تفسير سورة المرسلات -3- من قوله تعالى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16))

تفسير جزء تبارك - 110 - مواصلة تفسير سورة المرسلات {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ}
للاستماع إلى الدرس

يواصل الحبيب عمر بن حفيظ تفسير القرآن الكريم، موضحا معاني الكلمات ومدلولاتها والدروس المستفادة من الآيات الكريمة، ضمن دروسه الرمضانية في تفسير جزء تبارك الملك من العام 1438هـ.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (28) انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34))

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 الحمد لله مُكرمِنا بالخِطاب الذي بِوعْيهِ عند ذوي الألباب تُرْقى الدّرجات وترتفع المنازل والمَقامات وتَكْمُل السّعادات، وصلّى الله وسلم على المُنْزَل عليه الآيات البيّنات خاتم الرِّسالات، خير البريّات، سيدنا محمد، سيّد أهل الأرض والسّماوات، وعلى آله الأطهار وأصحابه القادات، وعلى مَن تبعهم بإحسان بيَقين ومحبّة وثبات إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين رافعي الدرجات، وعلى آلهم وصحبهم والملائكة المُقرّبين وجميع عباد الله الصّالحين والصّالحات، وعلينا معهم وفيهم إنّه قريبٌ .. كريمٌ، قريبٌ مُجيب الدعوات.

 أما بعد،،

 فإنّنا في تأمُّلِنا لكلام ربّنا -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه- تأمَّلْنا آياتٍ من سورة المرسلات، حتى تذكّرنا معاني في قوله جل وعلا: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)) -بلى- (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17))؛ فمَن كان من المكذّبين المجرمين من الأمّة فلا ينتظر مصيرًا ولا نهاية إلا ما كان لأولئك المكذبين المجرمين ممّن سبق.

(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17))؛ هذه سُنّتنا في هذا الخلق؛ (كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18))، أعاذنا الله من الإجرام والمجرمين، وجعلنا في عباده الصّالحين وحِزبه المفلحين.

يقول تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ) -في يوم الفصل- (لِّلْمُكَذِّبِينَ (19))، الذين لم يَعلموا ولم يُصَدِّقوا أنّ الذي حصل في ماضي تاريخ البشر؛ إهلاكٌ من الله -تعالى- لأنواع المكذّبين المجرمين، والذين تُمْلي لهم نفوسهم المريضة وعقولهم الضعيفة وتخيلاتهم الفاسدة؛ أنّ الناس إنما يُهْلِكُهم الدّهر بطبيعته لا دخل للتّكذيب والإجرام في الإهلاك ولا نزول الهلاك، مَن كذَّب بهذا؛ فويلٌ لهم يومئذٍ -يوم الفصل- الذي ظنّ غير هذا ويلٌ لهم في ذاك اليوم، الهلاك عليهم والسّوء نازل بهم. 

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19))، المكذّبين بهذا الذي ذَكر، فضلًا عن المكذّبين بعموم ما جاء به الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ففي ذاك اليوم أنواعٌ من الهلاك والعذاب والخسران للذين يُفسرون أحداث الحياة بمجرّد الأسباب الماديّة أو الطبيعيّة، ولا يعلمون أنّ: 

  • وراء الإمَاتة والإحياء: محيي مميت. 
  • ووراء كل دفع لِبلاء: دافع، عليٌ، قدير.
  • ووراء كل تيسيرٍ للأمر: مُيسّر قادر خبير. 

الذين لا يعلمون هذا لا يؤمنون بهذا ويلٌ لهم في ذاك لهم عذابٌ مخصوص؛ وهذا ينطبق على أهل الإلحاد، والذين لا يِؤمنون إلا بظواهر الكون، ولا يعلمون أسرار الكون، ولا باطن الكون. 

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19))، وقلنا أن الإهلاك الذي حصل للمَاضين ثم تبِعهم مَن تبِعهم ممّن هلك من هذه الأمة؛ ليس المراد مجرّد الموت والخروج من هذه الحياة، فهذا عامّ شامل للمجرمين وللصّالحين وللنّبيين وللكفّار.

ولكن الهلاك الذي يصحبه السّوء والنّدامة والحسرة، وأن يُسْلَم إلى العذاب، وأن ينزل منازل الغضب والطّرد والخسران الدّائم؛ هذا هو الهلاك الذي أهلك الله به المكذبين والمجرمين؛ فجعل في طريقة خروجهم من هذه الحياة عامّتهم وكُبراءهم، والذين يتولّون خاصّة إيذاء الآخرين والمعاندة والمضادة للنبيين وللصّالحين، يجعل في طريقة هلكتهم في الأرض وخروجهم من الأرض؛ عِبرة لكل معتبر

  • ثم يأتي إلى شؤونهم وأحوالهم فلا يبقى فيها شيء يُذكر بتعظيم ولا بفرح ولا بمحبة، ويبطل ما كانوا يعملون
  • ثم يتحوّلون إلى عذابٍ دائمٍ، وإلى مصائب متتالية: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [الإنسان:46]؛ فهذا هو الهلاك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

أمّا من مات بمرضٍ، أو بحادثٍ، أو بقتلٍ، أو بأي نوع من أنواع الموت، فلَقِي الله والله راضٍ عنه ونُعِّمَ ورُوعِيَ من قبل الملك الأعلى في نفسه وأهله وولده من بعده وآثاره، وانتقل إلى سرورٍ أبديٍّ؛ فما هذا بهلاك، وما هذا إلا خيرٌ عظيم؛ لهذا أدّبنا الله مع الشهداء، فضلًا عن الأنبياء والصديقين فقال: 

  • (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) [البقرة:154].
  • (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169].

يقول الحقّ -تبارك وتعالى- هذا الأمر الذي حدث على ظهر الأرض من أيّام آدم إلى اليوم، فكان من أوّل مَن ندِم من بني آدم، هو الذي اتّبع نفسه وهواه فقتل أخاه: قابيل بن آدم؛ (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة:30]

ولأجل أن يُجري الله السّنّة في دفن الأموات: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ) [المائدة:31]، فَجَاء أمامه غرابين، لأنه جلس سنة حامل أخاه من بلده وهارب من أبيه، لم يقدر أن يُقابل أبانا آدم، ويحمل أخاه معه من مكان إلى مكان يَطوف به، فيمشي به من بلاد إلى بلاد، ولا يعلم كيف يصنع به لأنّه أوّل ميّت،  لا أحد من بني آدم مات، وما يعرف ماذا يعمل به؛ فبعث الله غرابين أمامه، تقاتلا أمامه وقتل أحدهم الآخر، فبحث وبحث في الأرض ووضع أخاه فيها ودفنه، (قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) [المائدة:31]. 

وانظر الى الخسارة التي حصّلها والحزن والنّدم، خسِر وندِم واستمرّ معه ذلك في الحياة  بعد ذلك عند الوفاة: "ما تُقتل نفس ظلماً -إلى يوم القيامة- إلا كان على بني آدم الأول كفل منها؛ لأنّه أوّل من سنّ القتل" -أعوذ بالله من غضب الله-، ماذا حصّل من مصيبة هذا؟!؛ وهذه عواقب المجرمين دائماً سُنّة الله في هذه الحياة؛ 

  • (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر:6-14]. 
  • يرصد كل أحد ونواياه ومقاصده وأعماله، (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80].
  • (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر:14].

فالذي يجري في هذا العالم كلّه من تقدير الحقّ -تبارك وتعالى- بسبب أعمال بني آدم وذنوب بني آدم وصالحات وحسنات بني آدم، (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى:30]: 

  • (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ) [فاطر:45]، يأخذُ الله الناس بظلمهم: (مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ)، على ظهر الأرض من دابّة. 
  • وكما جاء في عدد من الآيات: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى:30]، لو يُوأخذكم بكل شيء ماعاد سيبقى أحد وسيهلك الكلّ، ولكنه يعفُو عن كثير -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

هذه نظْرتنا إلى حوادث الأرض، وما يحدث في أحوال بني آدم قديمًا وحديثًا، تحت تدبيره، كما قال: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) [الأنفال:42]، و (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [الأنفال:37]، اللّهمّ ألحقنا بالطّيّبين.

والنّاس قسمين: 

  • قسمٌ تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم؛ (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل:28-29]. 
  • الصنف الثاني إذا سُئِلوا في الدنيا: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا) [النحل:30]، أولئك لمَّا يُسألون: (مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [النحل:24]. -فالآخرين هؤلاء- (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا) -بالإيمان والتصديق والعمل الصالح- (حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) -لهم حسنات أكبر- (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ) [النحل:30-32]. 

(تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)، وأولئك (تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ):

  • أولئك تتوفاهم الملائكة خبيثين وهؤلاء تتوفاهم الملائكة طيبين. 
  • فالذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقال لهم يقول لهم الملائكة: (سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل:32]. 

فالذين ماتوا البارحة والذين ماتوا أمس؛ منهم الطّيّب، ومنهم خبيث، منهم ظالم نفسه، منهم طيب، وكل الأموات هكذا. وأنت ستموت، وأنت واحد من الاثنين؛ لابد في ساعة تجيء وتموت؛ لابدّ؛ ضروري .. ضروري .. ضروري .. ضروري، لابدّ، فقط أنت واحد من الاثنين؛ إمّا طيب، وإمّا مع الظالمي أنفسهم. اللّهمّ اجْعلنا في الطيٌبين وألحِقنا بالطيّبين يا أرحم الرّاحمين، يا مَن طيّب الطيّبين طيِّبنا بما به طيَّبتهم وألحِقنا بهم.

 هذا الشّأن في حوادث العالم وما جرى وما يجري، ما جرى في الأمم وفي التاريخ: 

  • (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ) [الروم:42].
  • (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام:11].
  • (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) [الصافات:73]. 

كيف كانت عواقب الطّغاة والمجرمين؟ ما من مجرم -ما عندنا- موجود على ظهر الأرض إلا وقد سبقه في نوع هذا الإجرام أعداد كثير من المجرمين قبله؛ وقد صاروا عِبر كلّهم وهو سيصير عِبره ما لم يَتُب الله عليه، لا إله إلا الله، هكذا. 

غير هذه الأحداث، الرحمن يقول: انظروا إلى ذواتكم: (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:21]، إلى تَكوينكم أنتم، بأسماعكم هذه، وأبصاركم، وقوّتكم التي معكم هذا كيف تكوّنت؟ 

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20))؛ ما أحد يقدر يتنصّل عن هذا، في شعب متقدم كذا يقول: لا لا،  ما أنا مخلوق من ماء مهين، أنا من ذهب، أنا من أين جئت؟ من أين جئت؟  يقول: أنا مسؤول كبير لحزب، ما أنا من ماء. 

  • (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ)، أنت، ما عندك! كنت قطرة مثل هذه .. نُطفة .. نسيت؟! تُنكر؟! لماذا هذا العجرفة والكِبر هذا والطّغيان، والتّكذيب بالنّبوّة والرّسالة؟!. لهذا جاء في الحديث: أنه صلى الله عليه وعلى صحبه وسلّم بصق مرةً على كفه ثم أشار بيده قال: "يقول الله: ابن آدمَ أَتُعْجزنِي وقد خلقتكَ من مثلِ هذا"، أو "خلقتك مثل هذا" من مثل هذا خلقتك، كوّنتك، وجدت سمعك وبصرك كلّه ركّبته من هذا. 
  • (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ)، حقير، هيّن، لو وقعتْ عليك النّطفة منه قطرة تتقذّرها، تذهب تغسل ثوبك، تغسل يدك، تغسل رجلك منه، (مَّاءٍ مَّهِينٍ) منه تكون جسدك، هذا  الذي يتكبّر، من هذا، تنسى؟! تنسى؟! تغفل؟! ما أقبح أدبك! ما أقبح مُعاملتك! كُفرانك للصّنيع، نسيت أصلك؟!. 

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ)، والماء المهين هذا المحتقر الهين، (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21)) المستودع الذي استودعه في بطن الأمّ، من رحم المرأة الذي يُغلق إغلاقًا مُحكمًا -سبحان الله- تتربّى داخله النطفة، لا يمكن أن يصلها شيء من الخارج؛ إلا الترتيب للتغذية من باب وطريق واحد فقط بواسطة السر، لا ريح يصلها، لا هواء يصلها، لا شيء يصل وسط هذه النّطفة قطّ، ولِمَا كان منفتحًا دخلت فيه النّطفة فتقفّل، مَن يقفل ويفتح هذا؟! 

  • ولمَّا تقفّل تقفيل محكم متقن جدًا، لا يُمكن يخرج الله! الله! الله، لا يمكن تعيش أبدًا نطفتين وسط المكان أبدًا، هذه واحدة. 
  • لو  فرضنا على غير العادة انفتح ودخل نطفة أخرى؛ فسدت هذه وهذه ماتت، يُحكم لها بالإعدام، هذه متجاوزة الحد؛ هذه خارجة عن السنة. 

(فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ) حريز، وبعد ذلك!  وسط هذا البطن ولا يؤذيه رائحة طعام ولا غير ذلك ولا.. عجيب! ومُهيّأ يتكون ويكبر معه تمامًا بِكِبَره (خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) [الزمر:6]، لا إله إلا الله. وسط بطن الأم، ووسط الرحم والغشاوة -سبحان الله- بعد ذلك من حال إلى حال إلى حال، والمكان يتّسع له؛ حتى يتعلّم القيام والقعود وسط بطن الأم، مُتّكأ عن اليمين، من خارج الرّحم الكبد،  ومن اليسار الطحال؛ لكي يتهيأ المكان تمامًا، ما هذه الرعاية هنا؟ من أين؟ من نطفة -الله- 

(فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ)، حريز، قويّ، -سبحان الله-، (إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22))، لا ينفتح -الرحم-؛ إلا وقت الإخراج، وقت الولادة، أو وقت التّسقيط إذا أراد الله أن يُسقِطه، ينفتح، وإلا قبل ذلك مَن الذي يتحكم في الفتح والتّقفيل؟ 

(إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22))، وقت مُحدّد: وهو وقت الولادة -لو أنه سينفتح- ولمَّا ينفتح يتعلّم الولد، هذا الجنين: رأسه إلى فوق، يقول له: انقلب أخرج كذا على رأسك، مَن يُعلمه هذا؟! بأيّ أوامر؟! من أين تأتي؟! مَن يتفاهم معه؟ انقلب، يقول: اخرج .. اخرج .. اندفع، ادفع نفسك إلى الأمام، لو أحد يريد أن يركِّب له سماعة يقول له: اخرج .. أخرج، ممكن؟! لت يتأتّى هذا! لكن تلقائيًّا بخرج، مَن الذي يُحرّك؟! مَن الذي يجمع إرادته؟! مَن الذي يُوجّهه؟! لما لا يندفع من طريق ثاني؟!  طريقه محدد له -الله اكبر، سبحانه-. 

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا)، قدر معلوم: ستة أشهر، سبعة، ثمانية، تسعة، ثم ما عاد يزيد؛ يخرج. قال الله: 

  • (فَقَدَرْنَا) أبْدَيْنا عجائب من قدرتنا من بداية التّكوين إلى نهايته؛ (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)) -نحن-. 
  • (فَقَدَرْنَا) قدَّرنا الشكل واللون والهيئة والوقت والكيفيّة والطبيعة والتنمية والخروج؛ تقدير، 

(فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ)، المُقدِّرون القضاة نحن، فنِعْم القادر هو، ونِعْم المقدّر هو، نِعْم القادر صاحب القدرة، ونِعْم المقدّر صاحب القضاء والحكم، (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))؛ نَعَم والله.

 (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ)؛ بلى يا ربّنا، (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))، تفكر كيف أحْيا بعد ما أموت؟ هل شاهدت كيف تكونت أنت؟ كيف تكوّنت أنت؟! كيف جئت أول؟! أترك، ثاني مرة، نريد أول مرة كيف جئت؟! وهذا الذي من النّطفة كونك هذا؛ لا يقدر أن يردك؟! أنت الآن تتكلم بعقل أو أخبل أبله؛ شاهد أمام عينيك كونك وبهذا تقول!! يكونك ثاني وثالث من حيث ما يشاء وكما يشاء، القدرة أمام عينك الله.. الله.. الله.. الله. 

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))، الذين يُغالطون أنفسهم ويخرجون في حِساباتهم عن المنطق والعقل والأمر المعاين إلى تقديرات خياليّة وهميّة، يقول لك: الطبيعة فقط هكذا! وإذا الطبيعة التي تكوّنت بهذه الصورة، وبهذه الهيئة وبهذا التّرتيب والتّقدير العظيم، فمن يكذب بهذا؟! (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24))

آمنّا بك يا خالق يا قويّ يا قادر، ولا يُخرج النّطف إلا أنت، ولا يُنميها إلا أنت، ولا يجعلها في الرّحم إلا أنت، ولا يُخرجها من مخرجها إلا أنت؛ آمنّا بك، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78] -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

ما أعظم! ما أرشد ودلّ وعلّم! -سبحانه وتعالى- وأنبأ عن هذه الحقائق التي تنال النّاس وتُنازلهم في حياتهم ويرونها أمام أعينهم واضحة بيّنة. يقول سبحانه وتعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ) [الزمر:6] تذهبون إلى أين؟! تفكرون كيف؟! تعقلون كيف؟! (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ). 

يقول بعد ذلك رأيتم حوادث الأمم في زمانكم قبلكم -مرحبا-، رأيتم أنفسكم كيف تكونتم، من أين جئتم؟ -نعم-، والأرض التي أنتم عليها، من أين؟ مَن من المفكّرين هذا الذي يستعبدكم، تكذبون الله ورسوله وتتّبِعونه، هل خلق لكم من الأرض؟! كوّنها لكم، مَن هو هذا؟ مَن هو هذا؟! أيّ طائفة هذه! أيّ حزب هذه! أيّ جماعة! أيّ حضارة هذه الذين خلقوا لنا الأرض نتنعّم بها؟! 

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25))، ألم نجعل هذه الكرة الأرضية، (كِفَاتًا)، يعني ضمّا وجمعا لكم، تضمّكم تجمعكم، كَفَتَ الشيء ضمّه جمعه؛ تجمعكم هذه الأرض وتلّفكم؛ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا)؛ (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ) [طه: 55].  

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا)، تكفُتُكم: تضمُّكم تجمعُكم، (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)) أحياءً في الدّيار والمنازل والمساجد، وأمواتاً في القبور تضمّ مَن تضم. كانوا يُسمّون مكان بقيع الغرقد كفتة؛ لأنّه مجتمع المقابر، مكان كفت الناس، مرّ بعض الصحابة على المقبرة والتفت إلى البيوت قال: هذا كِفات الأموات وهذا كِفات الأحياء؛ المقابر كِفات الأموات والبيوت كِفات الأحياء، (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا) تضمّكم وتجمعكم الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها.

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)) فقولوا لي: غيري خلق لكم ماذا من الأرض؟! لا تأتون بقارة من القارات! لا تأتون بِدولة من الدول! ولا مدينة من المدن! هات شبر واحد خلقه شيء من الأحزاب أو من الحضارات، خلقت شبر من الأرض؟! هات! أين هو هذا الشبر؟!  دعك من الشبر، أربع أصابع، نريد أربع أصابع من الكرة الأرضية خلقها غير الله!! أين؟ أين؟ أين هذا؟ من أين؟ الله .. الله .. الله .. الله!! (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) -أروه- (مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الأحقاف:4] فبأيّ حقّ ينازعون أهل النبوة والرسالة؟!؛ ويقولون: نحن أعلم بالحياة والمناهج عندنا والتّرتيب عندنا، بأيّ حقّ؟! خلقتم ماذا أنتم؟! ما خلقتم شيء، خالق الأرض أرسل هؤلاء، الذي كوّن لنا الأرض نبّه هؤلاء وأتى بهم إلينا، كيف نتركهم؟! نتْبع مَن؟!. 

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25))، ويقول ﷺ: عند غروب الشمس يقول: "اكفِتُوا صبيانَكُم" -يعني: ضمّوهم- "فإنَّ لِلشياطِينِ اِنتشاراً في تلكَ الساعة" ذاك الوقت.. 

  • فلا ينبغي أن يُترك الصبيان عند غروب الشمس في أيّ بلد للعب ولا خارج الديار؛ ضمّوهم. 
  • ولذا كان عادات المسلمين المتأثّرين بالدين والشريعة وآدابها؛ من قبل المغرب الأولاد مكفُوتين ما بين الدّيار وما بين المساجد؛ لايذهبون مع أحد. 
  • لا يتركونهم في الشوارع يلعبون، من قبل المغرب. 
  • بل وقد رجع أيضا النّساء إلى بيوتهم من قبل المغرب. 

وهكذا على مدى قرون كانت عادات المسلمين متأثّرة بتوجهات نبيهم -صلى الله عليه وصحبه وسلم- "اكْفِتوا صبيانكم"؛ فنهى عن تركهم في هذا الوقت عند غروب الشمس.   

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26))، وهي أيضا منها الأرض حياة وموت، (يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا[الحديد:17]؛ منها أماكن خضراء مُنبِتة للزّروع والثّمار، منها أرض قاحلة يابسة جافّة. (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا) وجعل الحقّ لكم في احْيائها وموتها عبرة لكم و احْيائكم وموتكم أنتم: 

  • (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [الحج:5]. 
  • (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ) [فصلت:39]، (لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ) -جلّ جلاله، الله!-.
  • (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا) [الحج:5-7] 

كل زراعة في الأرض تُثبْت لك قدرة الخالق على أن يردّك في البعث بعد الموت، فهو الذي يُحوّل الميتة إلى حيّ بقدرته تعالى، والعجيب أن هذه الأجسام تكونت.. 

  • أولاً شبه النبات، تكوّنت في أرحام الأمهات
  • ثم بعد ذلك في يوم القيامة، من عَجْبِ الذَنَب ينزل الماء من السّماء فيصل إلى هذه القطعة من العمود الفقري عند العُصْعُص -قطعة صغيرة- فينبت منها الجسد الذي كان، فهو مثل الشّجر تماما ينبت. 

والله اذا تقول: كيف أنا أنبْت؟!  أقول لك: كيف يُنبت الشجر؟ هو الذي  ينبت الشجر سينبُتك وينبِت جسدك وهو القادر جل جلاله. 

يقول: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26))؛  بلى يا ربّ و لا أحد غيرك شَارَكَك فيها ولا في ترتيبها ولا في دَحْوها ولا في تمهيدها، لا إله إلا أنت. 

يقول: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) -جبال- (شَامِخَاتٍ) -عالِيات حتى لا تميد بكم- (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا (27))، ما بين ما ينزل من السماء، وما بين ما ينبع لكم من العيون، (وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا)، عذبًا زلالًا طيبًا، 

  • (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ) [الملك:30]. 
  • (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا)، لو كان لا يوجد على ظهر الأرض إلا ماء أُجاج، ماذا ستفعل؟ (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) [الواقعة:68-70].

اللهم لك الحمد شكرا، ولك المنّ فضلا، اللّهم ما أصبح بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك؛ فلك الحمد ولك الشّكر على ذلك، فلك الحمد ولك الشّكر على ذلك، فلك الحمد ولك الشّكر على ذلك.

 يقول: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا (27)  وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ) -يوم الفصل- (لِّلْمُكَذِّبِينَ (28))، بهذه الحقائق الذين ينسبون دَحْو الأرض وخلقها إلى غير الله، الذين ينسبون نَصْب الجبال وإسقاء الماء إلى غير الله، الذين يكذبون بهذا؛ (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ(28)): 

  1. فلهم على التّكذيب بحكمة الله في إهلاك المُجرمين وفي عقوبة المعاندين للأنبياء؛ لهم عذاب. 
  2. وعذاب آخر على ما كان من إنكارهم لتكوينهم في أنفسهم، وإيجاد الحقّ لهم -سبحانه وتعالى- وإعطائهم السّمع والأبصار. 
  3. وعذاب ثالث على تكذيبهم بتكوين الأرض وعظَمة ما فيها. 

وللموقنين المؤمنين نعيم على هذا، وعلى هذا؛ بل فَتْح باب معرفة بتأملهم لحوادث العالم: 

  • فتح باب معرفة بالله -جلّ جلاله- بتأملهم في ذواتهم وأنفسهم؛ (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات:21]، 
  • وفتح باب معرفة بشؤون الأرض والجيولوجيا وما فيها من العجائب والغرائب والمعادن، وإتقان الصّنعة والتمهيد لعيشة بني آدم، وقدّر فيها أقواتها. 

وجعل كل ما يحتاجه الآدميّ على ظهر الحياة موجود له في الكوكب الأرضي هذا -فسبحان القادر-. وينفتح له باب معرفة، وباب المعرفة: 

  • نعيم يتنعّم به في الدنيا ثم يَعظُم به النّعيم في العاقبة أكثر وأكثر؛ فانظر! صار العالم كلّه للمؤمن نعمة ومِنحة من الله تعالى؛ بها يزداد إيمانا وبها يزداد نعيما في الآخرة، 
  • ويتحوّل إلى شقاء ولهؤلاء الذين كذّبوا بالمُكوّن؛ فصارت الكائنات كلها شقاء عليهم -والعياذ بالله تعالى-؛ لأنّهم أنكروا مُكوّنها وخالقها. 

فالحقّ يُسخّر الكائنات لِمَن آمن به ويجعلها نِعمة، ويُسلِّطها على مَن كفر به ويجعلها نِقمة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 

يقول: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ(28))، إنّ المُكذّبين في ذلك اليوم يُنادون نداءات؛ (إِنطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29)) كذّبتم الرّسل!؟ كذّبتم خبرهم عن المصير والعاقبة!؟ هذا الذي كذّبتموهم به مِن أنّ عاقبة الكفّار والفجّار والعُصاة والمجرمين النّار؛ اذهبوا إليها النّار هنا؛ (إِنطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) الآن أمام عيونكم، لا يوجد مجال للتّكذيب الذي تكذّبون به، أُنظر أمامك، هذا الذي كنت تُكذّب به ادْخُل فيه؛  إِنْطَلِقُوا: انْصرفوا إلى النّار التي كُنْتم تكذّبون بها، (إِنطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ)، لا إله إلا الله، اللّهمّ أجرنا من النّار.

(إِنْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَدِّبُونَ (29))، يقول سبحانه وتعالى: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ)، بعض الخوض هذا ولعبهم في الدنيا؛ بعضه يسمّونه فلسفة، بعضه يسمّونه ثقافة، بعضه يسمّونه فكر، بعضه يسمّونه تحرُّر؛ (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) [الطور:11-13]. 

(إِنْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَدِّبُونَ (29))، (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) [الطور:14-16]؛ انتهت الفرص لكم، وحلّ بكم عاقبة أعمالكم وأفكاركم وتكذيبكم وعنادكم انتهى، محلّكم الآن. انظروا ماذا أفادكم تكبّركم؟ ماذا أفادكم أفادكم عجبكم؟ لا إله إلا الله، (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) [الطور:11-13]. 

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (28))، (هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [الطور:14]؛ (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا) [الطور:16] يقول: (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا) [الطور:15]؛ هذا سحر الان والشيء  الذي أمامكم ترونه ادْخلوا فيه، (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، 

  • لكن الذين آمنوا؛ (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ) [الطور:15-18]، سلٌمهم من هذا لأنّهم آمنوا -اللهم أجرنا من النار-. 
  • يُقال للمجرمين: (انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29))، إلى أين؟! (انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ) -تمام مادام ظلّ- (ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30)) ما هذا؟! دخان، لهب النّار إلى فوق  يطلع، يتوزّع ثلاث شعب من شدته، واحدة كذا، واحدة كذا، واحدة كذا، هذا لهب النار، اذهبوا لها، هذا ظلّ؟!!. 

(انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30))، هذا الظّلّ، (لَّا ظَلِيلٍ) يعني ما يَكِنُّكُمْ، ولا يوجد برودة ذاك الذي أَوَيْتم إليه فِكر فاسد، كذّبتم فيه الحجج والبراهين، مثلا هذا الظل خُذوه مُقابل: 

  • ظلّ من الحميم.
  • ظلّ من الدخان.

لا يُبرّدك ولا يَكِنّك ولا يَقِيك لهب النّار، يا أخسّ ظلّ، هذا ظلّك أنت،  الذي رضيت به في الدنيا. 

(انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31))، هذه النار التي أعٔددناها لكم وأوعدناكم الدخول فيها بتكذيبكم وعِنادكم بعد بلوغ الدعوة إليكم ووصول الآيات؛ (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ)، من شدّة لهيبها يطير منها شرر،  شرر جمع شَرَارة، شرر لكن الشرر الذي يطير منها، (كَالْقَصْرِ(32)): 

  1. فالمعنى الأول (كَالْقَصْرِ): كالبيت العظيم، الدار الكبيرة، الشّرارة -كما هكذا في كِبَرها-؛ في شكلها ولونها (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33))، العَرب يسمون الجمالات السود صُفر، الجِمَالات الصُّفر يعني سوداء، في الحديث يقول: "شَرر النار أسود كالكير"، لا إله إلا الله؛ هذه الشّرارة يذكر العلماء أنه لو أُذن لشرارة من شرر نار جهنّم أن تخرج إلى الكوكب الأرضي بالمشرق لَوَجَد حَرَّها مَن في المغرب، شرارة من شرر النّار -اللهم أجرنا من النار-؛ المعنى الأول مثل الديار، (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33))، كالجمل الأسود في شكله، ففي كبره مثل البيت، وفي شكله مثل الجَمل، شرارة -أعوذ بالله من غضب الله- هذه الشّرارة. 
  2. المعنى الثاني: (كَالْقَصْرِ) كانوا يُعِدّون أنواع من الحطب، أعواد من ثلاث أذرع تزيد أو تنقص، يقولوا لها كل واحد منها: قَصْرَة جمعها قَصْر، مثل، تمرة .. تمر، هذا القَصْر كانوا يُعِدُّونه للشتاء العرب، فيجمعون أعداد من هذه الأعواد يتركونها لأيّام الشتاء ويقولوا لها: القصر (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ(32)). 

و جاء في ذلك أيضا معاني وبعض أيضا القراءات في لفظة القصر؛ لكن الجمهور من القرّاء: (كَالْقَصْرِ) بفتح القاف وسكون الصاد. (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ(32)) وهذا جمع، جمع أحد القصور، ومفرد القصور قصر. ىمثل ما يقول: (كَالْقَصْرِ)

  • (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ)، جمع جمل، (جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)) كما يقولون: رِجَالات جمع رجل، رجالات العلم. 
  • (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) وقيل أيضا في حبال السّفينة تُجمع تصير كأوساط الناس وأنها هذه (جِمَالَتٌ صُفْرٌ). 
  • وقطع النّحاس يقال لها أيضا: (جِمَالَتٌ صُفْرٌ). 

(إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34))؛ حسرة ونَدامة وهلاك للمكذّبين، فلَهُم أمرٌ بالانطلاق إلى النّار التي كذّبوا بها، وهم الذين يَصلوْن لهيبها، الذي لا يُغنيهم عنه ظِلالها من الدخان الذي هو يتشعّب إلى ثلاث شعب 

كما جاء أيضا في الخبر -في الحديث- قول: "بعضٌ منهم وَرد إلى بيت المقدس وجد سيدنا عبد الله بن عمر ومعه كذلك بن كعب ومعه الثالث عبد الله بن رواحة، سمِعهم يتذاكرون، وقال عبد الله بن رواحة: أنّه بَلَغَني أنّ النّار تُخرج ثلاث شعب منها؛ فتقف في الموقف تقول إنني أطلب ثلاثة أصناف من النّاس أنا أعلم بهم من الأب بإبنه ومن الأخ بأخيه"؛

  1. (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ)[قٓ:26]. 
  2. (كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [إبراهيم: 15]. 
  3. وكلّ طاغ مريد.

فيؤذن  لها فتخطف من بين الناس من هذه الأصناف الثلاثة إلى النّار من قبل الحساب.. 

  • هذا فريق يُعجَّل بدخولهم إلى النار. 
  • كفريق آخر يُعجَّل بدخولهم إلى الجنّة بغير حساب. 

قال الله في مثل هذا الفريق (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)[الكهف: 105]، لا إله إلا الله.

(إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)). (انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31)إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34))

اللّهمّ أجرنا من النّار، واجعلنا من أهل الجنّة، نسألك رضاك والجنّة ونعوذ بك من سخطك والنار. 

اللهم بارك لنا في ما بقي من الشّهر، كنا نقول العشر الأواخر صارت الخمس الأواخر أو الأربع الأواخر ويرحل عنّا الشهر. يارب بارك لنا فيه وفي باقيه بركة كاملة نَمْتَلي بها إيمانا ويقينا وصِدْقا، ونُوفّق للعمل الصالح ما بقي من أعمارنا حتى نلقاك على خير الأحوال، وتجعل الجنة لنا مآلا، وتُجيرُنا يا مولانا من نار ومن عذاب فيها وما جعلت فيها من سعير وأغلالا. 

اللّهمّ أجِرنا من النار فإنه لا يجير من النار غيرك، (رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) ونعوذ بك أن تخزنا يوم القيامة، (رَبَّنَا  إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [ال عمران: 192]، (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [ال عمران: 194]؛ برحمتك يا أرحم الرّاحمين.

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

26 رَمضان 1438

تاريخ النشر الميلادي

21 يونيو 2017

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام