تفسير جزء تبارك - 108 - تفسير الآيات الأولى من سورة المرسلات
للاستماع إلى الدرس

يواصل الحبيب عمر بن حفيظ تفسير القرآن الكريم، موضحا معاني الكلمات ومدلولاتها والدروس المستفادة من الآيات الكريمة، ضمن دروسه الرمضانية في تفسير جزء تبارك الملك من العام 1438هـ.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7))

الحمد لله مُوالي النعم، ودافع النِّقم، وفاتح أبواب الجود والكرم، وصلى الله وسلم في كل آنٍ ونفسٍ على عبده الأكرم سيٌدنا محمّد للدّين القَويم والخُلُق المُعظّم، وعلى آله وأصحابه والسّائرين بعدهُ على الصّدق قدمًا بعد قدم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين أهل الدّين الأقوم، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنًه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 أما بعد،،،

 فإنّنا في توالي نِعم الله علينا، ومع مرور الأيّام الكريمة الكبيرة الشّريفة النّويرة الجميلة والتي تُختتمُ لنا، نُتابع نعمة الله فيما فتح لنا من باب التأمّل في خِطابه وآيات كتابه، وما أوحاه إلى سيد أحبابه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وهل يُمكن لإنسان على ظهر الأرض أن يفكر في شيء أعظم من هذا؟!  أو أن يُشغل عقله، ولُبّه، وذهنه بشيء أصدق من هذا؟ أو أتم، أو أقوم، أو أكرم؟ لا وعزة الله المعبود، فالحمد لله على ما هيأ لنا من صرف وقت وفِكر إلى هذا الأمر العظيم، والنّبأ الفخيم، والذِّكر الحكيم، والقرآن الكريم، وأعْمَر بذلك ساعات من أعمارنا في الشّهر المبارك. اللّهمّ لك الحمد شكرًا، ولك المن فضلاً. 

وانتهينا إلى سورة المرسلات، ابتدأها الله تعالى بأقسام وأيمان يحلفها، فقال تعالى: 

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)). 

أقْسمَ هذه الأقسام على أنّ كل ما وُعِدنا به على لسان رسوله؛ من البعث بعد الموت، والحشر والنّشر، والقيامة والحساب، والوَزن والصراط، والجنة والنار؛ واقع: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ)، أَمْرٌ مُحَقَّقٌ، يَقِينٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلَا شَكَّ مُقْبِلٌ عَلَيْكُمْ تَمَامًا، (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)).

 يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1))

  • الْمَلَائِكَةُ تُرْسَلُ بِوَحِيِ اللَّهِ وَهُوَ الْعُرْفُ، تُرْسَلُ بِالشَّرَائِعِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.
  • (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) ثمّ ذوات ساداتنا الأنبياء والرّسل، تُرسل إلى عباد الله تعالى بالعرف والحقّ والهدى والبيان.
  • (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) ثمّ يُرسِل الله تعالى أنواعا من الرّياح مُتتابعة.
  • (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)، ومن معاني العُرف الكثيرة، ومن معاني العرف المتتابعة.
    • فيقول أهل العربيّة: إن الناس إلى فُلان عُرْفًا، أو ذهب الناس إلى فُلان عُرْفًا، إذا تتابعوا وتكاثروا عليه، يُقولون: ذهبوا إليه عُرفا، وهو كعرف الفرس. 

يقول تعالى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1)) أُقسم بالمرسلات عرفًا، ومن جملة تلك المرسلات: 

  • ما يُرسله من الواردات والمعارف والخواطر الطيّبات إلى القلوب الطّاهرات.
  • (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)، وفيها تعرُّفٌ وتعريف من الحقّ لعباده.
  • فتناول (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)، ما أرسل من النبيّين، وما أرسل من الملائكة، قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [المدثر:75].
  • (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)، وتناول الرّياح التي ترسل؛ (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ)، يقول الحقّ: (لَوَاقِحَ) [الحجر:22]. 

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2)) إما: 

  • الملائكة في طَيرانها تعصف، أو تعصف بأرواح الكفّار عند أخذها وقبضها.
  • (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)، هذه الرّياح المرسلة بالشّدّة والعذاب، كالرّيح العقيم التي أُرسلت إلى قوم عاد.
  • (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)، وأنواع ما يعصف، أي يهلِك الناس، ومنه قوّة الإسلام والشّريعة، ونصر الله تعالى الذي يُرسله لأهل الحقّ يعصف بأهل الباطل والضّلال والزّيغ
  • (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا) ومن الملائكة من تُرسل بأنواع من الرّحمة واللّطف، والمنافع والفوائد؛ فدخلوا في (الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) ومن الملائكة من يُرسل بالعذاب، والتّدمير ونُزول الشّدائد بالنّاس (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2)) يقول جلّ جلاله وتعالى في عُلاه: (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3))..

  • ومنها الملائكة تنشر الرّسالات التي جاءت بها.
  • ومنها الرّياح تنشر السّحاب.
  • ومنها السّحائب والأمطار تنشر النّبات في الأرض. 

(وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3)) ومن عظيم ما يتعلّق بذلك: 

  • شُؤون المرسلين ونَشرهم الهدى والخير بين النّاس، ثمّ ما يحصل من ورثتهم في نشر الخير والهدى بين الناس، وإنّ الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض لَيُصلّون على مُعلّم النّاس الخير.
  • (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) ومنها الصّحف تُنشر يوم القيامة؛ يُعرض ما فيها على الحقّ وعلى الخلق.

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3))، ثم أقسم:  بـ(فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4))

  • الْفَارِقَاتِ اللّاتي يحصل بِهنّ الفرْق الواضح التّام.
  • الْفَارِقَاتِ: الملائكة التي تأتي بما يُفرّق به بين الحقّ والباطل، والخير والشّرّ، والهدى والضّلال.
  • المرسلون صلوات الله وسلامه عليهم.
  • أو القرآن؛ آياته التي تُفرّق بين الحق والباطل.
  • والأنوار التي تُقذف في القلوب، ومن أقوى أسبابها التّقوى؛ (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال:29].

فتلك القلوب التّقيّة مُقسم بها، (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4))، وتلك الأنوار المرسلة من قِبل الحقّ لتلك القلوب فارقات.. 

  • (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) [الحديد:28].
  • (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) [الأنعام:122].
  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) [الحديد:28]. 

(وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)، فهذه الأنوار الرّبانيّات المُفرّقات بين الحقّ والباطل أقسم الحقّ بها، وأوّل مَن يُفرّق بين حقائق الأمور، والحقّ والباطل، والخير والشّرّ، والنّفع والضّرّ، والسّعادة  والهلاك والشّقاوة، والهدى والضّلال:

  • المعصومون من الأنبياء والملائكة فما أُعطوا من الفرق أقوى ما أُعطِيَ للخلائق.
  • ثم يأتي بعد ذلك الأتقياء والصدّيقون المقرّبون وما أوتوا من تعليم الله إيّاهم فرّقوا بين حقائق الأمور. 

فالوصول عند جميع العقلاء من الإنس والجنّ والملائكة، الوصول إلى معرفة حقائق في الأشياء، وهو الشّيء من علم الله الذي يُؤتونه بسرّ قوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255]؛ فأقوى ما يكون عند المعصومين من الملائكة والأنبياء. 

ثم بعد ذلك لكونِ الوصول إلى هذه الدرجة شأن شريف ورفيع، ما كلُّ الناس يُدرك الحقّ، ما كلّ النّاس يُدرك الحقائق، بل أكثر الجنّ والإنس لا يُدركون الحقّ ولا الحقيقة؛ ولذا يؤولون إلى النّار -أكثرهم- (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف:103]. 

يا مَن آتيناك في عالم الخلق قوّة الفرقان وأنزلنا عليك القرآن، إرادتنا سارية في العبيد، فمهما حرَصت فلَن تُعِلِّم هؤلاء الجُهّال الذين لم نُرِد أن نُطهّر قلوبهم؛ (وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة:41].. 

  • وإذا لم يُرد الله أن يُطهّر قلوبهم، فمَن يُطهّرها؟ هواء، أرض، سماء، أشجار، أحجار، أحزاب، حياة، حكومة؟.
  • إذا لم يرد الله أن يُطهّر قلوبهم، ما الذي يُطهر قلوبهم؟ محاضرات، مؤلفات، ندوات؟! ما الذي يُطهّر قلوبهم؟ إذا لم يُرد الله أن يُطهّر قلوبهم. 

طهّر الله قُلوبنا ونقّاها وزادنا طُهرا في كلّ يوم وفي كلّ ليلة يا أرحم الرّاحمين. 

فأكثرهم لا يُفرّقون بين الحقّ والباطل، ولا يُدركون الحقيقة، مع كثرة ما أُوتوا من المؤهِّلات والوسائل والأسباب، لذلك: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان:2]، وما اكْتفى بمُجرّد السّمع والبصر؛ أعطانا والعقول، وأنزل كُتب، وأرسل رُسل؛ ومع هذا كلّه يُعرضون ويتولّون، لا يُدركون الحقّ، حتى إذا انكشف الوجه الحقيقيّ للكلّ، فالكلّ يخضع، وفِرعون قد قال عند الغرق: (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)؛ هذا الحق أبَيْتهُ، وأعرَضتَ عنه أيّام الفُرصة: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) [يونس:90-91]؛ ذاك الوقت؛ لا يهوديّ ولا نصرانيّ ولا مُلحد ولا جَحود ولا مَجوسيّ ولا بُوذيّ إلا كلّهم يقولون: لا اله الا الله محمد رسول الله؛ هذا الحقّ، هذا الحقّ، وأنتم أعرضتم عنه -تَولَّيتُم-؛ وآيات الكون تدلُّكم عليه، وعقولكم لو تأمّلتم تدلّكم عليه، والتاريخ لو تأمّلتم يدلّكم عليه، واقع الحياة والناس يدلّكم عليه، فلِماذا أعرضتم؟!. 

سبحان مَن يُضِلّ مَن يشاء ويَهدي مَن يشاء، اللّهمّ اهْدنا فِيمَن هديت..

  • (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) [الكهف:17]، لا إله إلا الله.
  • (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ) [الجاثية:23]. 

هل تحسب أنّك جالس في هذا المجلس، وأنت مصدِّق بالحقّ وبمحمّد أمرٌ هيّن؟! أو اقْتَدَرْت عليه بشيءٍ من فكرك او عقلك او قوّتك أو قوّة آبائك وأجدادك؟! لا!! .. لكن منحةٌ من الرحمن، فضلٌ من المنّان، وسوابق سبقت من مكوّن الأكوان، أن يُعطيك هذا الإيمان. 

اللّهمّ ثبّتنا عليه، اللّهمّ كما أنعمت علينا بالإسلام فزِدنا، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزِدنا منه، وكما أنعمت علينا بالعافية فزِدنا منها، كما أنعمت علينا بالعُمر فبارك لنا فيه.  

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4))، كلّما صَفا بَالُ الإنسان ولُبّه، نال نصيبا من هذا الهدي العظيم، فإذا كان مبدأهُ وأوّله وبَذره ومَنشأه: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمد رسول الله، فإذا سُقِيَت هذه البَذرةُ في القلب الطّيِّب بمياه الطّاعات والإنابة والإخبات والتّصفّي عن الدّنايا والعكوف على باب الله وصدق الوجهة إليه؛ أثمر هدايةً بعد هداية بعد هدايةٍ بلا نهاية: 

  • (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) [محمد:17].
  • (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]. 

اللّهم زِدنا هدى، اللّهم زِدنا هدى، اللّهم زِدنا هدى.

 (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4)) تفريقًا بيِّنًا واضحا، بيِّنا بين الأشياء، ثم يدقّ ويدقّ ويتفصّل هذا التفريق:

كلٌّ  على  قَدْر الصّفا  والاقتِدا *** نال الهدى في أحسن استقبالِ

و جاهد تُشاهد واغْنم الوعد بالهُدى *** هُدى  نَصُّه  في  العنكبوت  بآيةِ

 (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ) [العنكبوت:69]، ما جاهدوا إلا وقد آمنوا وأسلموا وصدّقوا واخْتاروا الخير وكَابَدُوا، ثم قال بعد ذلك: سنهديهم، سنُعطيهم الهداية -الله- ما هذه الهدايات؟ الكشف والفتح المبين وإدراك الحقائق إلى أبعد الأمور -سبحان الله- حتى ينتهي إلى: 

  • ما قال ﷺ: "اتَّقوا فِراسةَ المؤمنِ، فإنَّهُ يَرَى بنورِ اللَّهِ".
  • وينتهي إلى ما قال الحقّ في حديثه القدسي، الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: "فإذا أحببته كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، ولِسَانه الذي يَنٔطِقُ بِه، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ". 

فما هذا العبد؟! هذا العبد المُكرَم المَمْنُوح المَنْفُوح بعظيم النّفحات الرّبانية. 

 (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4)) في ذلك كان يقول بعض أخيار الأمّة في القرون الأولى: "إنّي لأرى الرجل من قفاه - من ورائه- فأعرف ما في قلبه"، قالوا: كيف من قفاه -من ورائِهِ-! قالوا: فوجهه؟ قال؛ تلك صحيفة تُقرأ، الوجه صفحة مكشوفة، قال: أراه من ورائهِ أعرف ما في نفسه؛ وهكذا تنتهي الفراسات والفوارق بين الأمور إلى حدود غريبة وبعيدة، الله لا إله إلا الله. 

حتى إن الكرام الكاتبين يتأذون من كذب الكاذبين، فإذا نطق الإنسان بالكذبة تباعد الملكان عنه مسافة ميل من نِتَن ما يخرج مِن فِيهِ، هل ترى شؤم الكذب؟ وكيف يفرِّقون بينه؟، وهكذا حتى من خلال سماع صوت الإنسان يتبين لأهل الفارق؛ هذا الصوت نابع من أي قلب، وقد كان يقول بعضُ صلحاء الأمّة: "أعرف أفرِّق بين العبَاير في الكتب"، والذي كُتِب عن تحامل، والذي كُتِب عن هوى، والذي كُتِب بنفس، والذي كُتِب بطهر، والذي كُتِب بخالص العلم، قال: أُفرّق بين العبارة والعبارة، حتى وسط الكتب، (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال:29]؛ ولكن هذا عطاء الله لمن يشاء.  

وأقسم الله بالفارقات: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4))؛ خير من يُفْرّق: الملائكة والأنبياء، ثم مِن أعلى ما يحصل به من الله الإمداد بالنور الفارق؛ هي هذه الآيات، ومن هنا قيل أن (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا)؛ القرآن، آيات القرآن فوارق بين الحقّ والباطل، والهدى والضّلال، والخير والشّرّ، والصّلاح والفَساد، لا يوجد ميزان مثل هذا يُحسن التفريق بين الأمور؛ لذا: 

  • لمّا ذكر ﷺ: "فتن يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافرًا.."، قالوا ما المخرج؟ قال: "كتاب الله"، "كتاب الله".
  • بل يخبرنا أن من يقرأ عشر آيات من سورة الكهف كل يوم، إذا جاءت أكبر فتنة فلا تقدر عليه ويُعصم منه، فتنة الدّجال ما يقوى عليه بواسطة اتصاله بالحق ورسوله عبر عشر آيات واظبَ عليها من سورة الكهف. 

فإنّما تنال الفِتَن المنقطعين، المقطوعين عن مولاهم وعن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.

(فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5)): 

  • الملائكة تُلقي الذّكر على الرّسل والأنبياء.
  • والأنبياء والمُرسلون يُلقون الذّكر والتّذكرة على أمَمِهم ومَن يسمعهم.
  • وخلفاؤهم من ورثتهم يُلقون الذّكر على عباد الله، ويُذكٌرُونهم بأيّام الله، وبآيات الله، وبآلاء الله، وبوعد الله ووعيده. 

(فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)) تُلقِي الذّكر فيَتَبَيّن به الحق، فإمّا يكون:

  •  عُذْرًا للحقّ تبارك وتعالى في خلقه.
  • أو نُذْرًا إنذارا لهم من غيّهم وطُغيانهم وفسادهم. 

(فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)) الله! .. الله! قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحشر:9]، (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) وقال سيدنا علي: "إلا فَهْمًا يُؤتاه أحدُنا في كتاب الله". 

(فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)) أو (عُذُرًا أو نُذُرًا (6)) بالقراءتين، بهذه الأشياء العظيمة كلّها في خلق الله أقسم ربّي، على ماذا تُقسم يا ربّ؟ 

  • (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) الذي أخبركم نبيّنا؛ أنّ أمر الحشر والنّشر والبعث بعد الموت والصّراط والميزان والحساب والجنّة والنّار؛ واقع.
  • (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) حقّ، صِدق لا يتخلّف وكلّكم ستُقبلون عليه وتَصلون إليه.
  • (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)) صدَقَ ربّي، والقول قوله، وقوله الحقّ وله الملك يوم ينفخ في الصّور. 

فالله ينفعنا وإيّاكم بالآيات، ويُنوّرنا بالبيّنات، ويجعلنا من الذّاكرين لله تعالى في جميع الأوقات، ويُقبل بوجهه الكريم علينا في جميع الآناء والساعات. اللّهمّ انفعنا بالقرآن وارفعنا بالقرآن، فإنّك ترفع بهذا القرآن أقواما وتضع آخرين، ومَن رفعتهم بالقرآن رُفِعوا إلى الأبد، ومن وضعتهم بالقرآن وُضِعوا إلى الأبد، فارْفعنا بالقرآن وانٔفعنا بالقرآن، واجْعلنا عندك من أهل القرآن، أصلِح ما بيننا وبين القرآن، واجْعل لنا وصِلة عظيمة بالقرآن في رمضان، لا ينتهي عنّا إلا وقد احتكمت صِلتنا بكتابك، وفهمتْ أرواحنا وقلوبنا وعقولنا شريف خِطابك واتّصلت بسيّد أحبابك. 

اللّهمّ ثبِّتنا على دربه، واسْقنا من شُربه، وأدخِلنا في حِزبه، واملأ قلوبنا بحبّك وحبّه، واحشُرنا في زُمرته وأنت راضٍ عنا. 

بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي محمد

اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

24 رَمضان 1438

تاريخ النشر الميلادي

19 يونيو 2017

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام