تفسير سورة المرسلات -2- من قوله تعالى: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7))

تفسير جزء تبارك - 109 - مواصلة تفسير سورة المرسلات {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}
للاستماع إلى الدرس

يواصل الحبيب عمر بن حفيظ تفسير القرآن الكريم، موضحا معاني الكلمات ومدلولاتها والدروس المستفادة من الآيات الكريمة، ضمن دروسه الرمضانية في تفسير جزء تبارك الملك من العام 1438هـ.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20))

الحمد لله مولانا العليم الحكيم المُعلّم مَن يشاء لمن يشاء، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة:255]، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يُشبه شيئا ولا يُشبهه شيء، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11]، الإله الحقّ العليم القدير، جامع الأوَّلين والآخرين (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)).

ونشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا وقُرّة أعيُننا ونور قلوبنا محمدا عبده ورسوله خاتِم الرّسل، وسيّد أهل الفضل، مَن أعطاه الله العطاء الجَزِل، ورفعه في القرب منه أعلى محلّ، وجعله الآخر الأول، أَدِم اللّهمّ منك الصّلوات والتّسليمات  الزّاكيات الطّيّبات العليّات الهنيّات، اللّائقات بمحبّتك للحبيب ومحبّة الحبيب لك، اللّائقات بتفضّلك عليه وفضله عندك، على ذلك المُجتبى المصطفى مَن أنقذتنا به من الضّلالة، وعلّمتنا به بعد الجهالة، وبصّرتنا به من العماية، وعلى آله الأطهار وأصحابه معادن الأنوار ومَن على منهاجهم مضى وسار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين العارفين المقرّبين ذوي المراتب العُلا والعطايا الكِبار، وعلى آلهم وصحبهم وعلى الملائكة المقرّبين، وعلى جميع عبادك الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. 

وبعد،،،

 فقد ابتدأنا في تأمّلنا لآيات ربنا -جلّ جلاله- في أوائل سورة المرسلات التي نزلت على نبيّنا ﷺ بمكّة، وكان يحكي بن مسعود رضي الله عنه: أنّه كان مع النبي ﷺ حين أُنْزِلَت، وأنّ المكان الذي أُنْزِلَت فيه غارٌ بمِنَى، وفيه ما كان يدور به ﷺ في الأماكن ويتنقّل به، ويتخفّى مع بعض أصحابه من طغيان القوم المشركين بمكّة، وأنّهم يخرجون من حدود مكّة إلى مِنَى ويدخل في بعض الغيران في منى، وقال: وبينما نحن في غار بمنى نَزلت عليه سورة المرسلات، قال: فَتَلَاها علينا، وإنِّي لَأتلقَّاها مِن فِيهِ رَطْبة -من فَمِه- فقال: فلمَّا تَلاها علينا إذا بِحيَّة أقبلت فقال: "اقْتُلُوها"، قال: فَقُمنا إليها فهربت، فجاءت إلى حَجَر واختفت، فقال: "دعوها كُفِيتُم شَرَّها كما كُفِيَت شَرُّكُم"، أوَ "وُقِيتُم شرها كما وُقِيَت شَرَّكم". 

وهكذا يأتي لنا أيضا في الصحيح، او في الصحيحين أن ابن عباس قرأها مرة بعد وفاة النبي ﷺ، وإذا بأمّ الفضل تقول له: "والله يا بُنيّ لقد ذكَّرتني بقراءتك هذه السورة، إنّها لآخر سورة سمعتها من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب"؛ وكان ذلك المغرب آخر مغرب صلّى فيه بالناس جماعة في مسجده الشّريف، ليلة أن ابتَدأ به المرض، مرض موته عليه الصلاة والسلام.

وقد ابتدأ به المرض من النّهار ودخل على السيّدة عائشة وهي تقول: "وارأساه!" قال: "بل وأنا وارأساه"، يعني الألم الذي برأسي أشدّ من الألم الذي برأسك، وخرج المغرب وعنده المرض، فصلّى بهم، ثم عاد إلى البيت، فما جاء وقت العشاء إلّا وقد اشتدّ به المرض فأخبروه أنّهم اجتمعوا فقال: "ضعوا لي ماء في المِخْضَب"، فوضعوا له الماء، فقام إليه وابتدأ يُريد أن يتوضّأ فأُغمي عليه، فلمّا أفاقَ قال: "ما فعل الناس؟"، قالوا: ينتظرونك في المسجد يا رسول الله، قال: "ضَعوا لي ماء في المِخْضَب"، فجدّدوا له الماء في المِخْضَب وأخذ يُريد الوضوء فأُغمي عليه، فلمّا أفاق قال: "ما فعل النّاس؟"، قالوا: ينتظرونك في المسجد لتُصلي بهم، قال: "ضعوا لي ماء في المِخْضَب"، فوضعوا الماء ثالث مرة، فجاء يُريد أن يتوضّأ فأغمي عليه.

فلمّا أفاق قال: "مُروا أبابكر فليُصلّ بالنّاس"، ثمّ انتظرَ حتى تمكَّن من الوُضُوء فصلّى بأهل بيته ﷺ، فلم يَخرج بعدها للصّلاة في المسجد إلا لجُمعة أو جُمعتين، وخرج مرّة أومرّتين يخطُب النّاس، وقد اجتمعوا في المسجد قَلِقِين من أجل ما ألَمَّ به من المرض ﷺ، فكان من أواخِر ما سُمِع منه يَقرأ في الصّلوات في صلاة المغرب: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1)). 

تأمّلنا بعض معاني قول ربّنا: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7))، حقٌ ما وَعَدْناكم على أَلْسُنِ رُسُلِنا المختُومِين بمحمّد؛ من البعث والحشر والنّشر والوُقوف بين أيدينا، ومن إعطاء الكُتُب، والميزان والمرور على الصّراط، والاستقرار في الجنّة أو في النّار.

(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7))، ووُقوعهُ في أيّ يوم؟ قال: (فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ (8))، يوم تُطَمَس النّجوم التي بثَثْناها لكم في هذا الفضاء الواسع بين السماء والأرض، نجوم ملايين وملايين الملايين، مليارات ومليارات المليارات؛ كلّها تُطمَس: (فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ) المعنى: مُحِيَت أو انْمَحى نورها، بل مُحِقَت محقا، فإنها تتناثر وتتطاير وتَضمحِل اضمِحلالاً؛ هذا شأن هذا العالم العجيب الوسيع الذي نُشاهده اليوم. 

فمن أغرب الغرائب ما تتساءل بعض العقول: أين الجنّة؟ أين النّار؟ وإذا الجنّة عرضها السّماوات والأرض، فأين النّار؟ قل لي: يا قليل الوعي، يا ضعيف الفِكر، هل عند ربّ الكون أزمة في الأماكن؟! هل هو لا يعرف إلا الأرض والسّماء فقط؟!؛ يخلق ما يشاء ويُفني ما يشاء و(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) [ابراهيم:48]

وهو ربّي لا يعرف إلّا أن يخلق الأرض والسماء، والباقي ما عاد يوجد عنده أماكن؟! تريد من عندك تُعطيه مكان؟! بل يَخلقها، ويخلق مكانها حيث شاء وأينما شاء؛ إنّما دلتنا النصوص والأحاديث أن الجنّة في العُلُو الأعلى، حتّى أن الفردوسَ فيها سقفها عرش الرّحمن -جل جلاله-. وأين السّماوات؟ كلّها تحت، فإذا السّماوات تحت، فكيف الأرض؟! وأنت في مُخيّلتك أنّ الخَلَّاق يَعرف يخلق الأرض والسماء فقط؟! أنت جئت في الدنيا تشاهد الأرض، تشاهد السماوات، وظنيت أنّه أكمل الذي معه، أو ماذا؟!. 

هذا الذي شاهدته أنت، هو شيء يسير لا يساوي شيء!، يعني إذا أراد أن يَخلق جنّة أو نار، سيبحث لها على مكان في الأرض أو السماء؛ لأنه لا يوجد عنده محلات؟! هي من جملة الأشياء التي خلقها؛  يخلق أرض ويخلق سماء، ويخلق جنّة، ويخلق نار، ويخلق عوالم ما لا يُحصيها عقلك ولا لُبَّك.

 عقلك اقتصر على فهم ما في الفضاء، هذا الذي بينه وبين الأرض، بينه وبين السماء فقط، أين سيصل عقلك وإدراكك؟! هذا خلَّاق قدير لايعجزه الأماكن! يُوجدها، ما السؤال هذا؟! سؤال من ضعُف عقله وفهمه وعلمه -سبحان الخالق القادر!-.

هذه النجوم، هذه الكواكب، والشّمس والقمر معها؛ إلّا أنّ الشمس والقمر عُبِدَتَا من دون الله، فتبقى أجرامها بعد أن يذهب ضوءها، ثم يُقال لِعَبَدَتها في القيامة: اتْبعوا آلهتكم؛ فتأخذهم الشمس إلى النّار، وتأخذهم القمر إلى النّار -والعياذُ بالله- وتضمحل بقيّة الأجرام؛ والأرض نفسها تُبدَّل ليست نفس الأرض، لا يبقى جبالها، ولا بحارها، ولا أشجارها، ولا أي شيء، صار شيء ثاني. 

والسّماوات تتشقق وتمورُ مَورا وتَنفطر وتُنسف. يقول؛ أين الجنة؟ وأين النار؟!  هذا العالم الذي أنت تعرفه كلّه يتبدّل، يذهب، يتغيّر؛ وتدخل إلى العالم العظيم، لا إله إلا الله. 

(وإِذَا ٱلۡأَرۡضُ مُدَّتۡ * وَأَلۡقَتۡ مَا فِیهَا وَتَخَلَّتۡ * وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ) [الانشقاق:3-5]، كم الآن مستواها؟ لن يسع بني آدم وحدهم، فضلاً عن بقيّة الكائنات من أيّام آدم إلى يومنا هذا، لو اجتمعوا كلّهم لن تسعهم هذه القطعة الأرضية التي أنت فيها، هذه الكرة التي ثلاثة أرباعها ماء، لن تسعهم. 

الأرض غير الأرض، وقد امتدّت وقد توسّعت ولا بقي بحر، ولا بقِي جبل، ولا بقِي… -سبحان القادر! سبحان القويّ القاهر! -جلّ جلاله- أوعندك صنميّة الأرض والسّماوات؟ هذه مخلوقات من مخلوقاته يُبدّلها كما شاء ويُبعِدها كما شاء، و(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41]، لا أحد يقدر أن يمسكها.

يقول تعالى: (فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ (8))، ويل من ذاك اليوم الذي تُشاهدون فيه وُقوع ما وَعدكم الله على أَلْسُنِ أنبيائه، فما هناك شيء من الأخبار يبقى في الأذهان -المؤمنين والكفار معا- إلّا أخبار الأنبياء الذي قالوا لنا:

  • جنّة ونار.
  • وحِساب وجزاء.
  • وقالوا لنا ميزان وصُحف وصِراط.
  • وعَرض على الله. 

هذه الأخبار التي تبقى في أذهان الكلّ ويَرجِع إليها الكلّ، أما بقية المعلومات الأخرى تتبخّر -ما يبقى منها شيء-؛ لكن هذه الأخبار التي أخبر الله بها على أَلْسِنَة رسله هِيَ التي تبقى شاغلة كل ذهن، ذهن كلّ مُكلف من الأوّلين والآخرين يكون مَن يكون) عربي عجمي، صغير كبير، غني فقير، ملك مملوك، أمير مأمور، رئيس مرؤوس، يكون مَن يكون. كلّها تَشغَل أذهانهم، ما هذا؟!  

فإذا قاموا بعد النّفخة الأولى بالنّفخة الثانية، وبُعِثوا من مَصرَعهم الذي سَمُّوه مَرقد -وهو الصعقة التي صَعِقُوها بالنفخة الأولى- قاموا، (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)، يقول لهم الملائكة: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]، صدق المرسلون. 

فأَهَمّ مَن في العالم نُولِيهم اهتمامنا وتعظيمنا واحترامنا وإكبارنا؛ رُسل الله وأنبياء الله لا تلعب بقلبك تضع فيه فُجّار وكفّار مُقابل الأنبياء، مُقابل المرسلين، مُقابل لمَن حولهم؛ لا يُساوون شيء. أَوْلى من تعظمه وتَحترمه وتَمتلئ به أنبياء الله، رُسل الله، خيرة الله من خلقه، وبعد ذلك هُم أهل المراتب العلى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْناَ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) [البقرة:253] والقِمَّة عند الذي أُرسِل إليك، عند الذي بُعِثَ إليك، عند الذي بِبَركته تتلوا هذه الآيات أنتَ الآن ﷺ: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) [الدخان:58]، اللّهمّ اجْزِهِ عنا خير الجزاء واحشرنا معه يوم اللقاء.

(فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9))، فُرِجَتْ: فُتِّحَت؛ (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا) [النبأ:19]، وبعد أن تُفَتَّح -هكذا- تَتشقّق، تمورُ، تدور بِقُوة وتتشقّق، تروح السّماوات، فصارت السّماوات غير السّماوات والأرض غير الأرض، والجنّة في مكانها والنّار في مكانها. 

يقول: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9))، يقول جلّ جلاله: فهكذا أَدْوار السماء التي تَحْصُل لها في الآخرة. 

(وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)):

  • نَسْفُ الشيء ذهابه وانْمِحاقه.
  • ونَسْفُ الشيء أخذَهُ بقوّة، بسرعة واخْتطافه بسرعة. 

يقول: انْتَسَفْتُ كذا بمعنى اخْتَطفتُهُ بسرعة، فتُقَلَّع أولاً من أماكنها بسرعة، وتُدَكٌ مع الأرض، ثم تُنسَف؛ فتَمُرّ بهذه المراحل:

  • من اقتلاع.
  • إلى دَكٍّ.
  • إلى عِهْنٍ منفوش.
  • إلى نَسْفٍ كامل.

حتّى لا يبقى لها أثر أصلاً؛ هذا شأن الجِبال -سبحان الكبير المتعال!- ولا عندك قُدرة قوّة الجبال، فحقّك أن تَهاَب هذا الجلال، أن تَهَاب صاحب القدرة هذه، لا إله إلا هو.

قال: (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ)، تقدّم معنا الإشارة في المرسلات والعاصفات والنّاشرات والفارقات والمُلقيات ذكرا: أنها تتعلق بالرسل أيضًا ورجعنا إلى الرسل (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)) أُقِّتَتْ .. ماذا؟! وصلت لميقاتها الذي أُقِّت لها، ما ميقاتها؟! 

  • ميقات أن تشهد على الأمم.
  • وميقات أن يجتمع حولها من آمن بها وصدّقها ويُكرَم، وأن يُؤخَذ من كذّبهم وخالفهم فيُعَذَّب ومِنه يُنتقَم.

هذا الميقات الذي وُعِدَ به الرّسل..

  • قال تعالى: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم:47].
  • وفي يوم من الأيام: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) [المائدة:109].
  • (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف:6].
  • (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الزمر:96]. 

ما هذا الوقت؟ قال: الميقات إذا حضر الذي وعدناهم به؛ تُشَاهِدون ما وُعِدتُّم واقع. 

(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)) أي وَصَلت إلى الميقات الذي حُدِّد لها، إنْ أُنجِز الوعد لهم: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [إبراهيم:47-51].

(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)) فإن الله تعالى وَعد المُرسلين أن يجمعهم وأن يَشْهدوا على أقوامهم، (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء:41]، فهؤلاء الرُّسل معهم وعد من الله العظيم الكريم أخفى تعيينهُ وتحديد وقته، يقول الله؛ عندما يصل هذا التوقيت الذي أخفيتُه عليكم ويصِلُ الرسل إلى ميقاتهم تُعَاينون ما وعدوكم واقعا أمامكم. 

(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)): يقول الله تعالى، هؤلاء الرُّسل الذين هم أكرم خلقي عليّ وأشرفهم، وأرسلتهم بهذه الرّسالة، وَقَّتُ لهم ميقات وهو يوم القيامة، إذا جاء ذاك الوقت واليوم، أتدرون هؤلاء أجّلتهم لأيّ يوم؟ أنا أؤجِّل وأؤخِّر هؤلاء الكرام عندي إلى موعد فيكون خفيف أو يسير أو هيِّن، (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12)) يقول: أنا أجّلت أحبابي هؤلاء المُكرمين الذين اصْطفيتهم من بينكم، وقلت لهم قولوا للنّاس كذا وكذا وسيكون كذا وكذا؛ فأجَّلتهم إلى أن يأتي ذاك الموعد، أتَرَون ذلك الموعد هيِّن؟! الذي وعدته أصفيائي وأحبابي، أترونه يسير؟ يُعَظِّم هذا اليوم، يقول: (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12)) الله أكبر! فأمامنا يوم. الله يلحقنا فيه بخيار القوم ويُسلِّمنا فيه من النّدامة واللّوم، يا الله! ما أشدّ ذاك اليوم. 

كان الإمام الحداد يقول: "ألا لا يستريح مَن وراه كهذا اليوم، إلا الذي هو خَبَالِ":

  • يعني استراحة الغافل الرّاكن إلى الدّنيا وما فيها، فإذا لم يسترح ولم يلوِ على الاستراحة بشيء من ذلك! قُذف في قلبه من النّور ما ينال به الرّاحة التي تُقرن براحة القيامة؛ يستريح هنا وهناك.
  • أمّا الاستراحة شُغلا بالفانيات ورُكونا إلى الزّائلات؛ فهذه استراحة المغفّلين ذوي الخبالة في العقول، قال الله عن صِنف منهم: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[التوبة:82] -والعياذ بالله-.

(لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12))؛ يُهوّل ربُّنا هذا اليوم، كيف يكون غير مهول؟! (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13)):

  • يوم البتِّ في الحكم، يوم القضاء بين جميع العباد (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [السجدة:25].
  • يوم بروز الحق ظاهرًا للجميع.

فلا يوجد قضايا مُعلّقة؛ لا فكريّة ولا علميّة ولا أيّ نوع من أنواع المسائل؛ الكلّ عَلِم أن لا إله إلا الله، وأنّ رسول الله أهل الحق، وأنّ هذا الخير وهذا الشر، وهذه الطاعة وهذه المعصية، وهذه الفائدة وهذه الخسارة، وهذا السعادة وهذا الشقاوة؛ لا يوجد خلاف بين اثنين انتهى؛ قُضيِ، قُضيَ بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، حُكم واحد لحاكم واحد، بأمر واحد، يرجع إلى الواحد؛ (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) [هود:123] يوم الفصل. 

فلا يزالون في هذه الدنيا، لا يمكن الفصل والبتّ بين القضايا! ومُدّعو التقدم والتطور والتحضر في الحياة، في بعض إشكالات -سواءًا عنصرية أو غيرها اجتماعية- من حين ما بدأت حضارتهم؛ منها من هي قبل ثمانين سنة، وشيء قبل قريب مائة سنة، وشيء قبل تسعين سنة، وشيء قبلها؛ إلى الآن ما عرفوا يفصلون فيها، مشاكل لازالت قائمة عندهم، موجودة، وسط هذه الحضارات، وتسمع في الأخبار من وقت لوقت حدوث المشاكل عندهم، وهذه المشكلة، من يوم أن قامت حضارتهم وهي قائمة. الفصل ليس لهم، سيأتي يوم الفصل؛ بعدها ماعاد يبقى مشكلة بين أحد معلَّقة.

(لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13))، (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12))! أجَّلنا ظهور هذا الموعد الذي وعدناهم وأمرناهم أن يُخبروا الناس به، لأيّ يوم؟ (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13))! لا يبقى عند أحد ريبٌ، ولا شكّ في الحق قطّ، حتى رأسهم الذي كان يلعب عليهم في الدّنيا إبليس يقول: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ)، الآن الحق واضح والباطل واضح؛ أنا وإياكم باطل؛ (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) [إبراهيم:22]: لو كُلّ من معي؛ من كفار، من يهود، من نصارى، من ملحدين؛ أنا وإياكم باطل .. باطل، انتهى، الحق عند الله، انظروا محمد والأنبياء والرسل؛  لا يوجد خِلاف.  

(إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) -لكن- (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) -سخِرت بكم وضحكت في الدنيا والآن كذلك أضحك عليكم، اذهبوا؛ عدوّ!- (دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) -تُريد الحقيقة التي فيها خلاف اليوم؟- (مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ) -لا يوجد شئ بأيدينا، الأمر مع واحد يقول (مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ) -هل تُريدون أن نُبيّن لكم الحقيقة تمام!- (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ)، أنا كافر بكل ما اتّبعتوني فيه، أنا كافر، لا يوجد شيء، من هذا، هذا هو. قال الله- (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) -مُقابل- (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [إبراهيم:22-23]؛ نَجَز الوعد لهؤلاء؛ (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12))؟ (ليَوْمِ الْفَصْلِ (13)).

رجعوا يقولون: (رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ) -كل واحد يأخذه- (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) [الأعراف:38-39]، قال:  (لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [ق:28-29]؛ ينتهي الخلاف، فصل،  تُفصل القضايا كلّها لا يوجد مرجع في ذلك اليوم، لا لِشَراذم، ولا لِأمم، ولا لأحزاب، ولا لأي شيء -لا شيء- (إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) [هود:123]. 

يقول سبحانه وتعالى: و(مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [الإنفطار:18-19]، لله! .. لله! وإذا كنا نُوقن بهذا! ومن اليوم، لماذا أوهام أنّ الأمر لغيره؟ لماذا هذه الأوهام تلعب بنا؟ الأمر له وحده أولًا وآخرًا!  فلِم لا نثق به؟!  لم لا نصدق معه؟!  لم لا نخضع لجلاله؟!  لم لا نُقدّم أمره على كل أمر؟! لم لا نُقدّم حكمه على كل حكم؟! الأمر له، والمرجع إليه، (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ).  

يقول: (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)) فأخذ في طول السورة يذكر موقفا ويرجع: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15)) ويذكر موقف (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)، يذكر موقف (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)، ويذكر محضر من محاضر القيامة، موقف من مواقف القيامة، حال من أحوال القيامة، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) 

في كلّ هذه الأحوال الويل والهلاك على مَن كَذّب محمدا، كل هذه الأحوال الحسرة والنّدامة لمن كذّب بما جاء به النبي، ومن كذّب المرسلين من قبل، كل الحسرة عليهم، كل الندامة عليهم، كل الهلاك لهم، كلّ الشر واقع عليهم، فما أغنى عنهم ما كان منهم في أيام الحياة الدنيا، ما أغنى عنهم؛ كل الحسرات عليهم، كل الشدائد عليهم، ويل للمكذبين! ويل للمكذبين! كلما ذكر موقف، كلما ذكر حال من أحوال القيامة، قال: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)، فهو يوم كمقدار ألف سنة، كمقدار خمسين ألف سنة. 

في كل يوم من أيّامه نوع من أنواعه الهول والعذاب ليس في الثاني وهكذا، فهم يتنقلون بين هذه الأحوال. منها بدأ تعالى يذكر ما يُعايَن ويُشاهَد في الدنيا قبل القيامة، يقول:

  •  (مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14))؟ ما الذي يُنْبِئ عن حقائق ما فيه من الأهوال، ودقّة الحساب، وعظمة الحكم، لسريع الحساب -جلّ جلاله- الغفور الرحيم شديد العقاب.
  • (مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14))؟ كيف تستوعب دقائق ما يجري في ذلك اليوم من عظمة حكم الحاكم؟ 

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15)) الويل على مَن كذّب الرّسل في أيّ قرن كان، في أيّ زمان كان، في أيّ بلاد كان، الذين كذّبوا الرُّسل الويل عليهم، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)

قال الله: انظروا أول نظرة إلى عالم الدنيا الذي نُفِي قبل الآخرة: 

  • (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ(16))؟ كم أُمم جاءوا قبلكم! كم طوائف؟ كم ملوك؟ كم جيوش؟ كم؟
  • (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ)؟ مَن بقي منهم؟ الذين كذّبوا بإدريس، والذين كذّبوا بنوح، والذين كذبوا بإبراهيم، والذين كذبوا بموسى، والذين كذبوا بعيسى، والذين كذبوا بهود، والذين كذبوا بصالح، مَن الباقي منهم؟
  • (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ)؟ أمام أعينكم، أما تشاهدون هذا؟ (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ)؟ كل الذين كذّبوا الرسل قبل أن أبعث رسولي هذا محمد، ماذا فعلتُ بهم؟ 

(فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) [الصافات:73]؛ خذوا وَعيكم، وفِقهكم، وفَهمكم لحقيقة الحياة! يقول سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ * أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُر * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) -هذا الذي في الدّنيا والأكبر منه- (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ) [القمر:41-46]، (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16))؟.

 قال الله: (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17)) ومنكم مَعشر الأمّة الآخرة، كل مَن كذّب برسولي فأجرم، فجاوز حدّه أجعله عبرة، وأُهلكه كما أهلكتُ من قبل من الأمم. (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ)، نحن الآخرون، فالمجرمون منّا، لهمُ الهلاك، في مختلف الأزمنة، (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16))؟ بلى يا رب! قال: وهكذا فعْلي في الآخرين

 (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ)  لم؟ قال: إنّ هذه سنتي في هذا الخلق؛ (كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)) أهل الإجرام نُهلكهم، أيّ هلاك هذا؟ إذا كان مجرّد الموت كلهم يموتون حتى المؤمنين والصالحين، وإذا كان بالقتل كلّهم يموتون حتى الأنبياء يقتلونهم، نُهلِك!.  

(نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ(17) كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18))

  • إهلاكَ الحسرة والنّدامة وانقطاع الرَّجاء.
  • وإهلاك الخيبة والعذاب وانقطاع الأمل والرجاء والشدّة والكُربة.
  • ونسف الآثار لهم؛ حتى ما تبقى بقيّة مما رتَّبوا  ونَظّموا. 

(وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137]، كلّ ما بنوه ذهب؛ لكن نبيّ يُقتل! يبقى نوره، يبقى هَديه، يبقى دعوته، يبقى ذكره الجميل في طول الدنيا، والوعد في الآخرة أجمل له! أجمل له وأفضل!.

 فالهلاك ليس مجرد موت ولا مجرد قتل؛ هذا يُقتل! هذا يُقتل! ليسوا سَواء "قَتلانا في الجنَّةِ وقتلاكُم في النَّارِ"، هكذا قال الصحابة للكفار: "فالحرب سِجال، يوم بيوم بدر، لا سَواءَ"، ليسوا سواء، أنتم تقتلونا ونحن قتلنا، قتلانا المؤمنين في الجنة وقتلاكم الكفار في النار؛ 

فالمسألة ليست مجرد قتل! إلى أين يصير بعد القتل؟ القتل على أيّ حال: هل بالقتل يُنعّم أو يُعذب؟ وماذا يبقى من آثاره؟ وماذا يبقى من خَبره؟ (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16))، بهذا الهلاك، هذا النوع من الهلاك، حتى قال سبحانه وتعالى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) -مُتتابعة- (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة:5-8]، مَا نرى لهم باقية!.لله. 

(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17))، وهذا أوفق وأوضح التفاسير، يقول بعضهم: الأوّلين نوح، ثم الآخرين شعيب وموسى؛ كلهم هؤلاء بالنسبة للأمة المحمدية؛ أوّلين، هؤلاء بالنسبة لنا كلهم أوّلين، الذين قبل نبينا محمد، ونحن الآخرين قال ﷺ: "هذه الأمة". 

و هكذا حتى لمّا ذكر سبحانه وتعالى هلاكه لقوم سيدنا لوط: (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود:82-83]. 

ان الظالمين منكم معشر الأمة، ليسوا بعيد، مَن يحصل لهم مثل هذا، لا تأتي القيامة إلا وقد حصل لطوائف من الأمة حصل فيهم مسخ، حصل خسف، وحصل وحصل. وحتى بعض الخسف الذي يكون عذابًا على بعض الطوائف قد يكون معهم مَن ليس منهم فقال: "يُخْسَفُ بأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ علَى نِيَّاتِهِمْ". 

إذًا فليس المراد بالهلاك مجرد موت سواءً طبيعي فطري بسبب ظاهر، أو تحت زلزلة، أو قتل، أو تعذيب إلى غير ذلك، ليس هذا المراد بالهلاك؛ المراد أن يحصل شيئا من هذا الهلاك مقرونا بالحسرة والنّدامة، والتّعب والشّدّة، والخيبة وانقطاع الأمل، والعذاب ونسف الآثار. 

لكن آثار الأخيار والصّالحين -سبحان الله- تبقى وتبقى، الله .. الله! مع أنّ كلهم سبّوهم قومهم وشتموهم، وتكلّموا عليهم، بل همّوا أن يقتلوهم؛ ولكن بقي أثرهم، بقي خيرهم، بقي نورهم -الله أكبر!- (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90]. 

لكن هؤلاء؟ فأصبحنا اليوم، لمّا يأتِ موعد أو نوع من الهلاك الذي يشمل أصحاب حضارة، كلّهم أصحاب مذهب ومبدأ، كلّهم في الدولة الواحدة والحضارة الواحدة، نُحصّلهم بينهم البين، فيأتي واحد بعد الثاني يقول: هذا أخطأ كذا، أخطأ كذا، أنا سأصّلحه. يأتي بعده يقول: هذا أخطأ كذا، أخطأ كذا، أنا سأصلحه. يأتي واحد بعد هذا في نفس الدولة، في نفس الحضارة، في نفس الحزب -هذا مازال ما انتهى من جذوره- كل واحد ينسف الثاني، يقول: هذا غلط، أنا سأعمل أحسن منه، ويجيء بذا، وذا ينسف ذا، وذا ينسف ذا، يا ما أصبحنا نشاهد بعيوننا هذا في الدنيا! 

ومازالت الدولة هي نفسها بنفس الاسم قائمة، ولكن ذا قال: ذاك نظام بائد فاشل وأنا سأصلحه، هذا قرار فاسد وأنا سأصلح القرار. ويأتي الذي بعده.

والآن ما هذا اللعب على بعضهم البعض؟! ومازالت الدولة نفسها نفس اسمها، هو نفسه، مازال بقي قليل من وقت الدولة نفسها، زالت والاسم كله اختفى؛ الآن مازال الاسم قائم والصورة قائمة وهم صاروا ينسفون بعضهم البعض، أو ينهون آثار بعضهم البعض، لكن الأنبياء (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) [آل عمران:3]، مصدق، كل واحد يُصدق الثاني، كل واحد يُعظّم الذي قبله، وكل واحد يقول: أُنْبِئْتُ، الأنبياء كلّهم حق، مبدأ واحد حق من الحق -جل جلاله وتعالى في علاه، الله أكبر-. 

خرج أبونا آدم على ظهر الأرض ليعمرها بأسرار لا إله إلا الله وبمنهج من عند الله؛ هو الذي عليه نحن الآن، هذه الأسس خُتمت و تُمّمت على يدي محمد، فخُصّصنا به، فالله يرزقنا حسن الاهتمام بهذا المصطفى خير الأنام، والاقتداء به حتى تكون حياتنا قائمة على مِنهاجه الذي أرسله الله به؛ ولَنا بذلك العزّة والشّرف.

(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19))، يا ويلهم! يقول الله: فكّروا أيضا من ماذا خلقتكم وكوّنتكم بهذه الحياة؟! فذكر أمر إهلاك الأولين، وأنه كذلك سيفعل بالآخرين، ثم ذكر وأنتم من ماذا خُلقتم أصلا؟ والذي خلقكم من هذا الماء المهين وكوّنكم هكذا؛ تتعجبون في إعادتكم وفي رجعتكم، ما الذي يعجز صاحب هذه القدرة؟ (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20))

ثم ذكر موقف القيامة وقال: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24))، موقف ثاني: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (28))، حال ثالث القيامة: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34))، اجْعلنا من المصدقين المؤمنين الموقنين الصّادقين؛ حتى نُفلح في يوم قلت فيه: (قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [المائدة:119]. 

اللّهمّ اجعلنا من الصّادقين، ألحقنا بالصّادقين، حقِّقنا بحقائق الصّدق في الظاهر والباطن، والحسّ والمعنى، وارزُقنا كمال الإيمان بك وبرسولك، وبما أوحيته إليه، يا ربّ العالمين. 

إنّها أواخر الشهر الكريم تتفضل فيها على مَن شئت بنور يقين وبنور معرفة وتمكين، فمكّن الإيمان في قلوبنا وزِدنا إيمانا ويقينا، وارفعنا مراتب المحسنين من عبادك، أهل محبّتك وقُربك ووِدادك، ولا تقطعنا عن خير عبادك في الدنيا ولا عند الموت، ولا في البرزخ ولا يوم القيامة، اللّهمّ احشرنا في زمرته، ظَلِّلنا بظلّ لوائه، وأوردنا على حوضه ومُرّ بنا معه على الصراط، أسرع من لَمح البصر إلى خير مُستقرّ، برحمتك يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

  •  قراءته في المغرب بقصار السور في كثير من الأوقات ولم يكن يهجر شيئا من القرآن، وكان قد يقرأ في المغرب بالطور وقد يقرأ في المغرب بالمرسلات وقد يقرأ في المغرب غيرها من الطوال وأكثر قراءته في المغرب بقصار المفصّل، فأخذ بعض الفقهاء ما كان الأكثر من أحواله، ولكن لا يمكن إنكار هذا في مَن يقرأ بطوال السور في صلاة المغرب كما جاء عنّا في نص الإمام الشافعي عليه رضوان الله تبارك وتعالى،
  • وذكرنا أنه يُستفاد من السّيرة أنه صلّى بعدها جُمُعًا والغالب في الجمعة يقرأ سورة الجمعة والمنافقين وقد يقرأ سورة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى:1] و(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاية:1] صلّى الله على نبينا وجزاه الله عنا خير الجزاء الحمد لله رب العالمين.
تاريخ النشر الهجري

25 رَمضان 1438

تاريخ النشر الميلادي

20 يونيو 2017

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام