تفسير سورة القيامة من قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}  إلى قوله تعالى: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنبأ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))

الحمد لله مُكرِمنا بالمِنن المُتوالية والنِعَم المُتتالية، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، يرفع المُقبلين عليه إلى الدرجات العالية، ويهوي بمن كفر وفجر واستكْبر إلى الهاوية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يجمع العِظام البالية ويُحييها بقُدرتِه العظيمة الراقية، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، مولى الصِفات الكامِلة والشمائل الفاضِلة. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على قُطب دائرة الحقّ والبيان، أكرم إنسان، أنطقته بأفصح لسان، وخصّصته بتنزيل القرآن، سيدنا محمد، وعلى آله المُطهّرين عن الأدران، وصحبه الغُرّ الأعيان، وعلى من تبِعهم بصدِق وإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادة أهل العِرفان، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. 

وبعد،،، 

فإنّنا انتهينا في تدبُّرِنا لآيات ربِّنا -جلّ جلاله- وفي غدوات هذا الشهر الكريم المُبارك إلى سورة القيامة، السورة التي سُمّيت باسم القيامة، ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة:49-50]، ثم إن قيام كلّ مُكلّف بين يدي ربه -جلّ جلاله- تبدأ شُؤونه وأخباره من حين موت الإنسان، فإنّه تُزاح عنه الغفلات بأصنافها وحُجُب الكُدورات في نظره وفي وعْيه وإدراكه وكلّ ما كان من الشُكوك والأوهام والخيالات؛ فيلقى ربّ الأرض والسماوات ومُكوّن الكائنات؛ وحينئذ يكون قد قام بين يدي الله -تبارك وتعالى- بِقومةٍ انْحلّ فيها جميع أسباب الوهم والخيال؛ فلا يكون إلا أشدُّ النّدم على كل الزيغ والضلال، وأعظم الفرح لمن اسْتقام على ما أحبّ الرحمن منه من أقوال وأفعال وخِلال، وما أعظم ساعة اللقاء! وما أجملها لِمن اتّقى! وما أشدّها على من زاغ عن سبيل التّقى!. تبدأ معاني القيامة بذلك الموت.

وبذلك لمّا حضر بعض الصحابة أو التابعين جنازة فصلّى عليها فقال: "أما إنّ هذا قد قامت قيامته"؛ وبهذا تكون قيامة كل إنسان بموته، ثم إنه بعد هذه القَومة بهذا المعنى، لهم قومة عُظمى أخرى بعد جمْعِهم أجمعين، بعد النفخة الثانية في الصور: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، (أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين:4-6]، وما من أحد إلا ويُعرض على ربه، وعامة الناس ممن لا يُظل بظِل العرش يكونون في قومة طويلة تحت حرّ الشمس بِمِقْدار خمسين ألف سنة، ثم يُنْقلون إلى أرض الحِساب بِشفاعة سيّد الأحباب -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، ثم تكون لهم المواقف؛ فمن محكوم له بدُخول الجنّة، ومن محكوم عليه بدُخول النار -اللهم اجعلنا من أهل جنتك وأجرنا من النار- ذاكم يوم القيامة.

 يقول الحق تبارك وتعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2))، ويأتي في معنى (لَا) هذه: 

  • إمّا أنّها على عادة العرب في ألفاظِهم بأن يزيدوها أمام كلِمات تُعرف زيادتها من سِياق القول، والمعنى: أُقسِم بيوم القيامة وأُقسِم بالنفس اللوامة،
  • أو أنّها مُتعلِّقة بمعنى يقولوا: (لَا) ليس الأمر كما يقول المُنكِرون للبعث والرجوع لنا، (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، و(لَا) ليس الأمر كما قالوا: (أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) أنّهم يُبعثون، كما أشار إليه قوله: (بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4))
  • (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)) ويُذكر في مُصحف لسيدنا عثمان: (لَأُقسم) في الأولى، و(لا) في الثانية. 

(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2))؛ وقد علِمنا قَسم الحق -تبارك وتعالى- بما شاء من الكائنات التي تدُل على عظمته وجلاله، وأنه لا ينبغي لخلْقه أن يقسموا إلا به، أو بأسمائه، وصفاته، ويقسِم هو بما شاء من كائناته -جلّ جلاله- وذلك كثير في كتاب الله: 

  • (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ) [الضحى:1-2].
  • (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) [الشمس:1-5].
  • (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ) [الليل:1-2].
  • إلى غير ذلك من الأقسام في القرآن. 

يقول: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2))، ولا أقسم بالنفس اللوّامة الكثيرة اللّوم، والنفس اللوّامة تأتي بمعاني: 

المعنى الأول: أنّه مرحلة من مراحل تمُرّ بها النفس: 

  • بعد أن تكون أمّارة.
  • تنتقل إلى اللوّامة.
  • ثم تنتقل من هذه اللوّامة عُبورًا بالمُلهمة.
  • إلى المطمئنة.
  • وترتقي في المطمئنة إلى الراضية.
  • والمرضية؛ فهي أحد مراحل النفس إذا عُمِل على تهذيبها وصفائها وتزكيتها. 

ومن لم يعمل على تزكية نفسه ظلّت أمّارة، ولم ترتقِ حتى يموت، وهو في النفس الأمّارة بالسوء -والعياذ بالله-، وتلِكم شرِّ النفوس، وهي أقسى وأشدّ الحُجُب بين الله وبين عباده، ومن كان في النفس الأمّارة حتى يموت فأجدر بأن يكون من قوم في يوم الميقات والقيامة، قال عنهم: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) [المطففين 15].

فإن أشدّ الحِجاب بين العبد وبين ربِّه؛ النفس، فإذا تخلّى عنك إبليس وأيس مِنك وتركك، وتخلّى عنك الزُخْرُف من هذه الحياة الدنيا؛ بقيت النفس بهواها حائلة بينك وبين حقيقة الخُضوع لربّك وبين الوصول إلى مولاك. 

النفس إذا لم تُطهَّر ولم تُزكى فالأمر كما قال الملِكُ الأعلى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس:7-10]: 

  • فالخيبة على كل من دسّ نفسه وأهلكها باتِّباع هواها،
  • والفوز والخير لمن زكّى نفْسه وصفّاها. 

اللهم آتِ نُفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليّها ومولاها، هذا معنى في اللوّامة. 

والمعنى الثاني: أن النفس بجميع مراحِلها وجميع تقلُّباتها من النفوس الأمّارة التي يلبث فيها الفُسّاق والكفّار إلى أن يموتوا، وتطورها في المراحل بالنسبة للمؤمنين المزكّين لأنفسهم والمُجاهدين لها إلى اللوّامة إلى المُلهمة إلى المُطمئنة إلى الراضية إلى المرضية إلى الكمال الإنساني؛ وتكون النفس حينئذ كامِلة. أن كل هذه النّفوس تحمِل لأصحابها معنى من اللّوم: 

  • أمّا في الدنيا فلا تزال تقول: لما لم تفعل كذا؟ ولما فعلت كذا؟ وتلوم نفسه على أشياء كثيرة.
  • وأمّا في العُقبى فتلوم نفسها: من كان مُحسنًا لامته نفسه لما لم يزدد إحسانًا؟ ومن كان مُسيئا لامته نفسه على إساءته. 

فكلّها حينئذ يُصاحِبها معنى من اللّوم أو من اللائمة، وحينئذ فالقَسم بهذه النفس البشرية كما قال في الآية الأخرى: (وَنَفْسٍ) -أَقْسَمَ بِنَفْسٍ- (وَمَا سَوَّاهَا) [الشمس:7]. 

(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2))، ما هو جواب القسم؟ آتٍ في قوله: (بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4))(أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ) -أيظُن أو يتوهّم أو يتصوّر- (أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3))! وذلك أن بعض الكفُّار جاءوا إلى رسول الله ﷺ، وكانوا ممن يُجاوره بمكّة؛ الأخنس بن شُريق وختنهِ -صهره- يقولون للنبي ﷺ: حدِّثنا عن يوم القيامة ومتى هو؟! وكيف يكون؟! فأخبرهم، فقالوا: أتُجمع العِظام فيه بعد أن تتفتت وتبلى؟! قال: نعم يجمعُها الذي خلقها، قال: لو عاينتُ ذاك اليوم لم أؤمن بك، ولافعلتُ ذلك -واستهزأ بجمع العظام-، فقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ) -هذا الغافِل الجاهِل المُتطاول- (أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3))! نحن خلقناها من لا شيء، وكوّناها من نُطف، ثم نعجز عن أن نكوّنِها مرّة أُخرى ونرُدّها كما شئنا؟!. 

(أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3))، ويستهزئ كما كان أيضاً الوليد بن المغيرة؛ فتت عظمًا أمام النبي جاء يميزه وقال: أتقول أن هذه العِظام تعود حيّة ويحيى أصحابُها؛ فأنزل الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) [يس:77-79]  لِم لا تتعجب في إنشائها أولا؟! وتتعجب في مجيئها الثانية، العجب في الأولى أعظم من الثانية، إذا قد جاءت أول مرّة فثاني مرّة أسهل، لكن أول مرة كيف جاءت؟! من أين جاءت؟! وأين خزينة العِظام التي عند أبيك أو عند امك حتى جاءت منها هذه العظام؟! و من أين جاءت؟! (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) جلّ جلاله. 

يقول سبحانه: (أَيَحْسِبُ الْإِنسَانُ)، وفي قراءة: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (3)) إذا فنِيَت وبلِيَت وتفتّت وذهبت في التراب؛ (بَلَىٰ) قُْدرتُنا طليقة نخلِق ما شئنا ونرُدُّ من الخلْق ما شئنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه- (بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)) أصْبِعه، (قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ) انْظر إلى إصْبعك الذي علّقناه براحِتك، كيف ربطنا بينه وبين الراحة؟ وكيف قوّينا هذا الربط؟ وكيف لوينا له أنامِله لينعطف بها؟ وكيف جعلناها على مقادير تحسُن جداً في ضمِّ يد الإنسان وفي اسْتِعمالها لأغراض مُختلِفة؟ لو كانت كلّها على طول واحد لم يتسنّى للإنسان كثيرٌ من مصالِحه، ولكن رتّبناه، ثم جعلنا فيها من الخلايا والأعصاب، ثم جعلنا فيها من البصمات ما لا يُشبه بصمةٌ بصمةً أخرى، ولو جئنا بمئة مليون إنسان وبصّمنا كل واحد؛ لم تنطبق بصمة كالأخرى قط.

(بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)) نحن الذين أقْمنا هذه العجائب والعظمة في التكْوين أمامه؛ يُنكِرَ أن نُعيدها!. (بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ) كونّاها أولا وسنُعيدها ثانياً كما كونّاها، وإذا أعدناها بدقِّتها أن يرجِع نفس البنان بنفس الشكل وبنفس التركيب وبنفس الاعصاب والعِروق وبنفس البصمات، فماذا نعجز عنه بعد ذلك؟! فكُلّه نُعيده كما خلقناه أول مرة. 

(بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ) -الفاجِر الكافر- (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5))، يفجُر أمامه بالتكذّيب بيوم القيامة وبالتمادي في الذنب والمعاصي، يفجُر أمامه ويقول: سوف أتوب وسوف أرجع وسوف وسوف… فينتهي، وأكثر عُمره، ينتهي عُمره ويلقى ربه وهو على غير سبيلٍ سوي، وأكثر عذاب أهل النار من سوفَ، يقول: سوف أتوب وسوف أرجع وسوف…. 

  • (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) يسمح لنفسِه أن تتمادى في غيّها وضلالها واتِّباع شهواتها ولا يُبالي.
  • (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) مُكذِّبًا بالمصير والمرْجِع أوغافِلا وناسياً له.
  • (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)؛ ليكون ذا فُجور في مُستقبله من الأيام، لا يُريد أن يرعوي عن غيّه وطُغْيانه.
  • (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) يستمِر في الفُجور والمعصية لا يرعوي ولا يتوب ولا يرجِع عن سوء أعماله وأحواله. 

(بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)) يسأل سؤال مُستغِرب ومُستبعِد: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6))؟ متى يكون يوم القيامة؟ ومتى يأتي يوم القيامة؟ (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ)؟ وهكذا قام الميزان في الفرق بين المؤمنين بالقيامة والمُكذّبين بها: 

  • هؤلاء يذكُرونها فيزدادون خشيةً وإيماناً ويُحسِنون الاستِعداد لها،
  • وهؤلاء يُنكِرونها فيذكُرونها ذِكر المُستنكِر المُستغرِب المُستبعِد لشأن القيامة والمصير فيها؛ مُستخفّين مُستهزئين. 

قال تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا) [الشورى:17-18]، (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5))، (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ۗ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [الشورى:18]. 

تخالفوا مع العقل ومُقتضاه، ومع الإدْراك ومع الفهم ومع الوعي؛ فخالفوا فِطرهم، وخالفوا عُقولهم، الآيات أمام أعينهم بادية واضِحةٌ ظاهِرة: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) [ال:6-13]؛ آيات واضِحة تدلُّ على عظمة وقُدْرة طليقةٌ لا حدّ لها؛ ما معنى الإنكار بعد ذلك؟! هم المُتناقِضون مع العُقول، هم المُتناقِضون مع المنطِق، هم المُتناقِضون مع الفِطرة؛ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ القيامة (أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [الشورى:18]. 

بعد هذه الآيات كلها: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) بعد هذا كله ماذا يكون؟ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) [ال:9-17]، لا شك ولا ريب، إلا هو وقت مُحدد إذا جاء؛ يأتي (كَانَ مِيقَاتًا)، (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) [الحج:2]، ألا يوم يرونه يُوقِنون بما أخبر به المُرسلون صلوات الله عليهم. 

قال: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6))؟ يقول الحق: سيأتيك  يوم القيامة، (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)) وقرأنا في عبارة؛ قال (بَرَقَ الْبَصَرُ):

  • (بَرِقَ الْبَصَرُ): توقّف من هول ما يرى!
  • (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ): فزِع وتحيّر من شِدّة ما يراه. 

يقول الله عز وجلّ: هذه القيامة ستأتيك يبْرُق بصرُك عندها، (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8)) ذهب ضوءه (وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ) أيضاً وقد كُسِفت، وقد كُوّرت، يعني ذهب ضوءها (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)) بذهاب ضوء كلّ مُنهما، وبتقارُب أجرامِهما، حتى تكون الشمس فوق رؤوس الناس بينها وبينهم مسافة ميل إلى حد أن قال الراوي: لا أدري أقصد ميل المسافة أم ميل المُكحلة. 

(فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10))

يقول تعالى: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنسَانُ) هذا الذي كفر واستغرب المرجِع والآخر، (أَيْنَ الْمَفَرُّ)؛ أفرُّ إلى أين؟ من يُنجيني؟ من يُخلّصني؟ أين أذهب؟ إلى أين ألتجئ؟ بمن ألوذ؟ (يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)) إلى أين أفرّ؟ ومن يُنقذِني؟ (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ) - ويفر من كل شيء- (وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا) [المعارج:11-15] لا تنفع هذه التماني، (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) [المائدة:36] من سوء العذاب يوم القيامة، ولكن هل يُقبل منهم ذلك؟! لا إله إلا الله. 

ما عاد يبقى مكان ولا منزِلة؛ لا للمُلك ولا للذّهب ولا للقبيلة ولا للجيش ولا للجماعة، يقول: لو تأخذوا الخلق كلهم مُقابل أنّي أنجُ؟ لو كان لي جميع الناس والجيوش والجنود سلّمتهم وسلِّموني .. خلِّصوني مما أنا فيه؛ لا خلاص، كان بإمكانك أن تتخلّص بإيمان وتقوى وإخلاص وانتهى كل شيء؛ لكنّك أبيْتَ وراء الشهوات، وراء الفانيات، وراء الحقيرات؛ ورضيت لنفسك بذلك. 

