تفسير سورة القيامة -2- من قوله تعالى: ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16))
تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} إلى قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} من سورة القيامة.
نص الدرس مكتوب:
﷽
(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21))
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله على مَنِّه العظيم وفضلِه الجسيم وجُودِه القديم، لا إله إلاَّ هو وحده لا شريك له، أرسل لنا نبيهُ المُصطفى بالذّكر الحكيم والقرآن العظيم، اللهم أدم صلواتِك على الهادي الدالِ عليك سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن اقْتفاهم وعلى منهجِهم سار، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسلين معادن الأنوار، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصالِحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمّا بعد،،
فإنّنا في تأمُّلِنا لكلام إلـٰهنا ومولانا -جلَّ جلالة- وصلنا في سورة القيامة إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))، وعلِمنا مِن معانيها ما علِمنا أن المُسْتقر والمرجِع والمآب إلى ربّ الأرباب جلَّ جلاله:
- (إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ) [العلق: 8].
- (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ) [الغاشية: 25].
- (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115].
(إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ): المآب، والمرجِع، والمآل، والمُنتهى، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ) [النجم:42-55].
(إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)):
- بما قدّم مِن الطاعة وأخّر كذلك مِن الطاعة.
- وبما قدّم مِن المعصية وأخّر مِن المعصية.
- بما تقدّم مِن عمله وما تأخّر، ونياته ومساعيه وكسْبه.
- بما قدّم وأخّر؛ بما قدّم في حياتِه، وما ترك مِن آثار وسُنن بعد وفاتِه.
(يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) بما قدّم مِن ماله وما خلَّف لورثته، وبكل ما يتناوله معنى التقدْيم والتأخير. (يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)) نبأ سؤالٍ، نبأ بيانٍ، نبأ مُجازاتٍ، نبأ نتيجةٍ وثمرة لِما قدّم ولِما أخّر.
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14))، بل الإنسان على نفسه:
- وعلى ذاتِه بصيرة مِن حيث ضميره وعقْلِه ووِجْدانِه.
- وعليه مِن نفسه بصيرة؛ أي أعضاؤه التي ركّبها الله فيه شاهِدةٌ عليه، ترْقُب ما يقول، وما يفعل، وما يتحرّك، وما يتصرّف، ثم تشهد الأيدي والألسُن والأرْجُل، والجُلود، وكلّ ما في الإنسان.
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (13))، فمهما أنْكر، أو كذّب، أو (أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))؛ فله شاهِدٌ عليه مِن نفسه يومئذ تشهد عليهم: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) [النور:24-25]، فأسماعهم وأبصارهم، (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت:21]، (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ) [فصلت: 22]؛ وإذا بالأعضاء تُخبِر عمّا فعلت، وعمّا تصرّف بها صاحِبها:
- وتقول العين: نظر لكذا وامتدّ إلى مكانِ كذا، ووجهِ كذا وإلى حالِ كذا.
- ويقول الأذن: واستمع بي إلى كذا.
- وتقول اليد: مدّني إلى كذا، وأخذ بي كذا، وضرب بي كذا وكذا.
- وتقول الرِجل: مشى بي إلى مكانِ كذا، وذهب بي إلى مكانِ كذا.
وهكذا جميع أعضائه شاهِدة عليه يوم القيامة: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))؛ فما ينْفع الاعْتِذار في ذلك اليوم: (يَوْمَ لَا تَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:52]، (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15)).
ثم نجِده سُبحانه وتعالى خاطب نبيه في شأن هذا القرآن العظيم، وما يُنزِله عليه فيُبلِّغه للعِباد ويقول له: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)):
- تلقَّى ما نُنْزِل عليك مِن الكلام بالتأنّي والطمأنينة.
- واستمع إلى ما يُلقي إليك جبريل.
- ولا تستعجل بأن تتكلم بما يُقْرِئك جبريل، وبما يُلْقي إليك فتُحرّك به شفتك ولِسانك محبّة مِنك لهذا الوحي.
وخشْية أن تنسَ شيئًا منه، فأنت تُثبِّته بتحْريك لِسانك به مُباشرة؛ خوفًا مِن أن تنسَ شيئًا، ومحبّةً وشوقًا إلى ما نوحي إليك.
- قال الله: "فليكن حالُك أعظم مِن ذلك وأنا الذي أضمن بحِفْظِه في صدْرِك، وجمْعِه عليك، ثم ببيانِه التام".
- يقول تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ) بالوحي الذي يُنزِل عليك، كما قال تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114].
فيقول: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)) أي إذا ابتدأ يُلقي عليك الوحي جبريل بالقرآن الكريم مِن عِندنا؛ فلا تُحرِّك لِسانك به خشْيةً مِن نِسْيانه، أو شوقًا ومحبّةً له.
- (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)، وهو القائل ﷺ: "أَدَّبَنِي ربي فأَحْسَنَ تَأْدِيبِي"، فكان المثل الأعلى في كريم الآداب ﷺ.
- وقال: مِن حقِّ مَن يُلقى إليه أن يستمِع ويُنصِت إنْصاتًا ولا يُحرِّك لِسانه، ولا يُحرِّك عينه، ولا يُحرِّك يده، ولا يتحرّك بشيء أمام ما يُلقى إليه، حتى إذا وعاهُ وكَمُل الإلقاء عليه، بعد ذلك تلاه وقرأه.
قال: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) وبذلك كان إذا جاء سيدنا جبريل -عليه السلام- أصغى وأنصتَ واستمع إليه؛ حتى يقْضي الوحي، فإذا ذهب جبريل قرأهُ كما وعده الله -سبحانه وتعالى- تامًا كامِلًا.
(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ)، يقول الله: أنا الكفيل الوكيل بِجمْعِه في صدرِك، (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) أن نجمعه لك ونُثْبِتَهُ في صدرِك وقلبِك وبالك، فلا يسقُط مِنه حرف، ولا تنسى مِنه كلمةً ولا حرفًا، يقول كما قال تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) [الأعلى:6].
- يقول سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)) علينا قرآنه؛ أي: أن نُمكِّنك مِن قِراءته كما نُحبّ، وكما يكون في مُرادِنا لعِبادنا أن يهتدوا به وأن يتعلّموه، فتقرأهُ قُرآنًا تامًا كامِلًا يفهمونه عنك.
- (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) وقرآنه كما قال تعالى: (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ) [الإسراء:106]، وقال: (لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) [الرعد:30]، فهو التالي والقارئ بأمر الله -تبارك وتعالى-، ويقول الله: عليَّ جمْعه في صدرك، وعليَّ أن أُمَكّنك مِن تبليغه وقراءته لعبادي، (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)).
(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)): (عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) أي: وتمْكينك مِن قراءتِه وتلاوتِه على الوجه الذي نحُبِّه لعِبادنا.
فهكذا جاءت الأخبار والتعليمات مِن الرَّبّ لحبيبه محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم:
- وقال: كُن على أعلى مراتِب الأدب حين التلقّي للوحي: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [النمل:6].
- فكن مُسْتمِعًا مُنْصِتًا، ولا تستعجل لا بالشوق، ولا بخوف النسيانِ مِن تحريك لِسانك بالقرآن.
(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) إنَّ علينا أن نجمعه لك تامًا كامِلًا في صدرك فنُثبتهُ فيه؛
- (وَقُرْآنَهُ): أن نُمكِّنك مِن قِراءته فتُبلِّغه عِبادنا، فبيّن تعالى مكان نيابةِ حبيبه عنه في حفظ القرآن وفي تبْليغ القرآن، وقال الله: عليَّ ذلك.
- (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) علينا قُرآنه أي: فأنت تتلو عليهم ما قُلنا بلسانك الذي أنزلنا به القرآن؛ فأنت نائب عنّا في تبْليغ عِبادنا ما كان مِن قُرآننا، وما كان مِن قولنا، وما كان مِن وحينا.
(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) وقيل: أن معناه (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) أي: قراءتهُ على لِسان جبريل يقرأهُ عليك تامًا كامِلًا.
- (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ)، -قرأناه- بتبْليغ جبريل إيّاك وبقراءة جبريل لك.
- (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)): اقرأه بعد ذلك كما أقرأناك وبلِّغهُ عِبادنا.
(فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ(18))، يأتي معنى في قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)):
- أنّه -صلى الله عليه و صحبه وسلم- كان كثير التِلاوة وكُلّما مضى و مشى حرّك لِسانه بالقرآن خَشية نِسْيانه فقال الله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) ورتِّب على نفسك التلاوة في أوقاتها ومحلّها وعند قيامك في الليل وفي مكانه، ولا تكُن بهذا الحِرص البالِغ الشديد الذي يُجْهِدُك.
- (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ(17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18))، والقول الأصح هو القول الأول في التفسير: لاتستعجل بِتحريك لِسانك به قبل أن يُقضى وحْيهُ إليك.
(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ(17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18))، ثم إن مِن المعاني (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ): إذا بلَّغْناه، وبيَّنْاه على لِسانك، ووضَّحْنا معانيه وأحكامه؛ (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فامتثِل أحكامه، التزِم أوامِره واجتنِب نواهيه.
(فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) يقول:
- فأعْمل به.
- وقمْ بحقِّه.
- وامْتثِل ما أمرناك.
(فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19))، ثم إن علينا أن نُبيِّنه على لسانِك تامًا، كما قال له: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: 44]؛ قال: عَلَيْه بَيَانَهُ.
و(عَلَيْنَا بَيَانَهُ) توضيح معانيه وأسراره، وأحكامه وما فيه لك، ولصدرِك؛ حتى يتبين لك مِن سِرِّه ما لا يحْمِله سِواك مِن معاني هذا القول: (عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، فإذا تم البيان فعليك أن تبين للناس ما نُزِّل إليهم؛ (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: 44].
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) وفي الآيات الكريمة اشارات عظيمة إلى عظمة أهل القُرْب من الله، وكيف أن الرحمن -جلّ جلاله- يتولّى أحوالهم وشؤونهم ثم ينسِب ما يقومون به إليه -جلّ جلاله- من عِنايته بهم، وكريم منزِلتِهم لديه:
- فيقول لجبريل: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) ولم يقل: فإذا قرأه جبريل، يقول: (إِذَا قَرَأْنَاهُ).
- ثم يقول لحبيبه المأمور بالتّبين:
- (عَلَيْنَا بَيَانَهُ) والبيان موكول إلى محمد ﷺ؛ ليُبيّن لنا،
- ويقول: (عَلَيْنَا بَيَانَهُ) هذا البيان الذي تقوم به؛ تقوم به تحت عنايتنا الخاصة ورِعايتنا، فهو مِنّا إلى عِبادنا بواسِطتك وعلى يدِك ولِسانك -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) فأنت تبيّن بأمرنا ولقد قال له قل: (إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ) [الأعراف:203] فهو:
- العبد المحض الخالِص للإله؛ الذي لا يوجد لديه هوىً ولا التِفات إلى سواء مولاه، ولا غرض قط غير ربه -تعالى في علاه-.
- المُثنى عليه بقول ربكم: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم: 3-4] -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
فكان تبيينه عن الله بالله وفي ذلك جاء: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: 80].
ولمَّا كانت السُنّة كلها شارِحة للكتاب ومعانيه ومُبيّنة لأحكامِه، قال: "إنِّي أوتيتُ القُرآنِ ومثلَه معهُ" ما يُبيّن به هذا القرآن مِن سُنّته القولية، والفعلية، والتقريرية -صلى الله عليه وصحبه وسلم-، فهو ممّا أوتي مع القرآن؛ السُّنّة الغرّاء التي سمّاها الحق في عدد مِن الآيات: الحِكمة؛ (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب: 34]، وهكذا جاء ذكر الكِتابِ والحِكمة أي: سُنته -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فإن كان (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ) [البقرة:269].
فإن كان يؤتي الحكمة من يشاء؛ فهذا سيّد أهل الحِكمة، وأعظم مَن آتاه الله الحِكمة -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، فالحِكمة سُنّتهُ، وهدْيهُ، وبلاغهُ -عليه الصلاة والسلام-.
يقول جلَّ جلاله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، وقيل في معناهُ (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، أن نُنزِله إليك بيّنًا، واضِحًا، بليغًا، عربيًّا فصيحًا، (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء:195] كما يقول جلَّ جلاله.
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، أي نحن الذين اخترنا لك وحيًا لم نوحي بمثله إلى أحد مِن أنبيائنا ورسلنا:
فجعلنا الوحي الذي آتيناك مِن القرآن مُعجِزة تتحدى بها الخلائق إلى يوم القيامة.
- لا يستطيعون أن يأتوا بمثله لا مِن حيث بلاغته وفصاحته، وجزالة ألفاظه.
