(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة النجم، من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى }، الآية: 27، إلى قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}، الآية:32.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ (30) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32))
الحمدُ للهِ مُكرِمنا بالقرآن والتنزيلِ، والبيانِ والتفصيل، على لسانِ خيرِ هادٍ ومعلمٍ ودليل، أهلِ التكريمِ والتشريفِ والتبجيلِ والتفضيل، سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه في الله، واجتهد أن يتخلق بأخلاقهِ ويتأدب بآدابه، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين ساداتِ أهلِ قربِ الله وأحبابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكةِ المقربين وجميعِ عباد الله الصالحين، وعلينا معهم فيهم، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،،
فإننا في نعمة تأمُلِنا لكلامِ إلهنا وخالقنا ربنا، رب كل شيء، العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، من بيدهِ ملكوتُ كل شيء سبحانه وتعالى. مررنا على تأملِ الآياتِ في سورةِ النَّجمِ، ومررنا على قوله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16)). غفلنا: ما الذي يغشى السدرة؟ وأن سدرة المنتهى هي:
سدرةُ المنتهى قال الحقَّ:
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28))
ومررنا على الآياتِ بعدها حتى انتهينا إلى قولهِ جلَّ جلاله: (إنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَىٰ (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)).
وقلنا الفرقُ بين العلم والظَّن:
وكان هؤلاء الذين ظهروا في عالمنا بشيء من هذه الأجهزة، وبعض الاكتشافات في العالم المادي، طغوا على عقول البشر، وصاروا كأرباب وآلهة عند بعض المسلمين للأسف! وليس لديهم شيء إلا ما علَّمهم الله من هذه الشؤون؛ لعدم مكانتها عنده، مَكَّنَ منها أعداءه، ومكَّن منها مَن لا يؤمن به؛ لأنها ليس لها حقيقة كرامة ومنزلة بحد ذاتها، ولكن هكذا النفوسُ البشرية، كلما جاء لها أحد بشيء مستغرب، يختلف عن مألوفهِ وعادتهِ أكبرتْهُ وبجَّلتهُ، وإن كان أمرًا حقيرا.
ولذلك يأتي الكثير -حتى من الكذابين والدجالين- يقوم ببعض الحركات ويظهر أشياء غير معتادة، يقولون: أوه! هذا عجيب! هذا عظيم! حتى وصل بهم أن يصدِّقوه في شيء كذِب، يقوم بشيء من الحركات ويصدقونه ويقولون: الله! -لا حول ولا قوة إلا بالله-.
فهذا الحال الذي وقعتْ فيه الأمة غريب، وكان الأَولى بأولي العقول من المؤمنين، إن كان انبهار بعلم، فما حملهُ الأنبياء:
ما نظيرها من العلوم؟ ما الذي يقارنها ويقاربها من العلوم الأخرى من المعلومات؟ خذ لك مئة معلومة؛ عن بحر، عن شجرة، عن كمبيوتر... وبعد ذلك أين تصل بها؟ ما الذي ترفع من شأنك؟
يمكن أن يدركها إبليس الملعون المطرود، فهل تنفعهُ؟ وهل تخلِّصهُ من لعنة ربه؟ وهل تمنعهُ من دخول النار؟
فيا أيُها المؤمنون أقيموا الميزان، لا تطغوا في الميزان، لابد أن تعرفوا ما العظيمُ؟ وما ليس بعظيم؟ ما الكبيرُ وما ليس بكبير؟ ما النافعُ وما ليس بنافع؟ أقيموا الموازين في موضعها كما أقامها خالقكم، فالمرجعُ إليه جلَّ جلاله.
وقال عن هؤلاء: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)):
الله الله الله! (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) [القمر:48]. يقول: أنا كان عندي علم ذرة، أنا كان عندي علم كمبيوتر، أنا كنت مهندس كبير، لا تعذبونا، هل هذا ممكن؟! لن تنفع هذه الأشياء (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)).
مثل الأماني (أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ (24))؟ بماذا تنفعكم الأماني؟ لكم أثَرَة مِّنْ عِلْمٍ؟ هل هناك خبر من عند الخالق الذي بيده الأمر؟ الذي لا يُخلف وعده؟ والذي لا يكون إلا ما أراده؟ هل هناك خبر من عنده؟
قل لهم تمنوا يا معاشر أهل الشرق والغرب، وتصوروا وتخيلوا وظنوا ما شئتم لتزحزحوا وقوع هذا الأمر، فوعزَّةِ الذي خلقنا لن يكون إلا ما قُلنا، ليس الذي تظنونه، وليس الذي تتمنونه -والله العظيم- ونحن بذلك نتحدى بعزة وبكرامة؛ لأننا ما أقمنا الأمور على أوهام ولا على ظَّنون، نحن نعلم:
وما للدنيا اليوم أماني غير هذا؛ منهم من يقول: الإسلام قد انتهى، ولن تقوم له قائمة! وواحد يدَّعي الحرية يقول أنه سيحرق المصحف الكريم وكلام الله، وأنه سيعمل كذا ويعمل كذا. أين هذه الحرية التي يدَّعونها؟ لو قال أن دستور الدولة التي هو فيها، سيحرقه، لحرية الأديان ولحرية الفكر! هل يستطيع؟ إذًا ما مفهوم الحرية عندكم؟ يلعبون بالأديان، يلعبون بأمور الحق، -يقولون- نحن أهل نظام، أهل تقدم، دستورنا مُعظَّم، عجيب.
ودستور الخالق كيف؟! -سبحان الله- لعب! مسخرة وكلام فارغ! وملأوا الدنيا اليوم أماني، وملأوا الدنيا ظنون، ولن يكون منها إلا ما قد سبق في القضاء، ومنها ما أنبأنا عنهُ الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ سينزل عيسى بن مريم؛ فنحن نتكلم عن حق، نتكلم عن حقيقة، وسيحكم الأرض، وسيكون لنا ذلك، وبشريعة محمد بن عبد الله، وأنه رغمت أنوفهم، وإن أبَوا.
فقد قال الحق: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:8-9]، فليكره المشرك! لأن هذا يخالف أمنيته وظنه، وبعد هذا أنت إله أنت؟! أنت واحد من المخلوقين، كم خاب ظنك؛ في جسدك وفي بيتك كذا كذا مرة، وتريد أمام دين الله أن تعتمد على ظنون ما تخيب؟ أنت مجنون! مساكين لأن عقولهم أساءوا استخدامها، ما عرفوا يستخدمون العقل؛ فبئست الأماني وبئست الظنون، (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:73].
يقول الحقُّ جلَّ جلاله؛ يتكلمون على الملائكة ويسمونهم، يقول:
أنتم أين رأيتم الملائكة؟ متى فتشتموهم؟ متى شهدتم خلقهم؟ من أين جئتم بهذا الكلام؟ لماذا تقولونه هكذا؟ كما الذي يقول: "لا إله، إنما هي مادة!" مثل الذي يُلحد بنفسه، كيف أنكرت؟! وأنت وإنكارك من علامة عظمتهُ وعلامة وجوده، كيف أنكرت؟! أنت لا تستطيع أن تنكر أن للخاتم هذا صانع، وأي واحد يريد أن يقنعك أن هذا تكوَّن من نفسه، هكذا طبيعةً! طبيعة ماذا! مجنون! فتقول له: أنت مجنون.
تقول مجنون الذي يقول لك على خاتم أنه خلق نفسه؟! ثم تجي للسماوات والأرض وتقول تكونت وخلقت نفسها! إذًا أنت المجنون، إن كان ذاك مجنون، أنت ألف مجنون بيقين. أمر حقير كما هذا -القلم- قلت لا بد له من خالق ولا بد له من صانع، وجئت لهذا الكون العظيم قلت؛ ليس له صانع! من المجنون؟ يعتمدون على الظَّن، ليس لديهم أساس، ليس لديهم علم، ليس لديهم حقيقة، ظنون يكابرون بها:
لا يبعد العذاب، ولا يؤخر الحساب، ولا يطيل العمر، ولا يرد الموت، ولا يقلِّب الواقع. استمِر في الظَّن حتى تشبع، لا شيء سيتغير من الموازين الربانية والرجوع إلى الحق جلَّ جلاله.
تفسير قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29))
قال الحق لنبيه: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا)، من ابتليناهم بمصيبة سوء الاستخدام لما آتيناهم من سمعٍ وبصرٍ وعقل وقلب؛ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، من هم؟
(فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا):
(فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا)، ثم انحصر واقتصر في متاع الحياة الفانية، (ولَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29))، فهو محصور ومقصور في هذه الحياة الدنيا بما فيها من المعلومات والأجهزة والبحر والبر والفضاء والنجوم والكواكب واللباس والمساكن وما إلى ذلك؛ فهذا الذي لا يريد إلا الحياة الدنيا.
إنسان ضيَّع حقائق العلم الأنفع والشأن الأوسع، والمقام الأرفع، ورضي بهذا الذي بعينه يشاهد انقضاءه ونهايته وزواله وذهاب أهله! كم كانوا قبلك في الدنيا؟! وأرادوا الحياة الدنيا، فما بقيتْ لهم ولا بقوا فيها؟ وأنت الآن من أين جئت؟ بس هنا محصور! وهذا الكون ما هداك للمُكَوِّن العظيم، حاشاه ان يعبث، يخلقك ويخلق الكون كذا لكم، تعمل على كيفك ما ترونه، وانتهت المسألة! هذا لا يليق بصناعة ساعة، ولا صناعة كؤوس شاي، لا يليق بهذا العبث.
قُل لي بالله عليك، من يعقل؟
تفسير قوله تعالى: (ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ (30))
هؤلاء قال الله عنهم:
مع أن الحق فتح لهم باب معرفة ذلك، بتنزيلهِ الكتب وإرسالهِ الرسل، وبما مكَّنهم به من أسماعٍ وأبصارٍ وعقول:
فما أحسنُ النظر وما أحسنُ الفكر. (ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ) يقول الله: إن ربك خالقك وخالقهم وخالق كل شيء، هو أعلمُ (هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ (30))، وهذا الأعلم هو الذي يجازي.
تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31))
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) -إليه تكون النهاية والمصير- (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)):
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا) ومع ذلك إن كانت الإساءة غير الشرك والكفر؛ فقد يعفو ويصفح، (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31))..
الله أكبر. جازاهم بما عملوا؛ الذين أساءوا، وجاء الى عند المحسنين قال: أنا سأقابلكم بإحساني، أين سيصل عملكم هذا؟
والعابد الذي عبد الله في بني إسرائيل خمسمائة عام، وهو في عبادة مستمرة، لما حُوسِب على نعمة البصر انتهى مقدار عبادته كلها. قال: هل بقيت نعم أخرى، أين شُكرها؟ قالوا: يا ربنا فنيتْ أعمالهُ في نعمة البصر ولم تُستكمل بعد، بقت نِعم كثيرة عليه. قال: فخذوهُ إلى النار، قالوا: خذوه، فقال: يا رب أدخلني الجنة برحمتك.
قد قال له: ادخل الجنة برحمتي. قال: بل بعملي يا رب. رأى نفسه عنده عمل خمسمائة سنة! ولما وُضِع له الحساب عن خلايا عينهُ ونعمة بصره، ذهبت الخمسمائة سنة كلها، لا تساوي نعمة البصر، فبقت نعم كثيرة، أين جزاؤها؟ أين شكرها؟ ففزع الرجل لما حاسبوه وقالوا ادخلوه النار، قال: يا رب أدخلني الجنة برحمتك. يقول الله: أدخلوه الجنة برحمتي، ونِعم العبد عبدي. قام يمدحه، فله الحمد. (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، الفضل من عنده، له الحمد والمنة.
(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)) مادام أن له ما في السماوات والأرض، فالجزاء بيقين أنه قادر عليه، ولا أحد يرده، لا يقدر أحد أن يرده؛
ومن تلك الحسنى ما يرفع من الدرجات لمن اتبع آباء له صالحين، فمات على الايمان، بأن يُرفعه إلى درجاتهم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ) -في القراءة الأخرى: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ)- (ذُرِّيَّتُهُم) -وفي قراءة: (ذُرِّيَّاتِهِم)- (بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور:21]، إلى غير ذلك من أنواع التفضل والفضل والإحسان.
الإخوان في الله يرفع هذا إلى رتبة هذا، ليس بعمله، جزاؤه كبير وواسع بالإحسان منهُ سبحانهُ وتعالى، الله أكبر! (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأنعام:169].
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32))
( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ): أنواع الذنوب؛ الكبائر..
(اللَّمَمَ) وهي محل التكفير بأنواع الطاعات، (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود:114].
(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) ولولا ذلك ما نجا أحد! (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) حتى قال ﷺ: "لن يدخلَ أحدٌ منكمُ الجنَّة بعملِه قيل: ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلَّا أن يتغمَّدنِيَ اللَّهُ برحمةٍ منْهُ وفضلٍ" ﷺ، وهو سيد أهل الجنة، وله ولأجله خُلقت الجنة، خلقها الرحمن له، لهُ سبحانه وحده، لم يخلقه لأجل الجنة، ولكن خلق الجنة لأجله، ولم يخلقهُ إلا له وحده.
(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) له الحمد، وأنتم في شهر المغفرة، فالله يكرمنا بمغفرته الواسعة.
لكن هو محيط بها، هو عالم بها سبحانه وتعالى، وبعض الذين وسَّع لهم المغفرة، لما يقف بين يديه ينشر عليه كنفه، لا أحد يسمع، حتى الملائكة لا يسمعون، يقول: أتذكُر يوم كذا، يوم فعلت كذا؟ هاه؟! محا كل شيء من ذاكرته. ألم تغفر لي؟ يقول: "سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ادخل الجنة برحمتي، اذهب، فادخل الجنة برحمتي"، لا إله إلا الله
(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) جلّ جلاله وتعالى في عُلاه. والأعجب من ذلك:
وهذا لا يقدر عليه غيره، مهما غفر لك واحد، وَعفا عنك، سَامَح وجَاد، لكن لا يقدر أن يجي لنفس السيئة يبدلها حسنة! لا يقدر! السيئة قد بدت سيئة، فقط يقبل منك الاعتراف ويعفو عنك، لكن هذا يجيء لنفس السيئة ويبدلها الى حسنة؟! الله هو وحده يفعل ذلك؛ واسع المغفرة.
يغفر للشهيد، وهو الشهيد يغفر أيضًا، هؤلاء سبعين من أسرته، ماذا عملوا؟ ليسوا شهداء، لكن ربك واسع المغفرة.
لولا أن (رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) لن يحصل هذا، يحب هذا الواحد، ومن محبته له شفَّعَهُ في هذا كله، هو ليس نبي! فكيف شفاعة الأنبياء؟ فكيف سيد الأنبياء!؟
(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ..(32))، مِن سَعَتِهَِ في المغفرة يقول لبعض الذين غفر لهم، يقول للملائكة ذكّروه ببعض صغائر ذنوبه، يعرضون عليه بعض الصغائر، مكان كذا، يوم كذا. ويفزع ويخاف أنه هلك، فيقول له الملائكة إن هذه قد حَوَّلَهَا الله إلى حسنات. تحولت! قال ﷺ: "فيقول: باقي لي ذنوب أخرى!". في أول الأمر، فزع من ذكر الواحدة وخاف، ولما رأى معاملة الرب بهذه الصورة، قال: "لازال باقي عندي ذنوب أخرى!". فيقولون له: كل ذنوبك قد بدلها إلى حسنات. (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان:70]، جل الله! "لا يهلك على الله إلا هالك"؛ ويل للمعرضين، ويل للمدبرين، ويل للمسرفين، ويل للمؤثِرين الشهوات وآفات النفوس على القدوس الملك العظيم واسع المغفرة! ويل لهم ! وألا لا يهلك على الله إلا هالك.
يقول: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)، قالوا في معنى (اللَّمَمَ) النظرة من غير تعمُّد؛ لمم، فهي لا تحسب، (إِلَّا اللَّمَمَ).
(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)، من بداية تكوينكم، أيام كنتم في بطون أمهاتكم، (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)، لا تمدحوا ولا تمنوا على الله بشيء: عملنا وقلنا وفعلنا..
قال: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32))، (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)، يدري ماذا ستقولون وماذا ستعملون، ولو أمتع بالواحد منكم إلى أي عمر، يدري ماذا سيفعل به، فهو أدراه منكم، دعوا الاماني والكذب. (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32)). مَن الذي تحقق بالتقوى؟ هو يعلمه سبحانه وتعالى، وهو الذي يرفع الدرجات، الله الله الله! (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ).
ثم يذكر لنا الحقَّ سبحانه وتعالى عن قوم في عهده ﷺ وبعدهم أمثالهم على مدى العصور، تولوا ونازلهم ما نازلهم، فكان ما كان من جواب الحق عليهم. وتعليمًا، رحمةً وشفقةً منه بالخلق، يُبين هذا البيان سبحانه وتعالى، ويُنزل هذا القرآن فيه تبيان لكل شيء، ودواء من كل مرض.
اللهم اجعلنا من أعظم الخلق انتفاعًا بالقرآن، وارتفاعًا بالقرآن، وسماعًا إلى القرآن، وإنصاتًا للقرآن، وفهماً في القرآن، وعملًا بما في القرآن. يا كريم يا منان، يا أرحم الراحمين. أتمم علينا النعمة، وادفع عنا وعن الأمة كل نقمة، واكشف الغمة، واجل الظلمة، وبارك في الأيام القليلة الباقية من هذا الشهر. ما عاد معنا إلا أسبوع، يرحل عنا قهرًا. ولكن يفوز من يفوز، وللخير يحوز. الله يجعلنا من أوفى وأوفر عباده حظًا ونصيبًا من رحمتهِ ومغفرتهِ وعتقه، ومن جودهِ وإحسانهِ وعظيم امتنانه ظاهرًا وباطنًا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 رَمضان 1443