 (يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)) وهكذا يبيّن لنا الربّ -سبحانه وتعالى ويقول جلّ جلاله وتعالى في علاه- في بيان هذا المعنى أيضا: 

  • (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) لو كان لهم ما تُقُبِّل، ليس لهم أصلاً! ماعاد بقى معهم حتى نقير ولا قطمير، أصحاب الثروات والمُلك صاروا لا يملِكون شيء ولا عندهم شيء، و(لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ) وهل يأتون بأرض ثانية؟! من أين يأتوا لهم بأرض ثانية؟! (وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) [المائدة:36]، ما تُقُبِّل منهم ولهم عذاب مهين -والعياذ بالله- (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يؤلمهم، أجارنا الله من عذابِه الأليم.
  • ويقول -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ) -اللهم اجعلنا منهم- (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ)، لو كان لهم ولا يقبل منهم،  لو افتدوا به لا هو لهم  ولو كان لهم ما قُبِل منهم؛  (أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [الرعد:18].

 (يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)) يقول الجبّار: (كَلَّا) -حقًا- (لَا وَزَرَ (11))

  • (لَا وَزَرَ): لا ملاذ، لا ملجأ، لا مؤازِر ينصرك، لا جبل تلجأ إليه كما كانوا يلجأون الى الجبال يتحصّنون بها، لا جبال، ولا جبل، ولا حُكومة، ولا حِزب، ولا هيئة، ولا وزارة، ولا دولة كبرى، ولا دولة..
  • (لَا وَزَرَ) ما بقي شيء تلتجئ إليه، ما هناك شيء؛ ظهرت الحقيقة؛ القوي واحد، القوي واحد، والقادر واحد هو الله، ظهرت الحقيقة الآن. 

هذا الذي كان فيه كله غُرور، الذي فيه كان كله غُرور؛ (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15] ياقوم عاد، أين أنتم الآن؟! و أين قوّتكم؟! أكنتم أقوياء صحيحًا؟! غُرور كانوا فيه، (أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الملك:20-22]، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)  [الفاتحة:6-7]. 

(كَلَّا لَا وَزَرَ (11)) لا ملجأ، لا مرجِع، لا ملاذ، لا جِبال، لا أشجار، لا دِيار، لا دُول، لا وزارات، لا أحزاب؛ لا شيء، (كَلَّا لَا وَزَرَ) فما الحاصل؟ الحقيقة: 

  • (إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)) الملجأ إليه والملاذ إليه والمرجِع والمُنتهى إليه، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَى) [النجم:42]،
  • (إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) يسْتقِرّ كلّ شيء عبداً ذليلاً خاضِعاً أمام إلهٍ واحد جليل قادِر، (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:93-95]. 

(كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنبأُ الْإِنسَانُ) : مُجازات ومُكافأة،  تحقيق جزاء،  نتيجة وثمرة يلقاها وياخُذها ويذوقها وتُحيط به

(يُنبأ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)): 

  • بكلّ شيء تحّرك فيه أو سكن.
  • بكلّ شيء تصّرف فيه بما أوتي من طاقة وقوة وقُدرة؛ فِكراً أو نيّة أو حركة أعضاء، أو أيّ تصرُّف في هذا الوجود

(بِمَا قَدَّمَ) يُنببأُ الإنسان بما قدّم من عمل، وما أخّر من آثار، (بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) بما قدّم من الذُنوب والمعاصي، وما أخّر من حُقوق الله -تبارك وتعالى-؛ 

كل هذه المعاني ما قدَّم وأخّر، ينبأُ الإنسان يومئذ بما قدَّم أمامه من الآمال، وما أخّر من سنّةٍ حسنة أو سيّئة، من آثار عُمِل بها من بعده: (إِنّا نَحنُ نُحيِي المَوتى وَنَكتُبُ ما قَدَّموا وَآثارَهُم) [يس:12] ما خلّفوه من بعدِهم من سُنن  حسنة أو سُنن  سيئة؛ يُنبّئون به، أي نبأ ؟ نبأ الثمرة والنتيجة والجزاء. 

خُذ ثمرة ما عمِلت، خُذ جزاء ما قُلت وما فعلت: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ) [النجم:39-41] نظراتُنا كُلّها تحضر، نياتنا كُلّها تحضر، خلواتنا كُلّها تحضر، جلواتنا كُلّها تحضر، خططنا كُلّها تحضر، حركاتنا كُلّها تحضُر، سكناتُنا كُلّها تحضر: (يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت مِن خَيرٍ مُحضَرًا وَما عَمِلَت مِن سوءٍ تَوَدُّ لَو أَنَّ بَينَها وَبَينَهُ أَمَدًا بَعيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفسَهُ وَاللَّهُ رَءوفٌ بِالعِبادِ) [آل عمران:30]، إذا أراد لكم أن يكشف عن جلاله لم تستطيعوا عدله؛ فتأدّبوا مع هذا الإله واسْتغفِروه وتوبوا إليه، إن مساعيكم محصورة بين يديه وسيقابِلكم بها؛ 

  • (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ) [النجم:39-41].
  • (يَومَئِذٍ يَصدُرُ النّاسُ أَشتاتًا لِيُرَوا أَعمالَهُم) [الزلزلة: 6].

خُذ نتيجة جلسات الخير أو جلسات الشر؛ خُذ! خُذ نتيجة التبْكير إلى الهدى أو التبْكير إلى الظلال؛ خُذ! خُذ نتيجة العمل بأمر الله في إيتاء الزكاة أو منع الزكاة؛ خُذ! خُذ النتيجة الآن: (يُنبأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)).

يا كلّ عاقِل مؤمن بالله: ماذا تُساوي الاستِخبارات؟ وماذا تُساوي المُخابرات؟ وماذا تُساوي التجسسات في عالم الدنيا؟ وماذا يُساوي تسجيل الأجهزة بالتوثيقات؟ إن كنت تخاف منها أمام عليّ قدير جبّار؛ يعلم مِنك ما لا تعلمه من نفسك، يعلم سِرّك ونجواك أكثر مما تعلمه أنت! إن كان عندك عقل تُريد أن تهاب أو تخاف شيء فهذا الذي يُهاب!! هذا الذي يُخاف -جلّ جلاله- دون ما على ظهر الأرض ممّا تُخوّف به من أجهزة ودُنيا وحُكومات وما إلى ذلك؛ هذا الذي يُخاف؛ جبّار السماوات والأرض، هؤلاء الجبابِرة كُلّهم خُضّع مُنكِّسين رؤوسهم أمامه والحُكم له (يُنبأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13))؛ فراقِبه إذا غضِبتْ نفسك، وراقِبه إذا ثارت شهوتك، وراقِبه إذا دعتك الدواعي لترْك أمره أو ارْتِكاب زجْرِه، فإنّك ستُنبأ بما قدّمت وأخّرت بين يديه. 

(يُنبأ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)) يوقِن ويعلم خطئه وضلاله وزيغه وتقصيره، هو (عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) هو مُقِرٌ مهما جحد في عالم الدنيا:

  •  (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة:12].
  • ويقولون: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:106-108].

 كلٌّ يُقِرُّ ويعترِف: (إِنَّ الإِنسانَ لِرَبِّهِ لَكَنودٌ) -جحود- (وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهيدٌ) [العاديات:7-6] يشهد على نفسه.

(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15)) ولو تحجّج وألقى له عُذِر هُنا، وباطنه يدري ما بنفسه؛ هو يعرف هذا، والمُتعلّلين والمُتعذّرين -في الباطن- يعلمون ما بأنفسهم، باطنهم ليس كظاهرهم، يُغالِطون أنفسهم مُغالطة؛ يظنّون أنّ المُغالطة ستمشي، حتى إذا جاءوا في القيامة بعد ما عاينوا من عذاب وأهوال في البرزخ أيضا يرجِعون إلى نفس الطبيعة: (يَومَ يَبعَثُهُمُ اللَّهُ جَميعًا فَيَحلِفونَ لَهُ كَما يَحلِفونَ لَكُم وَيَحسَبونَ أَنَّهُم عَلى شَيءٍ أَلا إِنَّهُم هُمُ الكاذِبونَ) [المجادلة:18]؛ لا تنفع هذه الوسائل والأساليب لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ إنما يغْترُّون بها الناس! يغْترُّون بها الناس ويتعلّلون ويتعذّرون ويحتجّون كما كان يتعذّر المُتخلِّفون عن رسول الله ﷺ من المُنافقين بالكذِب، ويعتذِر الصادِقون بعذرِهم ويقرُّ غير ذي العُذر منهم بأنه قصّر؛ هذا وصف المؤمنين. والآخرين يتعلّلون ويتعذّرون -وهو يعلم بنفسه أنه كذاب؛ إن كان قادِر ولا عنده عِذِر لكن يذهب  ويأتي بعذر-.

(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15)) تحجّج وتعلّل وتعذّر بكم عِذر وفكّر، وماذا ينفعك هذا؟ إن مشى بغُرورك اليوم في ساعات ومواقِف مُحددة، فكيف تنجو هناك؟! (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) [النساء:109]، أتوجد وكالات تأتي لك بمُحامين في الآخرة؟! ستصلح لك شيء وكالات تقوم عنك وتتوكّل عنك؟!.

(يُنبأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15)) فيا ما أقبح الأعذار الكاذِبة البارِدة الخائبة أهلها! ولقد قال سيد الطائعين الخاضِعين الخاشِعين المُنيبين المُتذلّلين لله: "أبوءُ لكَ بنعمتِكَ علَيَّ وأبوءُ لكَ بذنبي"؛ لا تعّلل ولا تعذَّر لك وهو الأطهر والأنقى والأتقى يقول: أعترِف وأقرُّ لك بنعمتك عليّ، وأعترِف وأقرُّ بذنبي، "فاغفِرْ لي إنَّه لا يغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ"

وهذا شأن العِباد الصالِحين مع ربهم قال الله -جلّ جلاله- لآدم وحواء: (أَلَم أَنهَكُما عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَكُما إِنَّ الشَّيطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبينٌ) -فلم يعتذِرا ولم يتعلّلا ولم يقولا: نحن ومعنا- (قالا رَبَّنا ظَلَمنا أَنفُسَنا) اعترفنا وايقنّا -أننا مع هذا الاعتِراف- إن لم تغفِر وترحم نخسر؛ ما لنا إلا أنت؛ (رَبَّنا ظَلَمنا أَنفُسَنا وَإِن لَم تَغفِر لَنا وَتَرحَمنا لَنَكونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ) [الأعراف:22-23]؛ (ثُمَّ اجتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيهِ وَهَدى) [طه: 122]، وهكذا كلّ من صدق في المُعاملة مع الربّ، وكلّ من يتعلّل ويتعذّر و يكذِب؛ يخسر -والعياذ بالله تعالى-. 

فالله يغفر لنا ويرحمنا ويرزقنا الاستقامة والاستعداد لذلك المصير إنه أكرم الأكرمين، وفي مثل هذا الشهر يكون النفخة في الصور الأولى -نفخة القيامة- في مثل هذا الشهر في رمضان في يوم جمعة؛ لا يُدرى في أيّ الأعوام، تأتي هذه النفخة ويصعق من في السماوات ومن في الأرض، ويصعق من في السماوات ومن في الأرض، ليس أهل الكرة الأرضية وحدهم الكلّ يصعد، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ)، ويمر مِقدار الأربعين ثم النفخة الثانية، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) -ذلك يوم القيامة- (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، لا إله إلا الله، إذا كان يُجاء بالنبيين والشُهداء فما بال غيرهم؟ من سيتخلّف غيرهم؟ حتى  رؤوس الخلق الكِرام الكُبَار (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ) تعالوا! وقف الكل، فما بالك بمن دونهم؟ (وَقُضِيَ بَيْنَهُم) -جميع الخلائق- (بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الزمر:68-69].

الله يجعلنا في ذاك اليوم فائزين برحمته وعفوه وعافيته ومغفِرته ورِضوانه، اللهم إنّك عفوٌّ تُحبّ العفو فاعفو عنا ياكريم. نفعنا الله وايّاكم بقرآنه وتبيانه وآياته، وجعلنا من ألصق المؤمنين بنور القرآن وسر القرآن وجعله مُتخللًا بأرواحِنا وقلوبنا ومالئاً لصدورنا مُنشرِحةً به صُدورنا. اللهم اشْرح صُدورنا بآياتك وارزقنا اللهم كمال اليقين ببيناتك، وارْبُطنا بخير برياتِك في الدنيا والبرزخِ ويوم لقائك برحمتك يا أرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي محمد

اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

04 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

19 مايو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام