(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الواقعة، من قوله تعالى: {{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ}، الآية: 83، إلى آخر السورة.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96))
الحمدُ للهِ على كريمِ البيان، ونعمةِ تنزيلِ القرآن، ونشهدُ أَنْ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريك له عظيمُ الفضل والامتنان، ونشهدُ أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله سيدُ الأكوان.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك المصطفى من عدنان، سيدنا محمد، وعلى آله المُطهَّرين من الأدران، وصحبهِ الغرِّ الأعيان، وعلى من تبعهم بإحسان، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياء والمرسلين ساداتِ أهل الصِدقِ والعلمِ والمجدِ والعِرفان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكةِ المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا رحمن.
أمَّا بعد،،،
فإنَّنا في نعمةِ تأمُّلِ كلامِ ربِّنا جلّ جلاله وتعالى في عُلاه، انتهينا إلى أواخرِ سورة الواقعة:
تفسير قوله تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83))
وانتهينا إلى قوله جلَّ جلاله: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) أي: فهلَّا إذا بلغت الروحُ الحلقوم لكل واحدٍ منكم؛ لأننا لا نُبقي منكم أحدًا؛
اللهُم أدخلنا الجنة ونجِّنا من النار-.
يقولُ: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83))، عندما تصلُ الروح إلى الحلقِ آخر ما تُعالجُ في خروجها من الجسد، فإنه يُبدأ بأصابع الرجلين فتُنزعُ الروحُ منها حتى تُنزع من القدمين، ثم من الساقين إلى الركبتين، ثم تُنزعُ من الركبتين إلى الفخذين، وتُنزعُ من الفخذين إلى حِقْو الإنسانِ إلى سُرَّتهِ، كما تخرجُ من أصابعِ يديهِ إلى ساعِديهِ، وهكذا تتجمَّع حتى تصِل الى الحُلقوم، عند ذلك تبدأ المُعاينة لِما كان مستورًا، وما كان خفيًا صار ظاهرًا؛ من رؤيةِ الملائكة ورؤيةِ أخبارٍ من عالم الغيب.
وجاء في الحديث أنه ﷺ سُئل: متى تنقطِع معرفةُ الميت بالناس من حوله؟
قال: "إذا عاين" عند المُعاينة. فإذا بلغت الروحُ الحُلقُوم رأى الملائكة الذين كانوا غيبًا عنه.
كما يرى أيضًا -إن لم يكن مرعيَّاً بعناية الله- الشياطين من حواليه، ومنهم إبليس الذي يُحبُ أن لا يفوت عليه أحد من بني آدم إلى الجنة، ويتولى الحضور عند بعض الأموات بنفسهِ؛ مُحاولا أن يُزيغ قلبه لحظة الموت، وهي فتنة الممات التي أُمرنا أن نستعذ بالله منها، من فتنة المحيا وهو ما يعرض من الفتن في الحياة، ومن فتنةِ الممات وهو ما يعرض عند الموت.
أحسن اللهُ خُواتيمنا وجعل قلوبنا آمنةً موقِنة عند خروج الروح من الجسد، تُحب لقاء الله ويُحب الله لقاءه..
تفسير قوله تعالى: (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85))
(فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ..(83)) هلا إذا بلغت روحُ من تُحبّون ويعزُّ عليكم من أقاربكم أو رؤسائكم أو كُباركم؛ بلغت روحهُ (الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ)، وأنتم معشر الإنس وابن آدم حينئذ تنظرون -تتفرَّجون وتتشوفون-، الى هذا الميت يجودُ بروحه (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ (85)):
حتى إذا جاء أحدكم الموت (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا): الملائكة الذين نرسلهم، فهم أقرب إلى الميت منكم يعالجون روحه من جسده.
ماذا تقدرون أن تعملوا؟
هاتوا بعُقولكم، هاتوا بأطبائكم، هاتوا بأجهزتكم، هاتوا بخبراتكم، هاتوا بتقدُّمكم، هاتوا بتطوُّركم؛ أرجعوا الروح، أتقدرون؟! عزيز عليكم، لا تريدون أن تفارقوه؛ ردُّوهُ! ألا توقنون أنكم مقهورون؟ ألا توقنون أنكم تحت قُدرة؟ ألا توقِنون أن فوقكم عظمة؟
تفسير قوله تعالى: (فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86))
(فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86))، غير مُحاسبين، مُجازين بما تعملون، مجموعين ليوم الدين، (غَيْرَ مَدِينِينَ) غير مُحاسبين ومجازين بما عملتم كما أخبركم نبينا، لو كان خبره غير صحيح فيما يُبلِّغكم: فردُّوا روحًا واحدة من الحُلقوم، ردُّوها إلى بقيَّة الجسد بكل قواكم، وبكلِّ ما معكم!
(وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85))، هذهِ الحقيقة بالبصيرة، لغلبةِ اغتراركم بالحسيات والماديات والمظاهر والتفاتِكُم إليها..
سترونهُم، وسترون العاقبة والمصير، ولا ينفعكم شيء، وستندمون وتتحسَّرون..
فعسى أن تكون الرؤية مِنَّا مع رضوان ربِّنا، ومحبَّته للقائنا ومحبَّتنا للقائه، ونحن في سُرورٍ به، والملائكة تُبشِّرنا بفضلهِ وعفوهِ ورضاه، اجعل رؤيتنا كذلك يا رب.
وحينئذ قد يحضر مع الرسل الملائكة، ومع رئيسهم ملك الموت -سيدنا عزرائيل-، قد يحضر من الأرواحِ الطيبة أو الخبيثة ما يناسبُ روح هذا الميت المُحتضر، عند انتقالهِ بما كان مُتعلِّقاً به في حياته، فيحضرهُ من الأرواح ما كان قوي التعلُّق به في الحياة الدنيا:
وكلٌ يرى الملائكة، قال الله في وصف الظالمين:
الملائكة باسطو أيديهم عليهم بالضرب؛ لأنهم يتشبَّثون، لا يُحبُّون أن تخرج أرواحهم؛ لأنهم قد بُشِّروا بالعذاب وأيقنوا بالحق الذي كذَّبوا به، فلا يريدون أن تخرج أرواحهم، فتتشبَّث وتخرج بالقوة، فتضربهم الملائكة وينزعون منهم الروح نزعًا شديدًا.
وقد وردت أحاديث كثيرة، وأورد الإمام السيوطي في كتاب "شرح الصدور بذكر حال الموت والقبور" روايات فيها عجائب وغرائب من حضور الملائكة:
فهي لحظاتٌ عظيمة، وعندها شأن الخاتمة التي حيَّرت الأذهان و أوجلت قلوب أهل العِرفان، لا يدرون بما يختم لهم ويسألون الله حسن الخاتمة.
ويقالُ أن إبليس عدو الله يقول: قصم ظهري الذي يسأل الله حُسن الخاتمة. يقول: متى يعجب هذا بعمله؟ أخشى أن يكون قد فطن.
ولكنه أدرك الحقيقة، وقام بحق العبودية، فيثبِّته الله. حتى جاءنا في الأخبارِ أنَّهُ:
يا الله بها، يا الله بها *** يا الله بحسن الخاتمة
نسألك أن تُحسِن خواتيمنا وأهلينا وأولادنا وذُرِّياتنا وأصحابنا وأحبابنا وطلابنا وقراباتنا والمؤمنين والمؤمنات يامُجيب الدعوات، يا الله بحُسن الخاتمة، اللهم أحسن خاتمتنا في الأمور كلها.
تفسير قوله تعالى: (فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87))
يقولُ: (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87)). وقد كان يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: "ادنوا من موتاكم ولقنوهم فإنهم يرون ما لا ترون". وإنهم يرون أشياء من الحق ستُبيَّن لهم. وفي الحديث: "لقِّنوا مَوْتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ مَن كان آخرَ كلمتِه لا إلهَ إلَّا اللهُ عندَ المَوتِ؛ دخَلَ الجنَّةَ"، قال: المعنى أي:
وهكذا وكان أحد أهل العلم -شيخ من آل باكثير في سيئون- في المجلس سرد الحديث، وأنه ﷺ قال... -هو في الدرس لكن عرض هذا الحديث عليهم- قال ﷺ : "من كان آخرَ كلامِه من الدنيا لا إلهَ إلا اللهُ" ثم سكت، لأنه مات هو! قالوا: أين كمال الحديث "دخل الجنةَ"؟ قالوا: بالفعل أكمله، لم يكمله بالمقال.
وكم من شخص عُرضت عليه "لا إله إلا الله" فتزلزل ولم يقدر أن يقولها عند الوفاة! الله... لا إله إلا الله.
وهكذا،، بلغنا في أيام اغترار بعض الناس بمجيء الشيوعية في البلد ودخولهم معهم في شأن الأحزاب، وأنهُ تصرَّف على غير بيِّنة وتنكَّر لدينه، فعند الموت كان عنده أحد من أقاربه يقول: "لا إله إلا الله"، فيسكِّتهم، يقول: صَه، اسكتوا، هاتوا لي سيجارة، ومات!
لا إله إلا الله، يا مُقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك، وارزقنا حُسن الخاتمة عند الموت.
قال سبحانه: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ) بإحاطتِنا وقُدرتنا، وهؤلاء ملائكتنا ينزعون روحه، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87))، ولا يقدرون على ذلك، ومن الغرابة أن ينْحطَ فِكرُ الإنسان إلى الوهم والخيال، ولمَّا رأوا شيء من تسيير بعض من الدورة الدموية في الجسد ويبقى، ظنَّوا أنه ربما يتطوَّر الطب والعلم ويعُيدون الروح! نقول: أبدًا، (فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ (87))، لا عملوا ولن يعملوا ولن يستطيعوا شيئًا من ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89))
(فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، هذا حاله عند خُروج روحِه (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) الذين اجتنبوا السيئات والمكروهات والشبهات، بل تركوا بعض المُباحات من أجل الله تعالى، وعملوا بالواجبات -على الإحسان- وبالسنن على التمام؛ هؤلاء المُقرَّبون: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ):
(فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89))، يُشاهِدُ الجنة ويُبشَّر بالبشائر وتترَّوح روحه وينبسِط، (وَرَيْحَانٌ) في غاية السُرور والانبِساط، (وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) يُبشَّر بها ويُشاهدها.
(فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)) هذا حال المُقرَّبين، وفيهم ومنهم ما قال سيدنا بلال لزوجته وهو في الاحتضار، وأحست به في سكرات الموت بكت وقالت: واكرباه، -وقت الكرب، ما أعظم الكرب- واكرباه! ففتح عينيه قال: لا، بل واطرباااه، غداً ألقى الأحبة محمداً وحزبه. قال: سيذهب عند حبيبه وتقول كرب! أيّ كرب -عليه الرضوان-؟!
وهكذا يقولُ: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89)).
تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91))
(وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90)) دون ذلك، دون هؤلاء، وهم من أهل الجنة:
أو (فَسَلَامٌ لَّكَ) أي عليك من أصحاب اليمين:
(فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) إذاً سلامٌ عليك، أو يُسلَّمُ عليه من قِبل الملائكة ويقال له: السلامُ -الأمان من العذاب-.(فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91)).
تفسير قوله تعالى: (وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94))
والمُصيبة الصنف الثالث، وهم أكثر الخلق: (وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ) مكذبين بالحق الواضح المُبين الصريح، فقط لا يشتهي أن يُصدِّق. انظرالى الدلائل! انظر الى الآيات! انظر الى البراهين! لا يريد أن يُصدِّق. (مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ) عن سواء السبيل، إلى اتِّباع الأهواء والشهوات والنفوس ما كأن لهم خالق، ولا مرجِع إليه.
(وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ):
بهذا جاءنا في الخبر: أنه لا تخرج روح الكافر والمنافق حتى يُسقى من الحميم، (فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93)).
وأيام كان معنى صحيح من معاني الجهاد قائم في أفغانستان في قتال الشيوعيين لهم باعتدائهم عليهم، كان يُقتل في الوقت الواحد في المكان الواحد بعض المسلمين وبعض المُقاتلين من الكفار، ويشتغلون بالقتال، فيأتون بعد يومين أو ثلاثة أيام، يحصِّلوا:
وهم في محل واحد، في وقت واحد قُتلوا، وشاهدوا هذا مرارًا، كما شُوهد فيما قبل وفي أقطار أخرى. ولكن لا ينال هذا من يُقاتل من أجلِ السُلطة، أو من أجلِ الشهوة، أو من أجلِ الشهرة، ولكن من قاتل لتكون كلمة الله العليا.
سمعت بعض علماء أفغانستان وخيارها ومن قد تولى أركانًا في الجهاد في تلك الأيام، ثم تخرَّب علينا الجهاد، كنا في الجهاد ثم تخرَّب علينا الجهاد. كيف تخرَّب؟ قال: صنفين دخلوا بيننا..
قال: لما دخلوا بيننا، قال: تخرَّب الجهاد، لم يصبح جهاد، صار حال ثاني. لا إله إلا الله..
الله اعلم بمن قاتل في سبيله ومن له غرض آخر.
قال: (فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ)، (تَصْلِيَةُ): حرق، شي بالنار، يُشوونهم بالنار، (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94))، أعوذ بالله من غضب الله.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95))
(وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَٰذَا): أمر واقع مُحقق، تجاوز علم اليقين وعين اليقين، وصل الحق، (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ).
(إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95)): لا مِرية فيه ولا ريب ولا شك.
تفسير قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96))
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، سبحان ربي العظيم وبحمده:
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، عظِّمه، أكرَمك بالإيمان له، وجعلك في أمة خير أنبيائه. عظِّم هذا الإله، وما حقائق فوائد الصيام ولا القيام ولا الأعمال الصالحة في رمضان إلا أن يشرق نور تعظيم الرحمن في قلبك، فتُعظم الله جلَّ جلاله، حتى لا يكون شيء أعظم عندك من الله، ولا شيء أخوف عليك من الله، ولا شيء أرجى لك من الله.
ولما ورد على طاوس اليماني -آخر عمره- بعض الأخيار الصالحين يُريد منه الوصية، وجد ابنه على الباب شائباً، ظن أنهُ هو وسلَّم إليه: أنت شيخ طاوس؟ قال: لا، أنا ولده. قال له: أنت ولده وأنت شائب، كيف يكون حال أبيك؟ قال له: بخير، أستأذن لك عليه -دخل-. فقال: رجع يقول لك أبي تفضل ادخل، لكن اختصر في كلامك؛ لأنه قرُب أجله وهو لا يُريد ضياع العمر والوقت، فاختصِر في الكلام. فدخل وسلم عليه، قال: جئتك لوصية توصيني بها. قال: أتريد أن أجمع لك التوراة والإنجيل والزبور والقرآن في ثلاث كلمات؟ قال: يا حبذا! قال: خف من الله، خف من الله، حتى لا يكون شيء أخوف عليك منه، وارجه أكثر من خوفك منه، وأحب للناس ما تحب لنفسك، انصرف وقم عني، فإنك إن عملت بهذا فقد عملت بما في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن..
(إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)).
اللهم زِدنا إيماناً ويقيناً وبارك لنا، فهذه أول جمعة من جُمَع شهر رمضان لهذا العام، وعند طلوع الشمس لله عتقاء من النار، وعند الغروب، ولكن الغروب يتعرَّض له كثير، وعند الطلوع أقل منه، الذين يتعرَّضون لهذا العتق:
الحمد لله، لا تدع فينا رقبةً إلا أعتقتها يا رب، ورقاب أهالينا ومن في ديارنا وذوي الحق علينا برحمتك يا أرحم الراحمين، ووفِّر العتق لنا وللأمة من النار والعذاب بوجاهة نبيك الأمين ومنزِلته لديك برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
10 رَمضان 1443