- ولا مِن حيث دلالته، ولا مِن حيث عِلْمه، ولا مِن حيث اخِتراقه أسوار الماضي والحاضر والآتي.
- ولا مِن حيث صلاحيّة وعظمة أحكامِه في المجتمع، وفي الأخلاق، وفي المعاملات، وفي العلائق بين الخلق.
فهو مُعجِز بكلّ المعاني مِن وجوه كثيرة، آتاه الله هذا القرآن الكريم الذي قال عنه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة:48]؛ فهو المُهيمن على جميع الكُتب المُنْزَلة مِن الله -تبارك وتعالى- فخصّصهُ بِوحي.
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، أن نختار لك مِن الوحي إلينا ما هو مُعجِزة، مُتعبّد بتلاوته يُقرأُ في حضراتِنا؛ في الصلاة لنا، لا يستطيع أن يأتِ بمثله إنس ولا جن؛ (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88]، تجمّعوا مِن أوّلِكم إلى آخرِكم لن تستطيعوا أن تأتوا بمثل سورة مِن كلام الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- ولا أقصر سورة.
قال: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، الحمد لله على ذلك ولم يزل يُستبان أسرار الكتاب بواسطة الهادي إلى سبيل الصواب عند قلوب أولي الألباب مِن كلِّ مَن اتّبع وأناب والتزم ذلك الطريق مُتّبعًا لذلك الجناب:
- قال سبحانه وتعالى: (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
- وقال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة:151].
فكان بتزكيته مُعلِّمًا لحقائق الكتاب، والحِكمة، والسُنّة، ويُعلِّمُنا ما لم نكن نعلم فتنفتح علينا باتّباعه والاقتداء به معاني وحي ربّنا، وكلام إلهنا وخِطاب خالِقنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، فصلّى الله على مَن انتخبهُ مُعلِّمًا وهاديًا، ومُبيّنًا ومُرشِدًا، وداعيًا إليه بإذنه، وسِراجًا مُنيرا.
نوّر الله قُلوبنا بأنوار هذا السِراج المُنير، ووفّر حظّنا مِن نورِه حتى نكون بجانِبه يوم الحشر، (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) [التحريم:8]، وإنّما اقتبسوه مِن هذا المعدِن و(نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) نوَّر الله قُلوبنا وإيّاكم بهذا النور، وأشْرقهُ في الصُدور وزادنا إشراقا وزادنا -سبحانه وتعالى- منًّا وإحسانًا وأخلاقا.
قال: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، شأن هذا المُبلِّغ -عليه الصلاة والسلام- والمُؤدي لأمانة الله في أخبار البعث والنُشور الذي تُكذٍّبون به، كما أشار إليه في الآيات الأخرى: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) [القيامة: 5-6]. يقول: (كَلَّا) ليس الأمر كما تقولون أيها المُكذِّبون بالوحي، وبمحمد -عليه الصلاة والسلام- وأنه لا بعث ولا حشر (كَلَّا) بل حملكم على هذا التكْذيب: (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20)):
- مُصيبة محبّة العاجلة.
- مُصيبة الاغترار بالأمر الحاضِر السريع.
- مُصيبةُ عدم حُسن التفكير وطول النظر في المآب، والمآل، والمصير.
- انحِصاركم في الحقير، واسْتعْجالكم بما بين أيديكم.
- ونسيانكم لمُستقبلكم الأكبر هو الذي أوقعكم في هذه المُكابرة وهذا العِناد والتكْذيب باليوم الآخر.
قال: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20)):
- ومن هُنا كان حبُّ الدنيا رأس كل خطيئة؛ لأنه بتغلغُل محبّتها في القلب يُنكر الحق.
- وبِتغلغُل محبّتها في القلب تؤْثَر على الرحمن، وعلى لُقياه، وعلى الآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
(كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ)، فالمحبّة للعاجِلة وشهواتها ولذّاتها الفانية حاجبٌ كبير يحجُب كثيرًا مِن الخلق عن إدراك الحقيقة، وعن الاستقامة على الطريقة.
(كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21))، فيترِكون الآخرة، وأشدّهم وأعندهم مَن يترُكها، فيُكذِّب بها، ولا يؤمن بها ويُناكِر وجودها والرجوع إلى الله تعالى في الحياة الأخرى.
قال: (وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ):
- في قراءة أبي عمرو، وابن كثير: (يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ).
- وفي قراءة بقية القرَّاء: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21)).
يا معاشر الكفرة، ويا معاشر الغافِلين عنها، الذي أوقعكم في هذا الحِجاب، وهيّأكم للعذاب؛ محبّتكم للذائذ الحقيرة الزائلة عمّا قريب. ولما احببتُموها غشَّت على بصائركم وقُلوبكم؛ فلم تنظِروا جمال الصدق معنا، وجمال الإخلاص لوجهنا، وجمال الاستعداد للقائنا، وشأن المصير الأكبر، والنعيم الذي أعددناه لمن أطاعنا، حُجِبتم عن كل ذلك، وقُطعتم عنه بمحبة العاجلة.
اللهم أخْرج مِن قُلوبنا كل قدر للدنيا وكل محل للخلق يميل بنا إلى معصيتك، أو يُشغلنا عن طاعتك، أو يحول بيننا وبين التحقق بمعرفتك الخاصة، ومحبتك الخالصة ياأكرم الأكرمين، واجعل حُبك أحبّ إلينا مِن أنفسنا، وأهلينا، وأموالنا، وأولادنا، ومِن الماء البارد على الظمأ. اللهم إنّا نسألك حُبَِّك وحُبّ مَن يُحبك وحبّ كلّ عمل ُيقرِّبُنا إلى حُبك برحمتك ياأرحم الراحمين.
قال: (كَلَّا بَلْ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21))، ولذا شأن المؤمنين كُلّما قاموا به في الحياة الدنيا، وكُلّما كسِبوه، وكُلّما حصّلوه، وكُلّما يسعون إليه؛ أن لا ينفك ذلك في نظرهم وشعورهم عن الآخرة والاستِعداد لها، وأن يُحوّل كل ذلك وسيلة لكسب السعادة الباقية، ولكسب الدرجات العالية، فلا يشتغِلون بشيء عن الإله، وعن ذكر المصير إليه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.
قال سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص:46-47]، فهُمْ كلّما يكون في دنياهم مِن مطعم ومشرب، حتى مِن منام، ومِن كل معاني الراحة التي أُبيحت لهم في الدين إنما يأخذون منها:
- ما يستعينون به على الاستِعداد للنعيم الباقي.
- وعلى الاستعانة بذلك على موجِب المُلك الكبير والمصير في الخُلد في جنات الحق وقُرْبه.
فبذلك يطغى على قلوبهم ذِكر الآخرة؛ وحينئذ لا يغترّون بالحياة الدنيا، ولا يغفلون بها عن ذِكر الله.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) [المنافقون:9] أي:
- كونوا مع أموالكم ذاكِرين لي فلا ترضوا مِن الأموال بحرام، ولا بشبه يقطعكم عنّي، فماذا يُفيدكم عاجل حُطام يفوتكم به المُلك الكبير أو رضى إلهكم العلي الأعلى -جلَّ جلاله-؟!
- فكونوا ذاكِرين لي في أموالكم، وأولادكم، لا يحمِلكم أولادكم على نسيان المصير إلي، ولا على عصبية، ولا على حميّة تخْرجون بها عن أمري، وامتثال ما جاء به النبي ﷺ، فيصير أولادكم أعداؤكم في القيامة، فلا ينفعونكم.
يقول سبحانه وتعالى: (لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ)، قالوا: لم يقل: لا يتَّجرون ولا يبيعون! يتَّجرون؛ لكن (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) [النور:37].
وبذلك كانت أسواق المُسلمين في تلك القرون الأولى:؛ أن يكون فيها أصناف أرباب المِهن والحِرف لكسب المال ومع ذلك ذِكر الله صارِخٌ بينهم، وتسمع في محلِّ أسواقهم، وفي محلّ حِرفهم القرآن، وتسمع الذكر للرحمن، وتسمع ذكر النبي محمد، وترى تطبيق الشريعة.
ثم وهمْ في الأسواق يضع الخرّاز منهم، والدبّاغ إبرتهُ في الجلد وهو يُعالِجُ إصلاح الجلد في مِهْنته فيسمع الأذان -الله أكبر- فيرمي بالجلد والإبرة فيه لا يرضى بنزعِها بعد سماع الأذان، ويقول: الآن ليس وقت اشْتِغال بالجلود، الآن وقت الذهاب إلى أداء فرض الله؛ فيتْرُك الإبرة وسط الجلد حتى يذهب فيُصلّي ويشهد الجماعة، ثم يرجِع يُخرِج الإبرة مِن جِلده.
وإن صاحِب الحِدادة منهم يحمل مِطرقته ويضرب بها فإذا رفعها فسمع: الله أكبر، رمى بها خلف ظهْرِه، ولم يرضَ بضربة واحدة بعد أن يسمع: الله أكبر، فيتْرُك المِطرقة ويبعُد مِن مكان صنْعتِه إلى محلّ الصلاة، فإذا قضاها في الجماعة عاد، وأخذ مطْرقته.
كانت هكذا أسواق المسلمين، حتى ورد عن سيدنا علي أنه قال: سوق المسلمين كمصلى المُصلّين، وحُقَّ للمسلمين أن يفتخِروا لو تخلّقوا بهذه الأخلاق ولو عرفوا هذه المعاني.
ولذلك لمّا قال قائل لسيدنا الحسن البصري: قد صلّيتم وجئتم من عند أهل السوق وهم لم يُصلِّوا بعد، قال سيدنا الحسن البصري: ومَن يأخذ دينه مِن أهل السوق؟ بلغني أن أحدهم يمنع أخاه فضلَ الدرهم يكون عنده. يعني ما الذي في سوق المُسلمين؟ ما المُشكِلة؟! هل فيه غش؟ .. فيه كذِب؟ .. فيه دجل؟ فيه حرام؟ .. فيه ربا؟ .. قال: لا.
السوق في ذاك الوقت لا يوجد فيه شيء مِن هذا، وما الذي فيه؟! قال: يكون عند واحد درهم زائد لا يعطيه أخاه، هؤلاء ليس فيهم قُدوة، هذه هي المُشكِلة.
الذي في أهل السوق؛ بلغني أن أحدهم يمنع أخاه فضل الدِرهم يكون عنده، ما قال فيهم مطففين، ولا قال ربا، ولا قال غش، هذا غير موجود في أسواقِهم، ما المُشكِلة؟! ما الذي في أهل السوق؟
قال: عنده فضل الدِرهم زائد، وأخوه مُحتاج لا يُعطيه؛ هؤلاء لا يُقتدى بهم في الدين. قال: مَن يأخذ دينه مِن أهل السوق؟ بلغني أن أحدهم يكون عنده فضل الدرهم يمنعه أخاه؛ هذه مُشكِلتهم! هذا مُشكِلة أهل السوق؛ لا ربا، ولا غش، ولا كذب، ولا تطفيف كيل، ولا وزن، هذه المشكلة في أسواق المسلمين -رضي الله تعالى عن أهل الخير في أسواق المسلمين-.
انظر كيف صارت تُشابه أسواق المسلمين أسواق الكفّار، وأسواق الأشرار، وأسواق الفُجّار؛ فلا تكاد تسمع فيها ذكر الله والغِشّ حاضِر، والخِداع حاضِر، والاستِغْلال حاضِر، واليمين الكاذِبة حاضِرة -وإنا لله وإن إليه راجعون- يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال. ونذكر ذلك في غالب ما يظهر مِن أحوال المسلمين وإلاَّ فلا يزال في أسواق المسلمين:
- مِن أهل الخير مَن يكون.
- ومِن الغافلين والأشرار مَن يكون.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ) [الانشقاق:23]، والله أعلم بما ينوون، والله أعلم بما يكسِبون، "والتاجِر الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة"
يقول جلَّ جلاله: (كَلَّا بَلْ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21))، وهكذا فيما أقام مِن موازين -عليه الصلاة والسلام- في هذه المعاني جاء: أنّهم رأوا شابًا خرج بقوّتهِ يكسبُ المال، فلمّا التفت إليه بعض الصحابة وكان جالسًا مع النبي قال: ليت قوّة هذا تنصرِف في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وصحبه وسلم: "على رِسلكم، أما إنّه إن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أرملة أو مسكين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أهل وأولاد يعُفّهم فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على نفسه يعُفّها عن المسألة فهو في سبيل الله، وإن خرج مُكاثرًا مُكابرًا فهو في سبيل الشيطان"؛ فهكذا أقام الميزان صلى الله عليه وصحبه وسلم واختلفت النيّات وقُرأ اختِلافها في الأعمال وفي المُعاملات، والله يُصلِح نيّاتنا وأعمالنا ويجعلنا في الهُداة المُهتدين.
(كَلَّا بَلْ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَيَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21))، وقالوا لبعض التجّار، مرة في قرية تُسمّى عينات أن الدنيا أسعفت، ماذا؟! قال: بِضاعة عندك عُدِمت في السوق والآن الناس راغبين فيها؛ تمنّى فيها بالذي تشتهي، لأنها مِن قوت الناس -لأنه شيء يُقتاتونه الناس مِن الطعام- فُقد، وما بقي إلاَّ الذي عِندك؛ الآن سعّره بما تشتهي. قال: الآخرة أسعفت. كيف؟! نقول لك: الدنيا أسعفتك. قال: الآخرة أسعفت؟! ما معنى الآخرة أسعفت؟!
قال: في هذا الظرف وفي هذا الحاجة؛ الآن سأتاجر مع ربّي، كله مِن أوله لآخره -بسم الله- كله صدقة وزِّعوه على البيوت وابدأوا ببيوت الفقراء -التعبانين-. ووزّعوا بِضاعته كلّها، وكانت ستُباع بثمن كبير وربِح. قال: أمّا في مثل الظرف هذا فإن الآخرة أسعفت، وجاءني المُلك الأكبر، ووزّع كل ذلك وقسّمه على ذوي الفقر والمسْكنة خاصة، ثم بقية الناس؛ فهؤلاء؛ لا يذرون الآخرة وإن اتّجروا، وإن اشتغلوا، وإن أقاموا المشاريع، لا يذرون الآخرة؛ بل يعدِّونها للآخرة، ويتّقون الله تعالى فيها، ويُنِفقونها في أماكِنها:
- ولا تفوت على أحدهم مجالِس العِلم.
- ولا تفوت على أحدهم تكبيرة الإحرام مع الإمام.
- ولا يفوت على أحدهم نصيبه مِن القرآن الكريم.
- ولا يفوت على أحدهم نصيبه مِن قيام الليل.
وهم أصحاب مشاريع، وأصحاب مزارع، وأصحاب مصانِع إلى غير ذلك؛ لكن ما تركوا الآخرة وجعلوا هذا الحُطام فِدًا للآخرة، وجعلوه وسيلة للدرجات في الدار الآخرة.
(ويذرون الآخرة) والآخرة تختلف فيها وجوه الناس على حسب ما كان منهم في الدنيا: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22)):
- (نَّاضِرَةٌ): ناعِمة، ناضِرة: مُسفِرة، ناضِرة: مُستبشِرة، ناضرة: مشرقة بالنور.
- (نَّاضِرَةٌ): بيضاء: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [ال عمران: 106].
- (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ): حسنة، ناعِمة، طيّبة، مُشرِقة بالنور، مُستبشِرة ضاحِكة، الله أكبر.
هذه وجوه، نِعم تِلك الوجوه. أين؟ قال: في القيامة. والقيامة وقت الشدائد، وترى هؤلاء في نضرة؟!
- (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين:24]. ناضِرة، باهية، زاهية بيضاء مُشرِقة بالنّور وبالسّناء، مُستبشِرة ضاحِكة، الله أكبر (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ) [عبس:38-39].
- وتقابلها وجوه أخرى ثانية: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) [عبس:40-41].
..لا إله إلاَّ الله.. وهذه الوجوه التي أثنى الله عليها مُقابلها وجوه باسِرة كما سيأتي معنا.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ): يظهر عليها نور عِناية الله بها ورحمة بها، صِدْقها مع الله، إخلاصها لوجه الله، سجودها بين يدي الله، وتذلُلها لعظمته تعالى في علاه؛ يبرز على هذه الوجوه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ)، وتأتي معنا المعاني في معنى: (إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23))، وماذا تنتظِر مِن ربِّها، وماذا تنْظُر مِن ربها؟
اللهم اجعلنا في الوجوه الناضِرة التي هي إليك ناظِرة، واجعلنا في الوجوه المُستبشِرة، الوجوه المُسفِرة الضاحِكة المُستبشِرة الوجوه الناعِمة التي هي لِسعْيها راضية في جنّة عالية لا تَسمع فيها لاغية، بيِّض وُجوهنا إذا اسودّت وجوه العُصاة في موقِف الحسرة والندامة، اشرِق علينا النور الصدِق معك يا ذا الجلال والإكرام.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
05 رَمضان 1439