تفسير سورة القيامة -4- من قوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى(31))

تفسير سورة القيامة، من قوله تعالى: { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} الآية: 31
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن حفيظ للآيات الكريمة من قوله تعالى: { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} إلى آخر سورة القيامة.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ (31) وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ (33) أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (39) أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ (40))

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، 

الحمدُ لله مُكرِمنا بالقرآن، والآيات البيّنات، وختم النُبوّة والرسالات بعبدِه المُصطفى محمد خير الكائنات. اللهم أدم مِنك عنّا في جميع الآناء والأوقات والأحوال والحالات أفضل الصلوات وأزكى التسليمات على عبدِك سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين وأصحابه الغُرِّ المَيامين، وعلى من تبِعهم بصدقٍ وإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين وآلهم وصحبهم أجمعين، وعلى الملائكة المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين. 

أما بعد،،، 

فإنّنا في جودِ اللهِ عَلينا وفتْحِه أبواب تَأمُلِنا لِما أَوحَاهُ إلى نبينا، وبلغنا إياهُ عن ربّنا -جلّ جلاله- نُواصِل تذكُّر المعاني من كتابِ الله -تبارك وتعالى-، وانتهينا إلى أواخرِ سورةِ القيامة فيما قال الحق -جلّ جلاله-: (إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ(30)) المسار والنهاية والغاية إلى الرحمن، وإليه يرجِع كلّ شيء. 

يقولُ الحقُ تبارك وتعالى عنِ الإنسانِ المُكابرِ والإنسانِ المُتكبِّر، والإنسان المُتعدّي طورَه: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ (31) وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ (33)) ذَكر حَال هذا الإنسان الكافِر أمام أُصولِ الدين وفروعِه وشؤون الحياة: 

  • فأَمام أُصولِ الدِين (فَلَا صَدَّقَ) كَذّب بِرُسُلِ الله وما جاؤوا بهِ عن الله والبعثِ بعد الموت والحِساب في الآخرة. 
  • وهذا التنكُّر لأصلِ الدين، وحاله مع فروع الإسلام والدين: (وَلَا صَلَّىٰ (31) وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (32)) فهو مُضيِّعٌ لفُروع الدين غير مُمتَثِل للأوامر ولا مُجتَنِب للنواهي التي نهاه الله عنها.

(فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ (31) وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (32)) وهو في حال حياته ومُجتمَعه وشؤون هذه الدنيا.

(ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ (33)) يرجِع إلى أهله:

  •  مُتَمطّياً يعني مُتَبختِراً زاهياً بنفسه.
  • يتمطّى بمعنى: يتمطّط؛ يتمدّد في مِشيته. 
  • يتمطّى بمعنى: يلْوي ظهره فإن المُطى هو الظَهر.

وكذلك مشْية المُتكبِّرين والمُتبختِرين، وكان على هذهِ المِشية أبوجهل مُعادي الحق ورسولِه، فهو وأمثاله ينطبق عليهم هذه المذام، ويصِلهم هذا الملام؛ إضاعة التصْديق، إضاعة الإيمان؛ أعلى شيء وأعظم شيء يكْسبه الإنسان في الحياة، فما أُعطِيَ أحدٌ عطيّة أعظم من الإيمان بالله -جلّ جلاله-، ومراتِب القُرب من الحق تعالى كلّها والمنزِلة لديه مُرتّبة على هذا الإيمان وعلى قُوّتِه؛ منه تتفرّع صِفات الخير، وأخلاق الخير، والمراتِب العُلى، والدرجات الرفيعة، كلّها قائمة على الإيمان ومُنبثِقة من الإيمان. 

فمن ضيّع الإيمان فقد ضيّع سِرّ الإنسانية، وسِرّ الآدمية، وسِرّ الإكرام، والإنْعام، والإفْضال من الحق تبارك وتعالى، وهوَى من الدرجات الرفيعة إلى أسفل مَهاوي الخِزي، والضلال، والمَهانة -والعياذ بالله تعالى- (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4] مُهَيّأ للإيمان، واليقين، والقُرب، وإدراك الحقائق (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ) -في غفلتِه وبُعدِه، واتِّباعِهِ- (أسفل السافلين * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) المؤمنون لا يُرَدُّون إلى أسفل السافِلين، ولا يصيرون (كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44]؛ بل هم الآدميون حقاً، وهم الناس حقاً، ومن الناس إلا هؤلاء.

 يقول سبحانه وتعالى: 

  • (فَلَا صَدَّقَ) ضيّع الأصل والرأس والأساس وهو الإيمان -والعياذ بالله تعالى- فهذا أعظمُ ذمٍّ وسبٍّ؛ الكُفر، الجُحود، الإنكار للحقِ والحقيقة؛ وهذا وصف كل من بلَغته دعوة النبي محمد فأبَاها وردَّها ولم يؤمن بالله ورسوله. 
  • (فَلَا صَدَّقَ) وبذلك أيضاً وبالكفر تترتّب جميع درَكات السوء في الأخلاق والمُعاملات والشر ومنه حِرمان الصلاة. 

(فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ (31)) ومن كان عبداً لله على ظهر الأرض حُرِم الصلاة فقد قطَع الصِّلة بالله، ومقطوع الصِّلة بالله -جلّ جلاله- حاله سيء، ومآله قبيح، ونِهايته سوء وندامة.

(وَلَا صَلَّىٰ) فكانت نعمةُ الصلاة بعد الإيمان بالله من أعلى النِّعم -رزقنا الله إقامتها والإكثار منها-، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ: "الصلاةُ خيرُ موضوعٍ" فمن شاء فليستكثِر ومن شاء فليستقلل.

ولهذا كانت من أبرز عِبادات الملائكة في السماوات الصلاة. ومنهم أهل القيام، ومنهم أهل الركوع، ومنهم أهل السجود، ومنهم أهل الجلوس، والمؤمن يجمع ذلك كلّه في ركعتين؛ من القائمين، من الراكعين، من الساجدين، من الجالسين بين يدي ربّ العالمين، في ركعتين يجمع أصناف عِبادات الملايين الملايين، مليارات المليارات من الملائكة في السماوات بركعتين تركعهما لربِّك تأخذ من أصناف عِبادتهم أجمعين.

 وبذلك قال أعظم الخلق إيمانا بالخالِق النبي الصادِق ﷺ: "وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ"؛ وفي قيامه بالصلاة في لياليه ﷺ قال ابن مسعود: أدركته ﷺ ليلة قام من الليل فقمت وجئت وراءه أُصلي فأقامني عن يمينه فافتتح سورة البقرة، قال: وظننت يركع على مائة آية مِنها فجاوز ذلك حتى أتمّها فظننت أنه يركع بها، فافتتح آل عمران حتى ختمها فقلت يركع بها، فافتتح سورة النساء فقلت يختِم بها، فافتتح المائدة حتى هممت بأمر سوء. قالوا: وما هممت؟ قال: أن أقعد واتركه -من طول قيامه ﷺ في تنفّله- ولكنه صَبر ومضى حتى أكمل الصلاة مع زين الوجود ﷺ المُخاطَب بقول ربِّه: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل:1-4]، قال: جعل لا يمرُّ على آية رحمة إلا وقَف فسأل الله الرحمة، ولا آية عذاب إلا وقف فاستعاذ بالله من العذاب، وهكذا في طيلة قراءته لهذه السور كلّها -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

 وبذلك تعشّقت قُلوب الصحابة شُؤون هذه الصلاة، وكانوا في تبعيّة المُصطفى الذي إذا حزَبَه أمر فزع إلى الصلاة قام إلى الصلاة، إذا نزل به هم أو غم أو شِدّة أو نزل به أمر فظيع قام إلى الصلاة، وكذلك كان أصحابه الهداة، كلّما طرأ طارئ قاموا إلى الصلاة، وصلّوا للرحمن، وجاءتهم رحمة المنّان -عليهم الرضوان-.

وهكذا أصبح في يوم من الأيام قائد الجيش من المؤمنين -العلاء ابن الحضرمي- فقيل له: لقد أغارَ العدوّ البارحة فأحرق سُفن الجُنْد كلّها، ولم تبقَ سفينة للمسلمين، والبحر بينه وبينهم، فلما قيل ذلك، قام إلى الصلاة فصلّى، فلمّا صلّى جاء بنتيجة الصلاة، قال: يا قوم ألم يُسخِّر الله البحر لموسى؟ قالوا: بلى، قال: ونحن أصحاب محمد، خرجنا نُجاهد في سبيل الله يسخِّره الله لنا؛ أرى أن أدعوَه فنمشي فوق الماء، قالوا: وراءك -أهل إيمان-، ما قالوا: ستُغرِقنا! وراءك جيش ثلاثة آلاف تُهلِكهُم، أنت مجنون؟! لا أحد قال كذا من الصحابة. 

رفع يديه قال: اللهم يا الله يا عليُّ يا عظيم يا عليم يا حليم، سخَّرت البحر لموسى، ونحن قومٌ من أصحاب نبيِّك خرجنا نُجاهِد، فسخِّر لنا البحر كما سخَّرته لموسى. وتقدّم أمامَهم على فرسِه، فضرَب في البحر كأنه في حجَرٍ يضرب فمشى من خَلفه جِمال وخُيول وأحمال عليها، وثلاثة آلاف، 

قال سيدنا أبو هريرة كنتُ معهم -يمشي- قال: فمضينا فلما أقبلنا على القوم يقولون -وهم ينظرون-: من هؤلاء؟ هل هم ملائكة أم جن أم إنس؟ من هؤلاء يمشون؟ فوقع الرُعب في قُلوبهم فما وصَل العلاء عندهم إلا وقد سلّموا؛ حَكَم البلد، وأخذ البلد وأقام شرع الله والدين والإسلام، ورجع بنفس الطريق الذي جاء بها -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، ثم يحلِف أبي هريرة قال: فوالله ما ابتلّ لنا خُف، ولا حافِر -أخفاف جمالنا، وحوافر الخيول خرجت من الماء يابسة ما فيها بلَل- (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ) [طه:77] يقول الله لسيدنا موسى، هؤلاء كانوا الصحابة وإذا حَزَبَهُم أمرٌ قاموا إلى الصلاة. 

يعيش بعض الناس يدَّعي الإيمان إذا يحزُبه أمر في نفسه أو خاصّته أو شأنه أو بلدته يا فلان يا فلتان، يا دولة فلانية، يا مخابرات، يا جهاز. أين يا الله؟ أين قام إلى الصلاة؟ لا يعرف الصلاة! (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ(31))

أنت مُؤمن بهذا الإله، وفزَعك إلى غيره، وخوفك من غيره، واعتمادك على غيره، وإلى متى أنت في الوهم؟ من غيره يُقدِّم أو يؤخر، أو يرفع، أو يخفض، أو ينفع، أو يضر، أو يتحرّك، أو يسكُن، من دون أمره؛ إنما ابتلاهم واختبرهم ومآلهم إليه ليُحاسِبهم فاصدُق مع هذا الإله وتأدّب، واخضع، واخشع، وأعلم أن الأمر له أولاً وآخراً ظاهِراً وباطِناً؛ (وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ)[البروج:20]، (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا)[الفرقان:3].

 يقول جلّ جلاله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ (31)) وبذلك تعلم أن التّساهُل بالصلاة بين المؤمنين من أقوى أسباب:

  •  المصائب التي حلت بهم. 
  • وتسلُّطات العدو عليهم.
  • وتفرُّقاتهم وشَتاتهم. 
  • ووقوع الكُروب والحُروب بينهم. 

من أعظم أسبابها: إهمالهم للصلاة المفروضة، وتظاهِرهم بذلك رجالا ونساء في أسفار وإقامة، لا يُبالون بهذه الفريضة؛ فكانوا سبب جَلب البلاء –والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

 (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ (31) وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (32)) أعرضَ وأدبر، (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ (33)) يتبَختر ويختال ويزهو في مِشيته؛ وهذه مشية مكْروهة للربّ، إنّما أباحها في حالة مواجهة العدو في القِتال؛ أن يتبختر طلباً لرضوان الربّ ولقائه، ودخول جنّتِه وتقديماً لروحه من أجلِ الله. فلمّا رأى ﷺ بعض أصحابه في أُحد يمشي مُتبختِراً قال: "إنّ هذه مِشْية يكرهها الله إلا في مثل هذا الموطِن" و حذّر ﷺ فيما جاء من أحاديثه: "إذا مَشت أُمَّتي الْمُطَيطَاءَ" إذا صاروا هكذا، وكثيرٌ منهم صاروا هكذا. وبعضهم على مشارِف هذا أن يصيرون بهذه الحالة مشيتهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- يشابهون في المُتبختِرين المُتكبِّرين.

(ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ (33) أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35))

  • إمّا بمعنى ويل لك ثم ويل لك. 
  • أو (أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ) يُقال لمن يستقبله أمر مهول لا يطيقه، يقولون: (أَوْلَىٰ لَكَ). 
  • أو بمعنى الشِّدّة أولى لك، (أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34)) مستقبِلتك شِدّة كبيرة. 

(أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35))، وقد لقي ﷺ مرة أبا جهل وهو مُتبختِر في مشْيته فأخذ بِتلابيبه: (أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35)). قال: اتْركني يا محمد لا أنت ولا إلهك الذي أرسلك تقدرون عليّ بشيء ولا تعملون شيء -يقول هكذا-؛ ونزل القرآن بنفس الألفاظ التي خاطب بها النبي ﷺ هذا الكافِر وقال له الحق: (أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35)) يعني أنا أقول ما يقول نبيي عبدي محمد. 

(أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (35)) يقول الحق -جلّ جلاله وتعالى في علاه- عجباً لهؤلاء التائهين، عجباً لهؤلاء المُتبختِرين!، عجباً لهؤلاء المُتكبِّرين!، عجباً لهؤلاء الجاهِلين!، عجباً لهؤلاء المُكذِّبين! (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36))!؟ أيظن بعقله أن خالقاً مُكوِّناً عظيماً مُدبِّراً رتّب الكون وأحسن تنظيمه يُوجِد مِثل هذا المخلوق -الإنسان- على سيادة على هذه الأرض وهذا الكون ليفعل ما يشاء ويتصرّف كما أراد ثم يذهب همل؟!. 

رافِع السماء بغير عمد يخلِقُها هكذا؟! مُكوِّن هذا الإنسان من نُطْفة بترتيب عجيب (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ (37)) حوى سمع وبصر، هذه القُوّة العظمة تخلُقك من أجل تلعب وتذهب؟! إعقل! وبعد خلقك هذا خلق الأرض من حواليك وتسويتها وتمهيدها، من أين؟! والجبال ونصْبها، والحيوانات التي تعيش أنت وإيّاها لحِكَم عُظمى وبترتيب بديع، أخالِقُ هذا يُعقل أن يخلُقك لتلعب في الحياة كما شئت وتمشي بهواك وانتهى كل شيء؟! لا يليق هذا بحِكْمة خالِق خلق الخلق بهذا الترتيب، وهذا التدبير، وهذه العظمة، ما يكون هذا!.

  • (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36)) هملاً ضائعاً عبثاً لا أمر له، ولا نهي، يقول الحق: رتّبتُ ودبّرتُ أمور الحيوانات في البر والبحر؛ أأترك هذا الإنسان بلا مِنهاج بلا أوامر بلا نواهي؟!. 
  • (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) لا يُؤمر ولا يُنهى ولا يُرسم له مسار يمشي عليه؟!. 
  • (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) مهملاً لا خِطاب ولا عِقاب ولا حِساب يفعل ما يشاء؟!. 

أيليق هذا بقادِرٍ خالِقٍ عظيمٍ حكيمٍ يخلُق الناس، ذا يظلِم ذا، وذا يؤذي ذا، وذا يلعب بهذا ويذهب وانتهى الأمر؟! كُلٍ يعمل الذي يُريد؟! هذا ليس معقولا. فالذين يُكذِّبون بالبعث والنُشور يتناقضون مع حِكْمة الخلق والوجود وعظمة الخالق -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، ومع ذلك يتناغمون مع فساد الإنسان وظُلم الإنسان، يقول: فليفسِد وليظلمِ قد ما في هناك جزاء ولا حِساب و لا شيء، يظلِم كما شاء، ويفعل ما يشاء، ويمشي وراء هواه، ويضرب من يقدر، ويقتل من يقدر، وانتهينا؛ كيف انتهينا!؟ الخالِق بعظمته، أهكذا يجعل حال الإنسان؟! (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36))

ويُكرر الكلام؛ حُجّة من الله على عِباده يقول لنا في أول السورة: (بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4))، (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ (3))، وهنا يقول: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً) يا هذا المخلوق! كيف نسيت الخالِق وآثار عظمته في تكوينك من البداية؟ ولماذا بهذا التطاول والتبختُر والتكبُّر والجُحود؟ وقد كنت نُطْفة مذِرة حقيرة: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَىٰ(37)) هذه النُطْفة أو (يُمْنَىٰ) -في القراءة الأخرى- هذا المني يُصبُ ويُراق، يعني غاية في المهانة من هذا، وتَكوّن عِظام ولحمٌ وشعرٌ ودمٌ وسمعٌ وبصر -الله أكبر- وأَنشأك خلقاً آخر ثم تلعب كما تشاء و تذهب؟.هذه العظمة التي كوّنت هذا التكْوين تتركك بهذا اللعب؟ تتركك بهذا العبث؟ 

(أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَىٰ(37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً) كيف تحول المني إلى علقة؟ ثم العلقة مُضْغة؟ ثم المُضْغة عِظاما؟ ثم كُسِيت العِظام لحماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ؛ (فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (38)) أبدع في خلْقه، خلق: قدّر، فسوى: رتّب وأكمل الخلقة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4]، (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (38) فَجَعَلَ مِنْهُ)، من هذا الإنسان في تكْوينه من النُطْفة إلى العلقة: (الزَّوْجَيْنِ) -الصنفين والقسمين- (الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ(39)) -جلّ جلاله-. 

(أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ(40))؟ كوّنهم من لا شيء، خلقهم من لا شيء، ما الذي يُعَجِّبَك في عقلك أنه يُعيدك؟! أصلاً كيف جاء بك؟ من أين جئت أنت أصلاً؟! وهذا الذي جاء بك لا يقدِر يُعيدك؟! ما العقل هذا؟! ألا تفكر كيف جاء بك أعظم مما تُفكِّر كيف يُعيدك؟! يُعيدك سهل، لكن أول مرة كيف جئت؟! (بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ(4))

يقول جلّ جلاله: (أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ(40))؟ وكان إذا قرأ ﷺ قال: "سبحانَك وبلَى"، وجاء في لفظٍ أنه قرأها فقال: "بلَى وأَنا على ذلِكَ منَ الشَّاهدينَ"، كما يقول في آخر سورة التين: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)[التين:8] وجاء في ألفاظٍ أُخر أنه يقول: بلى عند (أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ(40)) سبحانه أحياهم وأماتهم، فيُحييهم ويُميتهم ولو مائة مرّة ولو ألف مرة؛ كلّ مرّة أسهل من مرّة -جلّ جلاله-. قال: (ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)[الروم:27] ومعنى الكل هيّن ولكن بمُقتضى عقْلياتكم أنتم، الذي يعيد الأمر أسهل من الذي يبتدئ الأمر، عندكم في العالم الخلقي أمّا الله عنده الكل سواء والكل سهل (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)[الروم:27].

(أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ(40))؟ فالذين يحسبون أن الحياة سُدى وأنّها لعِب، هم قوم انْحطّوا عن مراتِب الإنسانية، وإدراك حقائق الخلق والوجود. (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (38)) -جلّ جلاله- كوّن ورتّب وقدّر؛ (فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ) سوّاك رأس: فيه عينان، فيه شِفتان، فيه أسنان، فيه أُذنان، ما التسْوية هذه؟ بتقدير مُحْكم، ولو كان اخْتلّ الأمر فيها ووقعت شِفاة كذا، واحدة هنا وأخرى راحت هنا، والعين هُنا وعين راحت هناك، أو عين اختفت؛ تشوّه الإنسان، تشوّه خلقه. 

(فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (38)) -جلّ جلاله- وهكذا كان يقول بعض علماء الأمة لو تكلّمت على معاني قول ربّي التي علّمني إيّاها، لا كلُّ ما في الآية من معنى فقط (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى:3] لأعجزت كَتبَة الدُنيا عن معاني التقدير والهِداية في الوجود والكائنات أجساماً وأرواحاً وحيوانات، وحِسّاً ومعنى، وظاهِراً وباطِناً، وحركاتٍ وسكناتٍ، وأنظارٌ وأسماعٌ؛ (قَدَّرَ فَهَدَىٰ)، (قَدَّرَ فَهَدَىٰ)، في كلّ شؤون الكون قال: لو تكلّمت عليها لأعجزت الكتبة في الدنيا و لا تنتهي معانيها، هذا الذي علّمني الله فكيف ما لم أعلمه! لا إله إلا هو، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255].

 ولقد أدرك العُقلاء الأصفياء الأذكياء النُبهاء عظمة الخلق والإيجاد بعظمةِ الخالِق الموجِد وعَلِموا أنّهم خُلِقوا لأمرٍ عظيم؛ فبذلك انْتهجوا النهج القويم، ومشوا في الصِراط المستقيم، وحاسبوا أنفسهم مُحاسبة على أقوالهم وأفعالهم ومقاصِدهم؛ إعداداً واستِعداداً وإيقاناً بأن الأمر ليس همل ولا سُدى ولا لعِب ولا عبث، وبذلك يلوم الحق الذين خرجوا عن هذا العقل والإدراك في الآخرة ويقول  لهم: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]؛ لا وعِزّتِه ما خلقنا عبثاً.

وبهذا كان سهل بن عبدالله التستري -عليه رحمة الله من أيام صِباه وصِغره، إذا أنزله أهله إلى الشارع ليلعب مع الصبيان، يجلس فيذكُر الله، فيُقال له: ما لك لا تلعب مع الصبيان؟ قال: ما لهذا خُلقت، ما خُلِقت لهذا. ذهبوا به إلى المُعلِّم ليُعلِّمه، قال لهم: -قولوا له- اشترطوا عليه لا يقطعني عن ذكري ساعة، هذه ساعة لا يؤخرني فيها عند التلاميذ، فاشتَرَطُوا عليه ساعة يأتي؛ يُخارجه بالتعليم ويرجِع. 

بهذا كان وهو ابن أربع سنين يُصلّي، يقوم في الصلاة في آخر الليل مع خاله محمد بن سوار، يلتفت إليه يقول له: يا سهل، يرد: لبيك، قال: قل؛ الله معي، الله شاهدي، الله حاضري، الله قريب مني. قال: الله معي، الله شاهدي، الله قريب مني

  • قال: قُلها، قُلها قبل النوم ثلاث مرات من دون أن تحرك لسانك -بقلبك-، قال: قلتها.
  • فبعد مُدّة، قال: قُلها سبع مرات، قال: قُلتها وجدت لها حلاوة. 
  • قال: قُلها 11 مرة؛ فكان يقولها قبل النوم 11 مرة. 

قال: استيقظت يوما وهو يصلي، فقلت: يا سهل من كان الله معه وهو شاهِده وهو ينظر إليه أيعصيه؟ قال: لا والله لا يليق به أن يعصي الله. وهكذا.

 وكبُر ووقع في قلبه مسألة: هل للقلب سجود؟ وما شَفَى غليله فيها أحد ممن حواليه. تنقَّل من بلد لبلد حتى لقي بعض العارِفين فسأله؛ فالتفت إليه قال له: يا سهل للقلب سجود لا يرفع عنه أبدا، إذا عرف القلب ربّه خرّ خاضِعاً ولا يقوم أبدا، وتذَوّق معاني سجود القلب -عليه رضوان الله-؛ وهذا معنى ديمومية الصلاة: 

  • (عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)، هو دائما يصلي، في وقت الصلاة وفي خارِج الصلاة، قلبه ساجد للربّ -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 
  • (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج:23] مُستمرّين دائماً في الصلاة -صلى الله على سيّد المُصلّين صلوات ربّي وسلامه عليه-. 

فالحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان، اللهم زِدنا من الإيمان، اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزِدنا منه، كما أنعمت علينا بالإيمان فزِدنا منه، كما أنعمت علينا بالعمر فبارِك لنا فيه. 

في مثل هذه الليالي والأيام في رمضان تعْظُم عطايا الله من الإيمان، من اليقين؛ يقذِف في قلوب كثيرة فيُنَوِّرها فيزداد إيمانها ويقينها، هذا في كلّ ليلة، وهذا في كلّ يوم، وهذا في كل ساعة، وهذا في كل سجدة، وفي كل قومة، وفي كلّ تسبيحة؛ يشرق نور الإيمان في قلبه، عطايا يُعطيها الله في مثل هذه المواسم كثيرة وكبيرة، وفّر الله حظّنا منها ونصيبنا، وزادنا إيماناً ويقيناً. 

يا ربّنا كم يعيش على ظهر الأرض من قلوب مؤمنة بإشراق نور الإيمان فيها ولِعت بِك، وتولّعت بحضرتك، وتشوُّقت إلى قرْبك، وصدقت معك، ووفت بعهدِك، اللهم اجعل قلوبنا من تلك القلوب المنظورة مِنك بعين العناية، تُقرِّبها إليك، وتصطفيها لك، وتَضِم بها أن تَكِلْها إلى أيّ شيء غيرك في الكائنات كلّها. يا بديع السماوات والأرض لا تَكِلْنا إلى سماء، ولا إلى أرض، وتولّنا أنت في الدنيا، ويوم العرض، بما أنت أهله، واجعل همّنا أنت، وشُغْلنا أنت، ووجهتنا إليك، وإقبالنا عليك. يا مُجيب دعوات الداعين، يا من لا يخيب رجاء الراجين، وفّر حظّنا من الجود في هذه الأيام وفي هذه الليالي برحمتك يا أرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي محمد 

اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

07 رَمضان 1439

تاريخ النشر الميلادي

22 مايو 2018

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام