تفسير سورة المجادِلة -1- من أول السورة
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى الله وَالله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}، الآية: 1
نص الدرس مكتوب:
﷽
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1))
الحمد لله مكرمنا بوحيه وتنزيله، الذي أنزله على عبده و صفوته ورسوله، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه، وعلى آله وأصحابه ومن والاه فسلك لسبيله، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين مَركِزِ تخصيص الله وتفضيله، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمته وإفضاله ومِنّته، وإحسانه، ونواله.
وبعدُ…
فإننا في نعمة تأمّلنا لخطاب وكلام إلهنا وإله كل شيء، وربنا ورب كل شيء -خالقنا وخالق كل شيء- انتهينا من تأمل المعاني في سورة الحشر، ونبدأ في سورة المُجادِلة، وهي المرأة التي جاءت تُجادل سيدنا المصطفى في زوجها، وتشتكي إلى الله، فسُمِّيت السورة بوصف تلك المرأة، خولة بنت ثعلبة، فسُميت سورة المجادِلة، وأنَّ صدر هذه السورة وأوّلها نزل في شأنها، وذلك أنها امرأةٌ عاشت مع زوجها ابن عمِّها، سنين عديدة، حتى مضى وقت الشباب، ومضى بزوجها وقت الكهولة، فشاب، فوقع في الظَّهارِ، وهو تشبيه الزوج زوجته بظهر أُمه، فيقول لها: أنها عليه، أو أنت علي كظهر أمي!
- وكان هذا مما يُستعمل في الجاهلية؛ فيكون فراقا أبدا، ولا يرجع إليها قط.
- فكان هذا أوُّل ظهارٍ في الإسلام، وإنما كانوا يستعملون الظهار، والإيلاء، والحلف أن لا يقرب زوجته.
وجاءت الشريعة بالنكاح والطلاق، الذي هو أبغض الحلال إلى الله، وأشد منه ما كان يفعل أهل الجاهلية من المُظاهرة أو من الظهارِ، وهو كما وصفه الحق في هذه الآيات منكر و زور، أي كذب! كما قال في الآية الأخرى: (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ (2))؛ هذا كلام كذب! فيجعلها كأمِّه وليست أمَّه أصلا وأمَّه التي ولدته ما هي هذه! فإذا فعل ذلك فكان له في الشريعة عقابٍ عليه، أن لم يُتبع ذلك بالطلاق المباشر؛ أنه لا يجوز أن يعود إليها وهي لا تزال في عقدها حتى يكفر بـ:
- عتق رقبه.
- أو صوم شهرين متتابعين.
- أو إطعام ستين مسكينا.
فكان هذا تأديبٌ للذي يتلفظ بهذه الألفاظ. فإنَّ الحق ورسوله دعونا إلى أن نُهذب ألفاظنا، ونراعي ما يخرج من بين شفتي كل واحد منا:
- ويقول تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:17-18].
- ويقول نبيُّه: "مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ" اسكت! إمسك اللسان!.
- وقال لسيدنا معاذ: "ألا أخبرُكَ بملاكِ ذلِكَ كلِّهِ ؟ قُلتُ : بلَى يا رسولَ اللَّهِ ، قال : فأخذَ بلِسانِهِ -و أمسك بلسان نفسه- قالَ : كُفَّ عليكَ هذا! كُفّٓ عليك هذا!، فقُلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ : ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم."، الله لا إله إلا الله.
ومن أهمِّ فوائد الصوم ومدرسة رمضان، أن يتقوَّم عند المؤمن مُلكه للسانه، وتقويمه إياه، وحفظه من الاسترسال وراء ما يُوجب الندامة أو الخسران أو العذاب؛
- فإن كلمة من رضوان الله تُرفع بها في الجنة درجات.
- وكلمة من سخط الله تهوي بها في النار سبعين سنة و أبعد من الثريا.
- وكلمة من رضوان الله يكتب لك بها رضوانه إلى يوم أن تلقاه.
- وكلمة من سخط يكتب عليك بها سخطه إلى أن تلقاه وهو ساخط عليك -والعياذ بالله-.
"كف عليك هذا!"، يقول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا..(1))
فأمَّا أنه سميع فذلك معلوم، ولكن سمع؟! سمع قولها برحمة منه وتحنن عليها، وقبول لشكواها ودعواها، فقبل دعاها؛ (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ)، فكانت لمّا أن كبُر زوجها، راجعته في مسألة، فغضب، فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، وندم بعد ذلك وقال: ما أراكِ إلا حرمتِ علي، اذهبي إلى رسول الله! فلعلك تجدين عنده مخرجا! شيء ترجعين به إلي، فذهبت إلى النبي ﷺ، فدخلت عليه في بيت السيدة عائشة وأخذت تقول له، تقول سيدتنا عائشة كما جاء في رواية البخاري تعليقا، وجاء في رواية البيهقي وغيره ابن أبي حاتم، تقول: "سبحان من وسع سمعه الأصوات، فقد كانت خولة عند النبي تكلمه، وأنا أسمع بعض كلامها ويغيب عني بعض ما أسمعه وأنا في ناحية البيت جنبها"، وما انتبهتُ إلا بالوحي وقد نزل و(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)) جلّ جلاله وتعالى في علاه.
- وجاء أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب كان يمشي مع جماعة وإذا بهذه المرأة توقفه ووقف وأصغى لكلامها، وكلمته طويلا، فقضى حاجتها ومشى، فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين! أوقفت رجال قريش من أجل هذه العجوز! قال: ويحك! ما تدري من هي؟ قالوا: لا!، قال: هذه خولة بنت ثعلبة، التي سمع الله لها من فوق سبع سماوات! فما عليَّ أن أستمع لها! فوالله لو لم تترك محادثتي إلا إلى الليل لوقفتُ لها.
- وهكذا جاء في رواية أخرى عن صحابي آخر أنه كان يمشي سيدنا عمر بن الخطاب على حماره، وإذا بامرأة تقول له: يا عمر! قف! قال: فوقف، قال وأغلظت له القول وهو يصغي وينصت، فقلت له: ما رأيتك اليوم؟ قال: وكيف لا أستمع إليها وهي التي استمع الله لها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة.
انظر إلى أدب الصحابة، هذا خليفة رسول الله ﷺ أمير المؤمنين في عام إمارته، وهي لا تناديه بالإمارة ولا بالخلافة و تقول له: يا عمر! قف! ويتوقف ويصغي إليها. فما أحسن أدبه وصلى الله على مُؤدبهم! ﷺ، فقد أحسن تأديبهم كما أحسن الله تأديبه: "أدّبني ربي فأحسن تأديبي"، ومن أحسن منه يؤدب؟ فإن ذكروا صحابة نبي فضلا عن صحابة ولي أو عالم أو عاقل في العالم إلى أن تقوم الساعة، وربي يثني عليهم، نقول لهم: ما يساوون عند أصحاب زَيْن الوجود! وهم أعظم من تأدّب؛ لأنَّ مؤدبهم أعظم مؤدب، هم أرفع من تزكى؛ لأن مؤدبهم أرفع مزكي في الخلق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يقول: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ..(1)) سمعتْ بعض شكواها السيدة عائشة، وهي تقول: يا رسول الله! أخذ شبابي، وفتحتُ له بطني، فلمَّا كبُر وكبرتُ، ظَاهَر مني. فجاء في بعض الروايات، لما تقول: ما ترى لي، قال: أراك حرمتِ علي، قالت: إلى الله أشكو فاقتي .. إلى الله أشكو فاقتي، الآن! ولا يدري أحد ما يدخل علي من فراقي -أي من تعب حالها وشأنها- إلا الله، أشكو إلى الله.
حتى جاء في رواية عن السيدة عائشة قالت: بكت، فبكى من في البيت؛ لرقتهم عليها في حالها، وقالت له: "عندي له أولاد إن تركتهم معه ضاعوا، وان ضممتهم إلي جاعوا، ما أفعل؟ أشكو إلى الله!"، وأخذت تردد الشكوى، قالت: فما انصرفت وإلا غشي رسول الله أثر الوحي، فغشيها ما غشيه من الوحي، ثم سُرِّي عنه وتبسم لها، وقال: قد أنزل الله فيكِ وفي صاحبتك.
لما رأت الوحي ينزل، خافت وقالت: يا ربي لا تنزل فيَّ شيء، افتضحُ به ولا يُضرني، فإني ما جئت عند رسولك إلا أطلب خيرًا، أنا جئت عند رسولك أطلب خير، فلا تنزل فيَّ شيء! فتبسم لها ﷺ وتلا عليها الآية؛
- وقال لها: قولي له يعتق رقبة! قالت: ما يملك من رقبة يا رسول الله. في رواية لما قالوا له تعتق رقبة، قال: إذًا يذهب مالي كله، مالي كله أقل من قيمة رقبة.
- قال: قولي له يصوم شهرين متتابعين! قالت: لا يقدر هذا على الصيام، هو في رمضان لا يستطيع على الصيام، إذا تأخر عن الأكل في خلال اليوم بصَره يتضرر.
- قال: قولي له يُطعم ستين مسكين، قالت: هو لا يجد هذا! قال: سنعينه، قال: أنا أعينه، عندي فرَق من التمر والطعام، قالت: وأنا أعينه عندي فرَق، قال: أحسنتِ! أحسنتِ! فاستوصِ خيرا بإبن عمك، اذهبي أخرجي هذا عنه، وأخذت من عنده الطعام حتى يكملوه.
وفي رواية، انه ﷺ عنده كان، قال: اذهبي إلى فلان فإن عنده كذا كذا من الطعام، فقال لي: إني أريد أن أتصدق به فخذيه منه، فتصدقي به عن زوجك؛ وكان يشاركهم في حل مشاكلهم ﷺ بماله، بحاله، وبجاهه، صلى الله عليه وصحبه وسلم، وهكذا عاش بيننا، لا أرحمَ بنا منه في خلق الله؛ فلا أرحم منه إلا الله -جل جلاله- الذي خلقه رحمة، وبعثه إلينا رحمة، وأرسله رحمة -جل جلاله وتعالى في علاه- فذهبت، وكان هذا هو الحكم!.
وأنزل الله الآيات: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) الحال الذي هي فيه -لو تم الفراق- كيف تعيش باقي عمرها، وشتات الأولاد بينها وبين زوجها، ورحِمها الحق -تبارك وتعالى- وأنزل الوحي في شأنها قال:
- (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) يسمع ما تقول لها وما تقول لكم وما تجيب عليها.
- (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) ومع إثبات السماع وهو من الصفات الواجبة للحق -جل جلاله وتعالى في علاه-.
- فيه أيضا إشارة إلى مكانة خِطاب هذا الإنسان، وأنه عندما يقول ويُقال له؛ فإنَّ رعاية من الحق خاصة تتبعُهُ (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) قال لسيدنا موسى وهارون: (لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ) [طه:46].
- (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) وهو يسمع كل شيء -جل جلاله- يسمع، ووصفُ السمع بالنسبة له تبارك وتعالى، تنكشف له جميع المسموعات حتى دبيب النمل، ولو كان في صخرة صماء، ويسمع وقوع الخاطر في البال، يسمع دبيب النمل، يسمع كل شيء -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.
ولكن (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا)؛ هذا سمع خاص، كما نقول في الصلاة عندما نرفع الرأس من الركوع: "سمع الله لمن حمده"، ماذا من سمع؟! يسمع كل شيء، سمع قبول ورضاء، يعني قبِل من حمدهُ، ورضيه.
وهذه سمع الله قولها، قبِل منها دعاها، وشكواها، وأشكاها -جل جلاله- وشرع شرعا للأمة كلها، أنَّ من وقع في مثل ما وقع في زوجها فليعمل هكذا! وهذه كفارته!.
(وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ..(1)) فإنها خاطبت، هذه قصص -سبحانه وتعالى-:
- (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) [النور:63] ليس كمثل واحد آخر منكم؟ دعاؤه وصفه مختلف.
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ..(12)) فإذا أردت أن تكلم هذه الذات -الحضرة الشريفة- أن تخرج صدقة أولا قبل أن تكلمها؛ لأنك لا تعرف أنت تكلم من؟
ثم نسخ الله ذلك على العباد رحمة ورفق، لكنه أعطاهم بهذا التشريع معاني التكريم والترفيع لصاحب الجناب الرفيع، عبده الشفيع يقول لهم: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً)؛ وهذه الآية تأتينا في هذه السورة، هذه الآية، وقالوا أنه لم يعمل بها في الأمة إلا واحد، وذلك أنه فور نزولها، أراد سيدنا علي أن يكلم النبي فبحث عن دراهم حتى تصدَّق بها ودخل يكلمه؛ فنزل كمال الآية في رفع الوجوب، يقول سبحانه وتعالى: (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ (13)) مسامحين! كلِّموا عبدي! كلِّموا حبيبي وصفوتي! بدون أن أُفرض عليكم صدقة، تكرما منهم؛ لكن عرفوا قدر التكريم أنه ليس مثل كلام غيره، قال: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) [الحجرات:2] اعرفوا ميزته وخصوصيته!.
وهكذا سمع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اثنين يتكلمون، رفعوا أصواتهم في المسجد، قال: من أين أنتم؟ قالا: من الطائف، قال أحدهم من بادية الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد من هذه المدينة لأوجعتكما بهذه الدرّة، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله، وتسمعان الله يقول: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)، المُسيءُ الأدب للحضرة تذهب أعماله الصالحة وتتلاشى، لا تنفع؛ (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات:2] -الله-.
قل: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) فما أنبل سيدنا عمر وهو يلقي سمعه لسماعها، وهي تخاطب زين الوجود، والحق سمعها من فوق، (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)):
- سميعٌ؛ وسع سمعه كل مسموع، أحاط بكل مسموع، ولو وقوع الخاطر.
- وكذلك شأن البصر؛ أحاط بكل مُبصر.
هذا الإله هو الذي له السمع والبصر! نحن في عالم الخلق، خلق لنا أسماعًا وأبصارا، ثم حدَّثنا عن سمعه وبصره، وهيهات ما المخلوق مثل الخالق، يسمع كل شيء ولا نسمع كل شيء، ويرى كل شيء و لا نرى كل شيء، ونسمع بتركيبات، ركَّبها لنا من آلات وحدقة وأجفان واذانٍ وخلايا؛ هذا كله في شأن الخلق، وسمعنا لا يساوي شيء بالنسبة لسمع الجبار الأعلى -جل جلاله- والذي بغير واسطة شيء؛ فهذا وصف ذاته العليا سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)).
يقول علماء التوحيد: "فلو فرضنا أن نملة سوداء، أُغلق عليها وسط صخرة صماء، فأُلقيت في ظُلمة الليل إلى أعماق البحر،؛ فإنَّ الرحمنَ يراها ويسمعُ دبيبها"، وهي وسط الصخرة الصماء في أعماق البحار، يرى -سبحانه وتعالى- مُخَّها وعروقها -جل جلاله- ويسمع دبيبها؛ وسمعه أكبر مما أتصور وتتصور أنت، وأكبر مما تصور عن السمع من في السماء ومن في الأرض؛ وهم يقرُّون بذلك، ويشهدون بذلك -لا إله إلا هو- أنَّ الوجود الحق له، والسمع له، والبصر له، وإنما يُحدث بين الخلائق، إيجادًا وسمعًا وبصرًا؛ ليصلوا إلى الرُّتب التي هيأها لهم في الفهم والوعي، و ليستدلُّوا وليعرفوا، أمَّا هو فليس يشابهه شيء ولا شيء يشبهه، ولا يشبه شيئا -جل جلاله وتعالى في علاه- (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4] -آمنا به!- (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)).
إذا كان الأمر كذلك أنت لا تستطيع أن تملك سمعًا للقريب والبعيد، ولكل شيء، ولا تستطيع أن تسمع الخواطر، ولا تستطيع أن تسمع دبيب النمل، حتى لو قرَّبت أذنك عندها، لا تسمع دبيب النملة؛ لكنك تستفيد من سماعه فتُهذّب أقوالك، توقن بسماعه فتنتبه. واحد يسمعك عظيم جليل كبير، أنت إذا كان عندك أحد من الأعزَّة عليك؛ من قبيلتك أو جماعتك وهو يسمعك، فهناك واحد أكبر منه يسمعك، أعظم منه يسمعك! أقدر عليك منه يسمعك! تستفيد، فتتخلَّق بهذا الأدب في السمع، ثم تصرف سمعك لما أحب منك أن تسمع؛ وأعظم كلام كلامه، ثم كلام رسوله، شغِّل سمعك في هذا.
ولا وسيلة أو سبب لقوة اليقين أحسن من حُسن الاستماع والإنصات لكلام الله ورسوله، تكرير ذلك وإشباع السمع به، يُحدث لك نور اليقين في باطنك؛ فاستعمل السمع هكذا، وانتفع به..
- فإنك إن فعلت؛ أسمعك، ثم أسمعك، ثم أسمعك، ولقد قال: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ) [الأنفال:23] وما أعجب ما يُسمعك بعد أن تصغي وتستمع إلى كلامه بالعبودية والأدب والذلة والتعظيم والإجلال واليقين وإرادة تنفيذ ما يأمرك به.
- إذا فعلت ذلك، فسيُسمعك ما يلذ ويطيب سماعه، ولا يُعبَّر عنه، ثم سيسمعك ثم يسمعك، حتى تنتهي إلى أن يكلمك في القيامة. مع أن كثير من هؤلاء القيامة لا يكلمهم الله، وأنت لما تأدبت بسمعك مع كلامه في الدنيا، كلَّمك في ذاك اليوم.
وأنت في الدنيا يكشف لك سرَّ ما منَّ به عليك من السمع؛ كنتَ في عالم الأرواح، قبل تكوين قفص الجسد هذا بالمدة الطويلة، وكنت في عالم الأزل، وناداك: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) [الأعراف:172]؛ فأسْمعك كلامه فينبعثُ لروحك وسمعك، حلاوة سماع كلام الإله. إذا تأدَّبت بالسمع، أسمعك! (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ) [الأنفال:23]، وكلما زاد الخير فيهم؛ زاد إسماعه إيَّاهم: (لَّأَسْمَعَهُمْ) -جل جلاله-.
و كذلك البصر، لا تستطيع تُبصر كل شيء، لا فرق عند ربك، لافرق بين ظلمة ولا نور، ولا قريب ولا بعيد، ولا وسط جبل ولا فوق جبل ولا تحت جبل، كله سواء عند الله -سبحانه وتعالى- يرى كل شيء، أنت لا تستطيع هذا، لكن تستطيع أن تؤمن ببصره؛ فتتأدب معه، وتهابه وتراقبه، وتصرف بصرك لما شرع لك؛ من تدبر ظهور عظمته في كائناته ومصنوعاته ومخلوقاته وتقديراته وترتيباته -جل جلاله- وحكمته المبثوثة في الوجود. انظروا ماذا في السماوات والأرض؟!
- (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) [الأعراف:185]؟!
- (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا)، وهذا مُتعلِّق بما طعمت البارحة، ماذا طعمت من المغرب إلى آخر الليل؟ كل ما وصل إليك إلا بعد (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس:24-32].
أنتم والحيوانات هذه، نرزقكم من هذا الترتيب، وهذه الكيفية، بهذه الطريقة، لا إله إلا هو، وماء وأمطار وسحاب وأرض وصلاحها للنبات، وزرع فيها وحصاد لهذا الزرع، ثم خدمات تتعلق بحصاده، وتتعلق بتجهيزه، وتتعلق بإرساله، وتتعلق بطبخه؛ ثم أكلت، فما تصل اللقمة لفمك، إلا قد مرّت على تيسير وتسخير وتدبير وترتيب من العلي القدير؛ تنسى هذا كله، ولا تبالي ماذا أكلت؟! وتأكل ولا تحمد، وتأكل ولا تسمي، ما أقل أدبك إذن، تأدب أنت في كونه، وأنت في مملكته، وأنت تحت نظره، ولا تستطيع أن تلقم لقمة إلا بتسخيره، تيسيره. وأصابعك وترتيبها، ويدك مدها، وفمك وتكوينه، كيف؟ ولسانك وريقك الذي تصيغ به اللقمة، ما هذا الترتيب كله؟ أنت في مملكته، أنت في صنعه، أنت في تكوينه؛ فتأدب معه، لا تغفل عنه.
فكل شيء يذكرك به إذا عقلت، وإذا انتبهت من ذلك، فاستعملت بصرك فيما أحبْ؛ من مثل قراءة القرآن، ومن مثل قراءة الحديث، والكلام النافع الطيب من كلام الصحابة أو التابعين أو صالحي الأمة، ونظرت إلى الدنيا بعين الاعتبار والإذكار؛ تذكر زوالها ونهايتها وعاقبتها وما فعلت بأربابها على مدى ما مضى من قبلك من القرون، وتنظر إلى وجوه المؤمنين بعين الرحمة، بعين الشفقة، بعين المحبة والمودة.
- إذا استعملتها هكذا، وغضَضت عما حرم عليك من نظر العورات، والنظر بشهوة، ونظر بيت الغير بغير إذنه، ونظر شنطة الغير بغير إذنه، والنظر بعين احتقار لمسلم؛ هذه محرمات.
- إذا استعملت البصر فيما أحلَّ، وكففت عما حرَّم؛ بصَّرك، ثم بصَّرك، ثم بصَّرك: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46].
يُبصِّرُ قلبك، فلما تأدَّبت بعينك معه؛ فتح لك عين قلبك، وإذا بعين قلبك تنظر ما لا تراه العين الجسدانية:
قُلوبُ العارِفينَ لَها عُيونٌ *** تَرى ما لا يَراهُ الناظِرونَ
(وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، وحينئذٍ تُبصر الجمال الإلهي الربَّاني؛ في الكائنات والموجودات، ويتجلَّى لك جمال خطابه وبهاء وحسن وزهاء كتابه..
وَأَشْهَدُ جَمَالاً أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ *** فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ لَا خَافِي
ثم ييسر لك رؤية أحبابه بالمودة والرحمة والمؤهلات والتعظيم، ثم يكشفُ لك رؤية وجه أحب أحبابه في منام أو يقظة، و يهيئك لرؤية تلك الوجوه، وهي خير ما يتجلى فيه الجمال الأعلى.
- لله جمالٌ يتجلى في النجوم، وفي الكواكب، وفي التركيب للكائنات، والخلق البديع، لكن إذا جئت إلى عند الآدَمي، وإذا جئت عند الآدَمي الوليّ.
- إذا جئت عند الآدمي الولي النبي، وإذا جئت عند المُرسلين، وإذا جئت عند خاتم المرسلين؛ الجمال أصفى وأجمل وأظهر وأوفى، وأبهر وأزهر وأنور، وأتم وأعظم وأحلى.
ولذا سادتنا الصحابة -وهم في الدنيا،- احتقروا نعيم الجنة إن حُرموا رؤية هذا الوجه، وأثَّر عليهم هذا الفكر، حتى وصل الحدُّ بثوبان أنه لم يقدر على الأكل ولا الشرب؛ وكيف أكون في الآخرة؟ إن دخلتُ الجنة كنت في منزلة دون منزلته فلا أراه، فما أفعل؟ ما أفعل بالقصور؟ ما أفعل بالحور؟ ما أفعل بالأنهار؟ ما أفعل بالأشجار؟ ليس فيها شيء يغنيني ولا يعوضني عنه! وإن لم أدخل الجنة، فأشهد أني لا أراك أبدا! ماعاد قدر يأكل، ولا يشرب، ولا نوم؛ أول يوم، ثاني يوم، ثالث يوم، لا أكل ولا شرب ولا نوم؛ اصفر من السهر وظهر عليه.
رسول الله أنكرَ لونه: "ثوبان ما لي أراك مصفر اللون نحيف الجسم؟"، قال: محبتك يارسول الله! ما شأن محبتي؟ إني أكون بين أهلي وولدي فأذكرك، فلا يطيب لي أكلٌ ولا شربٌ ولا جلوس بينهم، حتى أخرج وأنظر إليك! أنظر إلى وجهك! ثم أني تذكرت الآخرة وإنّها حياةُ الأبد، فقلت إن دخلت الجنة كنت في منزلة دون منزلتك فلا أراك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك؛ فهذا الذي كدَّر عليَّ عيشي، وحال بيني وبين طعامي وشرابي ومنامي منذ ثلاثٍ يا رسول الله.
سمع النبي كلام الصادق المُحب العاشق، وطأطأ رأسه؛ وإذا الوحي ينزل عليه، ويبشر الرجل ومَن على شاكلته؛ فتبين أنه عدد من الصحابة كانوا يفكرون هذا التفكير وتعبوا، لكن ثوبان تقدمهم وأنزل: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) [النساء:69]، قال: أجمعكم معهم مهما كانت منازلكم دون منازلهم، فأجمعكم معهم، وأريكم إياه، قرأ الآية وأكل وشرب وقدر أن ينام -عليه الرضوان- يُريك هو هذا الوجه! الوجه الذي قال صاحبه وهو الناطق بالحق: "الويل لمن لا يراني يوم القيامة"، "الويل لمن لا يراني يوم القيامة"، من لا يراك؟ قال من ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. جمعنا الله به، أرانا إياه في الدنيا والبرزخ و الآخرة.
ولما سئل الشيخ عبد العزيز الدباغ علماء المغرب في فاس؛ هل هناك شيء ألذ من نعيم الجنة؟ قال: الإجتماع بالنبي، ألذ من نعيم الجنة.
- فقوِّم بصرك، وغض عما حرم الله؛ يفتح الله بصيرتك ويريك جماله في الكائنات؛ حتى يتجلى لك في سيد الكائنات.
- وهناك الحالُ أجمل، وأعلى وأكمل، وأحلى وأفضل ترى وجه حبيبه، تسمع كلام حبيبه، تصافح يد حبيبه، ما أجمل ذلك! و ما أشرفه!.
(وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1))، ثم قص الحق والحكمة كما سيأتي معنا شيئا من تبيينه: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)).
اجعلنا من المؤمنين الذين ازداد إيمانهم في كل نفس وحين، ويلقونك على كمال الإيمان واليقين، يحبون لقاءك وأنت تحب لقاءهم، وأنت تحب لقاءهم، ما حال ميت يموت بيننا ورب العرش يحب لقاءه، رب العرش يحب لقاءه، ما أسعده هذا! ما أسعد من مات على هذه الحالة! ما هو جبريل، ما هو ميكائيل ما هو..، رب العرش يحب لقاءه، يا ما أجمل حاله!.
أثبتنا في خواص المؤمنين الصادقين المخلصين المحبين، حتى لا يبقى في قلوبنا شيء أحب إلينا منك ومن رسولك، فتكون أنت ورسولك أحب إلينا مما سواكما، على ذلك نحيا وعليه ياربنا نموت وعليه نبعث؛ فننعم بمرافقته ورؤيته، ومكالمته ومخاطبته، ومسامرته ومحادثته، ومصافحته وجلسته في جناتك، اللهم أمين.
لو ما علمتنا من عظمة جودك ما قدرنا أن نسألك هذا السؤال العظيم الكبير، لكن لأنك الله، لأنك الله سألناك، ونحن عبيدك، ومن للعبيد سوى ربهم ومولاهم، فأكرمنا اللهم بهذه الكرامة، زدنا من نفوذك ما أنت أهله، يا مُصطفي المظلل بالغمامة، يا من جعلته إمام أهل الإمامة، زعيم أهل الزعامة، وشهم أهل الشهامة، وكريم أهل الكرامة، صلِّ عليه، يارب صلِّ عليه، يارب صلِّ عليه أفضل الصلوات و سلم عليه أزكى التسليمات منك عنا في جميع الأوقات، وأذقنا حلاوته في الدنيا والبرزخ ويوم الميقات، وفي أعلى الجنات، اختصنا من سر الصلة به بأعلى ما تختص، وإن سبقت لهم منك سوابق السعادة الكبرى بقربه وحبه فضلًا وكرمًا يا خير مجيب، وأكرم مستجيب، يا رب يا كريم يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
قبل 1400 وزيادة أنزل عليه هذا الوحي، وحلاوته سارية إلى الآن، وخيره ممدود، وبساطه لنا مبسوط وكأنه بيننا، يبلغنا كلام ربنا، فما أعجب تعليمه! وما أعجب بلاغه! وما أعجب عناية الحق به حتى أبقى هذا الخير في أمته إلى آخر الزمان! فله الحمد وله المنة. وإلا لما كانت عصمة هذا الكتاب، تكرم وبدأ سبحانه وتعالى بتولي حفظه دون سواه قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]، قال السر الأعظم الذي أعطيتك في الوحي والكتاب لتسعد أمتك، أنا أتكفل بحفظه. كل الكتب التي أنزلتها بواسطة أنبيائي للأمم استحفظتهم إياها وما قدروا أن يحفظوها؛ لكن أنت قال: أنا الذي أحفظها لهم، أنا سأحفظ الكتاب لأمتك وابقيه بينهم إلى آخر الزمان.
اللهم لك الحمد… اللهم لك الحمد، وفي رمضان الذي في مثله أنزلت القرآن، صلِّ على من أنزلت عليه القرآن، وأصلح لنا كل شأن، واجعلنا عندك من أهل القرآن، يا كريم ويا رحمن، والحمد لله رب العالمين.
نشهد أن لا إله إلا الله نستغفر الله نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.
09 رَمضان 1442