تفسير سورة القيامة -3- من قوله تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23))

تفسير سورة القيامة، من قوله تعالى: { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} الآية: 23
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} إلى قوله تعالى: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} من سورة القيامة.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30))

الحمد لله مُكرمنا بالآيات البيّنات، والخيرات الكثيرات، وختم الرسالات بخير البريّات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المُجتبى المُصطفى سيدنا محمد، سيّد أهل الأرض والسماوات، وعلى آله الطاهرين وصحبه القادات، وعلى من تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين رفيع الدرجات، وعلى آلهم وصحبهم، والملائكة المُقرّبين وجميع عبادك الصالِحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،،،

فإنّنا في تأمُّلنا لكلام ربّنا جلّ وعلا، في هذه الغدوات المُباركة من ليالي الشهر الذي في مِثله أُنزل القرآن، انتهينا في تأمّل معاني سورة القيامة إلى قول الله جلّ جلاله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)) ونسأل الله أن يجعل وُجوهنا منها، ووجوه من يسمع، ووجوه أهالينا وأهاليهم وذوي الحُقوق علينا وعليهم، وأهل القرابة والجِوار.

  • (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) تظهر النُضرة عليها، ويشرِق النور فيها. 
  • (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) ناعِمة، مُسفِرة، ضاحِكة مُستبشِرة. 

جعلنا الله من أهل تلك الوُجوه.

  •  قال تبارك وتعالى: (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [فصلت:30-31].
  • وقال سبحانه وتعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) [الأنبياء:103]، (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ) [الأنبياء:102]، (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:103]؛ 

 فحينئذ تُسفرُ وجوههم بالنور وتُشرِق، ويبدو عليها الحُسن والبهاء والنظارة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22)) وهم الذين نظُرت وحسُنت وِجهاتهم في الدنيا إلى الرحمن: 

  • كل من حسنُت وِجْهته إلى الله! فوجُهه ناضِر يوم لقاء الله! 
  • ومن لم يصْفُ في وِجْهتِه إلى الربّ، وتخبّث في الوجهة بقصد غيره، فهو الذي يسودُّ وجهه يوم القيامة وهو من أهل الوجوه الباسِرة -والعياذ بالله-. 

اللهم ارزقنا صِدق الإقبال عليك، وصِدق الوجهة إليك، يارب العالمين. 

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23))

  • تُكْرم بالنّظر إلى ربّها -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.
  • فهذا هو المعنى الأول لقوله: (إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)) وهو الأوجَه، والمؤيد بالسُنَّة المُطهّرة. 

إلا أنّ النظر إلى وجه الله: 

  • الذي هو أعلى نعيم الجنان، يكون من غير كيفٍ ولا جِهة، ولا انْحِصار، ولا صورة، ولا جِهة. 
  • رؤيةٌ ونظر مُقدّس إلى القُدُّوس، العلي الأعلى جلّ جلالة؛ فيكون معناه انكِشافٌ لأنوار في حقائق القُرب مِنه، والمعرفة الخاصة به، تنفُذُ من البصيرة إلى البصر. 

وهي مُرتقًى شريفا، وحالة عُظمى، عبّر عنها ﷺ بالرؤية والنظر في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما: 

  • "إِنَّكُمْ ستَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هَذَا الْقَمرَ عيانًا، لاَ تُضامُونَ في رُؤْيتِهِ". 
  • وقد جاء أيضًا في صحيح مسلم، أنّه ﷺ ذكر أن الله يُنادي أهل الجنة: "هل رضيتم؟ فيقولون: ياربنا كيف لن نرضى؟ ألم تُبيّض وجوهنا؟ ألم تنْجّنا من النار؟ ألم تدخلنا الجنّة؟ وتُعطينا وتُعطينا فيها؟! يقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟ فيُرفع الحِجاب عن وجهه فلا شيء ألذُّ من النظر إلى وجه الله الكريم!".

 اللهم ارزقنا لذّة النظر إلى وجهك الكريم. 

كما جاءنا في الاحاديث أن أعلى أهل الجنّة منزِلة، من يُمكَّن من هذا النعيم والعطاء الفخيم: 

  • في مِقدار كل يوم وليلة مرتين.
  • "وإن أعلاهم من ينظر إلى وجه ربه غدوة وعشية".
  • وأقل أهل الجنة من يكون له هذا العطاء من الله بمقدار الإسبوع في كل جمعة.

