تفسير سورة المرسلات -4- من قوله تعالى: (انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ(29))

تفسير جزء تبارك - 111 - تكملة تفسير سورة المرسلات {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}
للاستماع إلى الدرس

يواصل الحبيب عمر بن حفيظ تفسير القرآن الكريم، موضحا معاني الكلمات ومدلولاتها والدروس المستفادة من الآيات الكريمة، ضمن دروسه الرمضانية في تفسير جزء تبارك الملك من العام 1438هـ.

نص الدرس مكتوب:

﷽ 

(انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34) هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (37) هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50))

الحمد لله مُكرمنا بالآيات البَينات، والخِطابات الرَّحمانيّات، والتَّعليمات الرَّبانيّات والبَلاغات المُحمديّات النَّبويّات المُصطفويّات، اللّهمّ لك الحمد شُكرا، ولك المَنّ فَضلا، وصلّ وسلّم في كل لمحة ونَفَسٍ كرمًا وطَولا على عبدك المُجتبى المُصطفى محمّد صاحب المَقام والقَدر الأعلى، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن له أحبّ ووَالَى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خِيار الملأ، وعلى آلهم وصحبهم، وعلى ملائكتك المُقَرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الرّاحمين.

 أما بعد،،،

 فإنّنا في مِنَّة وفَيض فَضلِ تَدَبُّرِ كلام ربّنا الإله الخالِق -جلّ جلاله- تأمّلنا آيات في سورة المُرسلات، بيَّن الله لنا فيها بَيَانات عن:

  • ملائكتهِ المُقَرّبين، والرّياح المُرسلة، والأرض التي نَحيا عليها.
  • والأجيال المُتَلاحِقة من بني آدم والحَوادث التي تحدث فيهم، وتُفني واحدا بعد الآخر، بل وجماعة بعد جماعة ودولًا بعد دول، وأُمّة بعد أُمّة.
  • وبيَّن لنا خَلقَنا من الماء المَهين، وبيَّن لنا أطوارَ ذلك الخَلق.
  • وبيَّن لنا خَلقَ هذا الكوكب الأرضيّ الذي نعيش عليه، وأنّه لم يَشركُه في إنشاء شيءٍ منه أحدٌ من الخلائق أصلًا. 
  • وأنه جَعل لنا في الأرض الرواسي الشّامخات لئلا تميد بنا، وأسقانا الماء الفُرات.

وذَكَرَ خِطابًا يَصدُرُ لأرباب التّكذيب والمُخالفة للأنبياء والحُكم بالخَيال والباطل، يُقال لهم في الموقف العظيم: (انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (29))، الذي عِشتُم على التكذيب به، من الجزاء و الوعيد والعذاب والنّار، هاهو الآن أمام أعينكم: 

  • (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) [الطور:15].
  • (انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ (30))، دُخانٍ. 
  • (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) [الكهف:29]، دُخانُها. 
  • (وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ) [الواقعة:43]  دُخان. 

ومن شِدّة تَفاعُلِه من شِدّة حَرارة النّار تَحته يَنقَسِمُ إلى ثَلاث شُعَب؛ إلا أنّ هذا الظل: ( لَّا ظَلِيلٍ)، لا يُبَرِّد ولا يَنفَع ولا فيه راحة ولا يَقِلّ اللّهب، (وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31)).

 وذكر لنا ما تَرمي به النّار من الشّرار: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34))؛ ومَن كَذَّب بهذا فَسَيُلقى في تِلك النّار وسُيُعايِن؛ (ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31))، وسيحترق في تلك النّار-والعياذ بالله تبارك وتعالى- والتي شَرارها كالقصر، (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34))، الهلاك لِمَن كَذَّب -نعم و الله- 

حقائقُ الهلاك والسّوء على المكذبين بالله ورُسُلِه كائنين من كانوا، مِن كُلِ مَن بَلَغتهُم دعوة الله فأبَوْا، مِن كُلِ مَن دُعوا إلى الإيمان بالله وتوحيد الله -تبارك وتعالى- وتعظيم أمر الله تبارك وتعالى، فَلَوَوْا رُؤوسهم؛ لأجل شهوات أو لأجل فانيات أو لأجل مظاهر أو لأجل رسوم، أو لأجل شيء بين النّاس يحصل في هذه الحياة الدّنيا فَكذٌبوا الرُّسُل: 

  • (وَيْلٌ) لكلّ مَن مات على تكذيب النّبيّ محمّد من هذه الأمّة. 
  • و(وَيْلٌ) لكلّ مَن مات على تكذيب الأنبياء والمرسلين.

لا أشقى منهم ولا أشنع حالًا ولا أسوأ مآلا منهم، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (34)) واليوم مُقبل على الكلّ؛ 

  • (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء:227]. 
  • (سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) [القمر:26]. 
  • (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [الأنعام:117]، اللّهمّ اهدنا فيمن هديت.

 يقول جلّ جلاله -وتعالى في علاه- في ذِكرِ بعض مواقف القيامة: (هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (35))، كما قال في الآية الأخرى: 

  • (لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبأ:38] لا يتكلمون في يوم جَمعِهِم، (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا)؛ 
  • (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) [طه:108].

فتختلف المواقف، يَذكُرُ الحقّ تعالى في كلّ طائفة من الآيات موقف من مواقف القيامة، هَوْل من أهوال القيامة، مجال من مجالات القيامة، حال من حالات القيامة:

  •  ففي مواقف لا يقدر أحد أن يتكلّم؛ لا يُؤذَن لهم بالكلام. 
  • في مواقف عند ربّهم يَختصمون. 
  • في مواقف يحلِفون ويقولون ويتحاجّون ويُجادلون، 
  • ومواقف بعدها تنطق أيديهم وأرجُلهم وألسنتهم وجلودهم ويشهدوا عليهم بما كانوا يعملون؛ 

(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) [فصلت:21]، وبعد ذلك يُسحَبون إلى الحميم: (ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) [غافر:72]؛ فهي مواقف .. مواقف .. مواقف: 

  • منها مواقف: (لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن:39]،
  • ومنها مواقف: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر:92-93]،

ومنها أنّ السّؤال أيضًا لا يكون؛ هل فعلت أو لم تفعل؟، بل يقال: لِمَ؟ لِمَ فعلت؟ لم فعلت كذا؟ لا يقول هل فعلت؟ الأمور واضحة بيِّنة، لا إله إلا الله.

وهكذا، وهذا موقف من المواقف: (هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36))؛ لأنه لا عذر عندهم، الرُّسُل جاءتهم والآيات أمام أعينهم، وفي أنفسهم أفلا يبصرون، وبَلَغَتهُم الدعوة وأعرضوا عن كلّ هذا، فأي عذر لهم؟ 

(وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) يعني: لا عذر لهم أصلا، ليس لهم من عذر مقبول، الآيات أمامهم والحجج أمام أعينهم والبراهين ساطعة، فكيف؟ كيف تكفرون بالذي خلق السّماوات والأرض؟ 

  • (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة:28] جلَّ جلاله وتعالى، 
  • (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت:9]، 
  • (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت:11]، 

لمّا سمعه كافر -الوليد بن المغيرة- لمّا سمعه قالوا له: ارجع، قال لهم: سمعت كلامه، ليس شِعرا!  وليس بكَهانة!  ولا هو سحر!  أنا أَعرَف بالشّعر، هذا لا يمكن أن يقوله بَشَر،  قالوا: سحرك محمد، هذا الذي سَمِعتُه منه؛ ثم ارْتدّ -والعياذ بالله-.

 وهكذا يقول: (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36))، يقول سبحانه وتعالى: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ) [القيامة:14-15]، تَعَوّد في الدُّنيا يَتَعَذّر ويَلِفّ ويَدور ويُقَلِّب الأشياء، ويُحدِث لنفسه حيلة وصِلات، مهما كان هذا، هذا ما عاد ينفع، يجيء وقت ويَبطُل، ما يُقبَل، ما يُمكِن، ينتهي: (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ)، لا يوجد عُذر، لا يوجد حُجة؛ فهي مواقف يُكذِّبون رُسُلهُم. 

يقولون: ما بَلَّغنا أحد يا رب، لو بَلَّغنا لآمنا، يا نوح! أما بلغتهم؟! وهو جالس فيهم ألف سنة إلا خمسين عام، يضربونه حتى يُغمى عليه ويرجع إليهم يُعَلِّمهُم ثم يقولون ما بلّغت؛ يقول: بلى يا رب، هل تشهد أني بلغتهم؟ وأني مكثت فيهم ألف سنة إلا خمسين عام، يقول: مَن يشهد لك؟ يقول: أمة محمد؛ لأمة إبراهيم، وأمة الذين يكذِّبون ويقولون ما بَلَّغونا؛ مَنْ يَشهد لكم؟ أمّة محمد؛ فيُؤتى بِخِيارنا الشُهداء الشاهدين في القِيامة؛ (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143]، (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الأمم كلّهم، يجيء الأخيار الموقنين أهل اليقين، الذين قرأوا كلام الله -سبحانه وتعالى-، فكأنّهم يُعايِنون ربّهم بهذا الكلام، هم الذين يشهدون لهم، ليس كل واحد من الأمة يشهد، فيُؤتى بهؤلاء الأخيار البررة. 

يقول: هذا نوح، تَشهَد أنه بَلّغ قَومه؟ يقول: نعم يا رب، بلّغ قومه، مكث ألف سنة إلا خمسين عام، (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) [نوح:7] أوووه!! يشهدون علينا وبيننا وبينهم كم؟! ألوف السنين نحن قبلهم، كيف يشهدون علينا، يا رب؟! قال: كيف تشهدون عليهم وهم قبلكم؟ يقولون؛ إنّك أرسلت إلينا رسولًا، وأنزلتَ عليه كتابًا وقلت هذا في كتابك، فنحن نشهد بشهادتك التي بَلّغها رسولك، يقول: اسمعوا؛ إنهم يشهدون عليكم بما أرسلت بما أنزلت.

وأنتم مَن يشهد لكم معشر الأمة؟ يقولون؛ نبيّك فيُؤتى به؛ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء:41]، يقول: نعم، أنزلت عليّ الكتاب وبلّغتهم ذلك، وأخذوه منّي، وهم يشهدون بشهادتي، فتقول الملائكة: نحن نُزكّي شهادة محمّد عبدك ورسولك، يا رب، يقول الله: وأنا أُزكّي شهادة الجميع؛ فتقوم الحُجة عليهم. 

(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)  [النور:24-25]، ولكن هذا العِلم قد عَلِمَهُ وذاقَهُ الأصفياء والصلحاء، وهم في هذا العالم، وفي هذه الدُّنيا جاء.

رَزَقَنا الله نصيبًا من ذلك، فإنّ الحقّ يُعطي أُناسًا في مثل رمضان في كل عام نصيب من هذا النور-نور اليقين- في القلوب، أعلى وأغلى وأعز شيء ينزل من السماء الأرض اليقين، لا يوجد أغلى منه ولا أرفع منه، فنسأل الله يرزقنا حق اليقين. نسأله تعالى نقول: 

يا ربي  هب  لنا *** منك حُسن اليقين

يا ربي  هب  لنا *** منك حُسن اليقين

وعِصمة الصدق *** و قلبـــًا  سليــــم 

و همّـة  تعلـو *** وصبرا جميل 

ونور توفيق *** بـــه نستقيـم

 يقول: (هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36))؛ (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ..(38)) -الله!- إنهاء القَضايا كلّها، اتمام الحُكم؛ (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ)، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ(14))؟ 

  • (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) بين أهل الجنة وأهل النّار، بين الأنبياء ومُكذّبيهم ومُعانديهم. 
  • (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) بين المؤمنين والكفّار. 
  • (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) بين أهل الحقّ والباطل. 

(هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) قال: ماذا فعلنا في يوم الفصل؟ (جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ(38)) ما تركنا أحد، جئنا بكم كلكم، فيما الخِصام من حين خَلَقت أوّل واحد منكم إلى أن قامت الساعة؟ على ماذا اختَصَمتُم؟ (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ)، (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) ماذا كنتم تقولون عنّي؟ عن أنبيائي؟ عن رُسلي؟ عن كُتبي؟ (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ)؛ يُعلَم مَن المُحِقّ ومَن المُبطل، مَن الفائز مَن الخاسر، مَن السّعيد مَن الشقيّ، مَن الصّالح مَن الفاسد.

 (هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38))، (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة:49-50]، (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف:47]. 

لا أحد منهم يَتَخَلّف، ولا أحد يَتَخَفّى، ولا أحد  يتخبّى،  ولا احد يذهب إلى مكان؛ كلّهم اجتمعوا -الله، الله ، الله- في مَجمَع واحد، يسمعهم الدّاعي، يَنفِذهُم البَّصَر: (الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) [الواقعة:49]؛ الإنس والجنّ كلّهم مجموعين والفصل واحد؛ قَضاء بين الجميع، انتهت الدّعاوى، انتهت الخَيالات، انتهى التّمويه، انتهى التّشويه، انتهى التّكذيب، انتهت الحيلة، انتهت…، خلاص.

(هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38))، ومع ذلك تهديد كبير لهؤلاء الكفّار في الموقف، يقال: (فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39))، أين أصحاب الحِيَل منكم؟ أين أصحاب الخطط؟ أين أصحاب التّنظيم؟ أين أصحاب التّكتيك؟ أين أصحاب الاتقان في تدبير الأمور؟ (فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ)، هل هناك أحد سيتخلص منّا؟! أحد سيخرج من تحت قبضتنا؟! أحد سيخرج من تحت سلطتنا؟! 

كما كنت تُهدّدهم وهم في الدنيا: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) [الرحمن:33]، واليوم في القيامة نقول لهم: (فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ)؛ لا تقدرون على شيء، ما لكم حيلة، ما لكم وسيلة؛ (يُبَصَّرُونَهُمْ ۚ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ) [المعارج:11-14]، لو كان ملكه كلهم جميعا سيقول: خذوهم ونجّونا من هذا العذاب؛ (وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا) ما طلبنا منك الذي في الأرض ولا أهلك ولا أولادك، طلبنا منك فقط نفسك تُؤمن بنا وتُصدّق بِعَظَمَتنا وتتّبع رُسُلنا فقط. 

(لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) [المائدة:36] يُقال لأحدهم: لو كان لك مُلك الأرض كلّها، اليوم ستفتدي به من هذا العذاب؟ يقول: نعم .. نعم ..نعم، نقول؛: إن الله طلب منك شيء دون ذلك، ألَّا تشرك به شيء، أن تطيع أمره ، تتبع رُسله، أبَيْت؛ الآن ماذا ينفع؟! يقول:  خذوا كلّ ما معي والأرض كلها لو كانت ملكي أعطيكم إياها، لكن خلّصونا من هذا؛ ما رأى طول عمره  مثل هذا ولا أشنع من هذا، وكيف يتخلّص؟! لا يوجد خلاص.

(فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ)، حضِّروا كيدكم، هيا اهربوا، اخرجوا، من أين سيخرجون؟ أين تذهبون؟ -الله-. 

(فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (40)) إِنَّ الْمُكَذبِينَ بِهَذَا سَيُقَالُ لَهُمْ هَذَا، وُيقال لهم: (فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) كَذِّب اليوم، وبكرة يُقال لك هكذا، فهل يغنيك أنك كذبت في الدنيا؟

(فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (40)) عَلَيْهُمُ الْهَلَاك وَالْخِزِي وَالْلَعْنَة وَالذِّلَّة وَالمَهَانَة لِلْمُكَذبِينَ، يَاوَيْلَ الْمُكَذبِينَ، يَا مَا أَقْبَحْ حَالَ الْمُكَذبِينَ، الحمدُ لله رب العَالمَينِ على الإيمان بِالرُّسُلِ، آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ

  • (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) [البقرة:285]
  • (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:136] 

اللهم اقبلنا، وحققنا بحقائق الإيمان و أحينا عليها وتوفنا عليها، وأنت راضٍ عنا.

يقولُ الله؛ هذا كُله، والمُقابل الذين كنتم تستهزئون بهم وتسخرون منهم وتستخفون بهم من المؤمنين: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ  ..(41))، ليس مثل ظل الدخان ذاك؛

  • (ظِلَالٍ) باردة طيبة، لها نسيمها العذب الطيب، ولها الراحة للقلوب وللأبدان.
  • (فِي ظِلَالٍ) أشجار ذات أثمار في ظلها يمرحون ويمشون ويرتاحون.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41)) جارية من المياة، وأنتم تُسقون الحميم في ذلك اليوم والصديد والقيح -والعياذ بالله تعالى- (يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف:29]، يقطِّع الأمعاء وهؤلاء عيون تجري لهم عذبة طيبة نقية باردة، لا إله إلا الله. 

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42))، كل ما يطلبونه موجود (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الزخرف:71]، (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ) [الزخرف:73]. (وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ)

يقول سبحانه وتعالى: (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ) منسوجة بالذهب، (مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة:14-26] انظر الى العيشة هذه، وماذا مقابلها؟! -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

 (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42))، يُقال لهم على ألسن الملائكة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) كنتم تصبرون في الدنيا؛ خصوصاً الصوم كنتم تصومون من أجل الله، تمتنعون من الأكل وشرب؛ (كُلُوا وَاشْرَبُوا)، (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وقال في الآية: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة:24]؛ من أجلي عطشتم فاشربوا، من أجلي جعتم فكلوا، (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ). 

حتى أن الذين يكثرون الصيام من هذه الأمة لأجل الله تعالى ويتعرضون للجوع والعطش؛ تنصب لهم موائد، والناس في مواقف القيامة قبل دخول الجنة في ظل العرش و يأكلون منها ويقولون: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)

 لذا لما رُئي بعض العارفين من صلحاء الأمة -مات- وقد كان كثير الجوع من أجل الله، كثير العطش في سبيل الله، لما رؤي قيل له: ما فعل الله بك؟ قال: بسط لي الموائد، وقال: "كل يا من لم تأكل، واشرب يا من لم تشرب"، الذي ترك من أجلنا في الدنيا كثيرًا من الشرب، وتركت كثيرا من الأكل من أجلنا، كل واشرب الآن -الله أكبر- بأحسن الطعام وأفخر الشراب وأعذب وأطيبه لذة من أوله إلى آخره، لكل لقمة طعم في أولها وطعم في وسطها وطعم في آخرها، كل طعم خير من الذي قبله، وأحسن، وكل طعم لا يمسح الذي قبله فيطعم في اللحظة الواحدة سبعمائة طعم .. ألف طعم، ما يمسح واحد منها ثاني.

أما في الدنيا أعطاك -الله- قليل من الطعم، إذا أدْخلتَ الثاني ذهب طعم الأول، لكن في الجنة طعم آخر، للتلذذ ويتناولون الفواكه للتلذذ ويتناولون الشراب للتلذذ؛ لا ظمأ ولا عطش ولا جوع، (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ) [طه:118-119]، فقط تلذذ، فقط تتلذذ على طول، لذة بعد لذة، كل واحدة أكمل من الثانية، انت تركت تلذذات خسيسة حقيرة صغيرة في وقت مدة قصيرة؛ خذ الآن لذائذ .. لذائذ .. لذائذ: "وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب" البشر، الله أكبر. 

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43))، يقول رب العزة: (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)) أنا أعمل بالمحسنين هكذا، كل من أحسن في إيمانه وأحسن في عمله من أجلي؛ أنا أصنع به هكذا، أنا أُنعم، أنا أُكرم، أنا أُعطي، أنا أتفضل، أنا أَمُن، أنا أهب مواهب فوق ما تتصورون وأعظم مما يخطر على بالكم والظنون؛ (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) نِعمَ المُجازي.

لذا كان يُخاطب الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر بعض  المنتمين إليه من أهل الخير اسمه محسن يقول: 

محسن أحسن عسى ربك يجازيك بإحسان 

محسن أحسن عسى ربك يجازيك بإحسان، أحسن سيأتي لك أحسان كبير من عند الله المحسن. 

(إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (45)) محرومين من هذا الذي ذكرته كله من النعيم والشراب والطعم، (وَيْلٌ) لهم، ما أنواع الويل هذا؟! واحدة بعد الثانية وواحدة بعد الثانية، وكل ما ذكر موقف ذكر الويل لمن كذَّب بهذا الموقف، من كذّب بهذه الجنة، يُحرم منها لا يدخلها، لا إله إلا الله.

أدخلنا اللهم جنتك يا رب العالمين مع السابقين يا رب، من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، اللهم أسكنّا أعلى الجنة، نسألك الدرجات العُلى من الجنة، يا أرحم الراحمين.

(إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (45)) مقابل الخطاب؛ لو كان يعقل هؤلاء المكذبون هذا الخطاب الذي سيخاطب به المحسنون في الجنة وفي المآل يقول: 

  • أنتم يا مكذبين في الدنيا (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا (46))، يعني لا قيمة في الحقيقة ولا مزيّة واعتبار لأنواع متع الدنيا؛ لقصرها وفنائها وزوالها، ولأن عواقبها على من عصى الله بها نيران وحريق وحميم وزقوم وجحيم وشدة، فماذا تساوي؟ 
  • (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا) كل متع الدنيا، ليس للفرد الواحد من بني آدم، بل لمجموع بني آدم -من أيام آدم إلى أن تقوم الساعة- هي بالنسبة لما يُعطى الفرد من نعيم الجنة في ساعة واحدة -هذا النعيم في الدنيا والتمتع- قليل، قليل لمقابل ساعة واحدة في الجنة، فكيف بالخلود فيها؟ من يُضيع هذا؟!. 

(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (46))،  كما قال في الآية الأخرى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا) [التوبة:82] أيام الدنيا يتكلفون الضحك، حتى هؤلاء المكذبين، يبحثون عن الضحك، فيذهبون وراء الخمر والمسكرات، بسبب الهم الذي فيهم والغم، يريدون أن بتنفّسوا عن أنفسهم، ولكنهم لا يتنفسون، يذهبون وراء الشهوات لكي يرتاحوا! لكنهم لا يرتاحون، فقط يقضون أعمارهم في هزوء، ويتكلفون الضحك، وكما وصفهم الله: (إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا) [الإنشقاق:13] يتظاهر بالسرور أيام  كان في الدنيا  يضحك، لايجد له ضحك في الآخرة؛ بكاء مستمر.

(فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) [التوبة:82]، (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) [النساء:77]، (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) [التوبة:38]، هذا القليل يُغرون الناس به ويُجرؤونهم على معاصي الله، ومن القليل ماذا سيعطيك؟! هو معه قليل من القليل، وهل سيعطيك من هذا القليل القليل، قليل القليل القليل، وتضيّع الملك العظيم! وتضيّع النعيم المقيم! وتضيّع رضوان ربك! رضوان الله الذي خلقك، هم لو سيعطونك الدنيا بما فيها، وما أحد منهم يملك الدنيا وما فيها؛ لا أهل الشرق ولا أهل الغرب؛ المَلك واحد عز وجل.

 يقول: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا) فستنتهي بكم الحياة فلا يفيدكم ما أكلتم ولا ما شربتم ولا ما تمتعتم به في الدنيا، ما عاد يفيد شيء (إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ (46))، خرجتم عن منهج الله واعتديتم على عباد الله؛ (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (47)) من يكذب بهذا ويعظم الدنيا ويرى أنها كثير؛ (وَيْلٌ) له، الحسرة عليه في ذاك اليوم يا لطيف، ويتحسر أكثر على ما قدم وما كان منه. 

يقول: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ  (48)) اركعوا أخضعوا اخشعوا لله، تذللوا لعظمة ربكم؛ يأبون، أتأبون التذلل للخالق القوي القادر! 

عيشوا في الدنيا؛ وهذا يذلّكم بسيفه، وهذا يذلكم بسلطانه، وهذا يذلكم بحبسه، وهذا يذلكم بالضحك عليكم، وهذا يذلكم بالحيلة؛ فعشتم أذلة لغير الله، ثم حرمتم أنفسكم نعيم القرب من الله، والكرامة في الآخرة كلها -والعياذ بالله تبارك وتعالى- إذ أبيتم أن تركعوا لمن يستحق الركوع، فالآن لكم الذلة بالنار، لكم الذلة في الدنيا؛ إما بالأمراض، أو بالحوادث، أو بتسليط بعض الناس، أو بتسليط بعض الحيوانات؛ لابد لهم من هذه الذلة في الدنيا، وذلة أبدية في النار بعد ذلك؛ لأنهم أبوا أن يركعوا له، أبوا أن يذلوا .. أن يخضعوا. 

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48))، وحتى جماعة من ثقيف قالوا للنبي: نحن يمكن أن نسلم، لكن هذا الإنحناء، هذا صعب علينا؛ قال: "لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود"، قالوا: نحن لن نركع، واشتد عليهم الركوع في أعرافهم وأذواقهم.

قال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48))، ثم في القيامة كذلك عندما يتجلى الحق في بعض مواقف القيامة: فيسجد له الجميع، فيذهب المنافقون والكفار يريدون أن يسجدوا فيتحول ظهر أحدهم كأنه عود كقطعة واحدة، لا يقدر أن ينحني: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) [القلم:42-43]، فإن هذا الذلة لله هي العزة كلها هم عزيزون. 

وهؤلاء ليس لهم عزة، ما عاد قدروا على السجود في القيامة: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ)، يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ في الدنيا، يعني مكنَّاهم وجعلنا لهم أظهر تنقصف وتتحرك وتنحني، لكن أبوا؛ فاليوم ما عاد  يقدرون، يريدون أن يركعوا ما يقدرون، يريدون أن يسجدوا ما يقدرون: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)

(يُكْشَفُ عَن سَاقٍ)؛ يعني يظهر الهول والشدة، إذا ظهرت الشدة يقولون: انكشفَ عن ساقه،  يعني ظهرت الشدائد؛ (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) -أجساد صالحة للسجود والركوع- (فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ)؛ يقول الله لحبيبه: (فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم:44-45]، قال: يعاندون ويخالفون ويتبجحون ويؤذون ويبطشون وكل الذي يعملون؛ يرجع عليهم ظاهر وباطن وهم لا يعقلون؛ (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ). 

يقول سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (49)) ويلٌ لكل من أبى الركوع في ذلك اليوم، ويلٌ له، ويلٌ لكل من يأبى الإنحناء والخضوع لجلال الله الظاهر والباطن في أيام الدنيا؛ فيفوز الخاضعون: "أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِد"

فَسِرُّ الإسلام والإيمان خضوع وتذلل لله، فيها عزتنا فيها الشرف لنا والكرامة؛ لأنك إن لم تتذلل للإله الحق، ذُلِلت لغيره من مثيلك من الخلق -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

 يقول الله: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50))، بأي حديثٍ بعده؟ بعد هذا القرآن، بعد هذا البيان، بعد هذه الآيات الواضحات، بعد هذا القول المُعجز: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ) حديث من؟ ماذا معهم؟ لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة واحدة، فلماذا يأخذون أحاديث الآخرين ويتركون هذا الحديث؟! (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)؟! 

وقد جاء أنه عند ختم هذه السورة يقول: آمنا بالله، آمنا بالله. (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) آمنا بالله، بأي حديثٍ بعد كلام الله؟ بعد رسالة الله؟ بعد آيات الله؟ تؤمنون بماذا من كلام يأتيكم؟! من عند من؟! يعني هل واحد مثلكم؟! من؟ مخلوق ولا صغير أو كبير؛ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(50)).

 الحمد لله على نعمة الإيمان بهذا القرآن ومن أَنزله ومن أُنزل عليه، آمنا بالله الذي أنزل القُرآن، وبالقرآن الذي أنزله، وبمحمد الذي أنزله عليه، وبكل ما جاء به عن الله، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وآمنا بالشريعة وصدقنا بالشريعة وتبرأنا من كل دين يخالف دين الإسلام.

 اللهم ارزقنا حقيقة الإيمان، اللهم ارزقنا قوة الإيمان، اللهم ارزقنا زيادة الإيمان، وزدنا إيمانا بكل آية، وزدنا إيمانا بكل حرف من حروف القرآن، وكل كلمة نطق بها نبيك محمد، زدنا إيمانا بالنظر إلى ملكوت السماوات والأرض، زدنا إيمانا بالأعمال الصالحة، واجعلنا من الذين يزدادون إيمانا في كل نفس، حتى تتوفانا على أكمل اليقين، وأنت راضٍ عنا، يا أرحم الراحمين.

 كما وَهَبتنا الإيمان، نسألك أن تحفظه علينا، ونعوذ بوجهك أن تَسلب الإيمان عن أحد منا. اللهم ثَبِتنا عليه.

 رب احينا شاكرين *** وتوفنــا  مسلمين 

نُبعَـث  من  الآمنيـن *** في زُمرة السابقين

 رب احينا شاكرين *** وتوفنــا  مسلمين 

نُبعَـث  من  الآمنيـن *** في زُمرة السابقين

 رب احينا شاكرين *** وتوفنــا  مسلمين 

نُبعَـث  من  الآمنيـن *** في زُمرة السابقين

بجاه  طه الرسول *** جد ربنا بالقبول

 وهب  لنــا  كـل  سـول *** رب استجب  لي آمين

آمين آمين

 عطاك ربي جزيل *** وكل فعلك جميل

 وفيك  أملنـا  طويــل *** فَجُدْ عَلَى الطَّامِعِينَ 

يَا رَبِّ  ضَاق  الخناق *** مِنْ فِعْلِ مَا لَّا يُطَاق 

فَامْنن  بِفَكَّ الْغَلَاقَ *** لِمَنٌ بِذَنْبَهْ رَه۪ينٌ

 واغفِرْ لِكُلِّ  الذنُوب *** واسْتِرْ لِكُلِّ العُيوبِ 

واكْشِفْ لِكُلِّ الْكروب *** واكفِ أَذَى الْمُؤذيِن

 واختم بأحسن ختام *** إذا  دَنا  الانصرام

 وحان حين الحِمام *** وزاد رشح الجبين

 ثم الصلاة والسلام *** على  شفيع  الأنـام 

 والآل  نعم  الكـرام *** والصحب والتابعين

 

تقبل منا بسرِّ الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد ﷺ

اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

قد ذَكَرنا في تَكرير الآية أنه عند كل موقف، وفي أثناء التفسير ذَكَرنا بعض ما يتعلق بكل موقف من تكرير قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)، زَادَنَا اللَّهِ ايمانا و مَعْرِفَةً وَيَقينَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالِمِينَ.

تاريخ النشر الهجري

27 رَمضان 1438

تاريخ النشر الميلادي

22 يونيو 2017

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام