تفسير سورة الممتحنة، من قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ..}، الآية: 10
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الممتحنة، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك لعام 1441، من قوله تعالى: ، إلى آخر السورة.. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ..}، الآية: 13

نص الدرس مكتوب:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) إِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13))

الحمد لله، مُكرمنا بنور القرآن والتبيين، مُوضِّح الحق والهدى بلسان نبيه الأمين، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكَرّم عليه في كل وقت وحين، وعلى آله الطاهرين وأصحابه الغُر المَيامين، وعلى أهل ولائهم ومحبتهم واتِّباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلِهم وصحبهم والتابعين، وعلى مَلائكة الله المُقَربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين. 

وإننا في نعمةِ تأمُّلِ آيات ربنا وخطابه، وبيانه في كتابه على لسان سيد أحبابه، انتهينا إلى تأمل الآيات من سورة الممتحنة، حتى مررنا على قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (10))، وقُلنا أنَّ عهد الحُديبِية والصُلح بين نبينا ﷺ وبين كفار قريش، فيه أنَّ: 

  • مَن جاء منهم ولو كان على دين الإسلام يُرجَعُ إليهم. 
  • ومَن ذهب مِن المسلمين إليهم لا يردُّونه إلى النبي ﷺ. 

فقبِلَ ذلك وقُلنا أنَّ هذا يختص بالرجال، فلما أتمَّ بينه وبينهم الصُّلح، جاء بعض المؤمنات -بعض النساء من مكة- ونَزَلت الآية وقال زوجُها: إنها لي وإنك اشترطت في العهد أن تَرُد مَن جاء منا، قال: إنما ذاك في الرجال، فما اشترطته في النساء ولا ذَكَرتُهُ في العهد، فأنزل الله الآية وقال: 

إذا آمنتْ، وعَلِمت معنى الإيمان واتبعت محمدًا ﷺ فلا تَحِل لذلك الكافر؛ يكون حرام عليه، ولكن أُعطوه مِقدار الصَداق والمهر الذي أعطاها عندما تزوجها، وردُّوه له: (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ).

يقولُ: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)، وهو المُتَفَرِد بحقائق المَعرفة لِما في القلوب (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) مِن غير شك، ولكن عندنا وسائل ودلائل وقرائن تَدلُّ على الأمر؛ فهي يحصل بها غَلبةُ الظن، فَيُجرى مجرى العلمِ في الاعتبار الشرعي كأنه عِلم: 

  • (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)، إننا لا نستطيع أن نَشُقَ على القُلوب ولا نتحقق بما فيها. 
  • قال: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ)
    • الأمر الغيبي المُطلق الذي إليَّ، دعُوه عليّ! ما شغْلكم انتم؟ ليس شغلكم. 
    • شغلكم أن تنظروا الى العلامات والقرائن وتحكموا بها! بما يَغلب على ظنكم، هذا شغلكم. 

ولذا عاتب ﷺ سيدنا أسامة بن زيد لما قَتَلَ الرَّجُل بعد أن قال: لا إله إلا الله، قال: يارسول الله قالها في آخر المقاتلة لما تَمَكَنتُ عليه، لمَّا أهويت عليه بالسيف قالها تعُوذًا من السيف! قال: "هلَّا شققت عن قلبه؟ هلَّا شققت عن قلبه؟ ويحك! فما تصنع بلا إله إلَّا الله يوم القيامة؟"، هل شققت عن قلبه؟ أفرأيت أنه قالها خوفًا من السيف، أو قالها مؤمنًا بالله؟  فشُغل الغيب ليس لنا!

 (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ (10))، لكن من أظهر لا إله إلَّا الله، فهو مؤمن، من ظَهَرَ مِنه علامة الإيمان، وقد ذَكَرنا أنّه كان يستحلفهُنَّ، يستحلف بعضهن مِن هؤلاء، أنها ما جاءت فرارا من زوج، بُغضٍ لزوج، ولا جاءت رغبة مِن أرض لأرض، عن أرض إلى أرض، ولا جاءت لدُنيا، وأنَّها ما حَمَلها على الهجرة إلَّا محبةُ الله ورسوله، والإيمان بالله ورسوله، فإذا ظهرت العلامات تلك: 

  • حكم بإيمانهن، كما استشهدنا بقوله فيما رواه الإمام أحمد وغيره: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان". 
  • ولا يجوز لنا أن نَدَّعي ما لا يَقومُ على دلائل القَرائن والظواهر، فإنَّ أمر القلوب إلى الله وليس عِلمُ الغيب لنا؛ ويا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك.

(إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) -اختبروهُنَّ- (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ (10))، وقال بعضهم: إن الاختبار هو ما ذُكر في آخر السورة من آية المبايعة (يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ (12))؛ فبايعن على ذلك، فهذا اختبارنا أنهن مؤمنات!

(اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)، بالقَرائن والدلائل التي يقوم بها غَلَبةُ الظن، وهو شأنكم! ما يغلُب على ظنكم تُآخذون به؛ (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ) لأزواجهن الذين لم يزالوا على الكفر وهن أسلمن وآمنَّ بالله ورسوله، (وَلَا هُمْ) -الكفار- (يَحِلُّونَ لَهُنَّ) يحلون أن يتزوجوهن؛ فلا يجوز ذلك،  (وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا)، أي ما كان مِن مَهرٍ وصداقٍ في هذه الزوجة أعطوه إياه.

(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، سَلَّمتم المهر وجدَّدتم عقد النكاح.

(وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (10)) يعني: 

  • لا يجوز للمؤمن أن يجعل في عِصمته كافرة!  
  • كما أنَّه لا يجوز للمؤمنة أن تظل في عِصمة كافر! (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ). 

لمّا نزلت الآية، طلَّق سيدنا عمر، بل فارقها، بل حُكِم بوجوب مفارقتهن بالآية، اثنتين كانتا مُشركتين، فتزوج إحداهن أبو سفيان، والثانية صفوان بن أمية.

(لَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، أي عَقد النكاح للكافرات:

  • والمؤمنة إذا آمنت بالله وهاجرت، فقد انحلت العِصمة بينها وبين زوجها. 
  • فإن أسلم قبل أن تنقضي عِدَّتُها رجعت إليه بنفس عقده. 
  • وإن لم يُسلم حتى انقضت العدَّة بانت منه، وجاز للمؤمنين أن يتزوجوها. 

كما قال: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ)، يعني إذا قد انتهت العصمة بينها وبين زوجها، ثم مضت أيَّام العِدَّة، وانقضت، بإمكانكم أن تنكحوهن. 

(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ): 

  • إذا الزوجة كافرة، أو ارتدت -والعياذُ بالله- (اسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ)، قولوا لهم: يُردون إليكم الصَّداق الذي سلَّمتموه 
  • (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا) إذا جاءت المرأة مِن عندهم مؤمنة -آمنت- فانحلَّ عقدها من ذلك الزوج، لهم أن يسألوكم ما أنفقوا، وكان هذا هو الحُكم الذي حكم الله به في تلك المدة، ثم نُسخ الأمر فيما بعد. 

فكان الحُكم في ذلك الوقت، وتلك المدة والزمان، قال فيه: (ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ): 

  • سواء فيما يتعلق بسؤال الإنفاق. 
  • وفيما يتعلق ببيان أنَّ النساء لم يدخلن أصلًا في العهد الذي كان بين النبي وبين قُريش. 
  • والحُكم كذلك في قَبولِ هؤلاء المؤمنات، وحُرمة أن يتزوج المؤمن بالكافرة.

(ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بمصالح عباده، وخَيرهم، وما هو أوفق لهم، وخير وأحسن (حَكِيمٌ (10)) في جميع أقضيته وأقداره وأحكامه -جلَّ جلاله-.

تفسير قوله تعالى: ( إِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) )

يقول: (وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ..(11)) -والعياذُ بالله- خرجت واحدة منكم مِن أزواجكم، ارتدت، راحت الى عند المشركين، وتبين فيما سبق: 

  • أنهم يطلبون مهرها، ما دام ارتدت صارت خرجت مِن عقدها، فإذا انقضت العدَّة ولم تعُد إلى الإسلام، خرجت مِن عقد الزوج. 
  • وللزوج، إذا تزوجها أحد من الكُفار أن يَطلب منه، ما أنفق على هذه، أي مهرهُ الذي سلَّمه لتلك التي ارتدت. 

لمّا نزل الحُكم هذا كما تقدم: 

  • كان المسلمون؛ مَن جاء مِن نساء الكفار فآمنت، فإذا أراد أن يتزوجها مسلم بعد انقضاء العدَّة، بعث إلى زوجها الصَّداق الذي أسلمه عليها. 
  • ففرَّ بعض نساء المؤمنين إلى الكفار، فأبوا أن يردوهم، أن يُسلِّموا المهر والنفقة.

 قال: (وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ...(11))، (عَاقَبْتُمْ): اي حصلتْ لكم العاقبة بأن انتصرتم أنتم على الكفار في المعركة الثانية وأخذتم من أزواجهم: 

  • (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا)
    • الذين ذهبت أزواجهم مِن المؤمنين، خذوا من الغنيمة التي غنمتم من الكفار مقدارها، وسلموهم إياها! 
    • واطلبوا مِن الكافر إذا طالبكم بمهر هذا الذي وقعت في يدكم بسبب القتال، طالبوه يُسَلِّم صاحبه الذي لم يُسَلِّم المهر للمرأة عندهم مثله، قولوا له: اذهب هات من هذاك مثل هذا!
  • (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا)
    • وقل له: أذهب هات من فلان أو من عندك المهر حق فلان سنعطيه هذا؛ و إلَّا ما لك شيء مِن عندنا مقابل ما امتنعتم؛ نحن نمتنع مثلكم في العاقبة ونعطي هذا الذي أخذتم حقه أنتم.
    • فبدل أن يُسلِّم مثل مهرها لزوجها الكافر، يُسَلِمُه للمؤمن الذي فرّت زوجته إلى عند الكافر، والكافر أبى أن يُسلِّم الصداق.
  • (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا)، وإلَّا فمن الغنيمة، ينظرون الى الذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار ولم يُسَلِموا لهم شيء، يأخذون مِن الغَنيمة التي غنموها من مال الكفار ويعطونها هؤلاء.

(فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ) في أحوالكم وشؤونكم كلها: 

  • ولا تزيدوا ولا تُنقصوا ولا تأخذوا ما ليس بحق لكم. 
  • ولا تتطاولوا على أحد من عباد الله تبارك وتعالى. 
  • ولا تُغلِّبوا أهواءكم -آمنوا-. 

(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ(11))، هداكم إلى معرفة أنه ربُّكم وخالقكم وإليه مرجعكم ومصيركم، وأنَّه الذي بيده ملكوت كل شيء.

(وَاتَّقُوا اللَّهَ): احذروا غضبه وبطشه وانتقامه وعذابه. 

(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ(11))، اللهم حققنا بالتقوى وألحقنا بعبادك المتقين، -ياأرحم الراحمين-.

هذه الوصية الكبيرة من الله لنا بتقواه: 

  • أن نتوقَّى مواطن غضبه وسخطه -سبحانه وتعالى- الموجبة لعذابه. 
  • فإذا قامت هذه الحقيقة عند المؤمن فصار ممتثلًا لكل الأوامر بالإحسان منتهيًا عن كل المحرمات…
    • فقد تمت سعادته.
    • وعظُمت منزلته.
    • وارتفعت درجته.
    • وحاز خير الدنيا والآخرة بتقوى الله.

تقوى إله العالمين فإنها *** عزٌ وحرزٌ في الدُنى والمرجعِ

فيها غنى الدارين فاستمسكْ *** بها والزَمْ، تَنَلْ ما تشتهي وتدَّعي

فالله يرزقنا حقيقة التقوى؛ وما شرع لنا صيام رمضان؛ إلَّا لنستمسك بالعروة الوثقى من التقوى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]؛ تخرجون من رمضان وقد: 

  • صلحتْ أجهزتكم الباطنة؛ قلوبكم بحُسن مراقبة علَّام غيوبكم. 
  • فصرتم تَحذرون كل ما لا يرضاه؛ فتتحققون بحقائق التقوى. 

أكرمنا اللهم بذلك؛ هذا سرُّ الصوم وروح الصوم! 

(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (11))، فلا يكُن في قلوبنا شيء أخوف علينا، من أن يسخط الجبار وأن يغضب، لا شيء أخوف من هذا، كل شيء دون ذلك هين، إن كان فقر، وإن كان مرض، وإن كان مَوت، وإن كان حبس، وإن كان قتل، كله هين، لكن أن يغضب عليك الجبار! لا.. هذا الذي لا يُطاق!

(وَاتَّقُوا اللَّهَ): 

فيكون أخوف عليكم من كل شيء، مخالفته والتعرض لسخطه وغضبه، وتُبادِرون لامتثال أمره، بل تعشقون طاعتُه وعبادته؛ لإيقانكم بأنه المُنعم المنان المُستحقِ للعبادة، والذي يجازي بما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر -جلَّ جلاله-. 

تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) )

 ثم يقول للنبي : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ..(12))، وهذا قلنا إنها نزلت فيمَن جئن من أيام الحديبية، ثم استمرت البيعة على هذا مع النساء إلى آخر عهده ﷺ،

(إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ)، يُعطينَ عهودهن ومواثقهن: 

  • (عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا)، يَنفين الشرك ممن سواه، واعتقاد أن مع الله إلها آخر، لا شريك له.
  • (عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ)، يجتنِبن فعله وكل المقربات إليه؛ حرَّم عليهن الخلوة بالأجنبي، والإسترسال في الكلام مع الأجنبي، حرَّم عليهم ذلك.
  • قال: (وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ).
  • إمَّا بإخراج الجنين.
  • وإمَّا بقتل البنات بعد أن يبدأن يكبُرن كما كانت عادتهم أي يأدون البنات.
  • (وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ) -افتراء وكذب- (يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ).
  • (بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ)، يفترين على أزواجهن، يُنسبن إليه ولد ليس منه. 

قال: 

  • اشتد غضبُ الله -تبارك وتعالى- على مَن أدخلت على قوم مَن ليس منهم. 
  • واشتد غضبُ الله على من أنكر ولدًا منه، وتبرَّأ منه وهو ينظر إليه، يغضب الله عليه. 

فلا يجوز إنكار الولد، ولا إدخال ولد آخر، وكُنَّ بعضهن ينظرن للمواليد وتقول له: هذا ولدي منك ويتبناه! 

قال: 

  • (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ)، ومنه أن تفتري على الزوج ما ليس فيه.
  • (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)، وهو لا يأمر إلَّا بالمعروف .

(وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ)، اللهم صلِّ عليه وعلى آله، فكانت بينه وبين جماعات من النساء، أفراد وجماعات بيعات يبايعهنَّ على هذا، وكان في كل تلك البيعات يبايعهن كلامًا! لا يمس أيدي أحد منهن ولا يصافحهن، حتى قالت له بعض المبايعات: ألا تصافحنا يا رسول الله؟ قال: "إني لا أصافح النساء، ولكن قَولي لواحدة منكن كقَولي للمائة منكن"، هذه البيعة بيني وبينكن، وهو أطهر الخلق ﷺ؛ لكن ما كان يصافح النساء الاجنبيات، ولم تمس يدهُ يد امرأةٍ لا تحل له، إلَّا أن تكون زوجة، أو مَحْرم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وكانت هذه البيعة مع نساء الأنصار واجتمعن في بيت، وجاء ﷺ عند الباب ومعه سيدنا عمر يُبلِّغهن، يرفع صوته ويقول لهم: قال لكم رسول الله ﷺ تبايعنه ألَّا تُشركن بالله شيء، ووصل، وقف عند الباب، وقال: "أنا رسول الله إليكن، قلن: مرحبًا برسول الله وبرسول رسول الله! عن هذا الذي  بلغ عنك والذي معك،  قال: تعاهدنني، تبايعنني ألَّا تشركن بالله شيئا قلن: نعم، نُبايعك ألَّا نشرك بالله شيئا، قال: ولا تسرُقن، قالوا: نعم، ولا نسرق يا رسول الله، ولا تزنين"، ولمَّا بايع على هذا، هذه فاطمة بنت عتبة، قال: ولا تزنين؟ وضعت يدها على رأسها -مُتعجبة- يعني أحد يفعل هذا؟! هذا عيب كبير! وعجبه ﷺ منها ترفُّعها وتساميها، فقد كان كثير من أيام الجاهلية -رجال ونساء- يتسامون عن هذه الرذيلة. 

في زمان آل التقدم يقولون: صلِّحوا مثليَين؛ قلال حياء! خرجوا عن الأمر كله، لا عاد نكاح ولا زنا -أعوذ بالله من غضب الله- ورجعوا، وفعلوا جريمة ما عُرفت في أُمة إلَّا أمة لوط، وأهلكهم الله -تبارك وتعالى-، مافي غيرهم.

 حارت عقول الصحابة لمَّا ذُكر لهم وقع مثل هذا قالوا: لو لم تُذكر في القرآن لم نكن نصدق هذا! ما نفعل بهذا؟ حتى اختلف الصحابة، وأجمعوا على قتلهم، وهؤلاء انظر التقدم لبني آدم المخربطين، الساقطين عن الإنسانية وعن الفطرة كلها!. 

هؤلاء نساء وهن كنَّ في الكفر والجاهلية ووضعت يدها فوق رأسها! وقالت: يا رسول الله هل أحد  يعمل هذه الخباثة، هل في أحد يعمل مثل هذا؟!

قال: فأعجبه منها ذلك، وقال: لكن بايِعنا؟ قالت لها السيدة عائشة -كانت عندها- قالت: كلنا النساء المؤمنات نبايع على هذا، قالت: نعم، إذًا مرحبًا، إذا تُبايعن نُبايع مثلكن، ولأن هذا أمر مُستنكر من قلوبنا ونفوسنا ما نفكر فيه؛ هكذا كُنَّ. 

وهكذا لمَّا بايع في مكة -بعد فتح مكة- واجتمع النساء عند جبل الصفا، وصار ﷺ معه سيدنا عمر أيضَا يبلّغهن، وكان يبايعهن واحدة واحدة، فتخفَّت من بينهن هند بنت عتبة لمّا عملت ما عملت في حمزة، ما أرادت النبي يستشعر بها وهي متسترة وقت البيعة، قال: "ألَّا تشركي بالله شيئًا". قالت: "ألَّا نشركَ بالله شيئًا"، وقد الأصنام تحطمْن وكسَّرْتهن. 

  • قال: "ولا تسرِقن". قالت: أمّا هذه، فإن زوجي ذُوهَنَّات يُقصر يعني في النفقة، وأني آخُذ منه شيء، فما أدري يُحِلُّني أو لا؟ قال أبو سفيان: ما مضى فأخذتي -مضى أو بقِى فأنتي حلال ذلك. فضحك النبي ﷺ وقال: "وأنتِ هندُ بنتُ عتبة؟". قالت: نعم يا رسول الله، -عرفها- أُعفُ عفا الله عنك يعني:- عظمت إساءتها إليه. 
  • قال: "ولا يزْنين". قالت: أوَ تزني الحرة يا رسول الله، ما الكلام هذا؟! - الحُرة لا تزني- استنكرت! أوَتزني الحرة يا رسول الله؟ قال: لا. 
  • قال:"بايِعنا على ذلك". قلن: بايعنا.
  •  "وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ قالت: نحن ربيناهم، وقتلتموهم كبار، أنتم يوم في بدر -ضحك سيدنا عمر حتى استلقى-، -قالت: نحن ربيناهم وأنتم قتلتموهم كبار في بدر ودُونكم وياهم -بُصركم- ومضى ﷺ في بيعته. 
  • قال: "وَلَا يأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا تعصينني فِي مَعْرُوفٍ" قالت: أنت ما تأمر إلَّا بالأخلاق.
  • قال له الحق: (فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ).

 وهكذا قال جماعة من الصحابة: كنا عنده ﷺ فقال: "تبايعونني! قالوا: إنَّا نبايعك يا رسول الله قال: ألَّا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. قال: بايعناه، قال: وتلا علينا الآية التي نزلت في بيعة النساء، ثم قال: فمن وفَى منكم بذلك فله الجنة، ومَن أصاب من ذلك شيئا فعُوقِب عليه في الدنيا فهو كفارة له؛ وإن ستره الله ولم يُعاقبه فأمْره إلى الله، إن شاء عذَّبه. وإن شاء عفا عنه"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وأقام العهد وكانت له دون ذلك بيعات أُخر مع الصحابة، وعلى قدر استعداداتهم ومراتبهم، ومنها البيعة الشريفة المذكورة في القرآن، المُسمَّاه ببيعة الرضوان لِما نَشر الله من راية الرضا على مَن بايع فيها، وذلك في عام الحُديبِية، وأرسل سيدنا عثمان يُخبرهم أنه جاء لأجل العمرة، لا يُريد أن يُقاتل، ولا يريد أن يجاهد، ولا له غرض؛ فقط يعتمر ويرجع، حبسوا سيدنا عثمان عندهم، وأشاعوا أنهم قتلوه؛ لربكات عملوا ربكة، أشاعوا انهم قتلوه وما قتلوه. 

  • فدعا النبي الصحابة إلى البيعة، فاجتمعوا تحت شجرة سَمُرة، شجرة من شجر السَّمُر، وقف تحتها ﷺ واقبلوا عليه؛ فكان يبايعهم واحد بعد الثاني، واحد بعد الثاني، بايعهم كلهم.
  • كان فيهم واحد أو اثنين من المنافقين، يختبئون وراء شجر ثاني، لم يدخلوا -سبحان الله-، محرومين ما لهم نصيب، وقد اختبئوا وراء الشجر.

وبعضهم حتى يقول: ألا تبايع؟ قال: قد بايعك يا رسول الله بعض المؤمنين. قال: ألا تبايع؟ مد يدهُ ثاني مرة وبايعه ثاني مرة، وأنزل الله فيه: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا): 

  • (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)؛ وكفى هذه تزكية للصحابة وشهادة لهم من الله.
  • (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)، ثم يأتي واحد يتفلسف يقول…. 

الله يقول: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) -ماذا ستقول أنت؟- (فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ) [الفتح:18-20]، عظُمَ شأنها -شأن بيعة الرضوان- وبايع  بعض الصحابة، وكان في بيعته للرجال، بيعته للنساء، إذ بايعهم على الطاعة؛ أن يطيعوه ولا يعصوه في معروف، يقول: "فيما استطعتم" يُلقِّنهم ذلك، وتقول بعض النساء: "كان رسول الله أرحم بنا من أنفسنا"، يقول: "فيما استطعتم، فيما قدرتم" 

وبايع بعضَ أصحابه، فلهم مستويات:

  • ألَّا يسأل غيرَ الله شيء؛ فكان أولئك الرهط الذين بايعوه هذه البيعة. 
  • يكونَ أحدهم على فرسه يسقط السوط من يده؛ فلا يقول لأحدٍ ناولني إيَّاه؛ لأنه عاهد رسول الله ألَّا يسأل غير الله، يخرج من الفرس ويأخذ السوط بيده ولا يقول لأحدٍ ناولني. 
  • هذا ما دخل في العهد، لكن ورع الصحابة وقوةُ حُسنِ امتثالهم للأمر، وتقواهم، وصل إلى هذه الحدود.
  • وبايع بعضهم على النصح لكل مسلم. 
    • وعاهد سيدنا أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيامٍ في كل شهر، وألَّا ينام حتى يوتر -يصلي الوتر-، وألَّا يُترك سُبحة الضحى يعني: -نافلة الضحى وصلاة الضحى كل يوم. 
    • فعاهدهم على المواظبة على سُننٍ وآداب، علت درجات الصحابة، وهكذا صلى الله عليه وصحبه وسلم.

 (فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(12)).

تفسير قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) )

ختم الحق السورة بما ابتدأ به وهو عدم موالاة الكفار: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)، بعدما شرح لنا الحال: 

  • وفرَّق بين البر والقسط، وبين الولاء والمودة. 
  • وفرَّق بين مَن اعتزل ولم يقاتل، وبين مَن قاتل، وأخرج المؤمنين من الديار من الحربيين. 

فرَّق بين هؤلاء وذكر لنا الحكم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)؛ أمثال اليهود وغيرهم من الطوائف المشركين والكفار، (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ) -أي أولئك- وقد غضِب الله عليهم.

(يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ)

أن يكون لهم فيها أجر أو ثواب أو غنيمة أو صلاح أو جنة أصلًا، ليس شيء لهم، في علم الله تعالى، ليس لهم شيء (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ).

(كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ(13)): الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة والبعث، يَئِسُوا من أصحاب القبور هل يلتقون بهم؟! أو يعرفونهم، انقطعوا عنهم، لن يرجعوا إليهم ولا يلحقوا بهم، انتهوا.

 قال: وهؤلاء لا نصيب لهم من الرحمة في الآخرة، كما أنَّ هؤلاء يئسوا من أصحاب القبور؛ 

  • بخلاف المؤمن يعتقد أن أهل القبور تبلغهم الأعمال، ويعرفون مَن يزورهم، ولهم وعد في القيامة يجتمعون ويلتقون؛ هذا المؤمنين غير يائسين. 
  • لكن الكفار لا يصدقون بحياة البرزخ وحياة الآخرة، يُكذِّبون بها (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)، 

والمعنى الثاني أيضًا (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ)، ممن مات، من أهل القبور من الكفار في قبورهم يئسوا من الخير، ويئسوا من الجنة؛ لأنهم ماتوا على الكفر؛ فلا نصيب لهم، قال: وهؤلاء الأحياء كذلك الذين لم يؤمنوا بما أنزلت على نبيهم مُحمد لا حظَّ لهم في الآخرة كما يئسَ، ويئسوا من جنتها وخيرها، كما يئس الذين قد ماتوا منهم (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ(13)): 

  • قال ﷺ: "ما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا إلَّا عرَفه واستأنس به". 
  • وقال: "لَأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثوبه فتخلص إلى جسَده خير له من أن يجلس على قبر"، -يجلس فوق قبر-.

ولذا كان بعض الصحابة والتابعين يقول: "لا أبالي قضيتُ حاجتي في السوق، أو في المقبرة"؛ يعني: أنا على مرأى من الناس، سواء كنت أقضي حاجة الإنسان أمام الناس في السوق، أو في المقبرة، قال: كله سواء، يعني كما ينظرني أهل السوق، هؤلاء ينظرونني.

وقالوا: كانت السيدة عائشة عليها رضوان الله، تزور المصطفى ﷺ غير منتقبة في حجرتها، كانت عندها غرفة ثانية جنب الحجرة التي فيها قُبِرَ النبي ﷺ، فكانت عائشة في الحجرة التي بجانبه، فتدخل تزوره، ثم دُفن أبوها أبوبكر، فكانت تدخل وتزورهم، قالت: "كنت أزور رسول الله وأبي، غير منتقبة وأقول إنما هما زوجي وأبي"، فلما دُفن عمر، لم أدخل الحجرة إلَّا وأنا مشدودةٌ عليَّ ثيابي حياءً من عمر! -حياءً من عمر-، وهو في القبر تستحي منه، معناه أنها تعتقد أنه يراها ويطَّلع عليها.

-والعياذ بالله- إذا ارتدَّ أحد الزوجين، لا يجوز للمسلم منهما أن يقرب الآخر، ولكن يبتعد عنه حتى تمر وقت العدة؛ فينتهي العقد من أصلِه، أو يرجع في وقت العدة؛ فيجوز التواصل، أمَّا قبل أن يرجع فلا يجوز لأحد منهما أن يجلس مع الآخر. الله... الله.

وأعلى الله درجات سيدنا الحبيب محمد بن أحمد بن عبد الله العطاس، وجمعنا به في أعلى الجنات وهو راضٍ عنا وخلفه به خلف فينا وفي المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات وأكرم وفادته عليه وجعل له شفاعة مقبولة لديه في صلاح أحوال المسلمين وجمع شمل المسلمين ودفع البلاء عن المسلمين واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعله من العذاب في وقاية وجُنة، وجمعنا به في أعلى الجنة من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب وضاعف البركة في أولاده وأحفاده واسباطه وذراريه ومحبيه وقرابات والمتعلقين به وفي مَن والاه في الله تبارك وتعالى وأدخل عليه في قبره روحًا منه وسلامًا منا في كل لمحة و نفس. 

 بسرِ الفاتحة 

إلى روحه وإلى أرواح موتانا خاصةً وذوي الحقوق علينا وأموات المسلمين عامة 

وإلى حضرة النبي محمد،

 اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه 

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

29 رَمضان 1441

تاريخ النشر الميلادي

22 مايو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام