(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الممتحنة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء..}، الآية: 1، إلى قوله تعالى: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..}، الآية: 3
﷽
(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ (1) إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ (2) لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ (3))
الحمد لله، مُكرمنا بِنبيه ومُصطفاه، وبِمنهجه وهُداه، وبالواسع من فَضله تعالى وعطاياه، له الحمدُ تعالى في عُلاه، ونسألهُ أن يُصليَ على من هدانا إليه ودلّنا عليه بأمره، عبده المُصطفى سيدنا محمد خاتم أنبيائه ورسله. أدِم اللهم عليه الصلوات والتسليمات وعلى آله الأطهار وصحبه القادات، وعلى من تبعهم على الصدق والولاء والثبات إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين رفيعي الدرجات، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى جميع ملائكتك المُقربين وعِبادك الصالحين والصالحات، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين يارب الأرضين والسماوات.
وبعد،،،
فقد مررنا في تأمُّلنا لخطاب ربنا -سبحانه وتعالى- وتَعاليمه على سُورة الصَف، جَعلنا الله فِي صَف المُقربين الصَادقين المُخلصين النَاصرين لهُ ولرَسُوله. انتهينا إلى سورة الممتحنة؛ التي كان نزول أوائلها في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه، وهو رجلٌ ممن هَاجر إلى الله ورسوله -إلى المدينةِ المنورة- وشَهِد وَقْعة بدر. ولما كانت السنة الثامنة من الهِجرة في أيامِ رمضان تهيأ ﷺ للخُروجِ إلى مكة.
ولم يدرِ أحدٌ أولَ ما عَزَمَ إلى أينَ يريدُ أن يغدُ، حتى دَخَلَ أبوبكر الصِديق -رضي الله عنه- إلى بيتِ أم المؤمنين وجدهم يُعدُّون له طعاماً للسفر. فقال أيُريد أن يسافرﷺ؟ قالت أمرنا بإعداد هذا.
فِي هَذهِ الأَثناء وَرَدَتْ جَارِية مَولاة، كانتْ مَولاة لأَبِي عَمرو بِن صَيفِي بِن هَاشِم بِن عَبدِ المُطَلب إلى المَدِينة، وهِي مَولَاة بَنِي هَاشِم هَؤلاء، لأنَّها كَانتْ مَولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد المطلب..
بَعْد ماقُتِل منهم فِي بَدْر مَا عَاد صَارُوا يَقْعُدُون للغِناء وَلا يَطْلُبُون مِني الغِنَاء، فَأمَر مَنْ عِندَهُ -مِنْ بِن هَاشِم- يُجَهِزُونهَا وَيُزَودُونهَا لكي تَرجع؛ فجَمَّعُوا لَها مِن الطَعَام وَالكِسوَة وَالمَال.
فِي هَذِهِ الأَثنَاء طَرَأتْ فِكْرَة خَاطِئَة عَلى حَاطِب بِن أَبِي بَلتَعة:هَذا الرَجُل المُؤْمِن البَدْرِي وَلِكنْ تأتي الأفكار..
وَلِذا نَقُول فِي كُلِ رَكْعة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة:6]، وَ فِي كُل جَلسَة بَينَ السَجْدَتين "وَاهدني" وَ فِي دُعَاء القُنُوت "واهدنا فيمن هديت"، وَالحق يقول:"يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُه ، فاستهدوني أهدِكُم".
وَمَن يُحسِن اللَجَأ إِلى الله فِي أَفْكَارِه وَشُؤونِهِ، وَيَسْتَنِير بِأثر الوَحِي وَالتَنْزِيل، وَبِمَنْ حَلَ فِي قُلُوبِهم أَنْوَار الوَحِي والتَنْزِيل؛ فَهُو أَقْرَب أَنْ يَثْبُت فِي المَسِير، وَيَحْسُن لهُ المَصِير، وَلا يَحصُل لَهُ التَكْدِير، وَلا التَعْسِير، وَلا الذهَاب يَمنة ويَسرة. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِك وكان صادقا، فَلابُدَ لَهُ مِنَ هَفَوَاتْ، وَمِنْ غَلَطَاتْ تَحْصُل لَه فِي الحَيَاة.
جَاءتْ الفِكْرَة، الآن رَسُول الله يَتَوَجه إِلى مَكة، وَهُو-سيدنا حاطب بن بلتعة- مِنْ الخَاصَة الذَينَ بَلغَهُم الخَبَر، فَإذا وَصَل فَإن الله سَوفَ يُنزِل بَأسهُ بِالقَوم مِنْ غَير شَك وَيَنصُر رَسُوله. وَلَكِن عِنْدَك أَهْل هُنَاك، وَعَشِيرَة وَأَولَاد، وَبَعض مَال لَك، وَأَقَارِب، وكُل الذين مَعك مِنْ المُهَاجِرِين فِي مَكة لَهُم أَقَارِب فَي مَكة سَيُدَافِعُونَ عَنْ أَوْلادَهُم، وَعَنْ أَهَالِيهُم، لن يَسْمَحُوا لأَحَد أَنْ يَمَسَّهُم. وأَنْتَ مُلْصَقْ فِيهِم لَسْتَ مِنْهُم وَلَيسَ مَنْ نَسَب قُرَيش؛ لأنَهُ جَاءَ سَكن عِنْدَهُم؛ سَوفَ يَتَعَرضَ أَوْلَادَك؛ سَيَزْعَلُون لَمَّا يَجِيئَهُم النَبِي، وَيَدْخُل عَليهم بَينتَقِمُون مِنْ أَولادِك، وَأَهلَك وقد يعملون مَشَاكِل فِيهُم. فالأفضل أن تتخذ لَكْ يَدْ عِنْدَهُم، وَرَسُول الله سَيَنصُره الله واتَخِذْ لَك يَدْ عِنْدَهُم واخْبِرْهُم أَنْهم سيأتون، وعندما يأتي كِتَاب مِنْكَ يَصِل إِليهم، سَيُرَاعَون أَولَادَكْ، وأَهْلَكْ، ولن يمسوهم بِشئ، هَكَذا الفِكْرَة جَاءَتْ-لا حَوْلَ وَلا قُوْةَ إِلا بِالله-.
وَكَمْ تُزَين لِلإِنْسَان نَفْسَهُ، وَكَمْ أَحْيانَاً يَلْعَب بِه عَقْلُه؛ لأَنَّ العُقُول إِذَا مَا لَها مِنْ الله نُور وَهِدَايَة لا تَنْفَعْ أَصْحَابَها بِشَئ: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأحقاف:26].
فَكَتَبْ كِتَابا لِقُرَيش وَجَاءْ إلى عِنْدِ هَذِه الظَعِينَة، وَجَاء إلى مَولاة أَبِي عَمرو بِن صَيفِي بِن هَاشِم. قَال لَها: خُذِي يَا سَارَّة سَوفَ اعْطِيكِ عَشرَة دَنَانِير وَبُردَة عَلى أَنْ تَوصِلِي هَذَا الكِتَاب سِر إلى مَكة تُعْطِينَهُ قُرَيش، قَالتْ: مَرْحَبا تَفَضَّل. سَلَّمَ لَها الكِتَاب وَأَعْطَاهَا عَشْرة دَنَانِير وَبُرْدَة، وَتَجَهَزَتْ المَرْأَة وَسَافَرَت، مَعَهَا جَمَلَها جَاءَتْ عَليه تَرْجِعْ إِليه إِلى مَكَة المُكَرَمة.
فَنَزَلْ جِبْرِيل يَقُول لِلنَبِي مُحَمَّد؛ حَاطِبْ كَتَبَ كَذَا وَاعَطَاهْ الظَعَينَة التي مَشَتْ مِنْ عِنْدِكُم هَذِهِ -سَارَّة- مَولاة أبي عمرو وَهِي الآن تَمْشِي وَتَكُون فِي مَكَان كَذَا. دَعَا النبي ﷺ؛ سيدنا علي والزبير وطلحة كلهم معهم أفراس. قال: "اذهبوا حتى تصلوا وتأتوا روضة خاخ -منطقة في الطريق-، فإن بها ظعينة -امرأة مسافرة- معها كتاب من حاطب، لجماعة في قريش فأتوني بالكتاب، وإذا أعطتكم الكتاب فدعوها ومن معها"، اتركوها، قالوا: هاتوا الكتاب ودعوا المرأة تمشي في طريقها، المرأة غير مسلمة ورضيت أن تحمل هذا الكتاب.
فأنطلق سيدنا علي ومعه سيدنا طلحة والزبير، وفي روايةٍ أنه معهم عمارٌ، وأنه معهم أبو مرثدٍ، فوصلوا، سبحان الله! في المحل الذي حدده النبي -روضة خاخ- وهي على جمل لها تمشي. سبحان الله! حدد لهم المحل الذي سوف يجدونها فيه، وهم ممكن يتقدمون، أو يتأخرون، لكنه حدد لهم البقعة. جاؤوا، وهي ماشية على جملها في روضة خاخ. قالوا: استوقفناها وأنخناها ونزلت من الجمل. قلنا؛ أين الكتاب، هاتي الكتاب، قالت: والله ما معي كتابٌ أبداً، ولا عندي كتاب؛
عندها مهارة وخبرة وترتيبات حياة مرَّت بها. قالت: فتشوا، شوفوا هذا جملي وهذا زادي. فتشوا جميع أمتعتها فلم يجدوا كتاباً، حتى تعجب الأصحاب. قالوا: لا، لا، ليست هي. وقف سيدنا علي وقال: لا، والله ما كَذَبْنا ولا كَذَبَ رسولُ الله. هي هي، أخرجي الكتاب. قالت: والله ما عندي كتاب. قالوا: أخرجي الكتاب وإلا لنجردنَّكِ. قالت: ألستم مسلمين؟ اتقوا الله. أخرج سيدنا علي سيفَهُ، وقال: لَتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لأجردنكِ. رأت الجد والعزيمة، أهوتْ بيدها إلى رأسها، أبعدت النُّقبة، وإذا هي قد وضعت الكتاب وسط الشعر هناك، لكي تخفيه.
فتشوا كل شيء؛ ولولا إيمانهم لن عثروا عليه، من أين كانوا سيجدونه؟ فتشوا وما وجدوه. وكانوا يحترمون، فلا أحدٌ يفتش رؤوس النساء، وأخرجته من بين شعرها وأعطتهم إياه، فتركوها تمشي.
رجعوا بالكتاب ووصلوا إلى عند النبي ﷺ، فاستدعى حاطباً: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله، والله ما فعلته ولا كتبته ارتداداً عن ديني، ولا كفراً بعد إيمان. والله ما غششتك منذ نصحتُك وآمنتُ بك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم. ولكن حصل ما علمتَ، وأنَّ مَن عندك من المهاجرين لهم عشيرة وأهلٌ يحمون أهليهم وأموالهم، وأنا مُلْصَقٌ في قريش وليس لي أحدٌ منهم، فأحببت أن أتخذ عندهم يداً. وقد علمتُ أن بأس الله نازلٌ بهم، وأن كتابي لا يُغني عنهم شيئاً، فأحببت أن أتخذ عندهم يداً، يحافظون بها على أولادي وعلى متاعي الذي عندهم.
قال: أمِنوا وصدقوكم خذ هذا، سيدنا عمر قال: يا رسول الله هذا يخون الله ورسوله دعني أضرب عنقه. قال: "يا عمر، إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"؛ فدمعت عينا سيدنا عمر، قال: الله ورسوله أعلم. فنزلت الآيات.
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير قوله تعالى: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ (1))
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَآ مَنُوا) -خاطبهم بالإيمان- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ..(1)).
لكن أنا أتفضل عليكم وأحبكم، أُؤْتِيكُمْ من دون مقابل، مالي غرض؛ فقدّم (عَدُوِّي)، ثم قال: (وَعَدُوَّكُمْ)، والمُسْتَلْزَمُ أن أي عدو لله هو عدو للمؤمنين، ضروري.
(لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) -توّالوهم- (تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ..(1))، تجعلون بينكم وبينهم خيط المودة، (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة:22].
(تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا):
ماذا فعلوا؟! (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ)، أخرجوكم، أخرجوا النبي من وسط مكة كرهًا. لماذا أخرجوكم؟
لأجل الإيمان بي: (أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) وأنتم قد أنعمتُ عليكم فيما مضى بالإيمان بي وبرسولي، و خرجتم تطلبون رضاي، واليوم تتصرفون هذا التصرف! كان عتاب شديد من الجبار سبحانه وتعالى.
(لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي..(1)): فلا يسع المؤمن أن يواد من يُحاد الله ورسوله، كائنًا ما كان، ومهما -بحكم الله ورسوله- أحسنَ التعامل وبَعُدَ عن الخيانة وأدى حق الجوار، وأعطى الميثاق والعهد حقه ولم ينقض:
يجوز البر، يجوز القسط لمن لم يحارب منهم؛ نعم -كما سيأتي في نفس السورة- لكن لا يجوز إفشاء أسرار، لا يجوز اتخاذهم أولياء. يجوز التجارة معهم، يجوز الشركة معهم، لكن أولياء لا، الولاء لله ورسوله والمؤمنين فقط.
أنظر هذه كافرة هي التي جاءت، والنبي أمرهم يجهزون لها الطعام، ويجهزون لها اللباس والكسوة، ويجهزون لها النفقة وتذهب. لا يمنعون برهم وإحسانهم. لكن خيانة لا، ولاء لغير الله ورسوله، لا؛ لا يجوز في الشريعة.
فرق كبير بين هذا وهذا. ولما كان إدراك الفرق نتيجة لحقيقة الفقه والإدراك للخطاب الإلهي والبلاغ النبوي والهدي المصطفوي، اشتبه على كثير من الناس. فصار:
وينتهي حسن الجوار، ولا ميثاق وعهد، ولا بر، ولا قسط؛ فقط سب وشتم وقتل -لا حول ولا قوة الا بالله- يا هؤلاء يا هؤلاء ما فقهتم خطاب الواحد الأحد! السورة نفسها ترد عليكم وكلكم تستدلون بها، وكلكم خالفتموها!.
السورة نفسها ترد على الفريقين الخاطئين هؤلاء، السورة نفسها تنبه المؤمنين كيف يكون الولاء وكيف يكون التعامل؟ ما قال: يا حاطب سب قريشًا أو خُن عهدهم:
يقول: (إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي) تجاهدون في سبيل نصرتي ونصرة رسولي وشريعتي وديني؛
(وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) لأرضى عليكم، ولا شيء أشرف من رضاي، ولا أجلّ ولا أجمل ولا أكبر ولا أحسن لكم ظاهراً ولا باطلاً دنيا ولا آخرة، لا شيءٌ أحسن لكم من رضاي، ورضاي عنكم أفخرُ ما تنالون.
يقول: (وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ) تعطون الظعينة الكتاب وترسلونه..
أنا أعلم بحقيقة ما تخفون وما تعلنون منكم. ما قال: وأنا عليم، قال: (وَأَنَا أَعْلَمُ). (أَعْلَمُ) منكم بخفائكم وعلنكم، والله اكبر! والله إنه (أَعْلَمُ) منا، ومن نحن! وما لنا إلا ما علَّمنا! خرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شئ؛ هو العالم: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].
قال: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(1))؛
تفسير قوله تعالى: ( إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ (2) )
أما حال هؤلاء الكفار؛ إن كتبتم، وإن لم تكتبوا، وإن توددتم، إن لم تتوددوا (إِن يَثْقَفُوكُمْ) يعني ينالونكم، يقدرون عليكم، (يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)): يريدونكم أن ترجعوا كفار كما هم، يبغضون هذا الدين الذي أنتم عليه، هذا حالهم يقولون لماذا؟ لماذا بالموالاة لهم؟
تفسير قوله تعالى: ( لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ (3) )
ثم يقول: (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ..(3)) لا الكتب إليهم ولا التقرب إليهم ولا الأولاد و لا الأرحام؛
فيبيّن الحق أن الطريق لتحصيل المقاصد على خير الوجوه:
وأما غير ذلك: (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ):
لا يقبل فداء، ولو كان أهله وأولاده ومن في الأرض في ملكه، سيقول أسلِّمهم لكي ينجُ هو من شدة الهول، لكن لا يقبل الفداء: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) [لقمان:33]، لا إله إلا الله.
هكذا يقول: (إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ..(4)):
المسلك الذي سلكه إبراهيم -عليه السلام- هو المسلك الذي سلكه سيد الوجود: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النحل:123]، فما يُفهم إن إبراهيم لما قال لقومه (كَفَرْنَا بِكُمْ)، (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا..(4)):
فما معنى أن إبراهيم لما قال له قومه، أنه لا عاد يتخاطب مع أحد، ولا عاد يتكلم مع أحد، ولا يضيِّف أحد؟! ليس هكذا، وضع الأشياء في موضعها.
والآيات نفسها تكمِّل بعضها البعض في معانيها، السورة نفسها كافية؛ لتبيين مسلك السلف الصالح، لتبيين مسلك أهل السنة والجماعة، من السورة نفسها، من أولها إلى آخرها، مواقفهم مواقف الهدي النبوي:
لكن يُنزلون الأشياء منازلها، بهدي من أُنزلت عليه السورة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
هو في هذا الوقت كان على نقض صلح بينه وبين قريش، نقضته قريش. والصلح كان قائمًا على ما علمتم من الشروط، وكان النبي قد قَبِلَهُ. وما كان في إيمان النبي نقص، ولا في شجاعته نقص، ولا في غَيرته على الدين نقص؛ هو الكامل بل هو الأكمل ﷺ.
مع ذلك، أقام عهد بينه وبينهم وصُلح، عشر سنين ماكان هناك حرب. وبعد ذلك جاءوا بشروطهم فيها إجحاف، وقالوا: من جاء منا إليكم ردوه، ومن جاء من عندكم لن نردُّه إليكم. وقَبِلَ ﷺ منهم كل ذلك. وليس معنى قبول ذلك أنه قصّر في الغَيرة للدين، وأنه قَبِلَ الضعفَ، حاشاه ﷺ وهو القدوة والأسوة لنا لا غيْرهُ، لا غيْرهَ، لا يمكن أن نقدِّم عليه غيره، ولا نقتدي بسواه عليه الصلاة والسلام.
فهكذا الذي نزلت عليه السورة، وبعد ذلك هو نفسه الذي نزلت عليه السورة هذه، وبعد نزولها، توجه إلى مكة، وقف -وهو قادر على أن يقطِّع رقابهم- ولكنه قال: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"، هو بنفسه هذا ﷺ.، بعد نزول هذه الآيات.
ليس معناه إذا أخذت منها الآيات، أنك أي كافر تحصّله في أي مكان قطِّعهُ قطع قطع! هل هذا كلام؟! كيف؟! هل صاحب السورة ما عرف هذا التفسير؟! من أين جئت بهذا التفسير؟! ما لك مرجعية تعرف بها ماذا عمل من أُنزلت عليه السورة؟ ماذا عمل؟ وهل أنت أحسن منه؟ أو ماذا؟ وإلّا معك علم خير من علمه؟ قال لهم "اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ"؛ وهزتهم؛ قالوا ما طابت بهذا إلا نفس نبي، قاموا كأنما نُشروا من القبور، فدخلوا في دين الله أفواجًا ﷺ.
هو نفسه هذا الذي نزلت عليه السورة وهذه الآيات -بعد نزول السورة- يطوف وحده وفَضالة وراءه، أعدّ سيفه، سنّهُ وسمهُ، ويريد أن يقتل النبي. وقد دنا منه، يجري وراءه ﷺ في المطاف، فترقّب الساعة، وجد أن الفرصة مواتية، سيخرج السيف وسيضرب.
وقف النبي، التفت: "فضالة، ماذا تحدِّث به نفسك؟"، قال: لا شيء، كنتُ أذكر الله، النبي ﷺ تبسّم -في موقف واحد سيقتله- رفع يده الشريفة ووضعها على صدره، قرأ عليه؛ راح الكفر، راح النفاق، راح الغل، راح الغش، راح الضر، راحت الظلمة، رفع يده، قال: "والله ما رفعها وعلى وجه الأرض أحب إليّ منه"؛ انتقل من كافر خبيث يريد أن يقتل، إلى مؤمن محب صالح! الله أكبر! ويريد يقتلك وأنت تداويه ﷺ ! يريد يقتلك وأنت تعالجه وتنقذه من النار! هذا رسول الله الذي نزلت عليه هذه السورة، وفعلتهُ هذا بعد نزول هذه السورة.
تحوَّل واحد ثاني، خرج نور يطفئ الظلام. قابل بعض آثار الجاهلية، هدَمها، حتى في دقائق الأخلاق. خارجٌ من نفس الموطن، بعد هذه الوقعة، بعد المعالجة النبوية الشريفة، خرج من المسجد، وإذا امرأة كانت تجلس معهم في الجاهلية، مع النساء. قالت: هَلُمَّ إلى الحديث. قال: لا. مامعنى "هَلُمَّ إلى الحديث"؟! هذا أول، قبل ما أتعالج. وأنشأ أبياتًا:
قَالَتْ: هَلُمَّ إِلَى الْحَدِيثِ. فَقُلْتُ: لا *** يَأْبَــى عَـلَيْـكِ اللهُ وَالإِسْـــلامُ
يعني: أنا الآن إنسان ما يجلس مع النساء الأجانب، كنت أول، لكن أنا الآن إنسان تربَّى، تصفّى، آمن بالله..
يَأْبَى عَلَيْكِ اللهُ وَالإِسْلامُ
لَوْ مَا رَأَيْتِ مُحَمَّدًا وَقَبِيلَهُ *** بِالْفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الأَصْنَامُ
لَرَأَيْتِ دِينَ اللهِ أَضْحَى بَيِّنًا *** وَالشِّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الإِظْلامُ
صار ناصرًا لله ورسوله، صار متمسكًا بالقيم، لكن بمعالجة الأكرم، إلّا كان سيُقْدِمُ على أكبر جريمة في الوجود، يريد قتل زين الوجود ﷺ.
إذًا نفهم من مساق الآيات ومن فعْل خير البريات، أن المراد بالخطاب الإلهي، يتضح لنا تمامًا منهج سلفنا الأكرمين، منهج خيار الأمة من الصحابة والتابعين بإحسان، مشوا على خطاب الله كما أراد، ولم يُدخِلوا فيه قِصر نظر، ولا قلة علم، ولا غلَبة عاطفة، ولا غطرسة، ولا حدّة شباب، ولا غير ذلك. بل كما أراد الله وكما أراد رسوله، طبّقوه ونفّذوهظــ.
تأتي معنى كمال السورة، والسورة فيها كمال، كمال البيان للبُعد عن الطرفين:
فلا هذا مقبول ولا هذا مقبول؛ لكن مسلك السلف الصالحين هو المقبول. من أراد تفاهمًا يتفاهم، من أراد عقلًا وهدى يتفضل، من أراد عجرفة فما لها مجال في الإسلام. وبهم حفظ الله الدين على مدى القرون، وهدى الله بهم الكثير، كما سيأتي معنا في تفسير الآية الكريمة إن شاء الله.
ملأنا الله بالإيمان واليقين، وحسن الفهم لخطابه وبيان رسوله وهديه الكريم، وثبتنا على ذلكم الصراط المستقيم. أتباعَ محمدٍ اجعلنا، وبه في كل حالٍ تَوَلَّنَا، احشرنا في زمرته مع آله وصحابته وخيار أمته، حتى توردنا حوضه المورود، وتُظِلَّنَا بظلِّ لوائِهِ المعقود، وتمر بنا معه على الصراط إلى جنات الخلود، يا بر يا ودود يا رحمن يا رحيم.
وافعل كذلك بأهلينا كلهم، وأولادنا كلهم، وطلابنا وذرياتنا وأصحابنا وأحبابنا ومن في بيوتنا يا الله، وحاضرينا ومن يسمعنا، أدخلنا وإياهم في تلك الدائرة، دائرة عنايتك ورعايتك ومرافقة سيد أهل الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم الراحمين، بلا سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
26 رَمضان 1441