تفسير سورة المجادِلة -2- من قوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم)، الآية: 2
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}، الآية: 2
نص الدرس مكتوب:
﷽
(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4))
الحمد لله الكريم العفو الرحيم، ونشهد أن لا إله إلا الله ذو الفضل العظيم ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الهادي بإذنه إلى الصراط المستقيم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك الكريم عليك ذو الخلق العظيم سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاه وتبعه في منهجه القويم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل القدر والمقام الفخيم، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، بأفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وبعد،،
فإننا في نعمة تأمُلنا لكلام ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- في غدوات من رمضان نتلقى فيها تعليمات، وتوجيهات، وتبصيرات من الرحمن -جل جلاله-، وحسبنا بذلك في شرف الإسلام والإيمان أن من لم يدخل في هذه الدائرة فما يتلقونه من معلومات أو تعليمات أو توجيهات؛ فمن مصادر أنفسهم ونظرائهم من الخلق، وربما كانوا من شرار الخلق؛ ولكننا تميزنا وعُزّزنا وأكْرمنا بأن نتلقى تعليمات ومعلومات وتوجيهات من قبل خالقِ كل شيء، العليم بكل شيء الرب الرحمن الحي القيوم.
لك الحمد شكرا ولك المنُ فضلًا، وننظر إلى تنزُّل ربنا لنا ويقص علينا بكتابه خبر تلك المرأة التي ظاهر منها زوجها وجاءت تجادل، وسمى السورة سورة المجادلة، فهذا الرحمن يتنزل لنا ويدخل في تعليماته في شؤوننا الخاصة وما يجري في ديارنا وأسرنا وبيننا، ما أكرمه من رب! وما أعظم فضله على خلقه! لا إله إلا هو.
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ..(1))؛ فيه إشارةٍ إلى أن المرأة لم تركن إلى قرابةٍ، ولا إلى أحدٍ من الخلق، وجهت وجهها إلى الله وقال الله: قد سمعنا، وكل من صدق في الوجهة إلينا ولم يعتمد على سوانا فنحن معه، نسمعه ونؤيده.
- (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّه) أرجعتْ أمرها إليه وفوضته إليه واعتمدت عليه ولم تركن إلى غيره؛
- وهكذا في كل شأنٍ أنت لم تركن إلى سواه، ووثِقت به وتوجهت إليه؛ يأخذ بيدك وييسر أمرك.
- (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) وقلنا فازت هذه المرأة بمحاورة زين الوجود، والحق قال: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا)؛
- وبذلك سمعنا ما كان من سيدنا عمر بن الخطاب من إستماعه الطويل إليها وقال: لو حبستني إلى الليل لوقفت لها، وقال: هذا الذي سمع الله لها من قبل من فوق سبع سماوات، كيف لا يسمع لها عمر؟! -عليه رضوان الله-.
وعلمنا قول الحق لنا: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1)) وشأن ما آتانا من السمع والبصر، والسمع والبصر منه:
- ما هو ظاهر عند الحيوانات.
- وما هو باطن في أصناف الكائنات الأُخر.
إمداد من الحق تبارك وتعالى لهم؛ حتى أن الأرض لتشهد بما يُعْمل عليها من خير أو شر، قال سبحانه وتعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة:1-4]؛ تشهد وتتكلم.
فهناك معاني أيضًا للكلام وللسمع والبصر، يقصرُ عن الإدراك الحسي الظاهر، وموجود حتى عند عند النباتات وعند الجمادات؛ ولذا تشهد يوم القيامة ويوم الموافاة:
- وإنما تُقبل شهادته مِمَن أبصر ومِمَن سمع.
- وإنما تكون شهادته مِمَن ينطق ويتكلم أيضًا.
وحسبك قول الحق: لمَّا يرجع أهل النار إلى النار فيقولون: (لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا)، فتقول لهم: (قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت:21] أنطق كل شيء -لا إله إلا هو-..
- فمنه هذا النطق القائم في الكائنات والجمادات، بعلوي عظمة صانعها وبارئها هي ناطقةٌ بذلك.
- ولكن فينا من يفقه ومن لا يفقه، ومن يدرك ومن لا يدرك، (وإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44].
فشأن السمع والبصر الذي أمدنا الله به شأنٌ عظيم، ويترتب على ضبطه وإقامته أمرٌ كبيرٌ كريم، في الدنيا والبرزخ والقيامة، ثم بقية نتائج كيفية الانطلاق بالسمع والبصر، واستعمال السمع والبصر في أيام التكليف تؤخذ وتُلاقى وتستثمر: إما في الجنة وإما في النار.
فهؤلاء في الجنة يرون نتيجة ما حفظوا من أبصارهم، وحافظوا عليها مِمَا حرَّم الله:
- من نظرٍ إلى محرّم.
- من نظرٍ إلى الدنيا بعين الاستحسان.
- من نظرٍ إلى مسلم بعين احتقار.
- من نظرٍ إلى العورات.
- من نظرٍ إلى بيت الغير بغير إذنه، إلى غير ذلك من المحرمات.
وصرفوها في الطاعات فيستثمرون ذلك في الجنة نظرًا إلى أنواع النعيم، حتى أن أقل أهل الجنة من يطوفُ في منازله وأماكنه وأشجاره في الجنة مقدار ألف عام؛ حتى يستوعبها، يدور عليها كلها في مقدار ألف سنة، مثل جمهورياتهم؟! ما هي هذه الجمهوريات؟! (إِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20] ألف سنة لمَّا يكمل الطَوَفَان على أماكنه التي له خاصة في الجنة، لا إله إلا الله، وهو ينظر بعد ذلك وجوه الأنبياء، ووجوه الصديقين والمقربين، ثم يُكْرم بالنظر إلى وجه الله الكريم -لا إله إلا الله-.
والذين صرفوا أعينهم لِمَا حرَّم الله عليهم في الحياة الدنيا؛ ينتهي استثمارهم ذلك إلى الدخول في النار، فتحرق النار أعيُنهم وتطمس بالعمى، ثم تًخلق فتًحرق ثم تخلق فتحرق ثم تعاد فتحرق وهكذا.. -والعياذ بالله تعالى-، ويرون الحيّات والعقارب والسلاسل والأغلال هذه نتيجة اللعب بالعين في الدنيا، استعمالها فيما حرم الحق عليها -جل جلاله وتعالى في علاه- اللهم أجرنا من النار.
(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36] وعَلِمنا أن مقدار ما أوتينا محدود، وما أوتيت الكائنات كلها من السمع والبصر محدود، أما حقيقة السمع والبصر فلله -جل جلاله-: (هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء:1].
(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)):
- سمْعه عامٌ لكل ما هو مسموع، وبصره لكل مبصر على الإطلاق، لا فرق بين ضوءٍ وظلمة، ولا بين قريبٍ ولا بعيد، ولا ما بين ما تحت الثرى وما فوق العرش؛ كله عند الله سواء في بصره، لا إله إلا الله.
- فحقيقة البصر والسمع لله ويؤتي الكائنات منها ما يؤتي، وقلنا أنك إذا حفظت منهجه في سمعك وبصرك؛ فتحَ على سمعِك وبصرِك بصرًا وسمعًا آخر عظيمًا، تسمع فيه وتبصرُ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ بشر.
اللهم وفقنا لضبط أسماعِنا وأبصارِنا على ما تحبُه مِنَّا، ومتعنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوتنا في سبيلك ما أبقيتنا واجعله الوارث مِنَّا وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم.
قال تعالى: (الَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ)، وفي قراءة: (يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم..(2)). (الَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنكُم):
- أي يشبِّهون نسائهم بظهور أمهاتهم؛ وهذا هو الأصل في لفظ الظهار.
- ثم تكلم فقهاء الشريعة وقالوا: هل مثل الظهر شيء آخر، إذا قال بطن أو قال غير ذلك؟
- وعممها أكثر جماهير أهل العلم على كل أعضاء المحْرَّم إذا كانت مُحَرّمة على التأبيد؛ من أمٍ أو أختٍ أو بنتٍ ونحو ذلك، من جميع المحرمات على التأبيد.
- وقيل أيضًا غير المؤبد وفي المسائل خلاف بين الأئمة -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
فالأصل في الظهارة التشبيه ببطن امه: (الَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم) -أي زوجاتهم- (يَظَّهَّرُونَ مِنكُم) يعني معشر المؤمنين؛ لأن حكم الكفارة فيه تطهير لا يناله مَن كفر، الكافر ما نخاطبه بهذه الكفَّارة، ونعلم أنه ليس أهلًا لأن يتطهر ولا أن يتزكى حتى يؤمن بالله -جل جلاله- ورسوله، ولكن منكم (يَظَّهَّرُونَ مِنكُم) -معشر المؤمنين- (مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) يشبِّهونهم بالأمهات، ما هن أمهات يعني: يكذبون، فيوءاخذون بما قالوا، (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) التي خرجتَ من بطنها هذه أمك، ما علاقة هذه في أمك؟! وتشبهها بأمك فتصير بذلك مظاهرًا عليك الكفارة، ويحرم عليك القرب منها، والعقد باقي ما لم تتبعه بطلاق، فالعقد باقي ولكن يحرم عليك قربها حتى تخرج الكفارة، لا إله إلا الله.
(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ) قول منكر سيئ! خبيث! مخالف للشريعة ولِمَا ما أباحه الله ولا أحله؛ فهو حرام، لا يجوز لأحدٍ أن يستعمله، (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)؛ وإنما شرع لهم الكفارة وقبِل منهم الرجعة؛ لأنه عفوٌ غفور (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [الحج:60]، ولولا عفوه ومغفرته لن يكون جزاء هذا الكلام إلا شيء آخر، ولا عاد يقبل منك كفارة ولا غيرها؛ لكنه عفوٌ غَفُورٌ -جل جلاله-.
(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)، إذاً ففي القول منكرات وهي من فضائع المنكرات، وقد توصل إلى الدركات السفلى في النيران الموقدات -والعياذ بالله تعالى-؛
فاحفظ لسانك أيها الإنسانُ *** لا يلدغنك إنـــه ثعبانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه *** كانت تهاب لقاءه الشجعان
جاءت كلمة وذهبت بحياته كلها ومات، لا إله إلا الله، فاضبط لسانك.
وقال لنا سيد الأكوان: "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ علَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ"؛ فبمثل هذا فانطق: "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم في كل لحظةٍ أبدًا، عَدَدَ خَلْقِه، ورِضا نَفْسِه، وزِنةَ عَرْشِه، ومِدادَ كَلِماتِه".
وخير ما نطق به لسانك: "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه"، وهي من القرآن قال الله في قرآنه: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد:19] وبذلك قال سيدنا: "أفضل ما قُلتُ أنا والنَّبيُّون من قَبلي: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ"، أفضل ما قال من؟! أفضل الخلق وأفضل من النبيين، هل هناك أفضل منه؟! "أفضل ما قُلتُ أنا والنَّبيُّون- كلهم- من قَبلي"، خير كلمة وأفضل كلمة نطقت بها ألسننا: "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه"، الله وفي هذا أفضل ما قالت، ما قالت ألسن النبيين، فماذا فوقهم في الفضل؟ فماذا فوقهم في الفضل؟ من سيأتي أفضل منهم؟ أفضل ما قالوه هم وغيرهم دونهم، فهذا أفضل ما تنطق بلسانك: "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه"، وفر الله حظي وحظكم منها وجعلنا من خواص أهلها.
- وأمرنا النبي أن نكررها في رمضان؛ نشهد أن لا إله إلا الله وأن نستغفره، وقال: إنكم "تُرضون بهما ربَّكم"، تشهدون وتستغفرون خصلتان "تُرضون بهما ربَّكم"، تكسب رضوان ربك بترديد: "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه"؛ لكن "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه" تطلب منك مكانًا لائقًا بها في قلبك، تتمكن فيه ويظهر سرها على باطنك إلى ظاهرك "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه".
- إذا كان يقول بعض أهل التربية: أكثِر من قول لا إله إلا الله حتى تصير كلك لا إله إلا الله، حتى تصير كلك لا إله إلا الله.
- لمَّا قُتِلْ بعض أهل المعرِفة وقرُب من الحق إنكَتَبَ الدَّمَ الذي يَخُرُج مِنْ جَسَده عَلَى الْأَرْضِ "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه"، "لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه".
لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه، أحينا عليها ياحي وأمتنا عليها يا مميت، وابعثنا عليها يا باعث.
وإن من مُنكر القول ما يُذهب أجر الصيام مثل: الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين الكاذبة، كلها منكر من القول يُذهب بكل ثواب الصوم، ثواب كبير عظيم لا يساويه ثواب شيء من الطاعات الأخرى، يجزي به الرب مباشرة، فتجي كذبة واحدة ويذهب ولا يبقى شيء من هذا كله، هل تعلم ما الذي فاتك؟! ليس مليون دولار ياهذا؛ فاتك الجزاء من الملك الجبار، سيجازيك به؛ ذهب بالكذبة هذه، ذهب بالغيبة هذه، تكلم على واحد وما الذي جعلك تغرق نفسك بكلمة لا تساوي شيء، ولا تجد كلفة في مسك لسانك عنها؟! "مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ".
(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ) فمن القول ما هو منكر فاجتنبه، وعود لسانك النطق بالخير، وهكذا..
- لاحظ بعضهم على سيدنا عمر بن عبد العزيز يترفع في كلامه؛ ما ينطق إلا بالكلام الشريف الحسن، فجاء يوم وقد أصابته بثرة في إبطه وتخرج، فكان يسأله الطبيب يقول له: من أين تخرج منك البثرة؟ وسأله هذا متعمِّد حتى يرى قوة ضبط لسانه، فلم يقل من إبطي قال: من باطن اليد، ما ينطق حتى بمثل هذا، وهو أمر عادي؛ ولكن فيه حياء وحشمة واستقذار عند الناس فما نطق به، السائل متعمّد بسؤاله؛ من أين يخرج؟ قال: من باطن اليد.
- وهكذا عَجِب بعض الناس من نباهة رجل مر عليهم وهم في برد؛ يتدفئون بنار عندهم موقدة، مرّ عليهم؛ السلام عليكم يا أصحاب الضوء، ما قال: أصحاب النار، ما قال: أصحاب النار، ولو هو أبله بليد فسيقول، هكذا…
ضبط القول واللسان دليل: عقل، وفقه، وإيمان: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء:53]؛ أحسن، قُل التي هي أحسن، (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة:83].
(وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)) اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فعفُ عنا، اللهم إنك غفور تحب الغفر فغفر لنا.
يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ) من وقع في ذلك وارتكب المحذور، وشبّه امرأته بظهر أمه، (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)؛
- فيقول الشافعية: بأن لم يتبعه بطلاق أبقاها في عقده.
- ويقول الحنفية: (يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) إذا أراد الاقتراب منها.
(فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) يحرم عليه، فتصير حرامًا عليه حتى يخرج الكفارة: (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا)، قال عدد من أهل العلم:
- كالإمام الشافعي والإمام أحمد أنه شرط أن يكون رقبة مؤمنة، وإن لم يذكرها هنا ولكن ذكرها في كفارة القتل رقبة مؤمنة.
- وقالا أبو حنيفة وأبو يوسف وبعض أهل العلم: تكفي أي رقبة؛ لأنه قال: (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ولم يقل مؤمنة.
ولكن الجمهور حمل هذا المُطلق على المقيد، وإن كان في باب آخر ولكن المقصود من هذا العتق؛ تحرير المسلمين، وكما دلّ عليه أيضا حديث.
يقولُ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) فيحرم عليه الاقتراب منها، ويحرم عليها أن تمكّنه من نفسها؛ حتى يخرج الكفارة.
قال الله تعالى:
- (ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) نخوِّفكم ونذكِّركم؛ حتى لا تعودوا إلى مثل هذه الأقوال، وحتى من يقع فيها يرى ما كلفناكم به فيجتنبها.
- (ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) أي فرضنا عليكم هذه الكفارة لعظتكم لتنزجروا وتندموا على ما صدر منكم، وينزجر غيركم ممن لم يقع في مثل ذلك.
(ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) -وفوق هذا وهذا- (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (3)) أحاط علمًا بما تعملون، وبما تنوون وبما، وبما تسعون وبما تكسبون، وبما تتحركون وبما تسكنون؛ بل هو أعلم بحركاتكم منكم، وأعلم بسكناتكم منكم، وأعلم بنياتكم منكم، وأعلم منكم بأعمالكم، هو أعلم، الله؛ فحق أن يُراقَب وأن يُهاب، وأن يُراعى وأن تراعى حرمته (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وقال: (إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لخبير) [العاديات:11]، كان إذا قرأها أهل الخير والصلاح قالوا: اللهم استرنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة، واجعل تحت الستر كل ما تحب، أنت أخبر وأعلم بنا وبأعمالنا مِنا -الله أكبر-.
أنت علمتَ بعملك من حين وقع، ومن حين عزمت، لكن الله علم به قبل أن يخلق السماوات والأرض، وعلمت به من نواحي، وغاب عنك من نواحي، وهو أعلم بها منك.
العلم للرحمن جلّ جلاله *** والعبد في جَهَلاته يتغمغمُ
ما للتراب وللعلوم ..
كنا حفنة تراب، جئنا من حفنة من تراب، كوَّن منها أدم ونحن جئنا منها.
ما للتراب وللعلوم وإنما *** يسعى ليعلم أننا لا نعلمُ
إنما نسعى لنعلم أننا لا نعلم، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216] فالعلم لله حقيقة، (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (3)).
اللهم استرنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة، وَيا لَطِيفًا بِخَلْقَهِ وَيَاعْلِيمًا بِخَلْقَهِ وَيَاا بِخَلْقَهِ، ألطُف بِنَا يالطيفُ ياعليمُ يا. يا لَطِيفًا بِخَلْقَهِ وَيَاعْلِيمًا بِخَلْقَهِ وَيَاا بِخَلْقَهِ، ألطُف بِنَا يالطيفُ ياعليمُ يا. يا لَطِيفًا بِخَلْقَهِ وَيَاعْلِيمًا بِخَلْقَهِ وَيَاا بِخَلْقَهِ، ألطُف بِنَا يالطيفُ ياعليمُ يا.
كثير من الأعمال تعملها؛
- وأنت لا تعلم بالوقت الذي استغرقته.
- وأنت لا تعلم بكل ما حواليك وقت عملك بها.
- وأنت لا تعلم بتفاعل الأرض معها عندما عُملت.
- وأنت لا تعلم بما قيدت الملائكة عليك منها.
والله يعلم كل ذلك، الله أعلم بعملك منك، وأنت علمتها وقت ما عملتها؛ لكن هو علمها من قبل خلق السماوات والأرض. لا إله إلا الله، وما معنا إلا هو يرحمنا، ويعفو عنا، ويغفر لنا.
قال الله: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ) لا يمتلك رقبة يعتقها، وراعى أحوال العباد وترتيبهم وظروفهم، يقول لنا: اعمل كذا، وإذا ما قدرت؛ اعمل كذا، و ما قدرت اعمل كذا، ما أرحمه بخلقه!.
(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ): يجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين متواصلين؛ لا يمكن أن يبدأ في الصوم في شهر ذي الحجة ولا في شهر ذي القعدة، وماذا بعد ذلك؟! سيأتي العيد ستفطر؛ لا ينفع.
وستفطر في العيد؛ وستعيد الشهرين من أولها، لماذا تصوم في هذا الوقت؟ ابحث عن شهرين ليس فيها يوم يلزم عليك فطره، ولا يعذر إلا للمرأة التي يأتيها حيض ونفاس، ماذا تفعل في نفسها؟!
- لن تقدر، لو عليها صوم شهرين متتابعين، لابد أن تقطعهم بالحيض، فلا يضر، وتحسب بدلها غيرها، لأنه ضرورة.
- بخلاف النفاس؛ لا، أنتي تعلمين أنك حامل وقريب الولادة، كيف ستصومين شهرين متتابعين!! أكملي الولادة، ثم بعد النفاس صومي شهرين متتابعين؛ لأن وقت النفاس يمتد أكثر من وقت الحيض، يمكن اجتنابه، لا إله إلا الله.
(فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فإذا أفطر فجمهور العلماء قالوا: ولو بعذرِ من مرضِ وغيره -غير الحيض- وجب عليه أن يعيد الشهرين من أولهما، ولو بعذر، غير الحيض.
قال: (مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ) وجمهور العلماء؛ على أن هذا الكفارة على الرجل وليس على المرأة، والتزام الكفارة هنا من باب أولى وكذلك في رمضان، إذا واقعها زوجها وقيل: عليها مثل هناك
والمعتمد أنه على الرجل فقط؛ لأنه لو ظاهرت هي لم يعتبر ظهار ولم يحسب شيء، إذا قالت: لزوجها أنه عليها مثل ظهر أمها، أو قالت له: أنا عليك مثل ظهر أمك؛ فقولها لاغي، لا تستطيع أن تطلِّق نفسها، ولا تستطيع أن تحرِّم نفسها، قال الله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة:273] فهذا يُعتبر أنه منه لا منها.
(فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ) لا أصوم شهرين ولا أقدر عليه -تعبان- عنده عذر لا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين؛ (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا):
- يجب عليه أن يطعم ستين مسكينا:
- ولابد إذاً من تعددهم، وهكذا يقول الكثير من أهل العلم.
- وقال بعض أهل العلم: لو هو هذا المسكين، أطعمه ستين يوما، كفاه.
ولكن قال جمهور العلماء ستين مسكين، واحد .. اثنين .. ثلاثة .. أربعة .. خمسة .. ستين مسكين.
كم يطعمه؟ قال الجمهور أيضًا مُد:
- قال أبو حنيفة إن كان من البر نصف صاع، وإن كان من التمر أوشعير فصاع للواحد مثل الفطرة، مثل الفطرة عندهم:
- إن كانت من البر فنصف صاع.
- وإن كانت من الذرة أو شعير أو التمر فصاع بمقام أربعة أمداد.
- وقال الجمهور أنها بكل يوم مد، ويروى عن أبوحنيفة أيضًا مثل الجمهور أنه لكل يوم مُد، ومشهور في مذهبه ذلك.
(فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) وفي هذا بيان نظام الإسلام فيما يتعلق بالمال، وعود العوائد على أهل المسكنة والفقر، منها في الكفارات؛ إطعام ستين مسكينًا.
يقول الله تبارك وتعالى: كل هذا التنزل مِنا، وشرع الكفارة لكم؛ ليثبّت لكم إيمانكم ويقوى، ولتتقوا الحدود، كما أن فيه الموعظة، أما قال: (ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ..(3))، كذلك قال:
- (ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..(4)) أي ليدومَ ويستمرَ، ويزداد لكم الإيمان بالله وبرسوله؛ بانصياعكم واتباعكم لفعل الكفارة والتنزه والندم على ما كان منكم.
- (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) فمن مقاصد أنواع التشريعات؛ المحافظة على الإيمان بالله ورسوله -اللهم زدنا إيمانًا-.
(ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) -التي حددها وبيّنها للناس- (وَلِلْكَافِرِينَ) الذين لا يقفون عند حدود الله، ولا يتقون ما حرم الله، ولا يؤمنون بالله؛ لهم (عَذَابٌ أَلِيمٌ(4)) مؤلم شديد الإيلام، (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25]، ليس مثل كل أنواع التعذيبات التي تتصورها بخيالك في الدنيا؛ أشد منها عذاب الآخرة.
(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)) شديد الإيلام، قوي الإيلام -اللهم أجرنا من عذابك الأليم-، (يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الإنسان:31].
وهكذا يبين الله لنا ويضع الحدود، ويحافظ على إيماننا؛ لأنه:
- خير ما نُرزَق.
- وأعظم ما نُعطى.
- وأدفع ما يكون عنا للشرور والمحذور، وعذاب يوم النشور.
الإيمان بالله والرسولِ، زدنا اللهم إيمانًا، ثم يواصل بيانات وتعليمات بها الارتقاء والاعتلاء.
ألحقنا الله بخيار الملأ، وثبتنا على ما يحبه منا ويرضى به عنا، وبارك لنا في ليالي رمضان وأيامه، وما بقي منه فقد ذهب علينا ثلثه وبقي معنا الثلثان، بارك الله لنا فيهما وفي أيامهما ولياليهما، وجعلنا من خواص أهل التلقي لفائضات جود الله وعظيم عطائه، وزادنا في كل يوم، وزادنا في كل ليلة قربًا ودنوًا، وهمةً ونشاطًا، وأدبًا وإخلاصًا، وصدقًا ومحبةً ومعرفةً، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، فرج كرب أمة النبي محمد أجمعين
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي محمد
اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
11 رَمضان 1442