(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة النجم، من قوله تعالى:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}، الآية:32. إلى قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى}، الآية: 48 .
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ (33) وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ (34) أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41) وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ (48))
الحمدُ للهِ خالِقنا الذي أكرمنا بالقرآنِ وتنزيله وتبيينه على لسانِ عبدهِ وحبيبهِ ورسوله، سيدنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آلهِِ وأصحابه وأهل ولائه ومحبتهِ والمشي في سبيلهِ، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين، مركزُ تكريمِ اللهِ تبارك وتعالى وتفضيلهِ وتقديمهِ وتبجيله، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم، وعلى الملائكةِ المقرَّبين، وعلى جميعِ عبادِ الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،،
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32))
فإنَّنا في نِعمةِ تأمُّلنا لكلامِ إلهنا الحقّ القيوم، الخالق البارئ المصور، ربِ السماوات والأَرَضين جلّ جلاله، مررنا على أكثر آياتِ سورةِ النجم حتى انتهينا إلى قولهِ سُبحانه وتعالى:
فهو أعلم بكم وبما يعمل كلٌّ منكم، وبما يختار، وبقدرِه وبحاله، من حينما كوَّن أباكم آدم، وما يحمله صُلبهُ إلى أن تقومَ الساعة، هو أعلم بهم واحدًا واحدًا، وأدرى بما يكون منهم، وكذلك عندما تتكوَّن نطفةُ كلِّ واحد في بطنِ أمه ويحوِّلها الحق تعالى في تلك الأجنة، هو أعلم بهِ وبحالهِ وبشأنه.
فَكِلُوا الأمر لعلمِ الله، ولا تُبرئوا أنفسكم من المعايبِ، ولا تبرئوا أنفسكم مما تقعُ فيهِ من التقصيرِ، (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ). (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) ولا تبرئوها.
وقلنا إن كان بعض اليهود إذا مات لهم طفل قالوا هذا من الصدِّيقين، وهذا صدّيق، يقول: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32)) جلّ جلاله، ويُجازي كلاٌ بما يتناسبُ مع حالهِ وشأنهِ، وبما يفيضهُ عليه جلّ جلاله وتعالى في عُلاه.
(هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32))، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) [البقرة:197]، وإن كان عندك وصف حسن فهو يعلم به، وإن كان عندك فعل طيب فهو يعلم به، فهو الذي سيجازيك، ولا تشهد أنت استقلالك بالأمر، ولا تنسُب إلى نفسك الفضل والإحسان، (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17]، اللهم حقِّقنا بحقائق الإيمان ياذا المنة.
ولمَّا سأل سيدنا أبوبكر الصديق بعض أعيان القبائل وقال له: صف لنا نفسك، قال له: ما أنا بمزكٍّ نفسي، وقد نهاني الله (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)؛ فأعجب أبوبكر ذلك منه.
(فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) لا تمدحوها ولا تبرئوها من المعايب فهي محل العيوب ومحل النقص، وربكم أعلم بشؤونكم وحالكم منكم، فَكِلُوا الأمر إليه، واسألوه المنة والفضل والإحسان والتوفيق والقبول، قال: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32)).
تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ (33) وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ (34))
كما قال تبارك وتعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ (33) وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ (34) أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41) وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ (42)) إلى آخر الآيات.
يقول الله تعالى: أعْجَب من الذي يمشي في الحياةِ على مسلكٍ غير قويم، ولا صحيح، ويتَّخذهُ منهجًا، ويمضي عليه، بلا أساس ولا أصل، قال: اعْجَبْ مَثَلَ الذي تولَّى، أعرض، وترك سبيل الهدى والحق، (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ (33) وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا):
وفي ذلك جاء أن الوليد بن المغيرة أتَّبعَ النبي ﷺ فلقيهُ بعض المشركين وأعيان المشركين يقولون له: أنت تترك دين الأشياخ وتنسبهم بهذا، وتتبع هذا؟ وقال: إني خشيت عذاب ربي. قال له: تخشى العذاب؟ أعطني من مالك كذا كذا وأنا أتحمَّل عنك العذاب. فرجع -والعياذ بالله-؛ قال: فقط أنت أارجع إلى الشرك وأعطني من المال كذا، وأنا أتحمل عنك العذاب هذا الذي تخافه في الآخرة وفي القيامة، وهل المسألة كذا؟! من قال أنه سيتحمَّل، هل يتحمَّل؟! كما قال عنهم:
فهذا قال له هكذا؛ فرجع -والعياذ بالله-، وبعد ذلك المال الذي عيّنه له، أعطاه بعضه، يعني تنازع هو وإياه!
وهكذا جاء في شأن هذا الوليد، كذلك العاص بن وائل السهمي كان يوافق النبي في بعض الأشياء وينقطع في أمور أخرى ويُخالف، (وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ (34)). وكذلك كل من سلك مثل هذا السبيل أو صدَّق مثل هذا -واحد قال: أنا أتحمل عنك!- وبعد ذلك من هو ذا الذي قال لك؟ هو إله؟ ليس إله، طيب هو نبي يوحى إليه؟! كيف يعني يتحمل عنك، لعبة هي أو مسخرة!
كما تلاعب المنسبون إلى دينِ النصرانية، وأصدروا صكوك الغفران، وصلَّحوا شيء من هذا الكلام. الأمر أكبر من أن يكون ضحكة او لُعبة، الأمر؛ (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران:135] جلّ جلاله وتعالى في علاه! وما شرعه سببًا للغفران فهو سبب للغفران، وأمَّا ذا -يقول لك: أنا سأتحمل، أنا سأتحمل!- ويلٌ له، وماذا يقدر أن يحمل المسكين؟ ولكن يتحمَّل جرأتهُ هذه، وفسقهُ هذا، وتكبُّرهُ هذا، وإدِّعاءهُ هذا يتحمله، هو سيتحمله، وأمَّا ذنوب الآخرين لن يتحمَّل منها شيء، لا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ (35))
يقولُ: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ (33)) أعرض وأدبر، (وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ (34)) إنقطع، (أَعْطَىٰ قَلِيلًا) أمَّا من المال أو من الاستماع، ولكن انقطع. (أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ (35)) أطلعناه على أمر المُجازاة في الآخرة؛ وأنَّ هذا نعطيه كذا، وأننا نقبل كلام هذا، وأننا نقبل كلام هذا؟! سبحان الله، هل عندك وحي من الرحمن، خبر نبي من الأنبياء، أي أحد يقول لك أنا سأتحمل عنك، وتصدِّقه؟!
وهذا حاصل واقع في كثير من الناس، يجيء له صديقه، يجيء له صاحب ويقول له: لا عليك من كذا أنا معك. ويمشي معه، يترك واجب أو يفعل محرَّم، يقول له صديقه: لا عليك، لا عليك!
ماالذي لا عليك! لا عليّ من ماذا؟! وحي ربي وشرع ربي، كيف لا عليك؟! يعني أنت فوق الإله ستمنعه أو ستأمره؟ أو ماذا معك؟
فهذه مهازل وأضُحُوكات يجب يتنزَّه العاقل والمؤمن عنها في حياته، يمشي على بصيرة، يتَّبع من هو على بيِّنة من ربه، (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف:108]، يقول ﷺ. اللهم ارزقنا حُسْنَ اتباعه.
تفسير قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37))
يقولُ: (أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ (35)) ويشاهد ما سنحكُمُ به، وما نجازي به في الآخرة؟ (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37)) ما وصله النبأ منَّا فيما أنزلنا على أنبيائنا من قبل مثل؛ إبراهيم وموسى؟ (بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36)) ولمَّا كانت الصحف عند سيدنا موسى أكثر وأشهر، قدَّمه على سيدنا إبراهيم، وسيدنا إبراهيم قبله وأفضل منه، قال: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37)).
(وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ) في معنى أيضًا الكُدية التي ذكرناها (وَأَكْدَىٰ)، ما جاءنا في الحديث: في الخندق أن اعترضتهم كُدْيَة، وذلك أن النبي ﷺ لمَّا حدد لهم مكان الحفر للخندق وهو عمق تسعة أذرع، وعرض أربعين ذراعًا، فيه مضيقِ، الذي قفز منه على خيلهِ هذا -فرسه-، عمرو بن عبدود نحو ثلاثين ذراعًا قفزها، وعامته أربعين ذراعًا، وخط لهم النبي خطًا ليحفروا.
فاشتغل الصحابة بالحفر في بقعة واعترضتهم كُدْيَة (أَكْدَىٰ)، فالمعاول ما عملت شيء فيها، حتى قال بعضهم: تقدَّموا إلى هنا، ووقف الآخرون قالوا: هذا خط من عند مَن؟ كيف نتقدَّم أو نتأخَّر، النبي خط الخط هنا، لاشي إلا هذا، قالوا: توقفنا -ما نقدر-، قالوا: ارجعوا إليه، فجاء إليه بعضهم ﷺ: يا رسول الله اعترضتنا في حيث ما خططت لنا كُدْيَة، قال: إني نازل -أنا سأنزل لها-.
وخرج إليها ﷺ، ولما وصل ورأى الكُدْيَة، ضربوها مراراً وتكراراً ولم يؤثروا فيها، قال: ناولوني. أخذ واحدة، سمَّى الله وضرب، فإذا بثُلثها يتحول كثيبًا، برقت منها بارقة، والنبي كبَّر وقال: فُتحت لنا صنعاء، وضرب الثانية وبرقت بارقة، قال: هذه مدائن كسرى فُتحت، كبَّر وقال: مدائن كسرى. والثالثة وقال: قصور هرقل فُتحت. والمنافقون في الخندق يقولون؛ متعبين بأنفسنا وسط المدينة خائفين من القوم سيقتلوننا، وهذا أصبح يذكر هرقل وفارس، ويذكر صنعاء، متى سيكون؟! (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [الأحزاب:12]، ولكن المومنين. وتحول الثلث الثاني والثلث الثالث إلى كثيب، الكُدْيَة كلها انتهت؛ بيدي محمد ﷺ، ومشوا على نفس الخط ومضوا.
انظروا إلى أدب الصحابة، وعقول الصحابة، وإيمان الصحابة، كيف؟ ليست مسألة خندق، ويقول نقدم أو نؤخر، الخط هذا خطَّهُ رسول الله؛ نقف عنده، مشكلة اعترضتنا لا نقدر، أرجع إليه أنظر مالذي يقول، قال لك تقدَّم أوقال لك تأخر؟! ولمَّا رجعوا إليه؛ لا قال تقدَّموا أو تأخَّروا، قال: إني نازل -أنا سأنزل-. وجاء ﷺ وحدثت المعجزة العظيمة والكرامة.
وهكذا من امتثلوا، وامتلاؤا واقتدوا، تحدُث لهم الكرامات والمعجزات، ويحصل لهم الخيرات، والذي عظَّم عقله ونفسه وهواه، يذهب هو وعقله، ويرى أين سيصل؟ لا إله إلا الله.
يقول: (أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37))، (إِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ)، مالذي (وَفَّىٰ)؟
(وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37))، أكبر مظاهر وفائهُ في ثلاثة أشياء:
الأول: أُرِي في النوم أنه يذبح ابنه؛ هذا اختبار صعب، وابنه ما جاءه إلا وهو شايب -شيخ كبير-، فرح به، لا يكاد يصدِّق قدوم هذا الولد، بدأ يكبر الآن الولد؛ ولمَّا بلغ، قال له؛ إذهب اذبحه؟!
والثانية: عند دخولهِ النار، لمّا وضعوه في المنجنيق ليرموه، قال: حسبي الله ونعم الوكيل. فاعترضه سيدنا جبريل في التو واللحظة يقول له: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا -لقد قلت حسبي هو-. قال: فادْعهُ.
والثالثة: عندما ذُكر ﷺ أن إبراهيم كان يصلَّي في أول النهار أربع ركعات فيؤفِّي عبادته بهذه الأربع الركعات، وفي الخبر أيضًا أن الله قال: "ابن آدم صلِّ لي أربع ركعات من أول نهارك أكْفِكَ آخرها".
هذهِ مظاهر وفاء، وكل أموره وشؤونه قامت على الوفاء التام، ولهذا قال الحقَّ:
والإتمام: الوفاء، والإتمام: إكمال الشي، (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37)) عليه السلام.
وقيل أن أسهم الإسلام، ما اجتمعت بعد النبي في أحد، مثلما اجتمعت في إبراهيم الخليل عليه السلام، (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37)) بجميع أسهُمِ الإسلام.
(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37)) ما الذي في صحف موسى وإبراهيم؟
تفسير قوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (38))
قال:
قالوا: اسمع، إن أصغر ذنب من ذنوبك، أشد وأثقل عليك من أكبر ذنب من ذنوب الحَجَّاج. لا تأتي تتكلم؛ فعلَ وتركَ، إسمع الذي يهمَّك أنت والذي ستتعب منه في الآخرة، ليس ذنوب الحَجَّاج، أصغر ذنب من ذنوبك أثقل عليك في الآخرة من أكبر ذنب من ذنوب الحجاج، أنت لست مسؤولًا عن ذنوب الحجاج، انظر لذنوبك أنت، إذهب صفِّ نفسك منها.
(أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (38))، وقيل في معنى (وَفَّىٰ (37)):
قال:
تفسير قوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39))
(أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39)) ما مشى فيه وقام به من عمل، ويدخل في السعي، ما تسبَّب في وجوده يدخل في السعي. قال وهذا معناه:
فقد صح في الحديث أنه رُفع له الطفل وهو خارج في حجة الوداع وقيل: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر -أمه-، أنتِ لك الأجر وهو له حج، وأيُّ سعي عند الطفل هذا أن له حج؟ سعى بشيء؟ صلِّح شيء؟ طفل طفل صغير، هم غسّلوه وأحرموا عنه وطافوا به، وهو لا يملك شيء، ولكن له حج ولأهله أجر.
إذًا..
والنبي ﷺ وضع جريدتين خضراوين على قبري معذبين وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا، فقل لي أيُّ سعي لهما في تلك الجريدتين؟! هو الذي نزلت عليه الآية، هل هو أعرف بها أم لا؟! أم ستذهب لتعلمه، أم ماذا؟ ﷺ هو الذي أعرف بالآية ووضع الجريدتين وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا.
إذًا..
أمّا أن الله بعد ذلك يُثيبه ويرفع درجاته بسبب غيره، أو يشفِّع فيه نبي، أو يشفِّع فيه عالم، أو يشفِّع فيه شهيد، هذا ممكن، وكل ذلك ثابت، في الآيات الكريمة؛ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور:21] هذا من أين؟ ليس من السعي هذا، بابائهم نرفع درجاتهم -هم طلعوا إلى عندهم-، من أين؟ من فضل الله.
إذًا فإننا نفهم من الآية أنه لا أحد يُدعو لأحد، ولا يُصلِّي عن أحد، ولا يُقرأ لأحد، ولا يُتصدَّق عن أحد، نقول له؛ هذا مفهوم منقوض بالقرآن وبالسنة، يرُدُّه القرآن وترُدُّه السنة الشريفة، والحقّ يقول: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) [الحشر:10]، فشرَع لمن يجيء بعد ذلك أن يدعُ للذين ماتوا قبله، وأولئك الذين ماتوا قبله، أيُّ سعي لهم هؤلاء؟!
إذًا فالمعنى الصحيح الموافق لبقيَّة الآيات، وللحديث الشريف، والسنة الغراء:
وبذلك شُرع لنا الصلاة على الأموات، وبذلك شُرع لنا الدعاء للأموات، وبذلك شُرع..
فلو كان معنى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) لا يمكن أن تحج عنه، وهو لم حج فليس له حج، ولكن قال: "حجي عن أبيكِ"، فالمعنى لا يستقيم مع بقية آيات الكتاب والسنة؛ إلا أنه لا يملك الإنسان في الجزاء إلا ما سعى فيه، أمّا أن الله يُثيبه بدعاء غيره أو بعمل غيره فليس هناك مانع، لكن هو لا يملك إلا هذا الذي عمل.
تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40))
(وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40)) كيف (يُرَىٰ): يُبرز له ويتَّضح ويراهُ بعينيه، قال تعالى:(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزله:6]، انظر أعمالك، يقول: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ) ويبرُز، ويتوضَّح، ويتبيَّن، ويوزن، ويظهر كل ما فيه.
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41))
(وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41)) يلاقي جزاءه الجزاء الأوفى التام الكامل:
تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ (42))
(ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41) وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ (42))، وأن إلى ربك نهايةُ كل شيء، وغايتهُ إلى المولى، (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم:40].
كل ما خطر على بالك فالله بخِلاف ذلك
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]. (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) ونهاية كل شيء إليه، ومرجِع كل شيء إليه -سبحانه وتعالى-، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]، (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم) [الغاشية:25-26] جلّ جلاله، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ).
وإذا انتهيت للربِّ فتلك الغاية، وليس وراء ذلك نهاية، ولا هناك نهاية، ولذا قالوا: (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) ولا نهاية، لاتوجد نهاية. لا نهاية لأسمائه، ولا نهاية لصفاته، ولا نهاية لذاتهُ العلية، لا إله إلا هو، ولا يعرف الله إلا الله، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255]، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ (42)).
اسمع! اجعله في عقلك وذهنك، ليست النهاية التي تتصوَّرها أنت فقط إليه؟ الحالة الراهِنة التي أنت فيها هو المُتصرِّف فيها ونهايتها له. كيف؟ إن تضحك، وإن تبكي، وإن تغتني، وإن تفتقر، وإن تموت، وإن تحيا، اعلم أنه هو المُتصرِّف، ليس فقط أنه رب وإله بعد أن تنتهي إليه النهاية تتصوَّرها في ذهنك، أنت من الآن تحت قدرته، تحت إرادته، تحت يده.
تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43))
يقول جلّ جلاله: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ) خلق الضحك، وخلق البكاء، وخلق أسبابه: حزن، فرح، هو من عنده، لا أحد غيره ركّبها لك أو جاء بها لك، ووقت ما يُبكيك لا أحد يقدر يُضحكك، ووقت ما يُضحكك لا يقدر أحد أن يُبكيك، لا إله إلا الله.
وينتهي الأمر إلى أنه:
فلا ضحِك هؤلاء ينتهي، ولا بُكاء هؤلاء ينتهي. وفيما قبل ذلك، كل ضحكة وكل بكية، من أين؟ الله، الله، الله! هوخلقها لنا، وركَّبها، وأقدرنا عليها، وسلَّط علينا أسبابها:
هو كله من عنده، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ) جلّ جلاله وتعالى في علاه. لا تحسبون أنكم همج، وتمشون على مُجرَّد كيفكم، من دون قوَّة وراءكم تُسيِّركم، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43)) فاطلبوا أموركم منه، وارجعوا إليه، واعتمِدوا عليه.
تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44))
(وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) فلا أحد يخوفكم بموت ولا بحياة، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) لو لم يخلق موت لما كان موت، لو لم يخلق حياة لما كانت حياة. (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [تبارك:1-2]:
إذا بقيت لك ساعة واحدة في العمر، وجمَّعوا عليك جميع قنابل الدنيا ليقتلوك، والله لا يستطيعون أن يقتلوك حتى تمر الساعة التي قدَّرها الله لك، بيقين بيقين، لا إله إلا الله.
كما قال في سيدنا الخليل إبراهيم، عندما كانوا سيقتلونه، وقاموا بالأسباب كلها ووضعوه وسط النار (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) [الصافات:98]، (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [الأنبياء:70]، أذًا إرادة من التي مشت؟ لا إله إلا الله. وهذه أسباب كلها قامت، وقالوا كان ممكن، لمَّا أشعلوا نارهم، ممكن تأتي سحابة وتطفئ النار، ولكن الله ما أراد هكذا. ادخلوه في النار، هاتوا قواكم، إلى أن تنتهي بكم الأسباب وما توصَّلتم إليه، فإذا انتهيتم! الآن أنظروا ماذا سنعمل، رحمة منه ليؤمنون.
ولكن (يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) [ابراهيم:4]. لكي لا يقولون: ياسلام، لو لم ينزل مطر؛ كنا قضينا على إبراهيم هذا. لم ينزل مطر، وبقيت النار مستمرة أسبوع كامل على أقل ما في الروايات، وإلى أربعين يوم والنار تلتهب وهو وسطها، ويصلَّي ويأكل من عند مطبخ من؟ لا من عند النمرود ولا من عند هذا.
سيدنا جبريل يجيء له من ثمار الجنة يأكل وهو وسط النار، نار تشتعل من هنا ومن هنا ومن هنا، يمر الطير في الهواء يشتوي من لهب النار، و هم لا يقدرون أن يقربوا منها، فقط من بعيد، حتى لمَّا كانوا سيرمونه من بعيد قالوا: الآن لمَّا نرميه سيصل الى أين؟ يمكن طرفها، نريده يدخل داخل!
فجاءهم الشيطان بفكرة المنجنيق يرمونه إلى الداخل، ووضعوه في المنجنيق، خليل الله، هؤلاء يتسلطون عليه -أعداء الله- لكن حِكمة من الحِكم، ووضعوه في المنجنيق. ودوَّره في المنجنيق، جبريل يجيء له قال: إليك ليس لي حاجة، قال له: لمن، قال: إلى الله، قال: فاسأله، قال: عِلمه بحالي يُغني عن سؤالي. في اللحظة التي قذفوه فيها قال للنار: (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء:69] ثم خرج من النار؛ فهي آية من الآيات، خرج من النار ويدعوهم إلى الله تعالى.
في آخر أيامه، سيدنا الخليل سُئل عن أحسن أيامه في الدنيا؟ قال: أيام كنت في نار النمرود أحسن الأيام. كان في نعيم، والتكليف على الخلق ذهب عنه، جالس في محله في وسط النار. وبعد ذلك كان يمكن ايضًا أن يخرجه سيدنا جبريل -يقول له: أخرجه خلِّصه من النار، أذهب به إلى الجانب الآخر-، لكن تركه في محلّه، وترك النار تلتهب إلى أن تكمل من نفسها ولا عاد باقي شي. وبقيت الأيام كلها وهو في ذاك المكان، وأكله من الجنة، وخرج وقميصه أبيض؛ ما أصابه شيء، لا اله الا الله.
نحن نرى الآن الآيات كم وكم يذكر المسلمون في القُطْر ذا وفي القطر ذا، حفروا قبور بعض الصالحين والأخيار، وجدوا أكفانهم كأنها الآن كُفِّنت! هذا الكفن، ليس فقط جسد الإنسان، كفنه وهو فيه، وهذا الكفن نوع من أنواع القطن والخِرَق في الدنيا، لِم كُلَّها تتآكل وكفنه لا يتآكل؟ يمكن القِطعة التي قُطِعت منها نفسها قد تآكلت وهذا باقي! لماذا؟ لأنه اتَّصل بجسد محبوب عند الله، فما تأكله الأرض، لا هو ولا كفنه، ما هذه العظمة؟
يقولُ: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ (41) وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ (42)). (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44))، هو يحيي وهو يميت، خلق الموت وهو الذي يُقدِّره. ما حَيِيتَ إلا في الوقت الذي قضاه، ولن تموت إلا في الوقت الذي قضاه، أنت وحيواناتك، أنت وأهلك وأولادك، والله لا أحد منكم، ما حيي إلاَّ في الوقت الذي هو قضاه، ولا أحد منكم سيموت إلا في الوقت الذي هو قضاه -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
جاء بعضهم ليحرسوا سيدنا علي عندما تولَّى الخلافة، قال: تحرسونني من أهل الأرض أم من أهل السماء؟ قالوا: لا نقدر نحرسك من أهل السماء. قال: فاذهبوا فإنه لا يفعلُ أهل الأرض شيء حتى يتخلَّى حرس السماء. قال: أهل الأرض لا يقدرون يُصلِّحون شيء إلا إذا تخلَّى حرس السماء عنَّي. وقضى أيامه -الأربع سنوات-، وكان يدري إنه في واحد يأتي ليضربه هنا، وفي الوقت هذا لا أحد سينفعه لا حارس ولا غيره، إذا جاء الوقت هذا، هو هذا.
قبل موته بأيام قال: أين هذا الذي سيضربني على هذه فيخضب مني هذه؟ أرآه أبطأ -أبطأ الرجل-، سيأتي في وقته. لا إله إلا الله، قال: انصرفوا، فإنه لا يحصل من أهل الأرض شيء حتى يتخلَّى حرس السماء. وما دام عندك حارس من السماء لا يقدرون أهل الأرض أن يعملوا شيء فيك. الله، لا إله إلا الله، (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44)).
تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ (48))
(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ (46)) من النَّاس وجميع الحيوانات والجان، وخلق منها سبحان الله، الزوجين (الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ (46)) إذا تُصب، (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ (47)) يُعيدهم كما خلقهم بدايةً من الطين ومن النُطف، يُعيدهم بعد ذلك ويُقيمهم، (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ (47)). (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ (48)) يُغني من يشاء سبحانه وتعالى، وهذا الغنى النسبي، ويُقني: بمعنى يُقنِعُه بذلك، ويرضيه بما يعطيه، (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ (48)). وقال بعض أئمة العارفين: أغنى نفسه، وأفقر الخلائق، كلهم مُفتقِرون إليه. هذا الغِنى المُطلق، الغنى المطلق له وحده ليس لأحد غيره، ولكن الغِنى النسبي؛ يُغني من شاء لِمَن شاء إلى حدِّ ما يشاء -جلَّ الله وتعالى في علاه-.
رزقنا الله الإيمان واليقين والصدِق معه، والإخلاص لوجهه، نعبده كأننا نراه، ونقيم الصلاة كأننا نراه، ونؤدي الزكاة كأننا نراه، ونصوم كأننا نراه، وأن يختم لنا رمضان بيقين، تمتلأ قلوبنا بأنواره، ونغوص على أسراره، ندخل في مِضماره، و يجعلنا الله من أهلهِ في لطف وعافية، وأن يُصلح شؤوننا والمسلمين، ويدفع البلاء عنَّا وعن المؤمنين. يا ربِّ أحسن لنا خاتمة رمضاننا هذا، وأرنا يا ربِّ فيه وبعده ما يسرُّ قلب نبيك في أمَّته، ادفع عنَّا كل سوء أحاط به علمك.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
27 رَمضان 1443