تفسير سورة الواقعة - 2 - من قوله تعالى: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، الآية 3

تفسير سورة الواقعة، من قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}، الآية: 1
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}، الآية: 1، إلى قوله تعالى، {وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}، الآية: 14

(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)  فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تأملات في سورة الواقعة:
    • أهوال القيامة و النفخة في الصور.
    • حقيقة الخفض والرفع.
    • تبدل الأرض والجبال.
  • أصناف الناس يوم القيامة:
    • السابقون المقربون ونعيمهم.
    • ثلة من الأولين وقليل من الآخرين.

نص الدرس:

الحمد لله مكرمنا بالبيان، على لسان سيد الأكوان، عبده الذي رفع له القدر والشأن، سيدنا محمد المصطفى من عدنان. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرّم على عبدك المنزَّل عليه القرآن، سيدنا محمد وعلى آله وأهل بيته المطهرين من الأدران، وأصحابه الغرِّ الأعيان، وعلى من والاهم فيك واتبعهم، بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الفضل والعرفان، وعلى أتباع آلهم وأصحابهم وأتباعهم والملائكة المقربين، وعبادك الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.

أما بعد،،،

 فإنِّنا في نعمةٍ تأمُّلنا لكلام ربنا وخطابه، وما أنزل في كتابه على قلب سيد أحبابه ﷺ، انتهينا إلى سورة الواقعة، المُسمَّاة باسم "الواقعة": 

والواقعة اسم من أسماء القيامة: 

  • وسمَّاها الله الواقعة لأنها الفريدة بين الوقائع، فما سيقع حتمًا بلا ريب ولا شك، أقوى ما يكون في هذه الوقائع؛ واقعة القيامة. 
  • فإن هذه الواقعة يكون فيها الفصل الكامل التام بين أرباب السعادة والشقاوة، والعذاب والنعيم، والنار والجنة، والخير والشر، والهدى والضلال. 

فصلٌ حتْمٌ في هذه الواقعة، يتبين به لكل مكلف غاية ما أنتجه كسْبهُ، واضحًا بينًا بلا ريب ولا شك، تنتهي الأوهام عندها والخيالات والظنون، وتجتمع عقائد أهلها على عقيدة واحدة يعاينونها بأعينهم، إلا أنه: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) [الأنعام:158]. وإلا فكل هذه الأفكار الدائرة في ظهر الأرض، المخالِفة للواقع قد انتهت وذهبت وتلاشت، وبقي الحق هو الظاهر.

 

تفسير قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1))

يقول الرحمن -جلَّ جلاله-: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)، إذا جاء وقت القيامة، إذا وقعت الواقع؛

  • بالنفخ في الصور
  • وقعت الواقعة، (فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) ... (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر:68]. 

(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2))، ليس لوقعتها كاذبة؛ وقعتها وقيامها عند حصوله، لا يوجد أحد يكذِّب بها، ما هناك نفس كاذبة مكذِّبة تكذِّب بالقيامة: الملحد يؤمن بالقيامة، واليهودي يؤمن بالقيامة، والمتنكِّر للأديان الكل يؤمن بالقيامة (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ).

(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) فإنها قد رُتبت وقُدرت بتقدير الخالق المكوِّن لجميع الوجود -جلّ جلاله-، وما هي إلا أن يأتي وقتها الذي حدده وعينه -جلَّ جلاله- فلابد أن تكون، كما قال -جلَّ جلاله-: 

  • (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) [النبإ:17]. 
  • (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ) [الشورى:14]. 

ولكن أجل مسمى، فقط إذا انتهت المدة جاء وقت قيام القيامة. وقد وقَّته الرحمن -جل جلاله- في الوقت الذي أراده وأخفاه عن خلقه: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) [الأعراف:18] .

 

تفسير قوله تعالى: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2))

يقول تعالى: (إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2))، (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل:1] أمرٌ متيقن واقع لا محالة، آتٍ على العباد: 

يدل عليه تقليب الحق لهم في أحوالهم وشؤونهم؛ من نوم ويقظة، وصغر وكبر، ونطفة إلى علقة إلى مُضغ إلى نفخ الروح في عظام كسيت بلحوم، إلى حر وبرد، إلى أرض ميتة جدباء وأرض حية. 

هذه الأشياء كلها دلالات قاطعات واضحات على القيامة والرجعة إليها، التي يقول عنها: أخبركم بهذا وعملت أمامكم هذا؛ لتعلموا أن الأمر عندي واحد ولا يعجزني، كما لم أعجز عن هذا فلا أعجز عن هذا. 

من الذي يعجزني؟ 

  • (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [الروم:19]. 
  • (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) [ق:11]، جلّ الخالق العظيم سبحانه وتعالى. 

فهؤلاء المتشككون والملحدون ما كأنهم موجودون، ولا كأن هذه الأشياء أمامهم، عميت بصائرهم فنسوا أنفسهم، ونسوا ما حولهم، وما دروا بأنفسهم أنهم استُعبدوا لتصور باطل خاطئ في ظهور أسباب ظنوا أنها الفعالة والمسببة، وهو ظن باطل تردُّه المشاهدة ويردُّه الحس، والحس -فضلًا عن العقل- إذا أُحسن استخدامه. فالحمد لله على نعمة الإسلام، اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا.

(إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2))؛ فيجتمع الكل كما قال في أثناء السورة: 

  • (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة:49-50]. 
  • وكما يذكر لنا سبحانه وتعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف:47]. 
  • (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)، (قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [التغابن:7].

 

تفسير قوله تعالى: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3))

يقول -جل جلاله-: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ(3)) حقيقة الخفض والرفع، من المرفوع ومن المخفوض؟ 

يظهر في ذلك اليوم؛ من المخفوض حقيقة، ومن المرفوع حقيقة. الله! 

  • (خَافِضَةٌ)، لأعداء الله بالهوي في النار. 
  • (رَّافِعَةٌ)، لأولياء الله بدخول الجنة والكرامة فيها. 

(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، خافضة لأصناف الكفار والملحدين الذين بلغتهم دعوة الله ورسله فأبوا وأصروا واستكبروا وراء الشهوات والأهواء.. 

  • تخفضهم، وكل الذين آثروا العصيان في الحياة الدنيا، مخالفةً للجبار الأعلى من أجل شيء من اللذائذ الحقيرة القصيرة، من أجل شيء من المطامع المنقضية الفانية، فعصوا الرحمن. 
  • تخفضهم ويعلم أنهم هم المخفوضون الأذلون، يقول سبحانه: 
    • (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [المجادلة:5]. 
    • (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) [المجادلة:20]. 

فهناك حقيقة الخفض والرفع، ويُعلم من المرفوع؟ 

فلا يوجد إلا المؤمنون والمصدقون بالمرسلين، أتباع المرسلين؛ أرفعهم الأنبياء والرسل. والرفعة الكبرى لسيد أهل الدنيا والأخرى؛ عبد الله الذي أعلى له قدرا؛ 

  • لواء الحمد بيده، وأول شافع، وأول مشفع هو. 
  • وأول من تنشق عنه الأرض هو،
  •  وأول أمة تحاسب أمته. 
  • وأول أمة تجوز على الصراط أمته. 
  • وأول أمة تدخل الجنة أمته، وأول داخل للجنة هو. 

فالرفعة تنتهي في ذروتها في العالم الخلقي إلى؛ 

  • سيد الخلق حبيب الحق محمد
  • وبعده رفعة الأنبياء ومراتبهم ودرجاتهم العلى صلوات الله وسلامه عليهم
  • ثم أتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين

ألْحقَنا الله بهم؛ هم المرفوعين، والمتبيِّن لهذه الحقيقة، ما يشهد الرفع لغير هؤلاء، أمّا من علا بشهرة، ومن علا بثروة، ومن علا بسلطة؛ لا يُشهد لهم رفعًا! يعرف المرفوع من هو، ليس هؤلاء، هو يعلم أن هؤلاء في مدة متاع الغرور، تتشكل هذه الأشكال بهم ثم تضمحل، لكن: 

  • المرفوع من لا يُخزى يوم القيامة. 
  • المرفوع من لا يتعرض للهب النار. 
  • المرفوع من يدخل تحت ركاب الأنبياء. 
  • المرفوع من يستظل بظل لواء الحمد. 

هؤلاء هم المرفوعين؛ ولذا جاء في سيرة نبينا:

  • لم يكن يهاب الملوك ﷺ، لا يهاب أحد من أهل المُلك في الدنيا.
  • ولا يعجبه شيء في الدنيا، ولا أحد من الناس؛ إلا أن يكون ذا تقى. 
  • فهو خير من قام بميزان الله ﷺ. 

فلا يشهد الموقنون بهذا الحق رفعة لغير المؤمنين الصادقين المخلصين؛ ولهذا قد ينتابهم إجلال وإكبار لشخص هو في أعين الناس حقير أوقصير، إما ذي عاهة أو ذي مرض أو ذي فقر، يرون فيه من صفات الإيمان وصفات القرب من الرحمن ما يهابونه من أجله -تعالى- لأنهم يعلمون أن هؤلاء من رُفع حقيقة، وأن الرفعة لهم ليست لأهل الأبَّهات ولا لأهل المظاهر.

(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3)) تبين حقيقة الخفض والرفع: 

فيأتي هؤلاء الذين نازعوا الخافض الرافع -جلَّ جلاله-، وادَّعوا أنهم يخفضون ويرفعون: 

  • وقالوا: من أعطانا شهاداتنا فهو مرفوع، من وظَّفنا بوظائفنا فهو مرفوع، من ارتضيناه في شركاتنا فهو مرفوع! قالوا هكذا، 
  • وقالوا: نحن نرفع، وأي أحد يحاربنا في هذا سنخفضه، من حبسناه فهو مخفوض، ومن قتلناه فهو مخفوض، ومن منعناه بسبب الرزق المقدر فهو مخفوض. 

كذبوا! لا يخفضون ولا يرفعون، الخافض الرافع واحد هو الله: 

  • نسب ذلك إلى القيامة لأنها الظرف الذي يبرز فيه سر خفْضه ورفْعه للملأ مباشرة، واضحًا جليًا لا شك فيه، تذهب الشكوك كلها. 
  • وهذا من استعمال اللغة التي نزل بها القرآن في نسبة الشيء إلى سببيته -ولو بالظرْفية- والقيامة في حد ذاتها مخلوقة ومقهورة، لكن القاهر الخالق هو الله. 

فسماها خافضة رافعة لأن أسرار خفضه هو، ورفعه هو، تظهر للكل، فيضمحل كل خفض ورفع لسواه كائناً من كان، لا يقدر أحد أن يخفض غيره، ولا يقدر أحد أن يرفع غيره: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحج:18]. من يهن الله فماله من مكرم، ومن أعزه الله ما له من مذل، لا أحد يقدر أن يهين الذي أكرمه الله.

وإنما تمر على الناس في فترة الحياة الدنيا غرور كثير، وزور كثير وظاهر، وهذا يُقتل وهذا يذهب، ويُظن أن من مرض أو من قُتل أو من افتقر أنه أُذل، وليست هذه دلالة الذل والخفض، ففي ميزان الحق:

  • أن يغضب على عبده ويدخله النار. 
  • ويحرمه مرافقة الأنبياء. 

هذا هو الذل، هذا هو الذل، هذه هي المهانة، هذا هو السقوط، وبقية الأشياء متاع الغرور. 

سواء أن قال لك ملك، قال لك وزير، قال لك مقدَّم، قال لك شيخ، قال لك طالع، قال لك نازل؛ كلّه متاع الغرور:

  • كلُّه يضمحل ويتلاشى، لكن هو الذي يخفض ويرفع: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26]، فهو الخافض الرافع وحده، ارفعنا بطاعتك يا رب.
  • سمعناه يقول في كتابه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11]، فما أعظم شأنهم، وقد رفعهم الذي بيده الرفع -جل جلاله وتعالى في علاه- ويخفض جميع الفجار والكفار والفساق الذين أبوا دعوة الله وقد بلغتهم وأصروا فماتوا على ذلك، فهناك الخفض الكبير. 

(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، يتجلى شأن الخفض والرفع، وكثير من هذه الصور الظاهرة تتلاشى تمامًا، وتحل الحقيقة محلها: 

كثير كانوا مرفوعين في الدنيا، فتجد جبابرة الدنيا. 

  • المتكبرين، كل واحد منهم على صور، فلان بن فلان معروف بملامح وجهه، لكن في الصورة نملة، في صورة ذرة، هذا فلان الذي كانوا يصفقون له، هذا الذي يقول؛ تحتي كذا وعندي كذا، يظهر في صورة ذرة! 
  • وعلى وادي في الأرض -بعد تغييرها يوضعون فيه- يقال له وادي بولس، يجتمع فيه المتكبرين كلهم، والجبابرة على طريق المحشر، كل مَن على المحشر يمرُّون فوقهم يدوسون فوقهم. 

أين الرفعة؟ 

ادَّعى الرفعة المكذوبة؛ عشر سنين، خمسة عشر، عشرين، أربعين، له الآن خمسين ألف سنة هو في هذا الصَّغار والهوان، وبعد الخمسين ألف؟ أذل، يُقادون في النار، أي أشد مَن هذا. 

أين الرفعة؟ 

آمِنْ به يرفعك، واصدق معه واتقِّه في السر والنجوى، فإن الرفع بيده وحده، هو يرفعك؛ ولهذا كان يقول بعض الصحابة: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)

  • من يُخفض يومئذ لا يُرفع أبداً. 
  • ومن يُرفع يومئذ لا يُخفض أبداً. 

حقيقة الرفع والخفض هناك: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، تعرف من المخفوض ومن المرفوع: 

  • هؤلاء يخرجون من القبور، والنجائب أمامهم يركبون عليها، وتأتيهم الحلل ويلبسونها، وتأتيهم التيجان، ويُمضى بهم إلى ظل العرش. 
  • وهؤلاء يُحشر أعمى وفي ظلمة وما يدري أين، والملائكة تضربه! 

فرْقٌ بين هذا وهذا؛ (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ(3)) الله يهيئنا للرفعة في ذاك اليوم، ويملأنا إيمانًا ويقينًا وطاعة له في هذه الرفعة، وإيثارًا له على أهوائنا وعلى أنفسنا وعلى أهل الشرق والغرب، الإيثار له على كل شيء، فيرفعنا ويعلينا ويعزنا، اللهم أعزنا بك، فإنه "لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ".

(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3))

  • هؤلاء تبيض وجوههم وعليهم أثررحمة الله: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين:24]. 
  • وهؤلاء (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ) [القيامة:24]، (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) [يونس:27]. 
  • هؤلاء لهم روائح طيبة زكية حسنة دائمًا، وهؤلاء لهم روائح منتنة فاسدة قبيحة. 

وهؤلاء لهم صور جمالية، وهؤلاء لهم صور مزرية:

  • هذا بطنه كأنه بيت وسطها حيات، يقوم ويسقط. 
  • وهذا يخرج الشّرر من فرْجه مربوط بفروج الزناة والزانيات -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 
  • وهذا حامل كأس الخمر بمنظر مُنتن مزري والناس ينظرون إليه. 
  • وهذا اندلعت لسانه على بطنه وفوق صدره تسيل قيحًا وصديدًا. 

وهذا كذا .. وهذا كذا…، خفض! 

وهذا مكرَّم مرفوع مصان، والمَلَك بجانبه: 

  • (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [فصلت:30-31]. 
  • (هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:103]، في عزة وشرف وكرامة. الله! 

(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3)) ويجتمع المرفوعون واحدًا بعد الآخر حتى يتكاملون، فيأوون إلى تحت لواء الحمد، وحامل لواء الحمد: 

  • هذا الأرفع المشفع؛ عبدٌ أحبَّه الرب، طهره ونقاه وصفاه واصطفاه من بين بريته. 
  • وأبرزهُ قدوة وأسوة حسنة، جميل كله، فضيل كله، نور كله، حسن كله، جمال كله، أدب كله، رحمة كله، كمال كله ﷺ.

قالوا لسيدتنا عائشة: حدِّثينا بأعجبِ ما رأيت من أحوال رسول الله؟ فبكت، وقالت: بما أحدثكم؟! كان كل حاله عجب! ما هو الأعجب من أحواله؟ 

قالت: كل حاله عجيب، أأحدثكم عن كلامه؟ أو أحدثكم عن نظره؟ أو أحدثكم عن جلوسه أو قيامه؟ أو أحدثكم عن أكله؟ أو أحدثكم عن أدبه؟ أو أحدثكم عن خلقه؟ أو أحدثكم عن ماذا؟ كله عجيب. 

وحدثتهم فقالت: كان إذا جن الليل وخلا كل حبيب بحبيبه، قام يناجي ربه، ولقد دخل علي في ليلة في ساعة متأخرة من الليل، فعمد إلى ماء في قربة فتوضأ، ثم قام يصلي فلم يزل يسجد ويبكي، حتى جاء بلال يؤذن بالصلاة، فلاحظ عليه أثر البكاء، قال: يا رسول الله؛ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "يا بلال لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها! 

وتلا عليه:​ (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)" ؛ هذا الخفض وهذا الذل الأبدي، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:190-192]. 

ما معنى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)؟

  • لا ينفع تحزبهم، لا ينفع تحالفهم، لا ينفع علائقهم، لا ينفع وثائقهم؛ كل واحد -يوم القيامة- يعادي الثاني، ينتهي كل شيء من هذا. 
  • (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، وما يحصِّلون نصير، لا أحد منهم يقدر أن ينصر نفسه، ولا ينصرغيره، بل يتعادون، وكلٌ يلعن الآخر. 

​(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ* رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي) هو ذا حامل لواء الحمد، (سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، ونحن وقفنا خلفه وتحت لوائهِ؛ فآمنا، (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:192-194]. 

نسألك يا منزل القرآن أن لا تدع أحدًا من الحاضرين ولا السامعين ولا من يواليهم، إلا رفعته في ذاك اليوم. لا تعرِّضنا للذل ولا للخزي في ذاك اليوم، ولا تخزنا يوم القيامة. واجمعنا تحت لواء الحمد كما جمعتنا تحت ذكره الآن، وتحت الإيمان به الآن، ونحن موقنون به وأنه حق وصدق، وأن اليد الكريمة تحمله، ونشهد أنه رسولك وعبدك وحبيبك وصفيك.

 فبه عليك اجمعنا تحت ذاك اللواء، وأمامه المرفوعين كلهم؛ آدم وشيث بن آدم وإدريس ونوح وكلهم مارُّون تحت اللواء؛ مرافقتهم يارب ورؤيتهم يا رب، الدخول معهم يا أرحم الراحمين.

 

تفسير قوله تعالى: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا (6))

ي(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3))، متى يكون هذا؟ 

قال: أعطيكم بعض أنباء عن تلك الواقعة وما يحصل فيها: 

(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4)) سمعت؟ 

  • ليست سيول تهز، ولا هزات أرضية، ولا زلزلة في مكان؛ الأرض كلها رجَّت، اضطربت تحركت بشدة بعنف. 
  • (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا)، اضطربت، (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) [الزلزلة:1]، ليست بقعة من الكرة الأرضية؛ نسبة زلزلة كذا، ولكن كلها الأرض؛ من طرفها على طرفها (رُجَّتِ). مَن يقْوى على رجِّها هذا؟ 
  • (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا(4))، هُزَّت هزًا عنيفًا بشدة، وتخرِج جميع ما في باطنها؛ من الجثث ومن المعادن والكنوز.

وثم يؤتى للجبال: 

  • (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5)). فتتت فتًا، (بُسَّتِ)، البسيس عند البعض: سليق كانوا يعملونه. 
  • (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5)) -يعني فتت فتًا- (فَكَانَتْ هَبَاءً)، تعرف الهباء؟ 

أنظر الى صلابة الجبال، ما الذي سيبقى؟ هل سيبقى حديد مسلَّح أو اسمنت؟ ماذا سيبقى؟ الجبال هذه التي هي أصلب شيء في الأرض، بُست! ​(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه: 105]، ينسفها ربي نسفًا. 

ما الذي سيبقى؟ عسى شيء من ناطحات السحاب! ما الذي سيبقى على ظهر الأرض؟ 

جبال الأرض دكت وفتتت ونسفت وبست، فتتحول بأطوار: 

  • أول ما يزلزلها الحق، تتحول لك مثل العهن، (كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) [القارعة:5] صوف منفوش، ليس مترابطًا. 
  • بعد ذلك تصير مثل الهباء. الهباء: ترى الذي يظهر من البكتيريا، في أشعة الشمس لما تدخل من كوة وغيرها، هو الهباء. 

صلابة الجبال مثل هذا الهباء الذي يحرِّكهُ الهواء كذا، ما تحسُّ به، حتى لما تمر فيه ما تحس به، منتشر كثير من هذا الهباء؛ بكتيريا عندك من يمينك وشمالك ما تحس بها، الجبال تصير هكذا! جبال بصلابتها تصير هباء، وينتهي إلى النسف النهائي: (يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:105-107]. ولا طلوع ولا نزول.

 

تفسير قوله تعالى: (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9))

(وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًّا (6)). تسمعون منِّي! يا من خلقتكم وأنا أوجدتكم وأعلم بكم، وأقول لكم: جميعكم تتحولون، أيها المكلفون الذين أرسلتُ لكم رسلاً وأنزلتُ الكتب، إلى ثلاثة أصناف، ليس لها رابع: 

  1. أصحاب يمين.
  2. وأصحاب شمال. 
  3. وسابقون فقط. 

(وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا(7)) أصنافًا وأضرُبًا ثلاثة. كنتم كلكم أزواجًا ثلاثة، ثلاثة أصناف.

(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)، الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، الذين يحشرون على يمين العرش، (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)؟! وهذا أسلوب اللغة عندنا: 

  • إما للتعظيم والإجلال والإكبار. 
  • وإما للاحتقار والاستهانة. 

ما فلان؟! ما فلان؟! ما فلان؟! إما تعظِّمه لأن شأنه كبير، أو تحتقره؛ من هو هذا؟ من هو فلان؟. 

وهكذا قال في أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، قال:

  •  (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ(8)). ما أعظم شأنهم، ما أعجب النعيم الذي يحصِّلونه، ما أحظاهم بالرحمة الربانية؛ ماأصحاب الميمنة. 
  • (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ(9))؟ إلى أي مصير يسيرون؟ ما العذاب الذي يتجرعونه؟ ما أخطر شأنهم وحالهم؟ يعني ما أخطر ما يلاقونه من العذاب وما أقلهم في ذلك الموقف. 

(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9))، يعني:

  • ما أعظم نعيم هؤلاء، وما أفظع عذاب هؤلاء! 
  • ما أجمل حال هؤلاء، وما أقبح حال هؤلاء! 

(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9))، وهناك ناس؛ لم يسمِّهم أصحاب يمين ولا أصحاب شمال، خالصين له ومحبين له، قال: اتركوا اليمين والشمال لكم، أنتم أسعد السعادات الكبار؛ 

 

تفسير قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10))

(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10))، أهل سابقة الفضل الأكبر، والذين سبقوا إلى الإسلام وعلامتهم في الدنيا:  

يسابقون للخيرات، ​(أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:61] يقول الله تبارك وتعالى. 

حتى جاء في بعض الآثار: أنّ (السَّابِقُونَ) كان منهم أول من يدخل المسجد، وآخر من يخرج منه؛ يسبق الناس إلى المسجد هو أول واحد، وآخر من يخرج من المسجد. 

وهكذا يقول: " في كلِّ قرنٍ من أُمَّتِي سابِقُونَ"، في كل قرن سابقون، كل زمن بعدي في الأمة، هناك ناس يلحقون بالسابقين، الله أكبر! في كل قرن من أمتي سابقون.

 

تفسير قوله تعالى: (أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14))

(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (11) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (12)) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (13))، اللهم اجعلنا منهم. (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (14) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (15)). يقول: 

  • هؤلاء السابقين في كل أمة، يكون الأوائل الذين أدركوا نبيهم، هم القريبين منه، فيرتقون إلى رتبة المقربين، إلى رتبة السابقين، (ثُلَّةٌ) طائفة جماعة (مِّنَ الْأَوَّلِينَ). 
  • (وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) يجيئون في الزمن البعيد، يبعدون عن أنبيائهم، فيهم، لكن قليل بالنسبة للسابقين، السابقون كثير يلحقون بالسابقين فيهم، ومن بعدهم يقِل عددهم، يلحقون بالسابقين وهكذا، هذا معنى. 

وكان.. 

  • قول سيدتنا عائشة وغيرها: أن كل أمة؛ الأولون منهم هم القريبين من عهد النبي، يكون كثير منهم في السابقين، وقليل ممن بعدهم. 
  • وقيل: أن المراد أن السابقين هم الأمم السابقة (وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)؛ من هذه الأمة.

وعلى هذا المعنى جاء أنه لما نزلت الآية حزن الصحابة، فأردف الله بالآية بعدها -ستأتي عند ذكر أصحاب اليمين- (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (14) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (15))، وإن فيها استدعى النبي ﷺ سيدنا عمر، قال: "تعال، إن الله يقول: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) [القيامة:14-15]؛ لأنه لما نزلت: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (14) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (15))

قال: يا رسول الله (وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)؟ فنزلت بعد ذلك الآية، فدعاه وقال اسمع: 

  • من عهد آدم إليّ؛ ثلة من الأولين. 
  • من عهدي إلى منَ بعدي من أمتي؛ ثلة. 

وقال: متي سنكمل الثلة -التي من أمة محمد؟ 

  • هناك ثلة من عهد آدم، ملايين ملايين مرَّتْ من القرون؛ ثلة منهم. 
  • وثلة من عندي إلى عند القيامة: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْن". 

حتى قال: إنه لا نستكمل ثُلتنا حتى يدخل القوم من رعاة الإبل، والأقوام -السودانِ- مَن يشهد أنه لا إله إلا الله، يدخلون حتى تستكمل الثلة؛ لأن هذه ثلة من قرون طويلة عريضة، وثلة منهم كذلك مثل تلك الثلة.

حتى قال لهم الرسول ﷺ: أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، كبَّروا الصحابة، أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. 

  • ثم أخبرهم: أن من يدخل الجنة من أمته ثلثي أهل الجنة! 
  • قال: "أهلُ الجنَّةِ - يوم القيامة- عِشرونَ ومائةُ صفٍّ؛ ثمانونَ منها من هذهِ الأمَّةِ وأربَعونَ من سائرِ الأممِ"
  • مع أننا من جهة العدد ما نحن في الأمم قبلنا إلا؛ كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود. 

انظر الفرق! ولكن أعدادا كثيرة من هذه الأمة يدخلون برحمة من الله ، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]، جعل الله الوسطة عبده المصطفى ﷺ رحمه، ورحم أمته به. قال: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، "نَحنُ الآخِرونَ الأوَّلونَ يَومَ القيامةِ"، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه. 

الحمد لله على هذه النعم، ارفعنا في ذاك اليوم، مع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم، مع خواص الصديقين والشهداء والصالحين في زمرة النبيين، في تبعية سيد النبيين خاتم النبيين. شرفنا برؤية وجهه في ذاك المقام، والدخول معه إلى دار السلام، والاستظلال بلواء حمده مع القوم الكرام، والشرب من حوضه الطيب الأزهر في يوم القيام، واسقنا بيده شربة لا نظمأ بعدها أبداً. وزدنا منك نوالاً وجوداً. 

يا ربِّ، خواتم الشهر تقَبل فيها الدعاء ولا تخيب الرجاء، نسألك بكل رمضان وبما آتيت وتؤتي في رمضان، وبكل فضل لك أن تتفضل علينا بالدخول في دائرة الأطيب الأطهر، وتجعلنا ممن يُرفع يوم المحشر، وجميع أهلينا يا رب، وجميع أولادنا يا رب، وجميع أصحابنا وطلابنا يا رب، ارفعنا في ذاك اليوم ولا تضع منا أحداً.

يا حي يا قيوم، إذا جاء يوم الواقعة؛ الخافضة الرافعة، فارفعنا ولا تخفض منا قليلًا ولا كثيرًا، صغيرًاولا كبيرًا، ذكرًا ولا أنثى، يا مجيب الدعاء، يا من لا يخيب الرجاء. أنت عدتنا لذاك اليوم، نعلم أن اليوم يومك والأمر أمرك والحكم حكمك، والأمر لك: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [الانفطار:19]، لا يشركك فيه غيرك، كما لا يشركك الآن غيرك. فنسألك اللهم يا من بيده الأمر أن تيسر لنا كل عُسر، وأن تكشف عنا كل كرب، وأن ترفعنا يوم الحشر مع المحبوبين والمقربين وأهل التمكين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

01 شوّال 1442

تاريخ النشر الميلادي

12 مايو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام