تفسير سورة المجادِلة -7- تتمة السورة
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المجادلة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1442، من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ}، الآية: 20، إلى آخر السورة
نص الدرس مكتوب:
﷽
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22))
الحمد لله مكرمنا بالنور المبين، والحبل المتين، والهُدى والتبيين، والدِّين القويم، والصّراط المستقيم، والتنزيل الحكيم، له الحمد شكرا وله المن فضلا، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، به آمنا، وعليه توكّلنا ولجأنا إليه، واستعذنا به من أن تميل قلوبُنا إلى ما لا يُحب ولا إلى من لا يُحب، وسألناه أن يثبِّتنا على محبة من يُحب، وولاء من ولاؤهم إليه لنا يُقرِّب، ونشهد أنَّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، أكرمِ من يُحب صلَّى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار ومن له صحِب، وعلى من والاهم في الله تبارك وتعالى، فهو إليهم في المحبة والاتِّباع ينتمي وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ساداتِ كلِّ محبوب لله ومقترب، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم والملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،،،
فإنَّنا في نعمة ربنا علينا، بتأمل آياته، ومعاني ما أوحاه إلى قلب خير بريّاته، في ساعاتٍ رمضانيّة زاهية، انتهينا إلى أواخر سورة المجادِلة، ووصلنا إلى قوله -جلَّ جلاله- في خواتيم السورة: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20))، (يُحَادُّونَ): يُضادون يُعاندون يُخالفون يتّخذون لهم حدًّا غير حد الله، يكونون في ناحية، والدّين والحق والهدى في ناحية.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) -محمداً ﷺ- (أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ)، فوَعزّة ربي الذي أنزل الكتاب، كُلُّ مُحادٍّ لله ورسوله، هو الذليل على الحقيقة:
- المعرّض لظهور هذه الذلَّة على أوضح وجوهها، من عند الغرغرة فما بعدها.
- والذي يُعرَّض أيضاً لظهور كثيرٍ من آثار الذلّة عليه قبل ذلك في الحياة الدني.
فوالله ما عندهم عزّة، ومن يبتغي عند أحد منهم عزَّة، فقل له: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [يونس:65]:
- فلا تغالط نفسك أيها المُؤمن!
- ولا تُصدّق وسوسة عدوّك!
- ولا مخادعة نفسك لك!
فإنَّ اتّباعهم هو الذُل، وموالاتُهم هي الذُل، والقرب منهم هو الذُل:
- فلا تطلب العزّة إلا في القرب من ربِّك! وفي طاعة ربك، وفي العمل بمنهج ربّك؛ فهناك العزُّ وحده.
- ولن تجد مخلوقاً في الأرض ولا في السماء متبوءاً ذُرى العزة الحقيقية مثل محمد ﷺ.
أعزُّ خلق الله، وأكرمهم على الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأعزَّنا بمحبَّته واتباعه ونُصرته.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)) -ليس في الذليلين- بل (فِي الْأَذَلِّينَ)؛ وذلك أنَّ جميع من كفرَ بعد أن بلغته الدّعوة ذليل، ومُهانٌ في الآخرة، ولكن أشُدَّهم ذلًا وهوانًا من حادُّوا، من عاندوا، من أذوا، فليس الكفار بمثابةٍ واحدة:
- فأمَّا من لم تبلُغه الدّعوةُ فهو في العذر.
- وأمَّا من بلغتهم الدعوة فمنهم المشتغل بشؤونِ نفسه وحياته بلا مضادة، ولا معاندة، ولا ضر، ولا أذى لأحد، وهذا أهونهم، عليه هوان، ولكن هو أقلّهم في الهون والذل.
- ولكن من كان يؤذي ويضر الغير ويظلم مع كفره؛ يتعرّض لعذابٍ أشد، وهُونٍ أقوى.
- ومن كان فوق ذلك كله يضاد ويعاند وحْي الله وأنبياء الله ورسله، ويخطّط الخطط للإضْرار بالشّريعة والدين وأهلَها، فهو أشدُّ وأشدُّ وأشدُّ في العذاب والنكال والهُون والذِلَّة.
ولذا قال عن هؤلاء المحادِّين: (أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) أشدّ الكفّار ذلة، الكفار الذين يعاندون و(يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يخالفون، ويعادون شريعته ودينه، وأهل شريعته وأهل دينه، بلِية يبتليهم الله بها:
- ليس في شريعته عليهم ضرّ في الحقيقة، بل النفع الخالص.
- وليس في الشريعة عليهم حَيفٌ، بل الإنصاف الكامل.
ليس في الشريعة لهم إلا كلّ نور وهدى، ولكن الله سلَّط على قلوبهم بُغض الحق، وأهلَ الحق ومعاداتهم، وإرادة نشر الباطل؛ فهؤلاء صنفٌ من الكفار -والعياذ بالله- يقومون بالعِداء لله عبر عِداء أنبيائه: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام:112]، لا إله إلا الله.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)):
- قال تبارك وتعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء:139].
- ويقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا):
- يقول -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:144-145].
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة:51].
ويقول جلّ جلاله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)):
- يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)، لا تطلبون تقدّم عندهم، إن أطعتموهم سوف يكون رجوع إلى الوراء؛ فتحصل نكسة، وهذا هو حاصل أم ليس هو؟ وهل شيء حاصل غير هذا؟
- (إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) -ديناً ودُنياً- (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران:149-150].
- يقول جلّ جلاله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)؛ يسلُبون عليكم أعز شيء عندكم؛ الدِّين كله!
- (يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [آل عمران:100-101]
اللهم اجعل كُلَّ واحدٍ من الحاضرين والسامعين معتصما بك، مَهدِيّا إلى الصراط المستقيم، وثبِّتنا على ذلك حتى نموت عليه.
(أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)) فمن أراد الذُّلَ والهوان في الدنيا والآخرة، فليتخذ له أولياء من دون الله مِمَّن يُحادّ الله ورسوله، فلا سبيل إلى مُوالاتهم، ولا إلى طاعتهم؛ إنَّما في عظمة الشريعة والدِّين:
- علَّمتنا حُسن التعامل مع الكل، نعم!
- هذا ليس له دخلٌ في الولاء، وليس له دخلٌ في المُوادّة؛
- إنّه رحمةٌ، وإرادةُ إنقاذ، ورغبةٌ في الهداية.
- وثمِنٍّ للتخليصِ من الكفر والنار.
نعم! هذا في الشريعة! لكن مُوادَّة، موالاة لا يوجد في الشريعة، لا توجد موالاة لكَافر، ولا موادة في الشريعة لكافرٍ، حُسن معاملة، نعم! حسن معاشرة، نعم! حُسن بيان، نعم! حُسن أخلاق، نعم! مُوادة لا! ولا لا! لا موادة قلبية ولا ولاء! ولا نُصرة! لا يمكن أن يجتمع هذا مع الإيمان كما سنقرأ في الآية التي بعد هذه الآية.
يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ) فرض وحكم،؛ في الأزل، وفي أم الكتاب، وفي اللوح المحفوظ، كتب: حكم! وإذا حكم (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد:41].
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) هو الغالب على كل شيء، وكل شيء تحت قهره سبحانه وتعالى، ولكن من أجل الرُّسل وأتباعهم، أنزل هذا الكلام: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) شرّفهم وأضافهم إلى نفسه.
قال: (أَنَا وَرُسُلِي) فيا فوز أتباع الرسل، وهناك العزة والشرف، واطلب العزة من هنا! اتَّبع من أرسلهم واجتباهم واختارهم وانتخبهم هو! الذي له العزة كلها، ولك العزة تعتز، أمّا تنتسب إلى من كفروا به، وإلى من كذَّبوا رسوله، ثم تريد العز! من عند من؟ من عند من تريد العزُّ أنت؟ من الذي خلق العز؟ من الذي يُعزّ ويُذل؟ في أحد غيره؟
- لا مُكرم لمن أهان ولا مهين لمن أكرم: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحج:18]
- ولا مُعزَّ لمن أذل، ولا مذل لمن أعز، فإنَّه لا يذلّ من واليت.
لا يذل من واليته، يا رب العرش، يا رب السماء، لا يذلّ! إنّه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، كائن من كان ما لهُ عز، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا رادَ لما قضيت، لا رافع لمن خفضت، وَلَا خَافِض لِمَنْ رَفَعَتْ: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ) [فاطر:2]، فَلَا تَغْتَرَّ بِالْأَسْبَابِ! وَاسْتَعْمِلْهَا وَلَا تَدَعْهَا تَسْتَعْمِلْك! وَقُمْ عَلَيْهَا وَلَا تَدَعْهَا تَتَأَلَّه عَلَيْك! الأسباب أسباب مخلوقة بيد المُسبّب، والأمرُ أولًا وآخرًا له، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) [الروم:4].
يقول: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) الحمد لله، مع كلِّ ما حصل من الفساد وخِطط أهل الصنف الخبيث من أهل الكفر، المعاندين لرسله على مدى القرون، كم اليوم من قلوب على ظهر الأرض مؤمنة بالمرسلين ومعظِّمة لهم؟
- مليون، مليونين، وثلاثة مليون أربعة مليون، وخمسة ملايين، عجيب! والخِطط أين راحت هذه كلها؟ وخطط كثيرة طويلة عريضة.
- في كل الأوقات التي مضت، الأعدادُ كانت عند المخالفين وعند الكافرين أكثر من المؤمنين، ومع كثرتهم على مدى القرون.
كيف ما أنهوا المؤمنين؟ ما غلبوهم! ما هو السبب؟ مع أنهم قاموا بإبادات، في كثير من الأوقات، وكثير من الجهات، واستعملوا أقوى ما عندهم من الأسلحة، قديما وحديثا، ولكن:
- (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) كتب الله! والحكم حكمهم أو حكمهِ؟ والقول قولُهم أو قوله؟
- (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) فيا شرف من ينتمي للرسل، ويقتدي بهم، ويقوم بنُصرتهم، فإنَّ الله شرَّفهم بتاج النسبة إليه: (أَنَا وَرُسُلِي) أنا ورسلي.
ماهذا الكلام؟
- ما أعظم المرسلين! فيا فوز أتباع الرّسل: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90].
- رسل جاءوا من عند ربك، مبشرين منذرين بوحي من الله.
ما هو كل ما أعطاك واحد فكرة من هنا أو من هنا، قمت وراءه! ساعة غربي، ساعة شرقي، ساعة عربي، ساعة أعجمي، من هم هؤلاء؟ لا آلهة ولا يحبهم الإله ولا يعرفون الإله ولا أنعموا عليك بشيء ولا يُنعمون عليك بشيء، من هم هؤلاء؟ فكيف تمجّدهم؟ كيف تتبعهم؟!
انظر إلى الذي خلقك! وأرسل إليك مَن خلقْه من أحبَّهم واصطفاهم لتقتدي بهم (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).
واتِّباعُ المُرسلين:
- لا يتخلَّفُ في صدق اتّباع واحد منهم عن اتباع الكل.
- كما لا يتخلف صِدقُ المخالفة للواحد منهم مخالفة الكل.
وكل مُصدِّقٌ لما بين يديه، إلَّا أنَّ الله -تبارك وتعالى- بحِكمته رتَّب شرائع وأحكام، غير الثوابت من الإيمان، والأساسيات، وشُؤونٌ محرمة في شرائع الله من عهد آدم، وفي الشرائع كلِّها، إلى أن بُعث محمد ﷺ:
- وأشياء واجبة، مِن عهدِ آدم وما أنزل الله عليه من هدى، إلى أن بُعث النبي محمد، في الشرائع كلها، مثل:
- الصدق، ومثل الأمانة، ومثل بر الوالدين، أمور وواجبات في الشرائع كلّها؛ الصلاة واجبة على الكل، التي تختلف في هيئتها وإعدادها، والصوم واجب على الكل.
- وأشياء مُحرمة على الكل: زنا، ربا، كذب، حرام. في كل الشرائع، لا توجد في شريعة من الشرائع.
بقي بعض الأحكام التي تختلف باختلاف الناس والأزمان، جعل الله الشرائع تختلف وتنسخ بعضها البعض، إلى أنْ حكم بشريعته:
- هي الأصلحُ في حكم من سيأتي إلى أنْ تقومَ الساعة من كل مكلّف.
- وهو الأعلم بهم، فأنزلها على محمّد، وختم به الشرائع، وختم به النبوة، وختم به الرسالة.
- ووجَّهه إلى العالمين كلهم:
- (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1].
- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107].
- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبإ:28] صلى الله عليه وصحبه وسلم.
فما يتأتَّى لا باختراع ولا بغير، أن يُؤتى نظام أحسن من شريعة الله المُنزلة على محمد بن عبد الله لا أصلح؛ للأجسام، ولا للأرواح، ولا للدنيا، ولا للآخرة، ولا للعُقول، ولا للأموال، ولا للإقْتصاد، ولا للعلائق بين الناس، لا أصلح من نظام شريعة الحيّ القيوم التي أنزلها على السّيِّد المعصوم.
ولا يقدر أحد أن يأتِ بمثلها، فضلاً عن أن يأتِ أفضل منها، -والعياذ بالله تبارك وتعالى- اعتقادُ أنَّ شيئاً من الأنظمة أفضل من نظام الشريعة؛ كفرٌ وخروجٌ من الملّة -والعياذ بالله تعالى- (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140]، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]
يقول: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) فالرُّسل اليوم على ظهر الأرض؛ قلوب الملايين تمجِّدهم لأجل الله وتعظمهم وتؤمن بهم (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)، نحن وراء أمرك، لا أحد يضحك علينا، ولا يلعب على عقولنا، صغير ولا كبير، (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة:285].
فآمنَّا بجميع المرسلين، والحمد لله على ذلك، وذكرُهم يُردد في آيات الله، وفي كلام النبي، وثم في كلام الصحابة والتابعين والصالحين إلى زماننا؛ بالتمجيدِ لهم والتعظيم والمحبة، (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) -عظمتموهم- (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) [المائدة:12].
الحمد لله على ذي نعمة، هذا حالُ المرسلين، كل الذين عاندوا المرسلين، أي ذكر باقي لهم؟ و كم من لعنات عليهم؟ ومظاهرُ فشلِهم، وسوء عواقِبهم بارز للخلق كلهم، الذين كذّبوا بالكتاب، وبما أرسل الله به الرسل، كيف كان عواقبُهم في الدنيا!؟
وربُّ العالمين يُحدثنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- عن أولئك، وعمَّا كان لهم، وعمَّا حصل لهم، فيقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-:
- (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) كُلًّا! كلُّ الطّوائف الذين عادوا الرسل، من أيَّام آدم (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا).
- هل في شيء في تاريخ البشرية غير هذا؟ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، وهذا المصير كله للأمم بهذه الصورة كلها، ويبقى من يغتر، ويبقى من يفترِ، ويبقى من يكذب ويعاند.
- وماذا الذي اعتمدوا عليه هؤلاء؟ كلهم هلكوا (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ) [العنكبوت:40-41].
طفل بإصبعه يفعل هكذا، ذهب بيت العنكبوت، وكل معتمد على غير الله، فمثال ما يعتمد عليه من قوة، هو كبيت العنكبوت؛ لأن القوة قوة الحق!
وإذا كان أي إنسان خصم، فذِلَّة الخصم بقدر عُلو المقابل، بقدر علو المقابل، رفْعته يذل هذا، وهؤلاء الذين حادوا الله ورسوله، بقدر عظمة الله: هُم أذلّة! أذِلَّة! خصم من؟ خصمُ من؟ لاإله إلا الله، ولا نهاية لعظمته، فما أقبح ذِلَّتهم؛ لأنَّهم عاندوا الذي عَظَمته مُطلقة، لا نهاية لها.
يقولُ تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(21)) القويُّ العزيزُ حكم أن يَغلِب هو ورسله، الحمد لله ارزقنا حسن اتباع الرسل، هذا حال الرسل ونحن في الدنيا، فإذا بُعث النّاس وحشروا، عظَّم الكل المرسلين، وتمنَّوا القرب من المرسلين.
وإذا حُشر جميع الكُفَّار بمختلف طوائفهم، مَن الذين خالفوا الأنبياء والرسل، والذين كذَّبوا بالنبي محمد بعد أن بُعث؛ من يهودٍ، أو نصارى، أو مجوس، أو هندوس، أو بوذيين، أو مُلحدين، أو غيرُهم، من كل من خالف وقد بلغته الدعوة، جميعهم من أوَّلِهم إلى آخرِهم: (فِي الْأَذَلِّينَ (20)).
إذا حُشروا من القبور بعد الصعقة -ما بين النفختين يُصعقون- النفخة الأولى و النفخة الثانية: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68]، فإذا نفخ في الصّور يقول -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ) -من القبور- (إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) [يس:51-52]، من الذي رجَّعنا بعد الصعقة هذه لو نستمر ماعاد نريد أن نرجع ولا نحس ولا نحيا أحسن، (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) فتُناديهم الملائكة:
- ومنهم الكُفار الذين في وقتنا، الذين بلغتهم الدعوة و أبوا.
- ومن أشدِّهم الذين يرسمون خُططهم للكذب على الناس، ولِضُرّ الإسلام والمسلمين بأي طريقة كانت.
تقول لهم الملائكة: (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)؛ اذهبوا إلى أجهزتكم، انظروا ماذا فيها! اذهبوا إلى جماعاتكم وحياتكم، وانظروا الى كِذبهم، الصادق صِدق عند الرسل، (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]:
- وكل رسول له لواء، يقوم براية تُنشر ومن تبعه من قومه.
- وأمته تتبعه ويكون معهم، وهم أهل الجنة وحدهم.
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)) جلَّ جلاله؛ ثم بيَّن الحقيقة عند المؤمنين ونفى عن قلوبهم موادّة الملحدين والمعاندين: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..(22)) لا تجد! ربي قال لن تجد؛ مؤمن صادق في قلبه مودة، لمن يحاد الله ورسوله، لا يوجد، غير موجود، ولو كان الذي حاد هذا وعاند؛ هو أباه أو أخاه أو من قبيلته:
- (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ) قالوا: وقد تعرَّض عُبيدة أبو سيّدنا عامر بن عبيدة، أبو أبي عبيدة اسمه عامر -أبو عُبيدة عامر بن الجرَّاح- أبو عبيدة تعرّض له أبوه في بدر فحاد عن أبيه، تعرض له مرة فحاد عنه، فلمَّا كرر، قصَده، فقتله.
- (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) وقد عزم سيدنا أبوبكر أن يقتل ابنه عبد الرحمن لمَّا خرج مع المشركين في بدر، فما لحقه.
- (أَوْ إِخْوَانَهُمْ) وقد قتل سيدنا مصعب بن عمير، أو شدَّ الوطئ على أخيه -أبي عزيز- قال -للأنصاري-: اشدد وطأتك عليه فإن أمه غنية ستفديه بمال ينفع المسلمين، يقول: للذي أسر أخاه. هذه وصاتك بأخيك؟ قال: إنه أخي دونك هذا مسلم أخي! لستَ أنت! تخرج تقاتل رسول الله، تضاد دين الله، وتقول أنك أخي! أخي من أين؟! من أجل أُم أو أب؟ اين اعتبار من خلق؟ ما أنت بأخي، هذا أخي مصعب بن عمير، رضي الله تعالى عنه.
- (أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) قتل سيّدنا عمر من الخطاب بعض قبيلته، بعض أقاربه كانوا في بدر، ولمَّا رجعوا من بدر، قال: أرى يا رسول الله، أن تمكنني على قريبي -واحد فلان في الأسرى- تمكنني من أن أقتله، وتمكن أبابكر من قريبه فلان ليقتله، وتمكن علي من أخيه عقيل ليقتله، تمكن حمزة من أخيه عباس ليقتله، وسيدنا أبوبكر قال له: أهلك وعشيرتك لعلَ الله يهديهم، وخذ منهم مالًا نتقوى به، إذا قاتلونا نقاتلهم لكن عسى الله أن يهديهم؛ وعجب النبي هذا الرأي، وعامة أهله كلهم هُدوا وصاروا من خيار الصحابة، لا إله إلا الله، يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
(لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) لا مُوادة! إحسان نعم! (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، إذا كان أبوك وأمك مشركين كافرين، ويُجاهدونك أن تشرك، يدعونك إلى الشرك (فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان:15].
قالت أسماء بنت أبي بكر: يا رسول الله، أمي وردتْ راغبة، راغبة عن الإسلام، لا تريد أن تدخل الى الاسلام، وترغب في صِلتي، أفأصلها؟ قال:
- "صِلِي أمك"، صلي أمك! اخدمِيها وأحسني إليها! لكن مُوادة ومساعدة على الكفر، تقرِّبين لها صنم، لا! لا! لا؛ معروف، أعطيها أكل، أعطيها طعام، ألبسيها ثوب، أعطيها حاجاتها المباحة في الشريعة.
- "صلي أمك"، اعطيها الهدية، أعطِيها المال! هكذا جاءت الشريعة العظيمة، فبيَّنت كيف التعامل، القسط والعدل أوجبته للكل، نحكم بالقسط، ولو كان الخصم، أكبر يهودي أو أكبر مُلحد؛ الحق والعدل يأخذ حقه، شريعة عظيمة!
سيدنا عبد الله بن رواحة يرسله النبي إلى خيبر لكي يخرص التمر، لكي يخرّج كذا كذا مقدار، كان دقيقٌ في الوزن، وحاول اليهود -لأنهم يحبون مالهم كثير- يغرونه بالمال، لا يوجد فائدة، يهددونه، أرسلوا للنبي إن هذا يجْحف علينا -صاحبك- مافي فائدة.
- جاء لما عرضوا عليه المال، قال: "ماذا؟ تعرضون عليَّ رشوة! جئتكم والله من عند أحب الناس إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من عدتكم من القردة، ولكن والله ما يحملني حبي له وبغضي إياكم على أن أزيد في التقدير تمرة ولا أنقص تمرة"، واحدة حبة ما أنقص ولا أزيد، عدل!
- كان بعض علمائهم يسمعونه وهو يترادّ مع الجماعة هؤلاء، من جماعتهم يسمعونه، قالوا: بهذا العدل قامت السماوات والأرض، رجل جاء من عند محمد، مُربَّى، مزكى، مصفى.
- قال: مهما أبغضتكم، لن أجحف عليكم ولن أقول إنَّ هذا بيخرّج كذا وهو لن يخرِّج، لا أزيد تمرة ولا أنقص، أنا أحبه كثير وأبغضكم كثير، لكن بغضي إياكم وحبي له ما يحملنا على أن أزيد ولا حبة واحدة، لا يوجد إلا العدل الذي علَّمنا النبي صلى الله عليه وصحبه وسلم.
هل يريد الناس أحسن من هذا النظام! أحسن من هذا الشرع! ماهو أحسن من هذا؟ يلعبون بأَديانهم ويقعون بلا دين، وينسون الخالق، فقط هذا الذي يُراد؟ هذا مُراد من؟ مراد إبليس والذي جندَّهم معه، يضحكون علينا؟!.
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..(21)) يقول لهم: دعوا المغالطة، إن أردتم حقوق، وإن أردتم معايشة، وإن أردتم علاقات طيبة، فالشريعة واضحة بين أحسن ما يكون من الأنظمة، تريدون نهب الدين، نهب الأخلاق، لعب بالعقائد والدِّين، اذهبوا، إلعبوا على أنفسكم! لا تلعبوا على الصَّادقين من الأمة، أنتم قد لعبتم على كثير منا، والله سيُخلصهم منكم (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص:83].
أمَّا البِرُّ والقسط: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ) -إحسان- (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) -عدل- (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة:8-9]، قال: ولاء ممنوع..
- أمَّا بر وقِسط! إنظروا! إنهم عاشوا قُرب النبي، ودخلوا تحت ظل كريم خُلقه، وواسع رحمته، حتى الصِّنف الخبيث منهم الحربيين، الذين حاربوه.
- وأمَّا الذين عاهدهم ما رأوا منه خيانة ولا رأوا منه نقض ميثاق، ولا رأوا منه إلا تمام الوفاء ﷺ.
- وأمَّا الذين جاوروه فوجدوه خير جار -صلى الله وسلم وبارك عليه و على آله- مشركين جاوروه، يهود جاوروه، منافقين جاوروه.
ما وجدوا إلا أحسن معاملة، من زين الوجود ﷺ، لكن بحدودها من دون أن يضحكوا على شريعته، ولا على دينه، ولا على منهج الله الذي أنزله سبحانه وتعالى؛ فكان خيرَ جار، وخير مُعاهِدٍ، وخير مُؤَمِّنٍ إذا أمَّن.
وإذا حارب:
- لم يجدوا مُحارِبا مثلُه، حرَّم التمثيلَ بالمُقاتلين الحربيِّين.
- و أمر أنْ لا يُقتل منهم امرأة، ولا صبي.
- وباشر إذا ذهب عنهم قومهم وتركوا جُثثهم أنْ لا يدعها، وهم حربيون مقاتلون، بل يدفِنها.
- وأخذ أسرى الحربيين، فأمر بالإحسان إليهم، فكان أعَزَّ الطعام الذي يقع في أيدي الصحابة يدفعونه إلى الأسرى.
هل رأيت نظام يتعامل هكذا مع الأسرى الحربيين؟! دعك من التقوّلات هذه! عمِلوا سجن غوانتنامو! يلعبون على خلق الله -سبحانه و تعالى-.
هؤلاء الأسرى أحسن الطعام سِيق إليهم، تقع الكسرة في يدِ الصحابي فيَدْفعها إلى الأسير، ويكتفِي بالتمرات معه؛ لأنَّ الخبز كان أعز عِندهم من التمر لِقلَّته، التمر يتوافر، فيَدفَعون الأحسن لهم، قال حتى بعض الأسرى أسلم بعد ذلك.
يقول: كنت في الأسرى لما رجعت من بدر، تجد الكسرة الطيبة من الخبز، قال: فيَدفعونها إليّ، وأنا أستحي أردّها إليهم فيردّونها إليّ، ما يتناولها منهم أحد، لما سمعوا النبي يقول: "أحسنوا إلى الأسرى".
لا يوجد نظام أحسن من هذا النظام! لكن يريدون نظام نلعب بأدْياننا، نلعب بالأنبياء، نلعب بالحق -سبحانه وتعالى- ما هذا؟ ما هذا؟! تدعوننا إلى ماذا؟!
فساد شباب وشابات؛ تنطُّع، خروج عن القيم، ولعب بالأديان، هذا الذي يدْعي إليه أهل الفساد اليوم على ظهر الأرض، وساعة يسمونه تقدم، وساعة تطور، وساعة ديمقراطية، وساعة حقوق إنسان، وساعة وساعة، واشبع من الملشَّعات.
أين الواقع؟ أين الحقيقة؟
- (تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) [آل عمران:64]، فالله يوقظ قلوب المؤمنين ويرُدُّ كيد الكافرين.
- يقول جلَّ جلاله: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) [النساء:90] تذهب لتقتل كافر لكنه اعتزلك، لم يقاتلك، وألقَى السلَم إليك، دعْه لا تقتله.
وعاش الكفار في ظل هذه الشريعة، وتحت حكم الخلفاء الراشدين، فمن بعدهم مِن القرون إلى يومنا هذا في بلاد المسلمين:
- ما كان عليهم من ظلم، كانوا مُؤَمَّنين، وكانت حقوقهم مكفولة ومرعية؛ هذا النظام العظيم!
- وما من بلدةٍ فُتحت بالإسلام، بجهاد الصَّحابة فمن بعدهم إلا ظلّت فيها ديانات غير الإسلام؛ لأنّهم لا يُكرِهون أحد على الدين، لكنهم لا يعرفون العبث بالدين وبالأحكام.
يحكُمون ويرعَون الحقوق ويضعون كل شيء في موضعه، -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-، وحكموا بالإسلام وهم أقليّات في كثير من الجهات التي فتحوها، فما وجد المَحكومين أحسن لهم من ذلك الحكم، ولا أنصف، ولا أحفظَ لِحقِّ المظلوم..
- وهكذا يقولُ الحق: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)، ليست عندنا هواية أن نضرب أحد، ولا نؤذي أحد، ولا نقتل أحد، عندنا هواية؛ ننصر الواحد الأحد، عندنا هواية؛ ننصر ديننا ونتبع النبي، هذا الذي عندنا، ليس لدينا شبق إلى إزهاق الأرواح، ليس لدينا افتخار بأسلحة الدمار.
- قال تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ) أو اتركوهم علي كيفهم! أنت سِلْمي متقدم وهو قطّاع سفّاك! أفّاق .. سفاك، يقول لك: هذا عدل، هذا ديمقراطي، من هو هذا؟!
- (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا)، أمَّا بينكم البين: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ)، ثم يقول: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) [النساء:90-93].
جاء فيه: "مَن قَتَلَ نَفْسًا مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ"، ما هذه؟ المصيبة هذه!، معاهداً أو ذِمِّيًّا كافر، لكنه معاهدٌ أو ذِمِّيٌّ.
وعندنا جاء أصنافُ الكفار؛ للكل نتمنى الهداية ونحرص على هدايتهم كما قال الله لموسى وهارون:
- (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا) - على فرعون- (لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) [طه:44]، يعني تمنوا هدايته، ولينوا في القول، عسى أن يتذكر. أرأيت؟
- ومع ذلك فهم أصناف: منهم معاهَد، ومنهم مُؤَمَّن، ومنهم ذِمِّيٌّ، ومنهم حَرْبِيٌّ يُقاتِل. وحتى الحربي ناله قِسطُ محمدٍ وبِرُّهُ وكريمُ خُلُقِهِ صلى الله عليه واله وصحبه وسلم.
فما أعظم هذا النظام! لكن ولاء ومودة لا؛
- (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة:55] هؤلاء تَنصُرُونَهُم وتقومون معهم، النصرة لغيرِ هذا لا.
- وإنما النُصرة للمظلوم ولو كان كافراً، يقول ﷺ: "حضرتُ حِلْفًا في الجاهلية، لو دُعيتُ إلى مثله في الإسلام لأجبت"، اجتمعوا على نصرة المظلوم وإنصافه وإيصالِ الحق إليه، قال: "لو وُجِدَ عقدٌ كهذا الآن في الإسلام، أنا أُجِيبُ لهذا الحلف، وأقوم لنصرة المظلوم" ﷺ.
إذًا، فرقٌ:
- بين الولاء والمودة.
- وبين البِرِّ والقِسْطِ وحسن المعاملة.
فيجب أن نعرف هذه الفوارق، ونمضي على هذا النظام القوي البديع الرائق.
يقول: (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ)، هؤلاء المؤمنون الذين ليس في قلوبهم مودة -مع أدبٍ جَمٍّ، مع خُلُقٍ عظيم، مع حسن معاملة، مع بيان- مع إرادة هداية للكل:
- (أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) أي حَكَمَ لَهُمْ بِأَنْوَار الإيمَانِ تَسْتَقِرُّ فِي قُلُوبِهِمْ.
- (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) الله أكبر! عَظمَة! يمدهم بروح منه سبحانه وتعالى:
- في تأييدهم وتسديدهم وتوفيقهم.
- في كشف الحُجُبِ لهم.
- في إدراكهم للمعارف والدقائق.
- في انتقالهم من علم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين.
(وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)؛ هذه عاقبتهم، اللهم اجعلنا منهم.
فوق هذا: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) -يا فوزَهم- (وَرَضُوا عَنْهُ) رضوا عنه؛ معرفةً، ثم إكرامًا وإجزالاً منه وإنعامًا:
- أولاً عرفوه، فغيرُهُ لا يرضَوْنَ عنه، وهم عرفوه فعرفوا به ربًّا، فعظّموه ورضوا عن ربهم.
- ثم قابلهم بعجائب غرائب الإحسان والإنعام والإفضال والمنِّ والكرمِ والجود بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، فرضوا عنه.
(رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ)، أنصارُ الله، أحبابُ الله، صادقون مع الله، (أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ)؛ (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22))، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم.
بهذا نأتي إلى ختام السورة الكريمة، كما نأتي إلى ختام النصف الأول من الشهر الكريم، ونقضي في سورة الحديد ما بقي من أيام شهرنا التي ليتها لا تنقضي وليتها لا تنتهي. ولكنها سُنة الله وحكمة الله في الوجود، وما لنا إلا ما أعدَّ وحَدَّ وبيَّنَ لنا -سبحانه وتعالى-، فله الحمد شكرًا وله المنُّ فضلاً، "لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنَّتْ أن تكون السَّنَةُ كلُّها رمضان".
بارك الله لكم في نصفنا الأخير، وجعَلنا من أهل التنوير وحسن التدبر والتدبير، تدبيرٌ مِنَ العليِّ الكبيرِ يتولانا به؛ فنسلم من سوء تدبير أنفسنا، ويُجْمِلُ اختياره لنا؛ فنسلم من سوء اختيارنا وقبيح اختيارنا في جميع أطوارنا.
ارزُقنا التفويضَ إليك والإقبالَ عليك وبَذْلَ النفسِ والنفيسِ في نصرتك ونصرة رسولك المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ظاهراً وباطناً.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
تنزَّلَ القرآنُ إلينا، يبيِّنُ لنا ويوضِّحُ سبحانه وتعالى -سبحان الله! فكأنه يُكلمنا- فَضلاً لَنَا مِنْهُ. وإنما نزل الوحيُ على النبي محمدٍ، وبعد ذلك قال؛ للناس، على الناس، وأنزلنا عليكم، هو على حبيبه نزل، ولكن لما يمتدُّ خيرُهُ إلينا، يقول أنَزَلَنا عليكم، فكأنه يكلمنا جلَّ جلاله، بواسطةِ هذا القلبِ المُبَلِّغِ، فكأنه بيننا يبلغ آيات ربنا.
فجزاه الله عنا خيرَ ما جزى نبيًا عن أمته ورسولاً عن قومه. وأدخلَنا في حماه وأسعدنا بالنظر إلى مُحَيَّاه دنيا وبرزخاً وآخرة. وجعَلنا من أسعد الناس بالنظر إلى طلعته الغراء وجبينه الأزهر، حتى يجمعنا معه في أعلى مستقر وهو راضٍ عنا في لطفٍ وعافية.
والحمد لله رب العالمين. أشهد أن لا إله إلا الله.
16 رَمضان 1442