حتى أن الملائكة تُسمّي يوم الجمعة: يوم المزيد؛ وجاء أيضا في الحديث لصحيح المسلم، ذِكْر المزيد عند ذكر النظر إلى وجه الله الكريم قال: وذلك هو المزيد: 

  • (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق:35]. 
  • (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ) -الجنة- (وَزِيَادَةٌ)[يونس:26]. 

زيادة على الجنّة، النظر إلى وجه الله الكريم وهو راضِ عنهم، قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72].

وعلِمنا بهذا لمّا قرّر أهل السُنّة هذا المعنى؛ أيقنوا، وحققوا أنّه كما عبَّر عنه ﷺ، وأنَّ ذلك لا يكون كرؤية الأجسام ولا مُشابهة لها بأي وجه من الوجوه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]، وهم لجلاله وعظمته لا يحيطون به ولا تُحيطُ أبصارهم به، ولكن يُدرك الأبصار و(لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [الأنعام:103] جلّ جلاله. 

فلا إدراك إحاطة لأحد قط، ولكنِّها التجلّياتُ الربانية في أعلى مراتب القُرب، والتفضٌُل الإلهي على العبد وهي التي طلبها سيدنا موسى عليه السلام و (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) [الأعراف:143]؛ فلم يُعطِها في الدنيا، ولم يُعطِها في الدنيا إنسي ولا ملك ولا جنّي ولا غيرهم، إلا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. 

وإنّما يكون إكرام الله للمؤمنين في جنّته، فهذا المعنى الأول في قوله: (إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)) وإنّما المُرادُ، عيون تِلك الوُجوه، فالنظر ليس بالوجه ولكن بالعينين في الوجه، كما يُقال: يجري النهر، والنهر الماء الذي فيه هو الذي يجري؛ ليس نفس النهر الذي يجري! وهكذا.

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23))

  • وقال سبحانه وتعالى في الذين لا ينْظر إليهم ولا يُمكِّنهم من شرف هذا النظر: (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) [المطففين:14-15]. 
  • وقال تعالى في ترجمة معاني الحِجاب عن الله: "لا يُكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامةِ ولا ينظرُ إليهم  ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ". 
  • وقال الحسن البصري: "حُقَّ لها أن تُنظر"، أي تحسُن وتصفو وتُنوّر تلك الوجوه وهي تنظر إلى ربّها، قال: "حُق لها أن تنْظر" وهي تنظر إلى ربها، تنْظُر فتصير ناضِرة، وهي تنْظُر إلى ربّ العالمين -جلّ جلاله-. 

(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23))؛ وبذلك نعلم أن المذاهب والفِرق من المسلمين الذين أنكروا الرؤية، وأنكروا النظر إلى وجه الله كريم: 

  • إنّما أنكروا ما هو منْفي عند أهل السُنَّة، أنكروا الجسمية، وأنكروا الجهة، وأنكروا الحصر، وأنكروا الحد؛ وهذا كله منْفي عند أهل السُنَّة. 
    • فليس عند أهل السُنَّة من يقول بأن معنى رؤية الحق تعالى أنحِصار في جهة ولا جِسْمانية، ولا مُشابهة للخلق ولا شيء من ذلك! 
  • ولكن ربّما لم تستوعِب العُقول معنى الرؤية والنظر أنّها إنّما تكون في مُعتاد الرؤية في عالم الدنيا! وإنّما تكون الرؤية في عالم الدنيا للأجسام! هذه غاية الطاقة عند بني آدم بالنسبة لهذه الأعين. 
    • ومع ذلك فهم يرون ويُعبِّرون، كما يرون تعبير العرب عن الرؤية المعنوية التي لا تتعلّق بالعين! 

ويقول: أنا رأيت هذه المسألة كذا! ورأيت أن القرون الأولى كانوا كذا! ورأى القرون الأولى يعني ماذا؟ يعني قاموا أمامهم  كذا!؟ أو في جهة كذا؟! بل هي رؤية معنوية من جهة عقله وعبَّر عنها بلفظ الرؤية، وهم يستعملون ذلك، ولكن ثقُل عليهم أن ينسِبوا الرؤية إلى الربّ لما يُتوهّم فيه من الكيف والانحِصار والجهة؛ وهذا كله منْفيٌ من غير شك عند الجميع!. 

ولكن إذا علِمنا أن هناك مجال لأن ينفُذ نور البصيرة إلى البصر؛ حتى تُرى الأشياء المعنوية التي ليست بجسمية، مثل الأعمال التي مرّت على الإنسان، ليس لها جسم؛ (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة:6]، لا جسم وصورة للصلاة والصدق والكذب والأيمان، كيف تُشاهدوه؟! طويل أو قصير؟! 

هذه أمور معنوية تظهر أمامك معانيها وتعرِفُها وتراها؛ فكلّ ذلك يدلّ على أنه تستعمل لفظة الرؤية في معاني واسِعة لا تنحصِر في جانِب الجِسمانية، ولا جانب -الجهوية- الجهة، وما إلى ذلك، وكذلك النظر إلى وجه الله الكريم مُنزَّهٌ ومُقدَّسٌ عن جِسمية، وعن جهة، وعن كيف، وعن حصر، و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11]، اللهم ارزقنا لذّة النظر إلى وجهِك الكريم. 

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)) أخرى، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ): كالِحة، (بَاسِرَةٌ): كاشِرة، (بَاسِرَةٌ): كدِرة، (بَاسِرَةٌ): حزينة.

 (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)):

  •  كما قال في الآية الأخرى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) [عبس:40-41].
  • وقال في الآية الأخرى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ) يعني عليها أثر الاكتئاب والشِّدّة -خاشِعة-. 
  • (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) [الغاشية :2-3] عملت، نصِبت، ما أدركت ثواباً للعمل ولا خيراً من وراء ما عملت -و العياذ بالله تعالى-.

 ولمَّا مرّ سيدنا عمر، إذا براهب من النصارى في صومعتِه في زهادتِه وفي قلة أكْله وشُرْبه، بكى سيدنا عمر، وقال: (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) يعني بإبائه أن يؤمن برسول الله، ما نفعته هذه العبادة وهذا الاعتكاف في صومعته، وهذا الزُهِد في الدنيا، ما نفعه شيء (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) تعمل! لكنّها في نصب وتعب ما لها ثواب، ولا لها أجر عليه، لعدم إيمانها (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ)؛ وكذلك كل من لم يؤمن بالله ومن لم يمُت على الإيمان فأعماله كلّها نصب، لا يفيده منها شيء ولا ينفعه منها شيء. 

يقول: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ) -بمعنى تُوقِن- (أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25))، هذه الوجوه الباسِرة تتيقّن أنَّ أمامها (فَاقِرَةٌ) داهية:

  •  يُقال: فقرتُه إذا كسرت فُقار ظهرِه! (فَاقِرَةٌ) داهية شِدَّة عظيمة؛ يوقِنون أنّهم سيدخلون النار، قال: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) [الكهف:53] -الله-. 
  • (تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) تتيقّن في ذلك اليوم أنَّ الهول مُقبِل عليها والشِّدّة أمامها، وأنه يُفعل بها أمر شديد شنيع. 
  • (تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) داهية، داهية من شِدّة البلاء. 

قال: (تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26)) قد النبأ اليقين يأتي من عند بلوغ الروح للترْقوة، العظام التي تكتنِف ثغرة النّحر يُقال لها تراقي؛ (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ) نُزِعت روح الإنسان منه فوصلت إلى الحُلقوم، كما قال في الآية الأخرى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ) تشاهدون ميّتكم أمامكم (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ)، قال الرحمٰن: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ)، غير مُحاسبين، غير مُجازين، غير ما قال لكم نبيّنا، (تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الواقعة:83-87] هيا ارجِّعُوا! ارجِّعُوا الروح! رُدُّوها، امسكوا صاحِبكم لاتدعوه أن يموت، من يقدر؟! (تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)!.

يقول سبحانه وتعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26))

  • ردعٌ وزجر(كَلَّا)
  • (إِذَا بَلَغَتِ) أي عن الروح. 
  • (التَّرَاقِيَ): جمع ترقوة، وتراقي العِظام التي تكتنِف ثغرة النحر. 

(كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27))، قرأ أبو عمر بإدغام النون فقرأ: (وقِيلَ مَن راق)، وقرأ عاصِم بالسكْتة: (مَنْ ۜ رَاقٍ)؟ وقيل: 

  • (مَنْ ۜ رَاقٍ)؟ أهله وجماعته يقولون: من يُرقيه لنا؟ من يُداويه؟ من يُطبِبُه؟ من يُعالجه؟ أين نُحصِّل فائدة؟!  في أي مُستشفيات؟! في أي بلاد؟! في أي مكان؟!  إلى أين نذهب؟! 
  • (مَنْ ۜ رَاقٍ)؟ من يرقيه؟ من يقرأ عليه؟ من يُعالجه؟ من يُطببه؟ (مَنْ ۜ رَاقٍ)؟ 

وتقول الملائكة لبعضها البعض: من الذي يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ (مَنْ ۜ رَاقٍ)؟ من الذي يرقى بروحه؟ من الذي يصعد بروحه؟ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ (وقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ) ما الذي ينفع في هذه الساعة؟!.

 وإذا المَنيَّةُ أنشَبَت أظفارها *** ألفَيتَ كلَّ تمِيمةٍ لا تنفعُ 

(فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الواقعة:86-87]، (وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ) من الذي يُرقي؟ (وقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ) أيقن أنّه الفراق، فِراق الحياة الدنيا إلى غير رجعة، فِراق الأبد، حتى يُروَى أنّه عند نزع الروح الأعضاء تُكَلِّم بعضها البعض وتودِّع بعضها البعض وتقول :هذا فُراقنا لن نلتقي. (وَظَنَّ  أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)) فِراق الحياة الدنيا بما فيها: 

  • فمن كان هواهُ ومحبّتهُ للدنيا؛ اشتدَّ عليه الألم لأنه يُفارق محبوبه. 
  • ومن كان له محبّة للرحمن؛ التذَّ بهذا الأمر لأنّه يَلقى محبوبَه. 

(وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) أيقنَ أنه المُفارقةُ الكُبرى التي لا رجعة فيها إلى هذه الدنيا، يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) -هل أحد  يرجع منهم؟ هل يجيء منهم؟ (وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُون [يس:31-32] يتَجَمَّعُون كلّهم في البرزخ إلى وقت القيامة، ويَجمعُ الله الأولين والآخرين. 

يقول: (وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)) أيقن أنّه المفارقة، أيقن أنّه ترك الأهل، ترك الأولاد، ترك الديار، ترك الأموال، ترك الوظائف، ترك صور الدنيا بجميع ما فيها؛ فِراق (وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)): 

  • إلتَفَّ بلاء الدنيا بالمُفارقة ببلاء الآخرة وبالمُحاسبة: 
  • (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) إلْتَفَّ شأن الدنيا بشأن الآخرة، فهذا آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة بالنّسبة لهذا الإنسان.
  • (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) إلتَفَّ عليه شأن الحَياتَين؛ فصار في لحظة الفِراق لهذه والدخول في الأخرى.
  • (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) إقترن عليه هولٌ بهول، وكان العرب إذا عبَّروا عن الهول قالوا: ساق، وفيه جاءت الآية: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) هول عظيم! (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) [القلم:42]. 
  • ويقولُ: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) ومن معانيها: يَبِسَت ساقُ الميِّت فالتَفَّت هذه بالأخرى؛ فلا يقدِر أن يقوم عليها ولا أن يُحرِّكها؛ انتهى.
  • (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) ضُمَّت الرِّجِلُ إلى الرِّجِل عند التكْفين، كُفِّن وضُمَّت هذه إلى هذه. 
  • ولا يُنازِل الموت غالبا أحد إلا والتفّت رِجِلٌ بالرِّجِلِ الأخرى(وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ). 

(وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)) المَسار والسَّوق إلى الربّ؛ رجعتَ من حيث جئت: 

  • (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]. 
  • (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء 104]. 
  • (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:25-26]. 

قال تعالى: (وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)) يُسَاق إلى ربِّه، (أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ)، فيُقال لأهل الكُفر والفُسوق: 

  • (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام:93].
  •  (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ).
  •  ويقول جلّ جلاله وتعالى في علاه في نفس هذا المعنى، يقول سبحانه: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَٰلِك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [الأنفال:51]. 

وهنا يأتي المُنازلة لكل إنسان عند الوفاة؛ (إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26))، (وظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29))، فالمُنازلات تُشابه كثيراً حال الإنسان في حياته من حيث علاقة قلبه وعلاقته بربِّه -جلّ جلاله- 

  • فأرباب الصِلة بالرحمٰن والإقبال بالقلوب عليه عند هذه المُنازلة تواجههم البشائر بالجنّات والقرب من الرحمن، والخير العظيم؛ وحينئذ يتعشّقون القُدوم على الربّ الكريم، ويُحِب أحدهم لقاء الله ويُحِب الله لقاءه، 

وقد سَمِعوا بعض الأخيار من التابعين وقد حضره الموت يقول:

حبيب جاء على فاقة *** لا  أفلح  من  نــدِم 

وقد سَمِعوا بلال بن أبي رباح -مؤذن المصطفى محمد ﷺ- عند وفاته بالشام تقول زوجته: وا كرْباه وا كرْباه، ففتح عينيه وهو في السكرات قال: لا بل وا طرباه! وا طرباه! غداً ألقى الأحِبّة محمداً وحِزبه -قال: أنا في حالة طرب؛ لأنني سأُلاقي حبيبي، ليس حالة كرب، ما هذه حالة كرب! بل واطرباه! واطرباه! -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-. 

وهكذا تظهر كثيرٌ من الآثار على الناس حين وفاتِهم، قال: وأغلب ما كان غالِباً على قلبه هو المُتسلِّط عليه أو الظاهِر عليه شأنُه عند السكرات، قال: وترى الإنسان لو وَقع في حادِث أو أصابهُ جنوناً ففقد وعيه مشغولاً بما كان قلبه مشغولاً به قبل ذلك، فكذلك عند السكْرة؛ فتجد الذي فقد وعيهُ وجُنَّ فجأةً: 

  • إن كان مُعَلَّقاً بالبيوت دائماً يتَشَّوف الى البيوت ويرسم في الأرض بيوت، ويضع أمامه صور البيوت. 
  • وإن كان مُتعلِّقا بالسيارات يُصلِّح لنفسه سيّارة ويمشّي في الهواء سيارة، ويُصلِّح له خيط سيارة، ويجيء بجريدة سيارة من العود وإلى غير ذلك، وفكِره في السيارة، ويشاهد السيارة؛ لأن هذا كان غالِب على قلبه. 
  • وإن كان غالب على قلبه النُقود والعُمْلات فتجده يجمِّع الأوراق، وكل ورق كأنها نقد ويملأ بها جيوبه ويضعها هنا ويضعها هنا؛ لأنه كان قلبه مُعلّق بذلك قبل أن يُجَن.

فكذلك يُشبه الحال عند السكرة، عندما تأتيك سكْرة الموت يذهب قلبك حيث كان مشغولا، ومن هُنا قال بعض الذين حملوا العِبرة لعِباد الله: 

  • من كان في دنياه مشغولاً بالدنيا؛ فهو عند الموت مشغول بالدنيا، وفي القبر مشغول بالدنيا، وفي الآخرة مشغول بالدنيا؛ والحساب عليها.
  • ومن كان مشغولاً في الدنيا بربّه؛ فهو عند الموت مشغول بربّه، وفي القبر مشغول بربّه، وفي القيامة مشغول بربّه؛ شُغْله من حيث اشتغل قلبه. 

كذلك الأحوال عند السكرات، نسأل الله كمال الثبات يامُقلِّب القُلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك، قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم:27]: 

  • وقد تُدرك الإنسان -في تلك اللحظة- صوم أو ركعة أو جلسة أو ذكر أو صدقة؛ فتكون سبباً لتثبيته وأنْ يُثَبَّت قلبه ويموت على حسن الخاتمة.
  • وقد تأتيه نظرة حرام أو كلمة حرام أو إيذاء لمسلم؛ فيُدركهُ سوءا في تلك الساعة، فيُحَال بينه وبين حقيقة الإسلام والإيمان ويموت على سوء الخاتمة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. يا مُقلِّب القلوب والأبصار ثبّت قلوبنا على طاعتك.

يقولُ: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30))، ثم ذكر شأن المُجبرين والمُعرضين، وماذا يكون حالهم في ذلك الحين: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ * وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ) [القيامة:31-32] نعوذُ بالله من الإعراض عن إلـٰهنا الذي خلقنا والاشتغالُ بغيرِهِ عنه، ونسأله أن يكون هو شُغلنا وهمَّنا، وأن يَنوب عنا في كل هَمْ سِواهُ في الدنيا والآخرة، كُنْ يا ربنا همَّنا أنت، ونُبْ عَنَّا في كلّ هَمْ في الدنيا وفي الآخرة يا حي يا قيوم.

وقد قالَ بعضُ أهلِ الصلاح: كانت عندي هُمُوم كثيرة فجعلتُ الهَم هَمَّاً واحدا فكفاني كلّ هَم، جعلتُ همِّي كله واحد -الله- ! فكفاني كل هم. وقال قائلهم:

كانَت  لِقَلبي  أَهواءٌ  مُفَرَّقَــةٌ *** فَاِستَجمَعَت مُذ رَأَتكَ العَينُ أَهوائي 

لا إله إلا الله! ،حتى صَارَ يقولُ من مَكَّنَهُ الله في الحُضور معهُ:

ولو خطرت لي في سِوَاك إرادةٌ ***على  خاطري  سهواً  قضيتُ  بردتي 

ويقولُ قائلهم في ذكر علاقتِه بربِّه:

وَقْفاً عَلَيْهِ  مَحَبّتي،  ولِمِحنَتي *** بأقَلّ مِنْ تَلَفي بِهِ لا أشْتَفِي

وإن اكتفى غَيْري بِطيفِ خَيالِهِ ***  فأنا الَّذي بوصالهِ لا أكتفي

 لا إله إلا الله! رَزقنا الله محبّتَهُ ومحبّة مُصطفاه إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، ونسألُه كمال حسن الخاتم عند الموت فإنها آخر فرصة لإبليس الرجيم، يخاف أن يَفُوت عليهِ نفس مؤمنة إلى جنّة الله تعالى فيجمع جميع ما استطاع ليغوِيه في تلك الساعة، والحق تعالى يَعصِم من كيده من كان صادقاً معه مُخلِصاً لوجهه الكريم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر:42].

ومن هنا أُكِّد أن لا يكونَ عند المُحتضر شيء يمنع وُرُودَ أرواح الملائكة من: صورٍ مُجسّمة أو امرأة مكشوفة الرأس، أو روائح كريهة من السجارة ونحوها، فإنه بها تذهب ملائكة الرحمة، وعند غياب ملائكة الرحمة يتوفّر الأرواح الخبيثة من الشياطين ويتكاثرون وهم مُهتمين بشأن هذا الميت؛ يخافون أن يموت على الإيمان وعلى حسن الخاتمة، فيُغوونه بما استطاعوا.

حتى إن من الأموات من يتمثل له الشيطان أمامه بصورة أحد مِن مَن مات من آبائه، أو يحمل له كأسا من الماء -يُخيِّل له ذلك- وهو عند نزع الروح يكون في عطش فيُشير إليه بروحه، عند بلوغ الروح إلى الحلقوم ينقطع نظره على الدنيا ويشاهد الغَيْبِيَّات، فيُشيرُ إليه أعطني الشراب، يقول له: اسجد لي وأعطيك، فإذا أشار بروحه أنه سجد له رمى بالكاس وفاضت روحه هذه وهو ساجد لغير الله -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

 فيا ربي ثبتنا على الحق والهدى *** ويا ربي اقبضنا على خير ملة

 ومن هنا كان نظر الصالحين إلى الخاتمة وخوف الخاتمة حالَ بينهم وبين الركون إلى أي شيء وبقوا على الخشية؛ داعين الحق ومؤمّلين وراجين ومُلِحِّين عليه أن يختم لهم بحسن الخاتمة عند الموت، ويجعل آخر كلامهم من الدنيا: لا إله إلا الله؛ متُحققين بحقائقها، فالله يختم لنا ولكم بأكمل حُسنى ويجعل آخر كلامنا من حياتنا هذه: لا إله إلا الله مع التحقق بحقائقها وهو راضٍ عنّا.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي محمد

اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

06 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

21 مايو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام