(466)
(633)
(6)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الممتحنة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً..}، الآية: 7، إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ..}، الآية: 10
﷽
(۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10))
الحمد لله، مُكرِمِنا بِخاتِم النبوة، الذي أصبَحَت بِدعوته ودَلالَتِه، مِرآةُ كُلِ قَلبٍ آمن به واتّبَعهُ بالنور مَجلوّة، ونَسألهُ تبارك وتعالى أن يُديمَ مِنهُ عنا الصلوات والتَّسليمات، على سيد أهل الفُتوه، سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابهِ الصفوة، ومَن كانت لهم بهم أُسوة وقدوة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين خِيرَة الله والنَّقوة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والمَلائكة المُقَرَبين، وعِباد الله الصالحين، الذين أوتوا في الإيمان والمحبة القوة، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، ولا حول إلا به ولا قوة.
وبعد،،،
فإنّنا في تَأمُّلنا لِخطاب ربّنا وكلامه وتعليمه، مررنا على آيات في سورة الممتحنة، يُبيِّن الحق فيها:
يقول جلّ جلاله، بَعدَ أن أَرشَدَنا إلى الأُسوة بِسيدنا الخليل إبراهيم ومن معه: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [آل عمران:68] هم أولى بإبراهيم من غيرهم.
تفسير قوله تعالى: ( ۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) )
يقول: (۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ..(7)) وإن كثيرًا من هؤلاء سَيَعودون إلى إخوانٍ لكم، كما قال: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) [التوبة:11].
هكذا نَجدُها في سورة براءة أَشدَّ ما نَزَلَ في شُؤون الكُفار، نَجِد في سورة براءة، في أَوَلِها:
(۞عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7)) يُحَوِّلُ المُتَباغِضين إلى مُتَحابين، والمُتَدابِرين إلى مُتَقابِلين، والمُتَنافِرين إلى مُتَئآخين -جلّ جلاله- (وَاللَّهُ قَدِيرٌ):
وفي طَيِّ هذا يقول الله: إنّ تَقليب القلوب سِرٌّ من أسرار الألوهية والربوبية، لا حُكمَ لكم عليه، ولا إِطلاع لكم على حِكَمِه وتَسييره، فربما أُهدي ضال وربما أُضِل هادي، والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) [إبراهيم:27] وماذا بعد ذلك؟ هذا أمر ثابت، خاص ما يكون إلا لهُ، قال: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)، (وَيَفْعَلُ اللَّهُ)، اللهم اهدِنا فيمن هديت.
مادام الأمر كذلك، فاسألهُ أن يُثَبِتَك، ولا تَستَغرِب أن يُحَوِّل عدو إلى صديق، وأن يُحَوِّل مُعادي للإسلام والمسلمين إلى ناصِر، فالأمر له:
ومن هنا يأتي اختِلاط بين الغَيرة لله ولِدينه، وبين تَشَفّي النفس وشِفا غَيظها، فهي تَغتاظ وتَتَعَصّب، وتقول: هذا فلان سأقتله، ستتقرب إلى الله بقتله؟! أدعُ له أن يُسلم، يقول: لا، فلو أسلم لا يُقبل إسلامه، عجيب! وهل معك غير القرآن وغير سُنة المصطفى؟ هو حبيب الله قَبِل الذين قاتلوه والذين عادوه لمّا أسلموا.
يقول تعالى: (۞عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7)) -سبحانه! ليس لك أنت وحدك- (غَفُورٌ رَّحِيمٌ) كما أنّك ترجوه أن يغفر لك ويرحمك، فيمكن أي واحد من الخَلق يغفر له ويرحمه، وإلّا هل عندك قُفل تقفِّل عليه؟ في شيء من أوصافه، أو شيء من خزائنه، هل معك مفتاح تقفل عليه؟! (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الحج:18]: فتأدب، أنت عبد، قال خير عبدٍ: "اللهم اهدِ قوْمِي فإِنَّهم لا يعلمونَ".
تفسير قوله تعالى: ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) )
(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ..(8)) قال: وهناك فَرق بين كُفار يُقاتِلون في الدِّين ويُخَرِجون المُسلمين من ديارهم، وبَين كُفار لا يُقاتِلون المُسلمين ولا يُخرِجون أَحَد من دارِه، لا يَعتَدون على أحد، فرق بين هذا وهذا، والذي ما عنده فرق بين هذا وهذا، نقول له: ماذا يفعل بالقرآن؟! لا يُؤمن بكلام الله، كتاب الله؟! فَرَّق القُرآن بينهم، في عدد من الآيات فمنها يقول لنا:
فإن الله يُحِب المقسطين؛ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)):
فقال: (تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) يعني: تُقيموا العدل، لا تَظلِمونهم، لا أحد منكم يأخذ مال لهم، ولا عَقار، ولا يخونهم في مُعاملة، ولا في أهل ولا في أولاد، ولا… أبدًا -قِسط-؛
هكذا جاءت الشريعة، وما هي حقوق الإنسان التي يتكلمون عليها؟!
"حقوق الإنسان" كثير، والكلام عليها كثير، لكن الواقع؛ العَمل، المُعاش، المُشاهد!
وكانت هذه قَرارات مُطَبّقَة مُنفّذة مَعمول بها في عهد النبي وعهد الصحابة -رضي الله عنهم- ومعمول بها عند أخيار الأمة على مدى القرون، ما ليس على دينك.
سمعتم بقصة الذي سافر إلى اندونيسيا وبكى عليه بعض جيرانه من الكفار، قال له: لماذا تبكي على هذا، ليس من دينك؟ قال: هذا له مايقارب عشرين سنة وأنا جاره، أنا آمن على أهلي، وأولادي، ومالي، أَحسَن من أصحابي وجَماعتي وأهل ديني، وما رأيت منه خلال عشرين السنة، إلا الإحسان والبِر والأمانة، ويُواسينا، وما قد نظر بِعينه، ولا وسط بيتي هكذا، قال: فأنا مُستَأمِن بوجوده عِندي أَحسَن من أصحابي وأقاربي.
فهذا هو الإسلام، هذا حقوق الإنسان، تربّى عند الصالحين والأخيار ونشأ على ذلك، وكانت هذه سيرته، لما أراد أن يرجع إلى سيئون -كان من سيئون ورجع- بكى عليه الجيران على فِراقه حتى الكافر.
هكذا الإسلام:
يقول: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ):
ولهذا قال لنبيه في الذين يَتَحَاكَمون عِنده من الكُفار..
إنما شُغل بَعض الناس يَسأل على الحُكم لِيَبحث عما يُناسب هواه فقط، يبحث على الأقوال، ويَسأل العالِم هذا ويذهب عند العالم هذا، يبحث عما يُوافق هواه، وهؤلاء مثله ماقصدهم حكم الله، عندهم حُكم الله مُبَيَّن لكن لايريدونه، يأتون إلى محمد؛ هل في شيء سيحصلون عليه، شي ثاني غير هذا؟ ممكن أن يروهُ؟
(أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)) ولما جاءوا بمسألة إلى عند النبي ﷺ وفيها من يُقِرُّ بالزنا وهو مُحصَن، وقالوا ما حُكمَهُ؟
هكذا، وجاءَ حُكم الله لِيَحكُم بالعَدل بين الناس كلهم؛ (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء:105] ليس المسلمين وحدهم، من دَخَل تحت حُكمك ولو غير مُسلم، تَحكُم بالعَدل والقِسط، يقول: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد:25] الناس كُلهم؛ (لِيَقُومَ النَّاسُ)، فَلن يَجِد الناس خَيرًا من مَنهج ربّ الناس: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران:110]؛ فَلن تَجِد الناس خَير مِنكُم، ومنهج ربكم الذي معكم، نعم.
تفسير قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) )
(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ) من أَجل دين الله يُقاتِلونكم، وهذا من يُقِرّ به في الوجود هذا ؟! تحت أي معنى ومُسمى؟! واحد يَسلِب حُرية الناس في دينهم ويعاديهم من أجل دينهم، ويقول أنت لا تُعادي، فقط اتركنا أنا أُعاديك، أي عقل هذا؟! وهذا ماذا يرجع؟! هذا أمر ضروري.
(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ (9)) يعني تُعينونهم وتَنصُرونَهُم، وفي معنى هذه الآية، الآية الأخرى تَفريق بين فِئات الكُفار، يقول تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) [النساء:90] قوم اعتزلوكم، هم ليسوا على دين الحَق، هم على دين الباطل، ما دخلوا في الإسلام:
وهذا يقول؛ لا لا دعوهم يَلعَبون عليكم، ويَستَعمِلون قَنابلهم وأسلحتهم؛ أنتم مُسالِمين، كيف معنى مُسالِمين؟ هذا جنون! يعني مُستَسلمين، نحن مُستَسلِمين لله، ليس لغير الله، نحن مُستَسلِمين لكن فقط لله وليس لواحد ثاني يأتي يضحك علينا، يلعب علينا يقول أنتم مُستَسلِمين، نحن مُستَسلِمين للرب من فوق؛ ما نحن ضحكة لأحد ولا لعبة لأحد.
قال: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ) -تعاونوا على ذلك- (أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9))، كما قال في الآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [التوبة:23]، (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وفي هذه الآية كذلك: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ (9)).
فعَلِمنا؛ الفارق بين البِرّ والقِسط، وبين المَودة والوَلاء:
لا يأتي لِيُقاتِل ويَصُد عن سبيل الله، ويقول: اسمعوا، انتم إمضوا في طريقتكم، ماذا؟! أو بَدِّلوا دين الله أوغيِّروه، لا .. لا ما هكذا، ولكن كُفَّ يَدَك لا تُقاتِل ولا تُؤذي وأنت في أمن الإسلام، أنت في أمن الإسلام؛ بِمالِك وعِرضِك ودَمك في أمن الإسلام، لا تُقاتِل لا تُؤذي لا تَضُر، وأنت في أمن الإسلام، كائن ما كان؛ على أي دين، على أي ملّة، مع أنّنا على يقين أن كُل دين غير دين الإسلام باطِل؛
ومع ذلك فَكُل الأديان:
فهم في أمن هذا الإسلام؛ دِماءًا، أنفساً، وأموالاً، وأعراضاً، تفضلوا الإسلام يحمي، يحمي الدماء والأموال والأعراض، إلا من يصد ويُضاد ويقاتل، فهذا: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ (9)).
وهكذا جاء بعض الأسرى من شياطين الكفار، ويَستحق القَتل، مُحارِب مُقاتِل، جاء إلى عند النبي..
حقائق .. قيم .. وفاء .. رحمة لكن لا تتحول إلى لعب وإلى مسخرة، فهكذا شرْع الله في متانته وفي موازينه، يقول: (أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)).
ثم ذَكَر ما يتعلق بالمؤمنات، إذا هاجرن بعد صُلح الحديبية، فإن النبي كتب الصُلح بينه وبين قريش، وكتبوا -من إجحافِهم في بنود الصُلح-:
النبي قبِل ذلك، صادف أن جاء بعض المؤمنين، فقال لهم: بيني وبين الجماعة عهد؛ ارجعوا.
بعد ذلك آمن بعض النساء، ومنهن بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أخوانها إلى عند النبي يقولون: رُدّ لنا أختنا؛ النساء ما دخلن في بنود العهد، الكلام كان للرجال، أنزل الله:
تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) )
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) -هنا جاءت سورة الممتحنة- (فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) -وظهرت العلامة لكم أنهن صادقات مؤمنات- (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار..(10)) لم يدخلوا في بنود بينكم وبينهم، وهؤلاء مؤمنات، تَرُدونَهُن إلى عند الكافرين؟! لا يجوز لهم؛ وبدأ تحريم زواج المؤمنة من الكافر من هنا.
في الأيام الأولى كان أبي العاص بن الربيع زوج السيدة زينب، كان مازال على الكُفر والسيدة زينب مُؤمنة، فأُسر زوجها في بدر، وجاء الفداء للأسرى:
رَجَع وأرسل النبي سيدنا زيد بن حارثة ليَستَلِم زينب منه، وجاء بها إلى المدينة المنورة، هذا في السنة الثانية من الهجرة.
واستمر الأمر إلى بعد مدة -نحو ست سنين،- وقع في أسر ثاني، هو نفسه أبو العاص بن الربيع فجاءوا به إلى المدينة، فدعاه النبي للإسلام، لم يظهر استجابة، وقال لهم: "إن هذا الرجل منّا كما عَلِمتُم، فإن أحبَبتُم أن تَردوا عليه ماله لقريش يَرُدُه على أصحابه فافعلوا"، قالوا: هو له يا رسول الله، فَرَجَع وأعطى كل واحد حقه، قال لهم: بَلَّغتكم الذي لكم؟ قالوا: نعم، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، قال: والله ما منعني أن أقولها وأنا عند رسول الله، إلا خشية أن تظنوا أني أريد أخذ أموالكم، ولا أحببت أن أبدأ إسلامي بمال -أَخذ مال بِغَدر- فلما أرجعت لِكُلٍ حقه، أنا مؤمن، تركهم ورجع إلى المدينة.
فلما رجع إلى المدينة، ردّ له النبي زوجته، أكثر أهل السيرة يقولون بنفس العقد الأول، وما جدد لها العقد ولا المهر، ثم في هذه السنة بعدما هاجر بعض المؤمنات من مكة إلى المدينة بعد صُلح الحُديبية، نَزَلَ تحريم أن تتزوج المسلمة أي كافر، ولا تكون المسلمة تحت أيُّ كافر، لا يجوز: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)؛ وفيه أنه تظهر علامات الإيمان على المؤمن، وتُعرَف أشياء من المؤمن، ولهذا لا يجوز لأحد أن يقول: أنا لا أعلم، ما أَحكُم على إيمان أحد، لا تَحكُم بالجَزم في عِلم الله وفي الدار الآخرة؛ نعم، لكن تُفَرِّق بين المؤمن والكافر واجب، وتَعرِف للمؤمن حقّه واجب.
(فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)، النبي كان يقول: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان"، فإذا ظهرت علامات الإيمان على المؤمن، لا يجوز تقول هذا: لا أعلم أنه مؤمن أو غير مؤمن، كل واحد لا يعلم بالثاني، وبعد ذلك تعيشون على أيّ علاقة؟! بل "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأنه محمداً رسول.
(فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا) -يقول: ردّوا إليهم مهورهم- (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي تنقضي عِدَّتهم ثم تَتَزوجونهن (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ..(10)):
لأن بعضهن يُسلِمن مسكينات وهُنّ في أُسَر كافرة وزوجها كافر، فلا يمكن يُرد إسلامها من أجل زوجها وتَقبَل وهي مسلمة، ثم تأتي مُقايسة الحال التي فيها بالأقوال الموجودة في الشريعة المُطَهَرَة حتى تتخلص في وقت التخلص.
وهكذا جاءتنا الآيات الكريمة المُبَيِّنة لِمَسلَك التعامل، فالله ينفعنا بالقرآن وما فيه من سِرّ، ويرزقنا المشي عليه، والاستقامة على ما جاءنا به من الهدى والبِر، وجعلنا ممن يَعتَبِر ويَدَّكِر ويَتَذَكَر وهو القَائل (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، قال مَطَر الورّاق: هل من طالب علم فيُعان عليه، في معنى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:22].
الله يُكرِمنا وإيّاكم بالإدِّكار والاعتبار والفهم عنه، فيما أوحى إلى المُختار، ويجعل لنا بركة في خاتمة رمضان، ويُعيدنا إلى أمثاله في صلاح وفلاح ونجاح، ويجعل خاتمته لنا حسنة، مُباركة؛ نحوز فيها رضوانه الأكبر، والعتق من النار والعتق من العذاب، والعتق من الذنوب والمعاصي، والعتق من المعايب، والمذالب، اللهم اعتقنا، أعتق رقاب الآباء والأمهات والأجداد والجدات ومُنَّ علينا بكمال الثبات، وانظِمنا في سلك الصالحين والصالحات.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
28 رَمضان 1441