة).
    • تذاكر أهل الجنة لأيام الدنيا وبيان سبب نيلهم النعيم.

نص الدرس:

الحمدلله على نعمة التأمّل لمعاني كتابه، والتّفهم لدلالات خطابه، وتدبرِ لِما أوحاه على قلب سيّد أحبابه، اللّهم أدم صلواتك على سيّد أهل حضرة الاقتراب، من سريتَ به إلى (أَوْ أَدْنَىٰ) بعد أن ذكرت (قَابَ قَوْسَيْنِ) [النجم:9]، وعلى آله وأصحابه خير آل وخير أصحاب، وعلى من والاهم فيك واتّبعهم بإحسان وإليك أناب، إلى يوم المآب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، من عظمت عليهم منّة الوهّاب، وعلى آلهِم والأصحاب، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصّالحين، وعلى من والاهم في الله وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد…

فإنّنا في تأمّلنا لكلام ربّنا، تأمّلنا معاني أوّل سورة الطور، حتّى وصلنا إلى قوله تبارك وتعالى: 

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17)) بعد أن ذكر: 

  • المصير للكافرين، وأنّ العذاب الّذي يقع بهم، لا يدفعه شيء. 
  • ولا يمكن أن يدفعه أحد، ولا فكر، ولا أسلحة، ولا أيّ شيء يدخل في قبضة أهل الأرض ولا أهل السّماء. 
  • لا يوجد شيء يدفع عذاب الله، فهو كائن لا محالة: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ (8)).

وعلمنا.. 

  • أنّ سيّدنا جُبير بن مطعم لمّا سمعها من النّبي ﷺ، اهتزّ لها، وكانت سبب إسلامه
  • وكذلك لمّا سمع منه الوليد بن المغيرة آيات من سورة فُصِّلت.. 
    • ولمّا وصل إلى عند قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) [فصلت:13] رفع يده ليضعها على فم النّبي يقول: أنشدك الله والرّحم يا محمد! واهتز حتى لما رجع إلى قومه يقولون: جاءكم بوجه غير الوجه الذي ذهب به. 
    • ثم قالوا له: سحرك محمد. قال لهم: سمعتم منه كلامًا ما هو بشعر، ولا هو بسحر، ولا هو بكهانة، فاتركوه، إن كفاكم غيره فقد كفيتموه، وإن انتصر فأنتم من قومه. قالوا: نحن أرسلناك لتقنعه، وتأتي لنا بهذا الكلام! سحرك محمد وفعل وفعل.

وكذلك عن سورة الطور:

  • ذكرت أم سلمة أنّها لما كانت في الحج وعجزت عن الطواف، أمرها النبي أن تطوف على الجمل، وقت صلاة النّاس، لأن المطاف يكون خالياً فطافت.
  • وقالت: وهو يصلي بهم صلاة المغرب ويقرأ سورة الطور. فجُبير بن مطعم قال إنه في المغرب يقرأ سورة الطور
  • أم سلمة كذلك في مكّة بعد الفتح في حجّة الوداع قالت: في المغرب يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب في عدد من لياليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وأمّا آخر مغرب صلاها في المسجد في جماعة، فقرأ بالمرسلات، وذلك في أواخر صفر، لم يخرج بعدها للصلوات الخمس، لم يخرج إلا للجمعة، وهو مريض صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

يقول الله بعد أن ذكر عذاب أهل النّار: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13)). فماذا يساوي هنا، أن أحدهم يكون رئيسًا، أو ملكًا، ثمّ بعد مدّة انقلبوا عليه، يدخلونه في قفص الإتهام ويأتون به ليحاكمونه؟! 

  • هذا الذّل والهوان، لا يساوي شيئًا عندما يُدَعّون إلى نار جهنّم دعًا، ذلهم هناك -و العياذ بالله-، (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)
  • تعالوا؛ كباركم، ورؤساؤكم، وقادتكم، وعباقرتكم، وأهل الحضارة فيكم، (يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)، يدفعون بعنف، -أعوذ بالله من غضب الله- 

إذا قربوا منها قالوا: (هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [يس:63]، هذه النّار الّتي كنتم توعدون! (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15)) هل هذا سحر؟ الأمر واقع معاين! -لا إله إلا الله-، أما كنتم تبصرون؟! تتكلمون عن الأنبياء تقولون سحر! وهم أصفى خلق الله، وأطهرهم، تقولون عليهم سحرة! (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ).

لا شيء يخفّف عنكم هذا العذاب، ولا يقطعه، ولا تستفيدون شيئًا، لا من الجزع ولا من الصّبر، (سَوَاءٌ عَلَيْنَا) -هم يقولون- (أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [ابراهيم:21] -هذا هو المعنى-، (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ)

  • كان الصّبر ينفعكم أيّام كنتم في الدّنيا، تكون؛ 
    • عواقب حسنة.
    • ونتائج طيّبة. 
    • ومثوبة عليه لمن كان منكم مؤمنًا. 

أمّا الآن ..

  • ما ينفع الصّبر، هذا هو العذاب نفسه: 
    • ولا ينقص منه شيء. 
    • ولا ينقطع.
  • وإن جزعت هو العذاب نفسه: 
    • ولا ينقص منه شيء. 
    • ولا ينقطع. 

(اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16)):

أي تلاقون جزاء الأعمال، والمعنى أنّ الأعمال بأصنافها: 

  • إنّما يقوّم جزاؤها من خلق العاملين وأعمالهم. 
  • وما يوضع من جزاء كلّ عمل، على خلاف ما أراد وما أحب، فباطل ولعب ولا يفيد أصحابه شيئًا وينتهي. 

وبعد ذلك.. 

  • هذا العمل جزاؤه كذا، وهذا العمل جزاؤه كذا، وهذا العمل جزاؤه كذا، بحسب ما وضعه هو؛ الرّب الّذي خلق العاملين وخلق أعمالهم، (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:96] -جلّ جلاله-. 
  • فما يمكن لأحد أن يحوّل جزاء الكذب إلى نعيم، ولا إلى مسامحة ولا إلى خير، جزاء الكذب عذاب! إلّا أن يعفو ويصفح. 
  • ولا يمكن أن تحول جزاء شرب الخمر، ولا جزاء فعل المحرمات إلى خير، لا يتأتّى (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التحريم:7]؛ وهذا جزاء العمل، هذا الجزاء الحقيقي!

ربّما إنهم يقولون لكم إذا عملتم شيئًا من هذا الأعمال، أنتم متقدمون متطورون، وأنتم متحرّرون، أنظر الى الجزاء لهذا، هذا الجزاء الحقيقي للعمل أنظر إليه الآن، خذه؛ (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ): يعني تلاقون جزاء أعمالكم، بحسب ما قدّر لها من الجزاء خالقكم، وخالق أعمالكم -جلّ جلاله-، إذًا فالملك ملكه، والأمر أمره، والخلق عبيده، و (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) [مريم:93]. 

ومدّة الاغترار هذه التي يضعون فيها أنظمة، ويضعون فيها قوانين، ويضعون فيها تشريعات من عندهم، تخالف شرعه، لعب في لعب ومسخرة، نهايتها سترى الجزاء هذا، هذا جزاء ذاك، وهذا جزاء ذاك! بحسب ما وضعه هو، ليس بحسب ما وضعوه هم! لا إله إلا الله.. 

  • فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة:82]. 
  • (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الواقعة:24].

 

 تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17))

يقول تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ) بساتين معيّنة خلقها الله، تختلف تمامًا، فيها باقي اسم المسمّى: 

  • كونها بستانًا. 
  • وكونها أشجارًا. 
  • وكونها أثمارًا. 
  • وكونها أنهارًا. 

ولكن جوهرها، وذوقها، وطعمها، ولونها وحسنها، فوق  .. فوق كلّ ما يخطر على البال! 

(فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17)) يتنعّمون بأنواع النّعيم بما لا يخطر على بالك هذا النّعيم، تصوّر كل نعيم إلى غاية ما ينتهي إليه خيالك، الواقع هناك أكبر من ذلك. اللّهم ادخلنا جنّتك. 

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ): 

  • الّذين اتّقوا غضب الله وسخطه. 
  • فتركوا الكفر والشرك والذنوب والمعاصي والفسق لأجله. 
  • وعملوا بطاعته. 

هؤلاء المتّقون: 

  • امتثلوا أوامره إيمانّا، وتعظيمًا، ومحبة، وإجلالًا، وهيبة، وأدبًا، وعبوديةً. 
  • وتركوا ما حرّم عليهم، كذلك؛ هؤلاء اتقوا! 

 

 تفسير قوله تعالى: (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18))

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) يعني يُعطيهم ربّهم -سبحانه وتعالى- أنواعًا من الفواكه، فهم (فَاكِهِينَ)، وفي قراءة: (فَكِهِينَ).. 

  • والفَكِه: المسرور، المتروّح، الجذلان، فَكِه فهم هكذا حالهم، ولهم تلك الفاكهة، وهم فكهون. 
  • وفاِكه أيضًا بمعنى صاحب فاكهة -مثل يقولون لابن، صاحب لبن-. 

(فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) مسرورين، مستبشرين، فرحانين، جذلانين بما آتاهم، أعطاهم ربّهم، بيّض وجوههم، وقاهم العذاب، أدخلهم الجنّة. 

(وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18))

  • سلّمهم من نيران موقدة (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة:7]. 
  • (وَوَقَاهُمْ)؛ حماهم، وحرسهم، وجنّبهم -سبحانه وتعالى- عذاب الجحيم.

يقول الملائكة في دعائهم للّذين تابوا واتّبعوا السّبيل، يقولون: (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) يعني سيّئات الآخرة، سيّئات القيامة، ما يسوء في القيامة: 

  • اسوداد الوجوه.
  • خفّة الميزان.
  • إعطاء الكتب بالشّمال.
  • ظهور الفضائح.
  • الزّلق على الصّراط. 
  • والهويّ في النّار. 

هذه سيّئات الآخرة، ولا تكون إلّا لمن كان صاحب سيّئات في الدنيا..

  • (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [غافر:9]، كما قال -سبحانه وتعالى- أيضًا في نفس المعنى في ذكر هذا العذاب في الدّار الآخرة.
  • يقول -جلّ جلاله وتعالى في علاه- في أوّل سورة الأنعام: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) [الأنعام:15-16].
  • (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ۚ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) [غافر:9]. 
  • (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18))

ومن يَقِ من النّار غيره؟ لا أحد إلّا هو! 

(فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) ما أعطاهم وأغدَقَ عليهم ربّهم -سبحانه-، (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ)، كرّر (آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) (وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ)، فتولّتهم الرّبوبيّة؛ لأنّهم تعلّقوا بالعبوديّة، وقاموا بحقّها، فتولّتهم الرّبوبيّة.. 

  • ربّهم (آتَاهُمْ)، ربّهم (وَقَاهُمْ). 
  • بما آتاهم ربّهم ووقاهم ربّهم!

هذا الذي ربّاهم وتولّاهم لأنّهم قاموا بحقّ العبوديّة له، فتولّتهم الربوبيّة؛ (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18))، اللّهم قنا عذاب الجحيم.

 

 تفسير قوله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19))

يُقال لهم في ذلك الموطن، وفي تلك الدّار: 

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).. 

  • جزاء الصّوم هنا. 
  • جزاء الصّلاة هنا. 
  • جزاء الصّدقة هنا. 

انظروا، خذوا الجزاء الحقيقي الذي لها، إذا عملتها لوجهه، أنظر الى جزائها هذا؛

  • جزاء صلة الرّحم هذا. 
  • جزاء الصّدقة هذا. 
  • جزاء برّ الوالدين هذا.
  • جزاء قول الحقّ هذا. 

خذوا الجزاء الآن، -الله أكبر!- (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

 فإنّهم يقتسمونها بأعمالهم، وإن كان دخولها بالرّحمة، يدخلونها برحمة الله، لا يستحقونها بالأعمال، لكن يقتسمونها بالأعمال، أي في غالب الأمور، فتكون القسمة بحسب العمل، كما جاء في الحديث: "ادخلوا الجنة برحمتي، يَقول لهم الله، واقتسموها بأعمالكم". 

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ): 

  •  إشارة إلى أنّ النّصيب في الجنّة على قدر العمل، على قدر ما عملت في الدّنيا. 
  • فتأخذ بأعمالك نصيبك من هذا النّعيم. 

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19))، فلا أهنأ من أكل الجنّة، ولا أهنأ من شرابها.

 

  تفسير قوله تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (20))

(بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ) وما أعجب هذه السّرر، وصفّها! لا تتغيّر، ولا تزداد إلّا حسنًا، لا تتسّخ، لا تتعطّف، لا يتغيّر لونها، لا تسقط. 

(سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ) بصفّة بديعة عجيبة، -الله .. الله- مرتفعة كما قال: (سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ) [الغاشية:13] مع شدّة ارتفاعها، طول ارتفاعها، إذا دنا منها تطامنت لهم وتطأطأت، ولكي تركبها تصعد بلا كهرباء، ولا ديزل، ولا بترول، ولا بطّارية، لا تحتاج لشيء من هذا، ولا طاقة شمسيّة، لا شيء من هذا -تصعد- ولا ريموت! -الله أكبر!- بمجرد الخاطر فقط، -سبحان الله!- هكذا تنعيم الحقّ لعباده المؤمنين. اللّهم ادخلنا جنّتك.

(مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ) قرناهم (حُورٍ عِينٍ)، الحور الأحور الذي بياض عينه شديد، وسواد عينه شديد، شديد سواد العين، شديد بياض العين، والأعين: واسع العين. حور عين، هؤلاء نساء الجنّة. 

  • (بِحُورٍ عِينٍ): يشير الحقّ -سبحانه وتعالى- إلى جمالهن، فسمّاهن الحور العين. 
  • (وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ) وقد علمنا فيما ورد عن نبيّنا أنّ أقل أهل الجنّة يزوَّج باثنتين وسبعين: 
    • إثنتين من نساء الدّنيا. 
    • وسبعين من الحور العين، هذا أقلّهم! 

 

 تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21))

يقول: (وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالَّذِينَ آمَنُوا) حقّق لنا الإيمان، وزدنا إيمانًا يا رب، الّذين أدركوا سرّ رمضان هم في آخره أقوى إيمانًا، ويخرجون بقوّة إيمان تزداد إلى اللقاء، إلى لقائه -سبحانه وتعالى-. 

اللّهم مكّن الإيمان في قلوبنا، وزدنا إيمانًا في كلّ آن. 

(وَالَّذِينَ آمَنُوا) فارتفعت درجاتهم، وعظمت منازلهم عند الله. 

قال: (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ) لهم ذرّية، وأولاد، وأحفاد، وذرّية منهم اتّبعوهم على الإيمان، أي ماتوا مؤمنين، لم يخرجوا عن الدّين، وما خرجوا عن الملّة. 

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) رفعناهم إلى درجتهم، ليس لديهم من الأعمال مثلهم، لكنّهم على الإيمان ماتوا؛ فيكرم الله أولئك المحسنين بأن يرفع هؤلاء لدرجاتهم.. 

  • وقد يحصل أنّ بعض الأولاد والأحفاد صاحب تقوى ومنزلة عند الله كبيرة، ويكون أبوه وجدّه دون ذلك؛ فيكرمه الله أيضًا هذا المحسن، فيصعد الى عنده والده، يصعد الى عنده جده. 
  • ولكن في الغالب يكون الآباء الأوائل هم أكثر نورًا، أعظم مرتبة، وأقوى إيمانًا، فجاءت ذريتهم من بعدهم فيكْرمهم الله باللّحوق بهم.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ) في قراءة: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ)، في قراءة: (ذُرِّيَّتَهُمْ)، في قراءة: (وَذُرِّيَّاتِهِمْ)، في قراءة: (بِإِيمَانٍ) على الإيمان؛ ما بدّلوا، ولا حدّلوا، ولا خرجوا إلى ملّة أخرى -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. ماتوا على الإيمان، واتّبعوا آباءهم بإيمان؛ فكان من فضل الله: (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)، ويتكرّم الله على المحسنين بأن يرعاهم في الذين أقل منهم، يحسن لهم، بهم صلة، يلحقهم بهم. 

قال أيضًا أهل المعرفة: وأنّ الأخوّة في الله إذا صحّت، وخلصت لوجه الله، لا تكون أقل من رابطة النّسب. فإذا أحد الأخوين في الله أو الإخوان في الله مرتفعة درجته، فالّذي صحّت أخوتهم له في الله، من فضل الله يقر الله عينه، يصعد به إلى الدّرجة التّي هو فيها.

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ) -أي إننا ثبَّتنا أولادهم من بعدهم على الإيمان- (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ)

  • كما أنّ هذا لا ينافي أنّ بعض أولاد وذرّية الصّالحين يتعذبون ثمّ يُنقلون، وقد يُرفعون درجات ولكن بعد شدائد. 
  • وأمّا من خالفهم في الأصل، وخرج عن ملّتهم، -فالعياذ بالله-، ليسوا منهم ولا من أهلهم، (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) [هود:46]. 

لا إله إلا الله! ولكن إذا ثبت الاتّباع بالإيمان، فغالبهم يُكرمون بهذا، 

(أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم) يعني نقصناهم، ألتنا: نقصنا، (وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) لمّا ألحقنا ذريتهم بهم ما قلنا نقصوا عليهم الأعمال، نعطيها الذرية، لا، نرفع الذرية الى عندهم، أعمالكم في نفس مرتبتهم ولا ننقص حسنة واحدة، لأننا نجازيهم بجميع أعمالهم. ولما نرفع ذريتهم لتلى عندهم ما ننقص عليهم شيئًا: (وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ)؛ (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4].

(وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)) محبوس في عمله، مرهون به:

  • فما كان من حسنة فلا ينقص الله منها ذرّة. 
  • وما كان غير ذلك -من غير الشّرك والكفر- إن شاء غفر وإن شاء عذّب. 

كما تكرّرت في ذلك الآيات: 

  • (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) [الإسراء:54].
  • (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء:48] -جلّ جلاله-، 

فاغفر لنا يا خير الغافرين. 

ومع عِطاء الله المنن للأمّة، وإدْراكهم مثل هذه المواسم، الكثير منهم من قبل ذاك اليوم يحصّل الغفران من الآن، وتتبدل السّيئات إلى حسنات من الآن. 

يا رب أكرمنا، في شهرنا رمضان، ولا يخرج عنّا إلّا بكمال الغفران، وتبديل السّيئات إلى حسنات حسان، رزان برحمتك يا أرحم الراحمين. 

قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)) مرهون بكسبه.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (22))

(وَأَمْدَدْنَاهُم) -فوق ما هم فيه من النّعيم- (بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ):

  •  وهذا إذًا يرجّح أن معنى (فَاكِهِينَ..(18))؛ أنهم هناك مسرورين مستبشرين مطمئنين. 
  • والفاكهة هنا مذكورة: (وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ) أنواع من الفاكهة من دون ما يطلبون، نعطيهم ونظهر لهم أشياء جميلة يشتهونها عند رؤيتها. 

(وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) أنواع ذاك اللّحم، ولحم من دون سلخ، من دون ذبح، من دون دم، ومن دون طبخ. 

ماذا تريد بأي نوع من الأنواع؟ 

موجودة عندك في الآنية من الذهب، من الفضة، ومن الزّمرد، من الياقوت، ومطبوخ على الطبخة التي يحبّها، وأشياء ما خطرت على بالك،  سبحان الله! 

بعد ذلك يرجع مرّة ثانية يقوم؛ إن كان طائرّا وإن كان أي حيوان يقوم يمشي بعد ما تأكله وتشبع ويقوم يمشي! بدون نقص عليك، ولا طائر، ولا شيء من الحيوانات، لا يوجد نقص في الجنّة، لا إله إلا الله- إن تريد خروفًا، وإن تحب بقرًا، وإن تحب.. على اسمها ونظيرها لأنه أَلَّفَك هذه في الدنيا فيجيء لك بأسماء مشابهة وتأتي متشابهة (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) [البقرة:25] وإلّا الطعم مختلف والحال مختلف والذّوق أيضًا، كله ليس مثل الذي في الدّنيا -الله لا إله إلا الله- في عدم في فناء.

أما ما في الجنّة؛ يقول ﷺ لما عُرضت عليه الجنة وهو يصلي بالصّحابة قال: "حتى هممت أن أقطف منها قطف عنب، ولو أخذته لأكلتم منه إلى يوم القيامة"؛ لأنه لا يفنى، ينمو محله آخر -الله أكبر- ﷺ. يعني العرض هنا، عرض حقيقة، ليس كعرض الصور والشاشات هذه ماذا تقطف منها؟ ولو حتى في بث مباشر كيف تقطِف منها؟ لكن هذا عرض حقيقي يقْطف منها، يخرجها ﷺ. -سبحان القادر!-

لمّا تحدّوه قريش ببيت المقدس، وكرُب كُربه، بسرعة انتقل بيت المقدس أمامه، صار يراه، أمام دار عقيل، كلما سألوه عن جهة انفتحت له، وتقلّب بيت المقدس كذا كذا، كم أبواب من الجهة الثانية؟ كذا كذا! كم نوافذ؟ في الحال وهو ينظر إليها ويجيب عليهم ﷺ، سبحان القادر! 

 

  تفسير قوله تعالى: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23))

قال: (وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا) شراب أهل الجنّة من الخمر الطيّب العذب المباح الحلال، الّذي لا فيها لغو، ولا سُكر، ولا مشاكل، ولا فقد عقل، ولا إثم، ولا حرام، بل حلال طيب! 

يقول: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا) كيف معنى يتنازعون؟ 

  • يتنازعون أي يتعاطون يتناولون. 
  • فقيل إنه زيادة في البهجة والسرور، يتجاذبونها مداعبة بينَهم. 

يضحكون تكون أطيب، ليس مخاصمة، ولا مجادلة، بل مداعبة بينهم، يتنازعون يعني يتجاذبون، والأصل فيها (يَتَنَازَعُونَ) يعني يتعاطون، ويتناولون بينهم، يناول بعضهم بعضًا. 

(يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا) ما فيها كلام لغو، ولا ذهاب عقل، ولا حركات مزرية بعد ذلك، ولا تخبط، فيمشي سَوَاء، لأن هذا كأس من خمر حلالٍ (لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) [الصافات:46]. 

قال: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23)) لا يحصل له بشربها إثم، ولا آثام تتبعها، كما إذا شرب الخمر قام يقتل، قام يسرق، قام يرفس، قام يعتدي، هذا في الدنيا لكن في الجنة لا شيء كهذا، لذّة وشراب طيّب، ولا سكر، ولا إثم، ولا حرام ولا شيء.

ولهذا من حق من آمن بالله أن لا يستعجل فيحرم شراب خمر الجنة بشرب شيء من خمر الدنيا، وأنواع هذه المُسكرات، أيقن عدو الله إبليس وجنده الموجودون في زماننا وقبلهم من الإنس والجن، أنّها من أقوى المفاسد التي تهدم الدين وتهدم الأخلاق والقيم؛ ولذا يحرصون على نشرها وبثّها بين شباب المسلمين، وخصوصًا في البلدان التي بقي فيها حس الدين قائمًا أو روحه أو مظهر الالتزام فيها قائم، فيحبّون نشر هذا بين أولادهم بكيف ما أمكن. 

والله يدفع شرّهم عنّا وعَن المؤمنين،ويجب على المؤمنين أن ينتبهوا من ذلك. 

وقد سمّيت أمّ الخبائث؛ لأن من اتصل بها، أوصلته إلى الخبائث كلها، تجي من ورائها. فهذه المسكرات، والمخدرات أمّ الخبائث، توصل إلى كلّ خبيث، وتنتهي صفات الخير التي في صاحبها، ويصل إلى كلّ سيّئة، وإلى كل قبيحة بعد تعلقه بهذا الأمر، ودخوله في هذا الخبث -والعياذ بالله تبارك وتعالى- لكن خمر الجنّة جعلنا الله من أهلها: (لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23)).

 

 تفسير قوله تعالى: (۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (24)) 

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ) خدّامهم، الّذين يخدمونهم في الجنّة، خلقهم الله يخدمون أهل الجنّة. (غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ)

  • في حسنهم وجمالهم كأنّهم لؤلؤ. ولؤلؤ ليس معرّض للشّمس، ولا لهواء ولا لتراب.
  • (مَّكْنُونٌ) في طراوة كاملة، لؤلؤة بطراوتها الكاملة، ما تعرّضت لتراب، ولا لهواء، ولا لشمس.

رأيت اللؤلؤة المكنونة؟ فيها طراوة تعجبك! قال هذا أوصاف خدامهم، فكيف هم؟ 

هذا وصف خدامهم:

  • (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ (24))
  • (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) [الإنسان:19]. 

فكيف بالمخدومين؟ هؤلاء الخدَّم.

هذه المرأة التي كانت تسمى مسكينة، كانت من الصاّلحات. لمّا توفيت ورآها بعض صلحاء قريتها، رآها تخطر في حُلّة من حُلَل الجنة متبخترة، تمشي متبخترة. عرفها في الرؤيا من ورائها، ناداها: يا مسكينة، يا مسكينة! نادى، التفتت، قالت له: هيهات ذهبت المسكنة، جاء الغنى الأكبر، في الدنيا كنتم تسمّونني مسكينة. قال: ما حالك؟ قالت : لا تسل عمّن أبيحت له الجنّة بحذافيرها. قال: بم أدركتِ هذا؟ قالت: من محبتي للعلم، ومجالس العلم، ومجالس الذّكر، كنت في الدنيا كلما أسمع مجلس ذكر، أحضر مباشرة، وتستمع إلى العلم، وتذكر الله مع الذّاكرين. هذا شغلها في الدّنيا، العمل له جزاء. قالت له: لا تسل عمّن أبيحت له الجنّة. قال فلماذا تتبخترين هكذا في المشي؟ قالت له: هذه مشية الخدّام في دار السلام!  ليست بخترة، الخدّام عندنا يمشون كذا! لأنّهم في أمر عالي، ونعيم فوق الوصف. قالت هذه مشية الخدّام في دار السلام، لا إله إلا الله!.

أنت السّلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسّلام، وأدخلنا برحمتك دارك، دار السلام.

 

 تفسير قوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25))

يقول: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) يتذاكرون أيّامهم، وما كان في الدنيا، وشؤون أعمالهم، يتذاكرون، يتساءلون. فذكروا سَببين لدخولهم الجنّة: 

  • إِشفاقهم أيّام كانوا في الدّنيا.
  • ودعائهم للرّب.

يا بر يا رحيم مُنّ علينا وقنا عذاب السّموم وأدخلنا الجنّة مع السّابقين من غير سابقة عذاب ولا عتاب و لا فتنة و لا حساب يا أرحم الراحمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

30 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

30 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام