(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة النجم، مواصلة التفسير من قوله تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}، الآية: 2، إلى قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى}، الآية:23.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23))
الحمدُ للهِ مُكرِمنا بقرآنه وبيانهِ، على يد عبدهِ المُصطفى محمدٍ ﷺ بلسانه، أدامَ اللهُ عليهِ الصلوات والتسليمات في جميعِ آنائهِ وأحيانهِ، وعلى آلهِ وأصحابهِ وأهلِ مُتابعتهِ والاقتداء به، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين خيرةِ الرحمن في البريةِ وأحبابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكةِ المُقرَّبين وجميع عبادِ الله الصالحين، وعلِينا معهم وفيهم إنَّهُ أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.
وبعد،،،
تفسير قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2))
فإنِّنا في نعمة؛ تأمُّلِنا لكلامِ ربِّنا، مررنا على أوائلِ سورةِ النَّجم، وذكرنا معاني في النَّجمِ المُقسم به، ومما لم نذكرهُ أن المُراد بـ(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1)) القرآن المُنَجَّم الذي نزل مُنَّجمًا أو مُفرَّقًا في خلال ثلاثٍ وعشرين عامًا، فيكون أيضًا من المعاني: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1)) أي؛ والقرآن الذي ينزل عليك آياتٍ بعد آياتٍ بعد آيات.
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ (2)) وقال الحقُّ تعالى مُخاطبًا لكفارِ قريش:
صاحبكم ما ضل وما غوى، لا هو حول الضلال ولا هو حول الغي، بل هو الهادي الرشيد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3))
(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2)) يقول الرحمن: واسمعوا مِنِّي، عبدي هذا الذي عرفتم فيهِ ما لم يحصل في غيرهِ من سواكم ولا من بقيةِ البشر، أنا اخترتهُ واصطفيته وجعلتُ له منزِلة، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3))، وأيُ انسان منكم لا يتكلَّم بهواهُ؟ لا يتكلم برأيه؟ هذا لاينطق برأيه ولا بما يهوى، بل ينطق بما أحببْته أنا منه، وبما أبلغته إليه، (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ) [يونس:15]، يقول؛ صلى الله عليه واله وصحبه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11))
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9))
ومما كان في هذهِ الآيات لما نزلت، كان هذا أيضًا الشقي -عُتبة بن أبي جهل- سمعها والنبي ﷺ يقرأُها، فقال: أنا كفرتُ بربِ النَّجم. لا إله إلا الله، وكذلك يقولُ: كفرتُ بمن (دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9)). فقال له رسول الله ﷺ: "أما تخاف أن يُسلِّط الله عليك كلبًا من كلابه؟".
وجاء في الرواية أنهُ جاء إلى النبي لأجل أن يؤذيهُ، وقال: كفرتُ بربِ النَّجم هذا الذي تذكر (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1)). فقال: "اللَّهمَّ سلِّط علَيهِ كَلبًا من كلابِكَ". وبلغ الخبر إلى أبيه -أبي لهب-، وكان الولد مسافرًا إلى الشام، فدعا العصابة المسافرين معه، قال: لا تتركوا ولدي وحده؛ لأنهم كانوا يعرفون أنه نبي، صاحب منزِلة عند الله، صادِق، وأن دعاءهُ مُستجاب، وهم يعرفون هذا. قال: لا تتركوا ولدي وحده لكي لا يأتي كلب من الكلاب يفترسه ويأكله، ولا تناموا إلا وهو -وسطكم- بينكم. وخرجوا مرحلة إلى مرحلة، بينما هم في الطريق سمعوا صوت أسد، عُتبة بنفسه قال: هذا يريدني؛ لأنه سمع النبي يقول: "أما تخاف أن يُسلِّط عليه كلبًا من كلابه".
فجاءوا يقفون صفَّا له، قال: لا، اجعلوني بينكم -دوروا عليّ من كلِ جانب-. فجعلوهُ بينهم -في الوسط-، وأقبل الأسد يشم رؤوسهم ويتركهم، حتى جاء إلى عتبة فمسكه بأنيابه، ووضع أنيابهُ على جنبي وجهه وأخذهُ من بينهم ومشى، وهم ينظرون! سلِّط الله عليه كلبًا من كلابه، لا إله إلا الله.
وماذا استفاد بإيذاء النبي؟ بهذهِ المُكابرة والجحود، خسر حياته، وخسر آخرته، خسر دنياه، وخسر مصيره، إلى أسوأ ما يصير إليه الإنسان -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. وما لك بإيذاء المُقرَّبين عند الله والصالحين؟! ولِم المُكابرة والمعاندة للمحبوبين عند الإله جلَّ جلاله؟! وهكذا أخزاهُ الله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15))
قال اللهُ عن نبيه: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12))، وما الذي رآه؟ رأى أمورًا، (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15))،
وسبق معنا شرح معنى هذهِ الرؤية، وأن المستحيل منها أيضًا منفيٌ عند أهل السنة أيضًا، ولكن التعبير في القرآن بالنظر، وفي السنة بالرؤية -عبَّر بها أهل السنة- كما جاءت التعبيرات في القرآن والسنة عن الحالةِ العظيمة، التي يكشف الله فيها الحُجُب بينهُ وبين من اختار واصطفى من عباده، حتى يُقالُ: إنهم رأوا ربَّهم، ويقالُ: إنهم نظروا إلى وجهِ ربهم -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-، كل ذلك بعيد عن الكيف والحصر، وعن الجهة، وعن الصورة، وعن الجسمانية بكل معانيها؛ لأنهُ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11] جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
تفسير قوله تعالى: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17))
(أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17)) الله أكبر.
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17)) كيف يزيغُ أو يطغى بصرٌ مرعيّ بعينِ عنايةِ الله؟
قال له الحقُّ تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) في الآيات قبل هذا يقول لهُ:
فهذا الذي بعين الله تعالى كيف يزيغُ بصره؟ وكيف يطغى ويجاوزُ حده؟ بل وقف عند كل شيء كما أراهُ الله على وجهِ الحقيقة، فبادأهُ سبحانه وتعالى بالحقِّ والحقيقة بما لم يبادِ به سواه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18))
(مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17)) الله اكبر! فأنعِم ببصرٍ زكَّاهُ السميعُ البصيرُ -جل جلاله وتعالى في عُلاه-، (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18)) هذا العبد الذي اخترناه، وبصرهُ الذي وسَّعناه، كما قال في الآية الأخرى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الأسراء:1].
وقال: إن هذا العبدُ المُقرَّب -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- رأى كُبرى الآيات، (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ)، وقال ابن عباس: رأى كثيرًا من الآياتٍ الكبيرة، ولكن رأى من آياتِ ربهِ الكُبرى، يعني من جملةِ آيات ربه: رأى كُبرى الايات، اكبرُ الايات، (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ)، يعني غيرهُ لم يرَاها؛ الآيةُ الكُبرى -صلى الله عليه وصحبه وسلم-، وبذلك سُمِّيَ هو بالآيةِ الكُبرى؛ لرؤيتهِ الآية الكُبرى صار آيةٌ كُبرى، لا مثيل له، لا نظير له -صلى الله عليه و آله وصحبه وسلم-، خُصَّه بما لم ينلهُ غيره، لا مَلَك ولا نبي ولا غيرهم من الخلائق. سبحان الذي خصَّهُ وجعلنا من أمَّتهُ! لهُ الفضلُ علينا والمنَّة.
أمةَ المُخصص بأعلى الخصائص، وجدوا كثيرا من الخصائص، في القيامة كثير مُقرَّبين وصالحين وعارفين من الأمم السابقة مُوُقَفين، لا يمشون على الصراط، ولا يدخلون الجنة حتى يدخل الناجين من هذه الأمة، وإن كانوا أقل منهم في العبادة وفي العمل، من أجل الخصوصية، بسبب نبيهم صلى الله عليه وصحبه وسلم. فالحمدُ للهِ الذي جعلنا من أمتهِ، الله يحشُرنا في زمرتهِ ﷺ.
مثلما أنَّ فرح المؤمنين من هذه الأمة أعظم من فرح المؤمنين في الأمم السابقة، لِما أعطاهم الله تبارك وتعالى:
فلهم مزايا كبيرة، لا تُحاسب أمة قبلهم، لا تمر على الصراط أمة قبلهم، لا تدخل الجنة أمة قبلهم.
في الأمم السابقة؛ شهداء ومُقرَّبين وصِدِّيقين عارفين بالله، يقفون حتى مع أنبيائهم، يقفون إلى أن يدخل من لا حساب عليه أو من لا عذاب عليه، آخر واحد لا عقاب عليه ولاعذاب من هذه الأمة، يؤذن له، بعد ذلك للأمم: تعالي يا أمة إبراهيم، تعالي يا أمة موسى، تعالي يا أمة عيسى، تعالي يا أمة نوح؛ نبي بعد نبي ويمرون بإمامهم، لكن أولًا دعوا الأمة المحمدية تدخل:
الحمدُ لله الذي جعلنا من أمته، الله يحشرنا في زمرتهِ.
لأن كثير من الناس يعدّون أنفسهم من الامة، ثم يذهبون هناك بعيد، لايدخلون معه لأنهم أخرجوا أنفسهم: إمَّا باعتقاد، وإمَّا بفساد، ارتضوا به -مخالف-، فماتوا على غير الملة فما يدخلون في الأمة، -فالعياذ بالله تبارك وتعالى-، فَيَا رَبِّ ثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى.
بِحُرْمَةِ هَادِينَا وَمُحْيِي قُلُوبِنَا *** وَمُرْشِدِنَا نَهْجَ الطَّرِيقِ القَوِيمَةِ
دَعَانَا إِلَى حَقٍّ بِحَقٍّ مُنَزَّلٍ *** عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَنِ أَفْضَلَ دَعْوَةِ
دعانا أفضل إلى حق بحق منزّل.
أَجَبْنَا قَبِلْنَا مُذْعِنِينَ لِأَمْرِهِ *** سَمِعْنَا أَطَعْنَا عَنْ هُدًى وَبَصِيرَةِ
فَيَا رَبِّ ثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى *** وَيَا رَبِّ اقْبِضْنَا عَلَى خَيْرِ مِلَّةِ
وَعُمَّ أُصُولاً وَالْفُرُوعَ بِرَحْمَةٍ *** وَأَهْلًا وَأَصْحَابًا وَكُلَّ قَرَابَةِ
وَسَائِرَ أَهْلِ الدِّينِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ *** أَقَامَ لَكَ التَّوْحِيدَ مِنْ غَيْرِ رِيبَةِ
يقولُ: (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ)، فأراه الله عجائب في السماوات، وأمور الجنة، وأمور النار، وأخبار الملائكة، وأخبار الأنبياء، وأخبار الأرواح، وأخبار الأجسام، والعالم الأعلى والعرش والكرسي كلها رآها، وكلها شاهد فيها عجائب وآثار أطلعهُ الله عليها ﷺ:
يقولُ: (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18))، يقولُ الله تعالى: قصصنا عليكم شأن نبينا واتِّصالهُ بالعالم الأعلى وعظمة هذا الإله الذي خصصهُ وميَّزه، فما الذي جاء بكم إلى عند اللات والعُزَّى وامثالها؟ أيُّ عظمة لها؟ أيُّ من قُدرة لها؟
تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19))
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19)) أعطيناكم أخبار وحي وأسرار نبوة وإلوهية وربوبية، آياتُها مُنبثَّة في الوجود، خلق وبرأ وأبدع ورزق وقرَّب وأبعد وصوَّر وكوّن، تجي إلى عند اللات، تجي إلى عند عُزَّى، تجي إلى عند أصنام؟ ماذا خلقت هذه؟ ما خصوصيتها؟ ما مزيتها؟ ماذا عملت؟ إنما هي صِنف من المخلوقات، الضعف عليها بادٍ، أنتم تقدرون تتصرَّفون فيها بأمرنا، وهي لاتقدر أن تتصرَّف فيكم، نحن عجزناها ونحن أقدرناكم، وكيف تعبدونها؟ ماذا عندها من الصفات؟ هذه صفات الإله وهذهِ عظمة الخالق تعرفها، ماذا عند هذه؟ تعبدون ماذا؟ أيُّ عقول فيكم؟ بأي عقل تنصرفون إلى هذه؟ لا خَلَقَت، ولا رَزَقَت، ولا بَرَأَت، وأنتم تتصرَّفون فيها، وهذا يكسِّرها، وهذا يُحرِّقها، ماذا فيها حتى تقولون إنها إله؟ كيف تعبدونها!؟
تفسير قوله تعالى: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20))
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19)) الأصنام التي كنتم تقيمونها وتسمَّونها باسمها، وتقولون إنها بنات الله -والعياذ بالله-، وتقولون على الملائكة أنهم بنات الله؟ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20))؛ لأنهم كانوا يعظِّمونها أكثر، وجاء بها بالثالثة الأخرى تنزيلًا لقدرها، وبعدها يقول لهم: وتسمونهم بنات الربَّ سبحانه وتعالى، لا فيها مزايا ولا فيها صفات تستحق أن تُعظَّم بها، وأنتم تصنعونها! والواحد منكم يصنع له صنم من حلوى، إذا جاع يجي يتضرَّع إليه، إذا جاع يبدأ يأكله يقضمه ما هذا! ويدخل بعد ذلك يقول: معبوده في بطنه! هذا كلام؟!
تفسير قوله تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22))
هي بهذه المثابة، وأنتم بنفسكم في حياتكم لا تحبون الإناث، وتقلون إنكم تحبون الذكور، وتقتلون إناثكم، وتأتون عند الإله وتنسِبون له البنات! أيُّ عقل فيكم؟ رضيتم لأنفسكم تعبدوا من لا مزايا له ولا خصوصية ولا أثر قدرة عليه، وجئتم إلى القادر العظيم تكفرون به وتجعلون له بنات! أنتم بنفسكم تتنزَّهون عن البنات وتكرهون البنات، وتنسبون للرب الأعلى؟ (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22))، يقول إذًا على حسب عقلياتكم، ما هذه القسمة؟! أنتم تتنزَّهون عن شيء تنسبونه إلى الحقَّ، إلى الخالق! الآن فيكم عقول ولا بلا عقول؟ انتم كيف تدَّعون؟!
واحد ما عرف من الذي خلقه، سيهتدي إلى ماذا؟ أيُّ عظمة سيأتي عليها، وأيُّ حق سيهتدي إليه؟ ما عرف الذي خلقه سبحانه وتعالى، ولا خضع للذي خلقهُ جل جلاله وتعالى في عُلاه، هذا من أجهلِ الجُهّال. أعجبك لمَّا يصلح جهاز أو لما يبتكِر سلاح؟! هذا هو لا يدري من الذي خلقه، ولا عرف لماذا خُلق، في الحقيقة جاهل كبير من الجُهال، فالمعلومات هذه تفيده ماذا؟! وقد ضيع الأصل والأساس والرأس: يعرف من هو، من خُلقه، لِمَ خلقه، لماذا جاء إلى هذا العالم.
يقولُ سبحانه وتعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21))، وقد أرسل النبي ﷺ سيدنا خالد بن الوليد إلى (الْعُزَّىٰ) يعبدون أحجار، وشيء أشجار ينصبونها ويقومون يعبدونها وهم الذين يُصلِّحونها؛ لهذا بعض أبناء الأنصار لمَّا ماقَبِل والده الإسلام، ولا طاع ينزجر عنها، ويعكف على صنمه، يأتي ويضع له الاوساخ ويرميه ويكسر بعضه، يقول: من هذا يعمل بإلهنا كذا؟ فينُظِّفه ويُطيَّبه، ثاني يوم وسَّخه عليه، يأتي وهو غير موجود - في الليل- ويوسِّخه.
ثالث يوم تعب، جاء بالفأس أو السيف ووضعه عنده، قال: اسمع، إذا جاءك أحد ليؤذيك، دافع عن نفسك، كل يوم أنظفك! هذا هو إلههم، جاء ووسَّخه، قال: إذا فيه خير كان يدافع عن نفسه! بدأ يرجع إلى عقله وأسلم بعد ذلك.
كلام فارغ، تعبد ماذا غير الله سبحانه وتعالى؟ لا إله إلا هو، لا شمس ولا قمر ولا صنم ولا وثن ولا جني ولا إنسِ، كلهم مخلوقين، مخلوقين تحت قُدره من فوق، سبحانه العظيم الذي خلقهم، ولا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23))
قال: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22))، بموازينكم حتى أنتم، فكيف تتعاملون بهذا التعامل؟ أنتم على أي مبادئ؟ أنتم على أي فِكر؟!
راجعوا حسابكم، انظروا: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا)، مجرد أسماء، لا إله ولا رب ولا..، أسماء سمَّيتموها (أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ)، يعني لا تثبت عظمة ولا شرف ولا مكان لشيء إلا إذا الرحمن عظَّمها وشرَّفها. أما من رأسك أنت تصلِّح شيء، من أين تثبت له هذه؟!
من أين يثبت له شرف أو كرامة أو عظمه؟!
للرحمن شعائر؛ عظِّمها، ولا معبود إلا هو ولا إله غيره، لكن تُعظِّم ما عظَّم. وأمَّا هذه لا تُعظِّمها ولا تعبدها، لا هي من شعائر الله ولا هي تستحق العبادة من دون الله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، يقول: (مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ)، ما أعطى فيها من حُجَّة أو برهان ،ولا علم ولا أمر من عنده..
(وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23)) جاءهم الطريق القويم المستقيم، والصراط الثابت القويم، وجاءهم النور، (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) [المائدة:15-16] ويخرجهم..
(سُبُلَ السَّلَامِ): في حُكم رسول الله، تُمنِّي نفس واحد من أتباعه فتكذب على يهودي مُخالف من عداوته، فينزل الحُكم من الله للانتصاف لهذا اليهودي وإعطائه حقِّه. فالسلام السلام هنا، لا إله إلا الله، أمَّن حتى الحيوانات التي لم يأذن الله بذبحها ولا أذن بقتلها، قال: لا تقتلوها. هي حيوانات إلا ما أباحت لكم الألوهية والربوبية قَتْلهُ أو ذَبْحهُ لمصالحكم، نعمةً مِنهُ عليكم فنَعم، وإلا وهذا الذي تذبحون إذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة -لا تؤذيها-، أختر أحسن سكين حاد، ولا تذبحوا واحدة أمام الأخرى، “وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”. الله الله الله الله، السلام هنا.
ويأتي أمام المُحاربين المُقاتلين الصَّادين المُعاندين يقول: "لا تمثِّلوا بأحد، لا تقتلوا امرأة، لا تقتلوا طفلًا، لا تقتلوا مُدْبِرًا مُوليًا" -ذهب أتركه يذهب-. ما هذا؟! أسرتم؛ أحسنوا إلى الأسرى. قتلتم؛ لا تُمثِّلوا بالقتلى، رأيت السلام أين؟!
(يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ)؛ والآن كيف؟ حتى طريقة القتل يتركون؛ رِجل هنا، ويد هنا، ورأس هنا، هو هذا الآن واقع، هل هذا التطور؟ هذا التقدم؟! لا إله إلا الله. لكن (سُبُلَ السَّلَامِ) عند محمد وأصحابهُ الذين اهتدوا بهديه.
في حُكم الإسلام في مصر، أيام كان المسلمون فيها أقلِّية، في عهد الصحابة، كان المسلمون أقلِّية، بعد ذلك كثر الإسلام وانتشر، الحمدلله صارت من أعظم بلاد العالم إسلامًا وكث مسلمين. لكن مر القرن الأول والثاني والمسلمون أقلِّية في مصر.
وفي أيام كان المسلمون أقلِّية والحكم لهم، يضرب ابن أميرهم لطمةً في وجه واحد من كفارهم، فيجد الإنقاذ من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ويأمر ابن هذا القبطي أن يضرب ابن الأمير -أمير المسلمين في مصر-، قال: اضربه كما ضربك. -رأيت (سُبُلَ السَّلَامِ) أين؟!- وقال له: وأدِر بالسيف فوق رأس والد -عمر بن العاص- قال: ما فعلتَ أنا يا أمير المؤمنين، أنا ما امرته، قال: ما فعل هذا الولد إلاَّ مُستنِد لإمارتك -لو أنت ربَّيته صح لن يصلِّح كذا، أنت ماربَّيت ولدك، انت مستند لإمارتك، وقام يقول لولد القبطي: خذها وأنا ابن الأكرمين-،. ألطمهُ وقل له: خذها وأنت ابن الأكرمين، ومُر بالسيف فوق رأس عمر -الأمير-.
الآن ارجع للحُكم. كان من حين استخلفه يقول له: اعلم إنما هم أحد اثنين، إمَّا أخوك في الدين، وإمَّا نظيرك في الخلق. لكن أكثر الرعية لم يكونوا مسلمين، قال: نظيرك في الخلق: آدمي مثلك -إنسان-، وإما نظيرك في الخلق، واعلم أني جعلتك عليهم وأنا فوقك، والله فوقي وفوقك، -يقول له سيدنا عمر-، هذهِ سُبُلَ السَّلَامِ عرفناها من محلَّها ومن أصلها، (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [المائدة:16].
(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ) هذهِ الآلهة، غير الله تعالى أسماء (سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23))، وأنْعِم بالهدى جاءنا من ربنا.
واستقبلتنا أول جمعة من جُمَع العشر الأواخر في أول يوم مِنه، وستأتينا جُمعةٌ أخرى إيضًا في خواتيم هذا الشهر الكريم، وياليت الشهر يبقى، وما لنا سبيل إلى إبقاء ساعة من ساعاته، ولكنها ساعات مُنقضية، يفوز فيها الفائز، ويربح فيها الرابح، ويخسر الخاسر، ويندم النادم. والله لا يجعل فينا نادمًا ولا خاسرًا، اجعلنا رابحين لهذه الليالي وهذه الأيام، وما فيها من جود الله ذي الجلال والإكرام، وفضله في الخاص وفي العام.
اللهم لا تحرِمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، توجَّهنا إليك بجمعنا أن تبارك في جُمعتنا هذهِ، في يومنا هذا، وتجعلها من أبرك الجُمَع للمسلمين، وأن تبارك لنا في العشر الأواخر، تبارك لنا في ساعات الإجابة، وتجعلنا من المُستجاب لهم ومن الذين يدعونك خوفًا وطمعًا، خاضعين خاشعين، موقِنين أن لا إله سواك ولا رب غيرك، واثقين بك، مُعتمدين عليك، مُستندين إليك، مُتهيَّئين للقائك.
اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، زِدنا إيمانًا ويقينًا وصدقًا وهدايةً واقتداءً بمحمد ﷺ، واتباعًا لما جاء به، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به، واجعل هوانا تبعًا لما جاء به، وحققنا بحقائق الاقتداء والاهتداء ظاهرًا وباطنًا، حتى تصطفينا مع من اصطفيت في المُصطفين الأخيار، وأهلينا وأولادنا وطُلاَّبنا وأحبابنا وأصحابنا وجيراننا وذوي الحقوق علينا، وانظر إلى أمَّتهِ ﷺ نظرةً ترفع البلايا بها عنهم، وتكشف الرزايا عنهم وعن أوساطهم، وتحوِّل الأحوال إلى أحسنها، تجمعهم بعد الشتات وتُثبِّتهم أكمل الثبات.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 رَمضان 1443