تفسير سورة الممتحنة -3- من قوله تعالى: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً.)، الآية: 7

تفسير سورة الممتحنة، من قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً..}، الآية: 7
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الممتحنة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً..}، الآية: 7، إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ..}، الآية: 10

نص الدرس مكتوب:

(۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10))

الحمد لله، مُكرِمِنا بِخاتِم النبوة، الذي أصبَحَت بِدعوته ودَلالَتِه، مِرآةُ كُلِ قَلبٍ آمن به واتّبَعهُ بالنور مَجلوّة، ونَسألهُ تبارك وتعالى أن يُديمَ مِنهُ عنا الصلوات والتَّسليمات، على سيد أهل الفُتوه، سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابهِ الصفوة، ومَن كانت لهم بهم أُسوة وقدوة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين خِيرَة الله والنَّقوة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والمَلائكة المُقَرَبين، وعِباد الله الصالحين، الذين أوتوا في الإيمان والمحبة القوة، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، ولا حول إلا به ولا قوة.

وبعد،،، 

فإنّنا في تَأمُّلنا لِخطاب ربّنا وكلامه وتعليمه، مررنا على آيات في سورة الممتحنة،  يُبيِّن الحق فيها:

  •  إقامة العلاقات.
  •  والمُحافظة على الوِجهات والمَقاصد والنِّيات.
  •  وأحوال القُلوب والصفات في ولاء الحق ورسوله ﷺ والمؤمنين.
  • وفي حُسنِ التَّعايش والتَّعامل بِسُنَنٍ، ومَوازين أَنزَلها، يَقوم بها بين الناس الخَير والحق.

يقول جلّ جلاله، بَعدَ أن أَرشَدَنا إلى الأُسوة بِسيدنا الخليل إبراهيم ومن معه: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [آل عمران:68] هم أولى بإبراهيم من غيرهم.

 

تفسير قوله تعالى: ( ۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) )

يقول: (۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ..(7)) وإن كثيرًا من هؤلاء سَيَعودون إلى إخوانٍ لكم، كما قال: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة:11].

هكذا نَجدُها في سورة براءة أَشدَّ ما نَزَلَ في شُؤون الكُفار، نَجِد في سورة براءة، في أَوَلِها: 

  • (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ). 
  • ثم يقول: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ). 
  • ثم يقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) [التوبة:4-6]؛ هذه شدَّة؟!. 
  • ثم يقول: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة:11] لا شي أكبر من هذا مُراعاة، وفتح باب ومجال للهداية، ومراجعة النفس، وإدراك الحقيقة، والاهتداء بالحق.

(۞عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7)) يُحَوِّلُ المُتَباغِضين إلى مُتَحابين، والمُتَدابِرين إلى مُتَقابِلين، والمُتَنافِرين إلى مُتَئآخين -جلّ جلاله- (وَاللَّهُ قَدِيرٌ):

  • قال لنبيه: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:62-63] سبحانه عز وجل.  
  • وقال لِصحابته الكرام "ألم آتِكُم ضُلالًا فَهَداكُم الله بي، ألم آتكم مُتَفَرِقين فألفكم الله بي" ﷺ؛ فهو أقوى أسباب الأُلفة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.  
  • قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران:103].

   وفي طَيِّ هذا يقول الله: إنّ تَقليب القلوب سِرٌّ من أسرار الألوهية والربوبية، لا حُكمَ لكم عليه، ولا إِطلاع لكم على حِكَمِه وتَسييره، فربما أُهدي ضال وربما أُضِل هادي، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) [إبراهيم:27] وماذا بعد ذلك؟ هذا أمر ثابت، خاص ما يكون إلا لهُ، قال: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)، (وَيَفْعَلُ اللَّهُ)، اللهم اهدِنا فيمن هديت. 

مادام الأمر كذلك، فاسألهُ أن يُثَبِتَك، ولا تَستَغرِب أن يُحَوِّل عدو إلى صديق، وأن يُحَوِّل مُعادي للإسلام والمسلمين إلى ناصِر، فالأمر له:

  • وقد أسلمَ من أوقَعَ الوَجعَ في القلوب المؤمنة، وفي قلب المصطفى محمد ﷺ، في قَتلِ حمزة ابن عبد المُطَلِب، فَقَبِلَ النبي إسلامه،  لم يقل له: أنت ماذا فعلت، وماذا عملت من أول؟. 
  • بل عَلِمنا أن عددًا أرادوا قَتله، بِذاته الشريفة -عليه الصلاة والسلام - ثم دَعا لهم، وقَرأ عليهم، فصاروا مُؤمنين صالحين، -صلوات الله وسلامه عليه-.

 ومن هنا يأتي اختِلاط بين الغَيرة لله ولِدينه، وبين تَشَفّي النفس وشِفا غَيظها، فهي تَغتاظ وتَتَعَصّب، وتقول: هذا فلان سأقتله، ستتقرب إلى الله بقتله؟! أدعُ له أن يُسلم، يقول: لا، فلو أسلم  لا يُقبل إسلامه، عجيب! وهل معك غير القرآن وغير سُنة المصطفى؟ هو حبيب الله قَبِل الذين قاتلوه والذين عادوه لمّا أسلموا.

 يقول تعالى: (۞عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7)) -سبحانه! ليس لك أنت وحدك- (غَفُورٌ رَّحِيمٌ) كما أنّك ترجوه أن يغفر لك ويرحمك، فيمكن أي واحد من الخَلق يغفر له ويرحمه، وإلّا هل عندك قُفل تقفِّل عليه؟ في شيء من أوصافه، أو شيء من خزائنه، هل معك مفتاح تقفل عليه؟! (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الحج:18]: فتأدب، أنت عبد، قال خير عبدٍ: "اللهم اهدِ قوْمِي فإِنَّهم لا يعلمونَ".

تفسير قوله تعالى: ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) )

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ..(8)) قال: وهناك فَرق بين كُفار يُقاتِلون في الدِّين ويُخَرِجون المُسلمين من ديارهم، وبَين كُفار لا يُقاتِلون المُسلمين ولا يُخرِجون أَحَد من دارِه، لا يَعتَدون على أحد، فرق بين هذا وهذا، والذي ما عنده فرق بين هذا وهذا، نقول له:  ماذا يفعل بالقرآن؟! لا يُؤمن بكلام الله، كتاب الله؟!  فَرَّق القُرآن بينهم، في عدد من الآيات فمنها يقول لنا: 

  • (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ) قال: ما نهيتكم عن بِر وقِسط إلى من لم يُقاتِل، ولم يُؤذِ، ولم يُعانِد، ولم يَصُد عن سبيل الله. قال: أنا ما نهيتكم عن بِرِّهِم. 
  • (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ) يعني: 
    • تَبِرَّوا بهم، أن يكون منكم إحسان إليهم وخدمة لهم، ومُحاسنة في المعاملة. 
    • (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) أي: تعدلوا، تعطوهم مالهم وتوفّوهم حقوقهم، لا تنقصوا شيء من حقوقهم، ولا تحشفوا عليهم.

فإن الله يُحِب المقسطين؛ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8))

  • المُقسط العادِل، المُقسط العادِل في الحديث،  يقول ﷺ: "المُقسطون على منابر من نور يوم القيامة":
    • الذين يَعدِلون في حُكمِهِم، أو في أحكامهم وأهاليهم وما ولَّوا، أي شيء تَوَلوا عليه، وأي شيء وَلّوه؛ يعدلون، هؤلاء  المقسطون على منابر من نور. 
  • بخلاف القاسِطين، القاسِط الجائر، والقاسِط الجائر: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) [الجن:15]، أهل الجَور والظلم- حطب جهنم- والمُقسطون على منابر من نور يوم القيامة.

  فقال: (تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) يعني: تُقيموا العدل، لا تَظلِمونهم، لا أحد منكم يأخذ مال لهم، ولا عَقار، ولا يخونهم في مُعاملة، ولا في أهل ولا في أولاد، ولا… أبدًا -قِسط-؛ 

هكذا جاءت الشريعة، وما هي حقوق الإنسان التي يتكلمون عليها؟! 

  • شِعارات بالكذب، ويمشُّونها حيث ما قامت الأغراض، وتنتهي حيث الاغَرَض، ثم لا يوجد الإنسان؛ احتُقِر، وَهُيء له من آلات الدمار ما وجد في وقت التَّشَدُق بحقوق الإنسان هذا. 
  • إنسان، وإنسان، رجال، ونساء، صغار وكبار، شعوب، وشعوب، وشعوب؛ ولا قيمة لهم، ولا لكلامهم، هل في مصلحة لمن بيده زمام الأمر، والحُكم، والقرار؟! أطفال .. نساء، صغار .. كبار، فقراء .. مساكين؛ ولا اعتبار لأحد.

 "حقوق الإنسان" كثير، والكلام عليها كثير، لكن الواقع؛ العَمل، المُعاش، المُشاهد! 

  • ما انتهكت حرمة الإنسان في مثل تحت الذين يرفعون شِعار حقوق الإنسان، انتهِكت حرمة الإنسان تمامًا، ولم تكن لها القيمة. 
  • لكن في منهج الله تعالى حُرمة الإنسان: (أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) يقول جلّ جلاله.

وكانت هذه قَرارات مُطَبّقَة مُنفّذة مَعمول بها في عهد النبي وعهد الصحابة -رضي الله عنهم- ومعمول بها عند أخيار الأمة على مدى القرون، ما ليس على دينك. 

سمعتم بقصة الذي سافر إلى اندونيسيا وبكى عليه بعض جيرانه من الكفار، قال له: لماذا تبكي على هذا، ليس من دينك؟ قال: هذا له مايقارب عشرين سنة وأنا جاره، أنا آمن على أهلي، وأولادي، ومالي، أَحسَن من أصحابي وجَماعتي وأهل ديني، وما رأيت منه خلال عشرين السنة، إلا الإحسان والبِر والأمانة، ويُواسينا، وما قد نظر بِعينه، ولا وسط بيتي هكذا، قال: فأنا مُستَأمِن بوجوده عِندي أَحسَن من أصحابي وأقاربي.

 فهذا هو الإسلام، هذا حقوق الإنسان، تربّى عند الصالحين والأخيار ونشأ على ذلك، وكانت هذه سيرته، لما أراد أن يرجع إلى سيئون -كان من سيئون ورجع- بكى عليه الجيران على فِراقه حتى الكافر.

هكذا الإسلام: 

  • فهو أمر وقرار وعقيدة ومبدأ مُطَبَّق في الواقع. 
  • ليس شِعار يَظهر هكذا في الصورة، ولا لَعِب على عقول الناس وعواطفهم.

 يقول: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ):

  • (أَن تَبَرُّوهُمْ) -بأنواع البِرّ والمَعروف والإحسان
  • (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) -تُقيمون العَدل، لا تَظلِمون أحد منهم- (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)).

ولهذا قال لنبيه في الذين يَتَحَاكَمون عِنده من الكُفار.. 

  • قال: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). 
  • ثم قال: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [المائدة:42ـ43].

إنما شُغل بَعض الناس يَسأل على الحُكم  لِيَبحث عما يُناسب هواه فقط، يبحث على الأقوال، ويَسأل العالِم هذا ويذهب عند العالم هذا، يبحث عما يُوافق هواه، وهؤلاء مثله ماقصدهم حكم الله، عندهم حُكم الله مُبَيَّن لكن لايريدونه، يأتون إلى محمد؛ هل في شيء سيحصلون عليه، شي ثاني غير هذا؟ ممكن أن يروهُ؟ 

  • سيأخذونه، كما في حال بعض الناس؛ يَسأل عن الدِّين لا للِدين ولا للتَقيُّد بالدين ولا للإستسلام لرب العالمين، إلا ليبحث عن قول يوافق هواه فقط.
  • هذا لَعِب والدين ليس هكذا، الدين هو خُضوع واستسلام لأمر الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [الأحزاب:36].

(أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) ولما جاءوا بمسألة إلى عند النبي ﷺ وفيها من يُقِرُّ بالزنا وهو مُحصَن، وقالوا ما حُكمَهُ؟ 

  • قالوا: يمكن عند محمد حُكُم خَفيف، هم يعلمون أن عندهم في التوراة رجِم، قال: عليهم الرَّجم، قالوا: لا، لا هذا شديد، قالوا: كيف أنتم قلتم!، قالوا: وماذا عندكم أنتم؟، قالوا: عندنا فقط نَصخِّم وجوههم، ونُعَزِّرهُم، قال: هاتوا التوراة اتلوها، هاتوا التوراة، جاءوا بالتوراة، يَقرَأون فيها، وَصَلوا عند آية الرجم، وضع القارئ يده عليها، وقرأ التي بعدها.
  • كان عبد الله بن سلام، هناك حاضر، ويعرف التوراة -من الذين أسلموا- زَحزَح يده، قال: أبَعِد يَدَك، اقرأ. وإذا آية الرَّجِم تَلوح كما هي حُكم الله في المُحصَن الذي عِنده زَوجته ويَروح -والعياذ بالله- للزنا، ثم يَشهَد عليه شُهود ويُقِرُّ عليه الرَّجِم، قال: تُكَذِبون؟! انظروا في التوراة؛ (۞ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران:93] وأمر بهم فرجموا.

هكذا، وجاءَ حُكم الله لِيَحكُم بالعَدل بين الناس كلهم؛ (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء:105] ليس المسلمين وحدهم، من دَخَل تحت حُكمك ولو غير مُسلم، تَحكُم بالعَدل والقِسط، يقول: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد:25] الناس كُلهم؛ (لِيَقُومَ النَّاسُ)، فَلن يَجِد الناس خَيرًا من مَنهج ربّ الناس: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران:110]؛ فَلن تَجِد الناس خَير مِنكُم، ومنهج ربكم الذي معكم، نعم.

تفسير قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) )

(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ) من أَجل دين الله يُقاتِلونكم، وهذا من يُقِرّ به في الوجود هذا ؟! تحت أي معنى ومُسمى؟! واحد يَسلِب حُرية الناس في دينهم ويعاديهم من أجل دينهم، ويقول أنت لا تُعادي، فقط اتركنا أنا أُعاديك، أي عقل هذا؟! وهذا ماذا يرجع؟! هذا أمر ضروري. 

(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ (9)) يعني تُعينونهم وتَنصُرونَهُم، وفي معنى هذه الآية، الآية الأخرى تَفريق بين فِئات الكُفار، يقول تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) [النساء:90] قوم اعتزلوكم، هم  ليسوا على دين الحَق، هم على دين الباطل، ما دخلوا في الإسلام:

  • لكن اعتَزَلوا المُسلمين (فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) مُسالِمين، ما يُضادونكم في شيء من أمر دينكم؛ (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا). 
  • لا تؤذونهم، ولا تُقاتِلونهم، دعوهم اتركوهم، (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ) [النساء:91]؛ حُكم عَدل.

وهذا يقول؛ لا لا دعوهم يَلعَبون عليكم، ويَستَعمِلون قَنابلهم وأسلحتهم؛ أنتم مُسالِمين، كيف معنى مُسالِمين؟ هذا جنون!  يعني مُستَسلمين، نحن مُستَسلِمين لله، ليس لغير الله، نحن مُستَسلِمين لكن فقط لله وليس لواحد ثاني يأتي يضحك علينا، يلعب علينا يقول أنتم مُستَسلِمين، نحن مُستَسلِمين للرب من فوق؛ ما نحن ضحكة لأحد ولا لعبة لأحد.

قال: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ) -تعاونوا على ذلك- (أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9))، كما قال في الآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [التوبة:23]، (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وفي هذه الآية كذلك: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ (9)).

فعَلِمنا؛ الفارق بين البِرّ والقِسط، وبين المَودة والوَلاء:

  • المَودّة والوَلاء لا تكون إلا لله ولرسوله وللمؤمنين.
  • البِر والقِسط والإحسان في المُعاملة مع أي أحد، لكن بشرط أن يُحسِن.

لا يأتي لِيُقاتِل ويَصُد عن سبيل الله، ويقول: اسمعوا، انتم إمضوا في طريقتكم، ماذا؟!  أو بَدِّلوا دين الله أوغيِّروه، لا .. لا ما هكذا، ولكن كُفَّ يَدَك لا تُقاتِل ولا تُؤذي وأنت في أمن الإسلام، أنت في أمن الإسلام؛ بِمالِك وعِرضِك ودَمك في أمن الإسلام، لا تُقاتِل لا تُؤذي لا تَضُر، وأنت في أمن الإسلام، كائن ما كان؛ على أي دين، على أي ملّة، مع أنّنا على  يقين أن كُل دين غير دين الإسلام باطِل؛ 

  • (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)  [آل عمران:19]. 
  • (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران:85].

ومع ذلك فَكُل الأديان: 

  • إذا كَفوا أيديهم. 
  • ولم يَصُدوا عن سبيل الله. 
  • ولم يَمنَعوا قِيام الدعوة إلى الله تعالى. 
  • ولم يؤذوا أحد من الناس، ولم يَضُروا. 

فهم في أمن هذا الإسلام؛ دِماءًا، أنفساً، وأموالاً، وأعراضاً، تفضلوا الإسلام يحمي، يحمي الدماء والأموال والأعراض، إلا من يصد ويُضاد ويقاتل، فهذا: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ (9)).

وهكذا جاء بعض الأسرى من شياطين الكفار، ويَستحق القَتل، مُحارِب مُقاتِل، جاء إلى عند النبي.. 

  • قال: يا محمد عندي صِبية وأولاد وأطفال وأُسرة أنا أعولهم، وقَصّ على النبي خبرهُ، رَقَّ له النبي، وأمرهم بإطلاقه، أطلقوه.
  • وَلما وصَل إلى مكة، قال: سَحرتُ محمد، وأخذ يُلقي شِعرا يَسُبّ الحَبيب، ويتكلم ويؤذي ويُؤَلِّب المُحارِبين على الحَرب، ثم ثاني مرة وَقَع في الأَسر، جاءوا به إلى عند النبي، قال: عندي صبيان وأطفال وكذا. 
  • قال: "تريد تمسح عارضيك، تقول سَحَرت محمد ثاني مرة، المُؤمن لا يُلدَغ من جِحر مرتين" رَقَّينا لك، ورحمناك، وأطلقناك، وقمت تعمل المصائب! أُمر به فضُرب عنقه، ضحكة ولعب هو؟!

 حقائق .. قيم .. وفاء .. رحمة لكن لا تتحول إلى لعب وإلى مسخرة، فهكذا شرْع الله في متانته وفي موازينه، يقول: (أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)). 

ثم ذَكَر ما يتعلق بالمؤمنات، إذا هاجرن بعد صُلح الحديبية، فإن النبي كتب الصُلح بينه وبين قريش، وكتبوا -من إجحافِهم في بنود الصُلح-: 

  • أن من أتى إليك مِنّا ولو كان على دينك تردُّه إلينا. 
  • ومن أتى منكم إلينا لا نَرُده لكم -سواء على دينِكُم أو على غير دينكم-.  

النبي قبِل ذلك، صادف أن جاء بعض المؤمنين، فقال لهم: بيني وبين الجماعة عهد؛ ارجعوا. 

بعد ذلك آمن بعض النساء، ومنهن بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أخوانها إلى عند النبي يقولون: رُدّ لنا أختنا؛ النساء ما دخلن في بنود العهد، الكلام كان للرجال، أنزل الله: 

تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) )

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) -هنا جاءت سورة الممتحنة- (فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) -وظهرت العلامة لكم أنهن صادقات مؤمنات- (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار..(10)) لم يدخلوا في بنود بينكم وبينهم، وهؤلاء مؤمنات، تَرُدونَهُن إلى عند الكافرين؟! لا يجوز لهم؛ وبدأ تحريم زواج المؤمنة من الكافر من هنا.

  • يقول: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)؛ (فَامْتَحِنُوهُنَّ) فكان من جاءت في هذا الوصف، يستحلفها ﷺ أنها ما خرجت بسبب بُغض الزوج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا لِجَمع دُنيا، حتى تقول: لا. يَستَحلِفها أنها ما خَرَجَت إلا حُبًا لله ورسوله، فإن حلفت بذلك، فهذه مؤمنة لا يمكن أن تَرجع إليهم.
  • (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) أما واحدة خرجت من  أجل أنها بغُضَت زوج، وإلا من أجل أن تَجمع مال، وإلا ما أعجبتها البُقعة، تريد البُقعة هذه لتَتَنَزّه فيها، تَجلِس أحسن لترتاح، ولا هي مؤمنة ؛ ردُّوهن إلى عند أزواجهن وأصحابهن. 
  •  لكن إذا هي مُؤمنة خرجت لمحبة الله ورسوله: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) حرَّم الله تعالى، قد كان جائز أن المسلمة تحت كافر، ثم حَرَّم الله ذلك.

في الأيام الأولى كان أبي العاص بن الربيع زوج السيدة زينب، كان مازال على الكُفر والسيدة زينب مُؤمنة، فأُسر زوجها في بدر، وجاء الفداء للأسرى: 

  • فبعثت زينب من أجل أن تفتدي زوجها بقلادة، ليس معها شيء من مال، القلادة هذه كانت لسيدتنا خديجة، وكانت أمها السيدة خديجة أعطتها إياها في يوم زفافها لما تزوجت بأبي العاص بن الربيع، وكانت هي تَلبسها سيدتنا خديجة، وسَلَّمَتها. 
  • فلما وصلت القِلادة عُرِضَت على نبينا فعرفها، عرف أنّها كانت لخديجة، رَقَّ لها، قال للمُسلِمين عنده: "إن رَأيتم أن تَرُدوا لها قِلادَتها وتُطلِقوا أسيرها"، فافعلوا، قالوا: يارسول الله، ولو شِئتَ نُطلِق الأسرى كُلهم نُطلِقهُم، إرجعوا لها قِلادَتها، وشَرط عليه أن يُرسِل إليه زينب، قال: مرحبا، وَفىّ.

رَجَع وأرسل النبي سيدنا زيد بن حارثة ليَستَلِم زينب منه، وجاء بها إلى المدينة المنورة، هذا في السنة الثانية من الهجرة. 

واستمر الأمر إلى بعد مدة -نحو ست سنين،- وقع في أسر ثاني، هو نفسه أبو العاص بن الربيع فجاءوا به إلى المدينة، فدعاه النبي للإسلام، لم يظهر استجابة، وقال لهم: "إن هذا الرجل منّا كما عَلِمتُم، فإن أحبَبتُم أن تَردوا عليه ماله لقريش يَرُدُه على أصحابه فافعلوا"، قالوا: هو له يا رسول الله، فَرَجَع وأعطى كل واحد حقه، قال لهم: بَلَّغتكم الذي لكم؟ قالوا: نعم، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله،  قال: والله ما منعني أن أقولها وأنا عند رسول الله، إلا خشية أن تظنوا أني أريد أخذ أموالكم، ولا أحببت أن أبدأ إسلامي بمال -أَخذ مال بِغَدر- فلما أرجعت لِكُلٍ حقه، أنا مؤمن، تركهم ورجع إلى المدينة.

فلما رجع إلى المدينة، ردّ له النبي زوجته، أكثر أهل السيرة يقولون بنفس العقد الأول، وما جدد لها العقد ولا المهر، ثم في هذه السنة بعدما هاجر بعض المؤمنات من مكة إلى المدينة بعد صُلح الحُديبية، نَزَلَ تحريم أن تتزوج المسلمة أي كافر، ولا تكون المسلمة تحت أيُّ كافر، لا يجوز: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ).

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)؛ وفيه أنه تظهر علامات الإيمان على المؤمن، وتُعرَف أشياء من المؤمن، ولهذا لا يجوز لأحد أن يقول: أنا لا أعلم، ما أَحكُم على إيمان أحد، لا تَحكُم بالجَزم في عِلم الله وفي الدار الآخرة؛ نعم، لكن تُفَرِّق بين المؤمن والكافر واجب، وتَعرِف للمؤمن حقّه واجب.

(فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)، النبي كان يقول: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان"، فإذا ظهرت علامات الإيمان على المؤمن، لا يجوز تقول هذا: لا أعلم أنه مؤمن أو غير مؤمن، كل واحد لا يعلم بالثاني، وبعد ذلك تعيشون على أيّ علاقة؟! بل "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأنه محمداً رسول.

(فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا) -يقول: ردّوا إليهم مهورهم- (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي تنقضي عِدَّتهم ثم تَتَزوجونهن (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ..(10))

  • عِصمة الكُفار انتهت، ولا حق له أن يتزوج المؤمنة بعد إيمانها. 
  • وهكذا، وفي عامة المذاهب؛ فإن طَرأ أنها أسلمت مسكينة وهي تحت واحد من النصارى وغيرهم، فهنا أكثر المذاهب يقولون تجب عليها أن تتخلص. 
  • وفي قول عند بعض الأئمة: أنها ما دامت لا تخاف على دينها في ذلك وتراعي الأمر ويصعُب عليها الفراق فتبقى زوجة له إلى أن يهديه الله للإسلام أو يحصل لها خلاصٌ طيِّب حَسَن. 

لأن بعضهن يُسلِمن مسكينات وهُنّ في أُسَر كافرة وزوجها كافر، فلا يمكن يُرد إسلامها من أجل زوجها وتَقبَل وهي مسلمة، ثم تأتي مُقايسة الحال التي فيها بالأقوال الموجودة في الشريعة المُطَهَرَة حتى تتخلص في وقت التخلص.

 وهكذا جاءتنا الآيات الكريمة المُبَيِّنة لِمَسلَك التعامل، فالله ينفعنا بالقرآن وما فيه من سِرّ، ويرزقنا المشي عليه، والاستقامة على ما جاءنا به من الهدى والبِر، وجعلنا ممن يَعتَبِر ويَدَّكِر ويَتَذَكَر وهو القَائل (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، قال مَطَر الورّاق: هل من طالب علم فيُعان عليه، في معنى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:22].

الله يُكرِمنا وإيّاكم بالإدِّكار والاعتبار والفهم عنه، فيما أوحى إلى المُختار، ويجعل لنا بركة في خاتمة رمضان، ويُعيدنا إلى أمثاله في صلاح وفلاح ونجاح، ويجعل خاتمته لنا حسنة، مُباركة؛ نحوز فيها رضوانه الأكبر، والعتق من النار والعتق من العذاب، والعتق من الذنوب والمعاصي، والعتق من المعايب، والمذالب، اللهم اعتقنا، أعتق رقاب الآباء والأمهات والأجداد والجدات ومُنَّ علينا بكمال الثبات، وانظِمنا في سلك الصالحين والصالحات. 

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

28 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

21 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام