(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة النجم، من قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى}، الآية: 19، إلى قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}، الآية:28.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ (25) ۞ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ (26)إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28))
الحمدُ للهِ مكرمنا بالوحي والتنزيل، وبيانهِ على لسانِ أكرمِ داعٍ وخير معلمٍ و دليل، الهادي إلى سواءِ السبيل، عبدالله المصطفى محمد بن عبد الله ختم النبوةِ والرسالة، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليهِ وعلى آلهِ الأطهار وأصحابهِ الأخيار الذين استبانوا الحق بما كان له من دلالة، وعلى من تبعهم بإحسان، ووالاهم من أجلِ اللهِ سبحانهُ وتعالى ففاز بالإقبال من الله سبحانهُ وتعالى بعد أن صدق إقباله، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين مركز جودِ الله و إفضاله، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكةِ المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإننا في نعمةِ تأمُلنا لكلامِ ربنا جلّ جلاله. مضينا على آياتٍ في سورةِ النَّجمِ، وذكرنا قول الحقِّ تعالى وهو عظيمُ القُدرة باهرُ الآيات يقول: ما شأن الذين يعبدون غيري؟ ماذا وجدوا في غيري؟ ماذا حصَّلوا عند غيري؟ كيف ساغ لهم أن يعبدوا غيري، وأي شيء غيري بادٍ عليه الضعف والعجز والنقص، وأنا صاحب القوة والقدرة والآيات والخالق البارئ؟
تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21))
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21)):
حتى أرسل النبي بعد فتح مكة سيدنا خالد بن الوليد لأجل أن يهدم الْعُزَّىٰ، فذهب فقطع السمر والأشجار وهدم المبنى ورجع. فقال له النبي: ما صنعت؟ فقال كذا. قال: لم تصنع شيئًا، ارجع خذها من أصولها. فلما عادوا وأخذوها، وجدوا السدنة الذين يقومون عليها من الجن ففروا نحو الجبل لما رأوا خالد مقبلًا، وبحث فإذا بها تخرج له هذه الشيطانة الجنية، إمراءة تولول وتصيح، فعلاها بسيفه فقتلها، فعاد، فأخبر النبي، قال: هذه (الْعُزَّىٰ) قتلتها، والآن لن تُعبد أبدًا، لا إله إلا الله.
وهي التي افتخر بها أبوسفيان:
وكل الآلهة هي أسماء سموها هم من عندهم وما لها أصل ولا حقيقة. فاعتز بها أبو سفيان في أُحد قبل الإسلام يقول: "إن لنا العزَّى ولا عُزَّى لكم". قال لهم النبي: أجيبوا. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا له "الله مولانا ولا مولى لكم".
تفسير قوله تعالى: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22))
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22)) يعني غريبين أنتم في أفكاركم وأطواركم، تتخلون في أنفسكم عن البنات وتقتلونهن وتنسبونهن إلى الله وتقولون هذه آلهة! وتقولون عن الملائكة بنات الله! (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ (22)). أنتم لا تعرفون كيف تفكرون وما تشعرون بأنفسكم.
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23))
يقول: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم) وانتحلتموها أنتم وآباؤكم. يقولون: آباؤنا الذين سموها من قبل! لارتضائكم بعدما جاء بشيءٍ لا حجة فيه ولا برهان، فجاء الذي بعده يسمي بنفس الاسم فكأنه الذي سمَّى؛ لأنه لا يُتبع الذي لا حجة له ولا برهان ولا دليل، فأنتم مثلهم.
وهكذا كما قال لليهود: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ)؟ اليهود الذين في وقت النبي، لا يوجد نبي في وقتهم، آباؤهم قَتلُوا، لكن عندما نشأوا في نفس نهج آبائهم وارتضوا ذلك، كأنهم هم الذين قَتلُوا لأنهم رضوا بفعلهم، انتهجوا نهجهم، (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [البقرة:91].
يقول: (مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) يعني ما أنزل معها من سلطان، من حجة ولا برهان ولا دليل. (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) والظنُّ هاهُنا -كما أشرنا- يراد به:
ليس المراد هنا بالظن هذا الظن الاصطلاحي، ولا استعمال الظن بمعنى العلم، ولكن مجرد الوهمِ والخيالِ الذي لا أصل له ولا حقيقة، (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [يونس:36] كما قال جل جلاله وتعالى في علاه: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ).
لأن الظنَّ يخالف العلم:
والجهل المركب أصعب واشد من الجهل البسيط؛ لأن صاحب الجهل البسيط تُعَلِّمه ويتعلم، لكن هذا عنده تصور أن المسألة كذا أبدًا بالعكس بالغلط على غير الواقع، يحتاج لمحاولة حتى تقنعه ويرجع أن يتصور الأمر على غير ما هو عليه.
وهكذا بُعثَ الأنبياء بالعلم، بالحقيقة، و زاولوا معالجة أهل الجهل البسيط وأهل الجهل المركب، وأخذوا يحاورونهم ليردوهم إلى الحقيقة.
إذًا فالعلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع. إذا كان كذلك، فالعلم يكون ثابتًا ومستقرًا وواحدا. بذلك تعلم لعب الناس في الألفاظ ووضعها في غير موضعها، وجاءوا إلى العلم نفسه في العصور المتأخرة وأرادوا به فيما قام من اتجاهات وحركة في العالم لمضادة الأديان، كل الأديان أو الدين من حيث هو، وسموا التخلي عن الدين ثم أخذ إحدى الفكرتين الشرقية أو الغربية؛ هو العلم!
يقولون للإنسان عِلمي إذا اتبع بعض مفكري الغرب أو بعض مفكري الشرق:
لكن الكل يسمونه علم! وكيف يكون علم ويتناقض؟
وإنما العلم إدراك الأمر على ما هو عليه في الواقع، وهذا العلم بكمالهِ وإحاطتهِ هو في الحقيقة للخالق الذي خلق كل شيء، ولكن يؤتي هذا العلم من يشاء يقول: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255].
ونحن الذين نمثل العُقْلَاء على ظهر الأرض؛ الإنس والجن والملائكة، نعْلم أننا كنا على غير علم، بل كنا: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الأنسان:1]. ليس له وجود أصلًا، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]؛ لعلّكم تحسنون استعمال السمع والبصر والفؤاد فتعلمون العلم الصحيح، وتهتدون إلى أن لكم خالقًا خلقكم لتعبدوه، ورتب على عبادتهِ نعيم الأبد، وعلى مخالفتهِ عذاب الأبد.
هذه حقيقة لا يمكن أن تتغير سواء في أيام آدم أو في القرن الحادي والعشرين الميلادي، أو قبله أو بعده، هذهِ حقيقة، العلم علم، واقع لا يتغير أصلًا هو كذلك. أنكرت ما أنكرت، صدقت ما صدقت، آمنت كفرت، الواقع هو الواقع، هذا هو العلم، الله أكبر.
لذا أصناف الكفار بعضهم كان يتبجح انه عبقري وأنه متتطور، وفي الآخرة عندما تنكشف الحقائق يقول: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك:10]، كيف إنك أنت العبقري الفيلسوف المخترع الكبير، لاتسمع ولا ولا تعقل؟! ماسمِع ولا عقِل.
كل الذي انتهى اليه، وجده لا ينفق في سوق الواقع، لا ينفق في سوق الآخرة؛ لا ينفع، لا إله إلا الله. قال الله لسيد أهل العلم به: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد:19]، ولا أحد أعلم بهذه الحقيقة في الخلق من محمد حبيب الحق، لا إله إلا الله.
وبذلك كان يقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد، أنعِم بك من عبد، صلى الله عليك يا عبده المصطفى المختار، ومن عرف العبودية مثلك، ومن أشرقت عليه أنوار الربوبية مثلك؟
فأنت العبد حقيقة، والعباد في عبوديتهم في ظل عبوديتك لله، وعبديتك له -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. وقال: إنما أنا عبدالله ورسوله، فقولوا عبدالله ورسوله.
أمَّا هذا الظن الذي يتبعه هؤلاء الذين يعبدون غير الله كائنًا ما كان، سواءً على صورةِ الأصنام أو أي شيء آخر؛ شمس، قمر أو أي شيء آخر، ومنه هذا التقليب للحقائق وتسمية الشيء بعلم وغير علم، فأي شيء يُنصب مقابل ما تعرَّف الله به إلى خلقه، ونزَّل عليهم، وبعث به رسله؟ إن كان صنما أو طاغوت، أي شيء كان؛ (وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران:62]، (وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) [المائدة:73].
يقول جلَّ جلاله:
فما بالهم لا يقبلون الهدى، ويُقبلون على هذا الباطل؟
والأمر الحتمي: (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:37-41].
سألناك أن تجعلنا وجميع الحاضرين والسامعين ووالدينا ممن خافك واتقاك، خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، واجعل الجنة مأوانا أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (24))
(أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (24))؟ استفهام بغاية الإنكار، هل يقع للإنسان الذي يتمناه؟! (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة:36] من تمنى شيء وقال..، لو تمنى أن يكون نبيًا هل يتحقق له ذلك؟! والذي يتمنى أن الآلهة هذهِ تشفع له، هل تشفع له؟! من أين تشفع له؟ هل لها مكانة عند الإله؟! هل أذن الله لها أن تشفع؟!.
أنتم في حياتكم كثير من الأمور الحسية تتمنونها، ولا تقدرون عليها، فكيف تحكمون في الأمور المعنوية إنكم تتمنون شيء فتكون بيدكم؟ مجانين أنتم، أو أنتم لا تدركون؟! ما عندكم عقول؟ شغِّل عقلك! المصيبة هو سوء استعمال العقل، هو الذي أوقعهم في المهاوي، والذي أوقعهم في الإلحاد، والذي أوقعهم في الكفر، والذي أوقعهم في الظلم؛ سوء استعمال العقل. شغِّل عقلك وستهتدي.
أنت إنسان تتمنى أشياء كثيرة، فتأتي على غير امنيتك، وإن كنت ملك، وإن كنت رئيس، وإن كنت رئيس دولة عظمى، تجري الأمور بما لا تريد، تتمنى أشياء ولا تتحقق لك في واقعك، فتقوم تُمنِّي نفسك بأماني في أشياء معنوية أو أخروية وتقول هذه هي! لم يقع لك الذي تتمنى في الحس وفي الظاهر، فهل يتحقق لك في المعنى أو في الآخرة؟ يا مجنون! ليس للإنسان ما تمنى، الإنسان مخلوق فوقه خالق، يكون حُكم الخالق، ليس الذي يتمناه هو، (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) [النساء:123]؛
والخلاصة أن أهل الضلال بأصنافهم يجعلون لهم أماني يحكمون أنها واقعة، بمجرد أنهم تمنوها، يا مجانين! هناك أشياء كثيرة تمنيتموها وما وقعت، ليس الأمر كذا، شغِّل عقلك، حرِّك هذا العقل في الطريق الصحيح، أترك الملابسات والتلبيسات والمغالطات، تخدع نفسك؟١ تغرُّ نفسك؟! الحقيقة غير الأماني.
تفسير قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ (25))
(أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ (25))، الذي خلق الدنيا والآخرة هو، و رب السماوات والأرض هو، ولا أحد منهم خلق شيئاً فيها، فكيف يترككم تعبدون غيره؟ وتقصدون سواه؟ ثم لا يقدر عليكم أو لا يعاقبكم؟ هو مالك الدنيا ومالك الآخرة، ملكه أصلًا ملكه، (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ (25))؛ (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) [الاحقاف:4].
نحن نريد أن نعرف؛ هذا التطور، هذا العلم، هذه الثقافات، خلقتْ أي قطعة من قطع الأرض؟ أي جزء؟ أي قارات الأرض أوجدتها هي؟! لا أوجدت نفسها ولا أوجدت الأرض.(مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) [الكهف:51].
إذًا الذي خلق الأرض هو غيرهم، ولماذا ينازعوننا على ظهر الأرض؟ ويريدوننا أن نتبعهم وننسى خالق الأرض؟! هم لم يخلقوا شيئًا في الأرض ولا خلقوا أنفسهم، لهم خالق ولكنهم يتبجحون، ويريدون أنفسهم هم…؟ هم مخلوقون، هم عباد.
يقول تعالى: (أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (24))؟ هل تمشي الأمور على أمنية هذا الإنسان؟ كم يتمنى الإنسان ويقع غير ما تمنى؟ إذًا هناك حاكم يحكم، ومقدِّر يقدِّر، إسطلح معه، لكي تتمنى أمنيات صحيحة، تسلك طريق استعمال الوسائل الصحيحة للوصول إليها فيعطيك إياها، سبحانه وتعالى.
يقول جلَّ جلاله -في الحديث القدسي-:
هذه المعاملة الحسنة من قِبَل الرب، فلا يهلك على الله إلا هالك. أقام صنم هواه، و إلَّا نفسه، وإلَّا فكرهُ المسكين، ويريد أن ينازع الإله. لو عرف قدر نفسه وأحسن استعمال عقله لكان خيرًا له.
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) [سبإ:46]. أين الجنون الذي عند هذا الإنسان؟ عظيم الأخلاق، صادق، أمين، أين الجنون الذي عنده؟! أين هذا الجنون؟! مَن أين دخل عليه الجنون؟ كيف يتصرَّف؟ كيف يتحرَّك؟ كيف يمشي؟ كيف يأكل؟ كيف يشرب؟! من أين الجنون؟ أين الجنون الذي فيه؟
(مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مبين) [سبإ:46]. (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:185]. ما لهم لا يحسنون استعمال الآلة التي أعطيناهم إياها؟ وهي العقل، لم يحسنوا استعمالها، أساءوا استخدامها، فتخبطوا.
والحق أرسل لهم الرسول يقول: قوِّم الآلة، أنظر الى الجهاز، كذا يمشي فيأتي لك بالنتيجة الصحيحة، دَع الفيروسات التي تلعب بذاكرة كمبيوتر كامل، يتلف فلا يبقى شي، بعد ذلك يصبح معكَّس مُنكَّس، وهذه الفيروسات تدخل على العقول وهذه الافكار تُخَبِّطها.
يقول:
فقد تحدَّث عن الأجنَّة، تحدث عن السماء، تحدث عن الأرض، تحدث عن الجبال، تحدث عن البحار، أي واحدة من كلماته خالفت الواقع؟
نحن البشر في الأرض متى عرفنا خبر الأجنَّة؟ وأنها نطفة؟ بعد ذلك علقة، بعد ذلك تتحول الى عظام، ثم العظام تُكسى لحم؟! متى علمنا بهذا في العالم الحسي من غير وحي الله؟ من غير محمد؟ علمناه في القرن هذا، وفي القرون السابقة، من قال لمحمد بهذا الكلام؟ لا آلات ولا أجهزة! من جاء بالخبر محمد؟.
وبعد ذلك يعيّنها ويفصلها ويحددها؛ أنها أربعين يومًا نطفة، ثم تكون علقة مثل ذلك -بالتحديد- هل هو دخل وسط البطون.. من علمه هذا؟ من أين جاء بالخبر؟ إذن فلماذا تُكذِّب؟ وما الذي يدعوك للتكذيب؟ هذه آية أمام عينك؟ ظاهرة بارزة، وكل ما تحدث به يكون هو الحق، يكون هو الصدق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ سيكون كذا، سيكون كذا، يخرج بعدي كذا، وكله واقع واقع واقع واقع. من أين جاء بالخبر هذا؟
هذه علامات الصدق، أين الحجج التي معك أنت فيما تدّعيه؟ وأين علامات الصدق فيها؟ وكم في عالم السياسة، في عالم الهندسة، في عالم الطب، كم دخلت التواءات وكذبات على الناس، بعد أربعين سنة، خمسين سنة، ثم يقولون؛ لا هذه غلط، والذي يقول نحن كذبنا عليهم، لأن هذه المسألة كانت كذا، وإن الظرف كان كذا والشركة هذه حصلت كذا وهذه أتت بكذا، فقلنا كذا! ويخالف الواقع، أما تسمعونهم؟ أما ترونهم يقولون هكذا؟ أين علامات صدقهم؟
محمد كل علامة صدقه موجود، بل حوادثهم وأعمالهم هي أنبأ بها فهي علامات صدقه. فكيف يُكذب الأمين؟ كيف يُصدق الخؤون؟ يا محول الأحوال حول حالنا والمسلمين إلى أحسن حال.
تفسير قوله تعالى: (۞ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ (26))
(أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىٰ (25))، يقول الله حتى صنف المقربين عندي الذي أُذِن لهم في الشفاعة، لا يشفعون من تلقاء أنفسهم، ولا بغير إرادته -تعالى- ولا من دون إذنه، ولا يشفعون لمن لا أقبل فيه شفاعة من مشرك وكافر؛ (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا):
وكيف تدَّعون الشفاعة للأصنام التي لكم؟ تقولون إنها تشفع لكم؟ تشفع لكم عند من؟ من الذي فتح لهم باب الشفاعة؟ ومن الذي أعطاها الشفاعة؟
الشفاعة أن يقبل هو من شاء، ومن أذن له في شفاعة، هذهِ الشفاعة خصَّ بها؛
هؤلاء هم الذين يشفعون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. رأسها عند أول شافع وأول مُشَفَّع؛ محمد ﷺ، بإذن ربه، بإذن ربه حدثنا بذلك.
أخبرنا عن عجيب الإذن من الخلاق، قال عن المقام المحمود: "يذهبون إلى آدم فيعتذر، يذهبون إلى نوح فيعتذر، يذهبون إلى إبراهيم فيعتذر، يذهبون إلى موسى فيعتذر، يذهبون إلى عيسى فيعتذر، ويأتون إليَّ، فأقول: أنا لها".
أنظر الى عجائب الأذن هذه التي أشار إليها الرحمن، قال: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبإ:38]، هذا هو الذي يقول؛ أنا لها، هو الذي يتكلم فقط، أنظر الى مكانته عند الله، هو عبد، لكنه مكرَّم على الله، محبوب، عنده مكانته. "أنا لها"، (عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الأسراء:79] يحمده الأولون والآخرون.
يا رب ارزقنا معرفة قدر نبيك، من خيرك الذي تعطيه عبادك. أمَّا معرفة حقيقة القدر، لا أحد يعرفه إلا ربه، لكن وهب العباد، وهب الملائكة، وهب النبيين، وهب المؤمنين نصيبًا من معرفة قدر هذا العبد المحبوب.
يُروى أن سيدنا أويس القرني، يقول لسيدنا عمر وسيدنا علي: ما عرفتما من رسول الله إلا الظل. قال: إيه والله ما عرفنا منه إلا ظله. عمر وعلي مِن أعلم الناس برسول الله ﷺ، سبحان الله الذي اختصه بما اختصهُ به.
وأعلمُ الناس بهِ الأنبياء، الأنبياء هم أعلم به من غيرهم، لأنهم شاركوه في النبوة، في الرسالة، فهم أعرف بقدرِ محمد. ولذا جاءنا في الخبر عن سيدنا عيسى ونزوله الأرض: "وليأتينّ، فليقفنّ على قبري"، لماذا يأتي عيسى إلى هذا المكان؟ لأنه يعرف قدر محمد "فليسلمنّ عليّ، ولأردنّ عليه السلام".ﷺ وعلى عيسى وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
فأعرف الخلق بقدر النبي ومكان النبي هم الأنبياء والرسل. بعدهم الصِّدِّيقون، على قدر مراتبهم في القرب من الله يعرفون قدر هذا الأقرب، على قدر طيبتهم يعرفون قدر هذا الأطيب، على قدر معرفتهم يعرفون قدر هذا الأعرف، على قدر شرفهم يعرفون قدر هذا الأشرف، على قدر نقائهم يعرفون قدر هذا الأنقى، على قدر تقواهم يعرفون قدر هذا الأتقى ﷺ.
يقول: (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ)، قال: هم يشفعون لكن بإذني، ليست الشفاعة بأن تنصبوا لكم أصناما وتقولوا شفعاؤنا عند الله؟!
ليست المسألة لعب، ولا أماني أحد، وأنا أعفُ أذا شئت، وأغفر أذا شئت، وأعذِّب أذا شئت، الربوبية لي، والألوهية لي أفعل ما أشاء، لكن الميزان هذا لكم أنتم، ليس لكم غيره، ولا أحد منكم يستطيع أن يقلب شيئ فيه أو يبدِّله، لا إله إلا الله.
(إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ (26)):
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27))
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27))، تسمية الملائكة إناث، أمر فظيع، لا يقدم عليه إلا من كذب بالآخرة أصلًا.
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)، هم الدين يسمُّون ويتجرأون على هذا الكلام؛ (لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27))، هم أنوار مجردة خلقها الله لا ذكور ولا إناث، عباد مخلوقون، كوّن أجسامهم من نور. إذا جاء شخص يجادلك ويقول لك: هذا السراج الذي عندك، النور الذي فيه، هل هو ذكر أو أنثى؟ ستقول له؛ هل هناك مستشفى مصحة مجانين انقلك إليها؟ لا تتعلق بهذه الذكورة أو الأنوثة؟ هذا نور، والملائكة نور لا ذكور ولا إناث، مجرد نور محض خالص، أجسام نورانية خلقها الله من نور، لا يأكلون ولا يشربون. ولا ينامون
يقيم لنا سبحانه وتعالى أيضًا الحجة، أنه لما كونتكم بهذه الصورة، ومحتاجين إلى أكل وشرب وما إلى ذلك، إنما هو بتقديري وتكوين من عندي، ولو شئت لكونتكم تكوينًا وجعلتكم أجسامًا لا تحتاجون إلى طعام، هذا ممكن، لا تحتاجون إلى شراب ممكن، فلا تستغرب، وأعطيكم في الدنيا طعام وشراب، ولكن له مآلات، ويخرج بعد ذلك منكم أوساخ.
لكني سأكوِّنكم تكويناً آخرا، سأعطيكم في الجنة مآكل ومشارب ليس لها أوساخ، ممكن أو غير ممكن؟ كله ممكن، قدُرة؛ يقول للشيء كن فيكون، جلَّ جلاله، الله أكبر لا إله إلا هو، ويُنشئهم نشأة أخرى.
تفسير قوله تعالى: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28))
يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ)، ما لهم بهذا الادِّعاء والزعم، من أين اتيتم بهذا؟ أنتم شهدتم الملائكة؟ أنتم خلقتموهم؟ جلستوا معهم؟ ورأيتموهم عند الخلق؟ لا إله إلا الله، أو طلب أحد منكم أن يتزوج على أحد منهم؟ أين هي حجَّتكم؟ من أين أتيتم بهذه الفكرة؟ (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)، ماهي إلا أوهام وخيالات، (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)). لا يغيِّر شيئًا من الواقع، لا تقوم به حجة، ليس بعلم، ليس بشيء، فلا إحتجاج به (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)).
كما تأتينا إن شاء الله معاني الآيات البديعات، وسبحان الذي تنزل إلينا فكلمنا وخاطبنا جلَّ جلاله، وأنار لنا السبيل، ووضَّح لنا الحقائق. نعمْ من خالقٍ كريم رحيم. وارزقنا حسن الإنصات والإصغاء، ولا يفيد اليقين شيء مثل الاستماع والإنصات لكلام الله وتدبره وتأمله، فهو أقوى ما يُورث اليقين في القلب والإيمان والإخلاص.
اللهم ارزقنا كمال الإيمان وارزقنا كمال اليقين، ولا ينتهي بنا رمضان إلا ونحن في ذروة من الإيمان بك واليقين بما أنزلت على نبيك، وارفعنا مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين برحمتك يا أرحم الراحمين. وفرج كروب المسلمين وادفع البلاء عنا وعن المؤمنين، واختم لنا باكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 رَمضان 1443