(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}، الآية: 1، إلى قوله تعالى، {وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}، الآية: 14
﷽
(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14))
الحمد لله مكرمنا بالبيان، على لسان سيد الأكوان، عبده الذي رفع له القدر والشأن، سيدنا محمد المصطفى من عدنان. اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرّم على عبدك المنزَّل عليه القرآن، سيدنا محمد وعلى آله وأهل بيته المطهرين من الأدران، وأصحابه الغرِّ الأعيان، وعلى من والاهم فيك واتبعهم، بإحسان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الفضل والعرفان، وعلى أتباع آلهم وأصحابهم وأتباعهم والملائكة المقربين، وعبادك الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
أما بعد،،،
فإنِّنا في نعمةٍ تأمُّلنا لكلام ربنا وخطابه، وما أنزل في كتابه على قلب سيد أحبابه ﷺ، انتهينا إلى سورة الواقعة، المُسمَّاة باسم "الواقعة":
والواقعة اسم من أسماء القيامة:
فصلٌ حتْمٌ في هذه الواقعة، يتبين به لكل مكلف غاية ما أنتجه كسْبهُ، واضحًا بينًا بلا ريب ولا شك، تنتهي الأوهام عندها والخيالات والظنون، وتجتمع عقائد أهلها على عقيدة واحدة يعاينونها بأعينهم، إلا أنه: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) [الأنعام:158]. وإلا فكل هذه الأفكار الدائرة في ظهر الأرض، المخالِفة للواقع قد انتهت وذهبت وتلاشت، وبقي الحق هو الظاهر.
تفسير قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1))
يقول الرحمن -جلَّ جلاله-: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)، إذا جاء وقت القيامة، إذا وقعت الواقع؛
(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2))، ليس لوقعتها كاذبة؛ وقعتها وقيامها عند حصوله، لا يوجد أحد يكذِّب بها، ما هناك نفس كاذبة مكذِّبة تكذِّب بالقيامة: الملحد يؤمن بالقيامة، واليهودي يؤمن بالقيامة، والمتنكِّر للأديان الكل يؤمن بالقيامة (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ).
(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) فإنها قد رُتبت وقُدرت بتقدير الخالق المكوِّن لجميع الوجود -جلّ جلاله-، وما هي إلا أن يأتي وقتها الذي حدده وعينه -جلَّ جلاله- فلابد أن تكون، كما قال -جلَّ جلاله-:
ولكن أجل مسمى، فقط إذا انتهت المدة جاء وقت قيام القيامة. وقد وقَّته الرحمن -جل جلاله- في الوقت الذي أراده وأخفاه عن خلقه: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) [الأعراف:18] .
تفسير قوله تعالى: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2))
يقول تعالى: (إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2))، (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل:1] أمرٌ متيقن واقع لا محالة، آتٍ على العباد:
يدل عليه تقليب الحق لهم في أحوالهم وشؤونهم؛ من نوم ويقظة، وصغر وكبر، ونطفة إلى علقة إلى مُضغ إلى نفخ الروح في عظام كسيت بلحوم، إلى حر وبرد، إلى أرض ميتة جدباء وأرض حية.
هذه الأشياء كلها دلالات قاطعات واضحات على القيامة والرجعة إليها، التي يقول عنها: أخبركم بهذا وعملت أمامكم هذا؛ لتعلموا أن الأمر عندي واحد ولا يعجزني، كما لم أعجز عن هذا فلا أعجز عن هذا.
من الذي يعجزني؟
فهؤلاء المتشككون والملحدون ما كأنهم موجودون، ولا كأن هذه الأشياء أمامهم، عميت بصائرهم فنسوا أنفسهم، ونسوا ما حولهم، وما دروا بأنفسهم أنهم استُعبدوا لتصور باطل خاطئ في ظهور أسباب ظنوا أنها الفعالة والمسببة، وهو ظن باطل تردُّه المشاهدة ويردُّه الحس، والحس -فضلًا عن العقل- إذا أُحسن استخدامه. فالحمد لله على نعمة الإسلام، اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا.
(إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2))؛ فيجتمع الكل كما قال في أثناء السورة:
تفسير قوله تعالى: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3))
يقول -جل جلاله-: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ(3)) حقيقة الخفض والرفع، من المرفوع ومن المخفوض؟
يظهر في ذلك اليوم؛ من المخفوض حقيقة، ومن المرفوع حقيقة. الله!
(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، خافضة لأصناف الكفار والملحدين الذين بلغتهم دعوة الله ورسله فأبوا وأصروا واستكبروا وراء الشهوات والأهواء..
فهناك حقيقة الخفض والرفع، ويُعلم من المرفوع؟
فلا يوجد إلا المؤمنون والمصدقون بالمرسلين، أتباع المرسلين؛ أرفعهم الأنبياء والرسل. والرفعة الكبرى لسيد أهل الدنيا والأخرى؛ عبد الله الذي أعلى له قدرا؛
فالرفعة تنتهي في ذروتها في العالم الخلقي إلى؛
ألْحقَنا الله بهم؛ هم المرفوعين، والمتبيِّن لهذه الحقيقة، ما يشهد الرفع لغير هؤلاء، أمّا من علا بشهرة، ومن علا بثروة، ومن علا بسلطة؛ لا يُشهد لهم رفعًا! يعرف المرفوع من هو، ليس هؤلاء، هو يعلم أن هؤلاء في مدة متاع الغرور، تتشكل هذه الأشكال بهم ثم تضمحل، لكن:
هؤلاء هم المرفوعين؛ ولذا جاء في سيرة نبينا:
فلا يشهد الموقنون بهذا الحق رفعة لغير المؤمنين الصادقين المخلصين؛ ولهذا قد ينتابهم إجلال وإكبار لشخص هو في أعين الناس حقير أوقصير، إما ذي عاهة أو ذي مرض أو ذي فقر، يرون فيه من صفات الإيمان وصفات القرب من الرحمن ما يهابونه من أجله -تعالى- لأنهم يعلمون أن هؤلاء من رُفع حقيقة، وأن الرفعة لهم ليست لأهل الأبَّهات ولا لأهل المظاهر.
(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3)) تبين حقيقة الخفض والرفع:
فيأتي هؤلاء الذين نازعوا الخافض الرافع -جلَّ جلاله-، وادَّعوا أنهم يخفضون ويرفعون:
كذبوا! لا يخفضون ولا يرفعون، الخافض الرافع واحد هو الله:
فسماها خافضة رافعة لأن أسرار خفضه هو، ورفعه هو، تظهر للكل، فيضمحل كل خفض ورفع لسواه كائناً من كان، لا يقدر أحد أن يخفض غيره، ولا يقدر أحد أن يرفع غيره: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحج:18]. من يهن الله فماله من مكرم، ومن أعزه الله ما له من مذل، لا أحد يقدر أن يهين الذي أكرمه الله.
وإنما تمر على الناس في فترة الحياة الدنيا غرور كثير، وزور كثير وظاهر، وهذا يُقتل وهذا يذهب، ويُظن أن من مرض أو من قُتل أو من افتقر أنه أُذل، وليست هذه دلالة الذل والخفض، ففي ميزان الحق:
هذا هو الذل، هذا هو الذل، هذه هي المهانة، هذا هو السقوط، وبقية الأشياء متاع الغرور.
سواء أن قال لك ملك، قال لك وزير، قال لك مقدَّم، قال لك شيخ، قال لك طالع، قال لك نازل؛ كلّه متاع الغرور:
(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، يتجلى شأن الخفض والرفع، وكثير من هذه الصور الظاهرة تتلاشى تمامًا، وتحل الحقيقة محلها:
كثير كانوا مرفوعين في الدنيا، فتجد جبابرة الدنيا.
أين الرفعة؟
ادَّعى الرفعة المكذوبة؛ عشر سنين، خمسة عشر، عشرين، أربعين، له الآن خمسين ألف سنة هو في هذا الصَّغار والهوان، وبعد الخمسين ألف؟ أذل، يُقادون في النار، أي أشد مَن هذا.
أين الرفعة؟
آمِنْ به يرفعك، واصدق معه واتقِّه في السر والنجوى، فإن الرفع بيده وحده، هو يرفعك؛ ولهذا كان يقول بعض الصحابة: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ):
حقيقة الرفع والخفض هناك: (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ)، تعرف من المخفوض ومن المرفوع:
فرْقٌ بين هذا وهذا؛ (خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ(3)) الله يهيئنا للرفعة في ذاك اليوم، ويملأنا إيمانًا ويقينًا وطاعة له في هذه الرفعة، وإيثارًا له على أهوائنا وعلى أنفسنا وعلى أهل الشرق والغرب، الإيثار له على كل شيء، فيرفعنا ويعلينا ويعزنا، اللهم أعزنا بك، فإنه "لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ".
(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3)):
وهؤلاء لهم صور جمالية، وهؤلاء لهم صور مزرية:
وهذا كذا .. وهذا كذا…، خفض!
وهذا مكرَّم مرفوع مصان، والمَلَك بجانبه:
(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3)) ويجتمع المرفوعون واحدًا بعد الآخر حتى يتكاملون، فيأوون إلى تحت لواء الحمد، وحامل لواء الحمد:
قالوا لسيدتنا عائشة: حدِّثينا بأعجبِ ما رأيت من أحوال رسول الله؟ فبكت، وقالت: بما أحدثكم؟! كان كل حاله عجب! ما هو الأعجب من أحواله؟
قالت: كل حاله عجيب، أأحدثكم عن كلامه؟ أو أحدثكم عن نظره؟ أو أحدثكم عن جلوسه أو قيامه؟ أو أحدثكم عن أكله؟ أو أحدثكم عن أدبه؟ أو أحدثكم عن خلقه؟ أو أحدثكم عن ماذا؟ كله عجيب.
وحدثتهم فقالت: كان إذا جن الليل وخلا كل حبيب بحبيبه، قام يناجي ربه، ولقد دخل علي في ليلة في ساعة متأخرة من الليل، فعمد إلى ماء في قربة فتوضأ، ثم قام يصلي فلم يزل يسجد ويبكي، حتى جاء بلال يؤذن بالصلاة، فلاحظ عليه أثر البكاء، قال: يا رسول الله؛ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "يا بلال لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها!
وتلا عليه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)" ؛ هذا الخفض وهذا الذل الأبدي، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:190-192].
ما معنى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)؟
(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ* رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي) هو ذا حامل لواء الحمد، (سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، ونحن وقفنا خلفه وتحت لوائهِ؛ فآمنا، (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:192-194].
نسألك يا منزل القرآن أن لا تدع أحدًا من الحاضرين ولا السامعين ولا من يواليهم، إلا رفعته في ذاك اليوم. لا تعرِّضنا للذل ولا للخزي في ذاك اليوم، ولا تخزنا يوم القيامة. واجمعنا تحت لواء الحمد كما جمعتنا تحت ذكره الآن، وتحت الإيمان به الآن، ونحن موقنون به وأنه حق وصدق، وأن اليد الكريمة تحمله، ونشهد أنه رسولك وعبدك وحبيبك وصفيك.
فبه عليك اجمعنا تحت ذاك اللواء، وأمامه المرفوعين كلهم؛ آدم وشيث بن آدم وإدريس ونوح وكلهم مارُّون تحت اللواء؛ مرافقتهم يارب ورؤيتهم يا رب، الدخول معهم يا أرحم الراحمين.
تفسير قوله تعالى: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا (6))
ي(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3))، متى يكون هذا؟
قال: أعطيكم بعض أنباء عن تلك الواقعة وما يحصل فيها:
(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4)) سمعت؟
وثم يؤتى للجبال:
أنظر الى صلابة الجبال، ما الذي سيبقى؟ هل سيبقى حديد مسلَّح أو اسمنت؟ ماذا سيبقى؟ الجبال هذه التي هي أصلب شيء في الأرض، بُست! (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه: 105]، ينسفها ربي نسفًا.
ما الذي سيبقى؟ عسى شيء من ناطحات السحاب! ما الذي سيبقى على ظهر الأرض؟
جبال الأرض دكت وفتتت ونسفت وبست، فتتحول بأطوار:
صلابة الجبال مثل هذا الهباء الذي يحرِّكهُ الهواء كذا، ما تحسُّ به، حتى لما تمر فيه ما تحس به، منتشر كثير من هذا الهباء؛ بكتيريا عندك من يمينك وشمالك ما تحس بها، الجبال تصير هكذا! جبال بصلابتها تصير هباء، وينتهي إلى النسف النهائي: (يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:105-107]. ولا طلوع ولا نزول.
تفسير قوله تعالى: (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9))
(وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًّا (6)). تسمعون منِّي! يا من خلقتكم وأنا أوجدتكم وأعلم بكم، وأقول لكم: جميعكم تتحولون، أيها المكلفون الذين أرسلتُ لكم رسلاً وأنزلتُ الكتب، إلى ثلاثة أصناف، ليس لها رابع:
(وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا(7)) أصنافًا وأضرُبًا ثلاثة. كنتم كلكم أزواجًا ثلاثة، ثلاثة أصناف.
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)، الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، الذين يحشرون على يمين العرش، (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)؟! وهذا أسلوب اللغة عندنا:
ما فلان؟! ما فلان؟! ما فلان؟! إما تعظِّمه لأن شأنه كبير، أو تحتقره؛ من هو هذا؟ من هو فلان؟.
وهكذا قال في أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، قال:
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9))، يعني:
(فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9))، وهناك ناس؛ لم يسمِّهم أصحاب يمين ولا أصحاب شمال، خالصين له ومحبين له، قال: اتركوا اليمين والشمال لكم، أنتم أسعد السعادات الكبار؛
تفسير قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10))
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10))، أهل سابقة الفضل الأكبر، والذين سبقوا إلى الإسلام وعلامتهم في الدنيا:
يسابقون للخيرات، (أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:61] يقول الله تبارك وتعالى.
حتى جاء في بعض الآثار: أنّ (السَّابِقُونَ) كان منهم أول من يدخل المسجد، وآخر من يخرج منه؛ يسبق الناس إلى المسجد هو أول واحد، وآخر من يخرج من المسجد.
وهكذا يقول: " في كلِّ قرنٍ من أُمَّتِي سابِقُونَ"، في كل قرن سابقون، كل زمن بعدي في الأمة، هناك ناس يلحقون بالسابقين، الله أكبر! في كل قرن من أمتي سابقون.
تفسير قوله تعالى: (أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14))
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (11) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (12)) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (13))، اللهم اجعلنا منهم. (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (14) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (15)). يقول:
وكان..
وعلى هذا المعنى جاء أنه لما نزلت الآية حزن الصحابة، فأردف الله بالآية بعدها -ستأتي عند ذكر أصحاب اليمين- (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (14) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (15))، وإن فيها استدعى النبي ﷺ سيدنا عمر، قال: "تعال، إن الله يقول: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) [القيامة:14-15]؛ لأنه لما نزلت: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (14) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (15)).
قال: يا رسول الله (وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)؟ فنزلت بعد ذلك الآية، فدعاه وقال اسمع:
وقال: متي سنكمل الثلة -التي من أمة محمد؟
حتى قال: إنه لا نستكمل ثُلتنا حتى يدخل القوم من رعاة الإبل، والأقوام -السودانِ- مَن يشهد أنه لا إله إلا الله، يدخلون حتى تستكمل الثلة؛ لأن هذه ثلة من قرون طويلة عريضة، وثلة منهم كذلك مثل تلك الثلة.
حتى قال لهم الرسول ﷺ: أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، كبَّروا الصحابة، أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة.
انظر الفرق! ولكن أعدادا كثيرة من هذه الأمة يدخلون برحمة من الله ، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]، جعل الله الوسطة عبده المصطفى ﷺ رحمه، ورحم أمته به. قال: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، "نَحنُ الآخِرونَ الأوَّلونَ يَومَ القيامةِ"، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه.
الحمد لله على هذه النعم، ارفعنا في ذاك اليوم، مع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم، مع خواص الصديقين والشهداء والصالحين في زمرة النبيين، في تبعية سيد النبيين خاتم النبيين. شرفنا برؤية وجهه في ذاك المقام، والدخول معه إلى دار السلام، والاستظلال بلواء حمده مع القوم الكرام، والشرب من حوضه الطيب الأزهر في يوم القيام، واسقنا بيده شربة لا نظمأ بعدها أبداً. وزدنا منك نوالاً وجوداً.
يا ربِّ، خواتم الشهر تقَبل فيها الدعاء ولا تخيب الرجاء، نسألك بكل رمضان وبما آتيت وتؤتي في رمضان، وبكل فضل لك أن تتفضل علينا بالدخول في دائرة الأطيب الأطهر، وتجعلنا ممن يُرفع يوم المحشر، وجميع أهلينا يا رب، وجميع أولادنا يا رب، وجميع أصحابنا وطلابنا يا رب، ارفعنا في ذاك اليوم ولا تضع منا أحداً.
يا حي يا قيوم، إذا جاء يوم الواقعة؛ الخافضة الرافعة، فارفعنا ولا تخفض منا قليلًا ولا كثيرًا، صغيرًاولا كبيرًا، ذكرًا ولا أنثى، يا مجيب الدعاء، يا من لا يخيب الرجاء. أنت عدتنا لذاك اليوم، نعلم أن اليوم يومك والأمر أمرك والحكم حكمك، والأمر لك: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ) [الانفطار:19]، لا يشركك فيه غيرك، كما لا يشركك الآن غيرك. فنسألك اللهم يا من بيده الأمر أن تيسر لنا كل عُسر، وأن تكشف عنا كل كرب، وأن ترفعنا يوم الحشر مع المحبوبين والمقربين وأهل التمكين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
01 شوّال 1442