تفسير سورة الواقعة - 3 - من قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)، الآية: 10

تفسير سورة الواقعة، من قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}، الآية: 10
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الواقعة، من قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}، الآية: 10، إلى قوله تعالى: {  لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ }، الآية: 19. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15) مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • السابقون المقربون وحقيقتهم:
    • السبق والتقرب.
    • إفراد المحبة.
  • حال المؤمن ودرجات الجنة
  • خصيصة الأمة المحمدية
  • نعيم المقربين في الجنة:
    • السرر واللقاءات.
    • أثر المحبة.
    • الخدام والشراب.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرِمنا بتنزيل القرآن في رمضان، على قلب عبدهِ سيدنا محمدٍ المصطفى من عدنان. اللهم أدم صلواتك على عبدك الهادي إليك والدالِ عليك، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأهل محبتهِ وقُربه، على آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرَّبين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعدُ،،، 

فإنَّا في نِعمةِ تأمُّلنا لكلامِ إلهنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-؛ مررنا على أوائلِ سورةِ الواقعة وانتهينا إلى قولهِ سبحانه وتعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12))، ألحقنا الله وإيَّاكم بهم. 

  • سبقوا في وجهتِهم إليه. 
  • وسبقوا في أدبهم معه. 
  • وسبقوا في خُضوعِهم لجلاله. 
  • وسبقوا في حُسن امتِثالهم لأمره، واجتنابِهم عن زجْره. 

فسُمُّوا بالسابقين، فهم الذين (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:61] فلهم السبقُ والتقدِمة على من سواهم، وهم المُميزون من بين أهل الجنة، لهم سوابِقُ الإسعاد من حضرةِ ربِّ العباد -جلّ جلاله-:

  • فبدت عليهم في مقاصِدهم؛ فسبقوا من سِواهم في إفراد القصد لوجه الربّ.
  • وبدت عليهم في نيَّاتهم. 
  • وبدت عليهم في مُراداتِهم ورغباتهم. 
  • وبدت عليهم في مُعاملاتهم. 
  • وبدت عليهم في تعلُّقات قلوبهم وتولُّعها بالإله الحق -جلَّ جلاله -ومحبَّتها لربها. 

وألا يحّل في قلبها محبةٌ بعد محبة الله لأحد من الخلق: 

  • كمحبة سيد الخلق، حبيب الحق محمد ﷺ. 
  • ومحبَّتهم للأنبياء والمرسلين والمقربين والعباد الصالحين، بأدبهم مع الله تعالى:
  • من كان إلى الله أحب؛ كان إليهم أحب. 
  • وما كان أبغض إلى الله؛ فهو إليهم أبغض. 

وبسبْقِهم في كل ذلك؛ حازوا السبق فكانوا هم (السَّابِقُونَ).

قال: (أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11))، أحسنوا التقرُّب فقرَّبهم الحق وهو القائل: و"إذا تَقَرَّبَ عَبدي مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ منه ذِراعًا، وإذا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبتُ منه باعًا أو بوعًا، وإذا أتاني يَمشي أتَيتُه هَرولةً"، فأنعم به من إله كريم.

 

تفسير قوله تعالى: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12))

قال: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12))، الجنات ذات التَّنعُم بالأصناف والعجائب، "ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ"، كما سيأتي وصف هذه الجنات، ووصف نعيمهم فيها، في كلام ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- وهو الحق. 

وبذلك..

  • يُعْلمُ أن المؤمن في صلاح قلبه واستقامته في الحياة، يكون نصب عينهِ أمر الجنة وأمر النار، كأنَّه يراهما رْأَى عَيْنِ، يغلب ذلك على فِكره، وهو الحق وهو الحقيقة. 
    • وبذلك يحيا مُستمسكاً بالعروة الوثيقة. 
    • ماشياً في أقوم طريقة. 
    • فيدخل في خيار الخليقة. 
  • والذي ينسى ذلك المصير وتلك الدار الآخرة، فيشغل بالهُ وعقلهُ ومشاعرهُ بالفانيات أو التُرَّهات أو الشهوات أو ما ينشُرهُ الفُسَّاق على ظهر الأرض فهو؛ 
  • أجدر أن لا يستقِر نور الإيمان في قلبه. 
  • وأن لا يُحسِن القُرب من ربِّه. 
    • فلا يَسبق، وربَّما لا يَلحق. 
    • وربَّما يُطرد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

وقال الصحابةُ لسيدنا المصطفى ﷺ: إنَّا نكون بين يديك تذكِّرنا بالجنة والنار، حتى كأننا نراهما رَأْيَ العَيْنِ. فكان هذا حالهم مع هاديهم ومُعلِّمهم المؤتمن من ربِّهم على نُصحهم وإرشادهم وهِدايتهم، وقال لهم ﷺ: "لو تدومون على ما أنتم عليه عندي لصافحتكم المَلائكةُ في الطُرقات"؛ لبرز لكم من عالم الغيب، وانكشف لكم من الحُجُب ما تختلطون به بالملائكةَ اختلاطاً حتى تُكلِّمونهم ويكلمونكم ويصافحونكم في الطرقات. 

ولأجل هذهِ الحُجُب والغفلات، وتعلُّق العُقولِ والأرواحِ بما لا يجدي ولا ينفع ولا يرفع صاحِبه، صار حقُ عامة المؤمنين من الملائكة شُهودهم لمجامِعهم من حيث لا يعلمون، ومن حيث لا يرون، ومن حيث لا يشعرون، ودخولهم معهم:

  • خصوصاً في ليالي رمضان وأيام رمضان، وأخصّ منها في ليلة القدر: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم) [القدر:4]. 
  • ففي كل صلاةٍ من صلوات الفجر، يحضر ويشهد عدد كبير من الملائكة، قال تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الاسراء:78]: 
    • أي يشهدهُ ملائكةٌ كثير، يحضرون مع المُصلِّين صلاة الفجر. 
  • وفي الأخبار أنهم إذا تصافحوا تصافحت الملائكة معهم مع مصافحتهم ولكن لا يشعرون بهم. 
  • وهكذا جاءنا في حديث صحيح: "من فطَّر صائماً من مالٍ حلال صلَّت عليه الملائكة ليالي رمضان وصافحهُ جبريل ليلة القدر". 
    • ومن صافحهُ جبريل يرِقُّ قلبهُ وتكثر دموعه، يرِقُّ قلبهُ وتكثر دموعه.

ولكن عامة المؤمنين لا يرون ولا يشعرون، وتأتي الآثار عليهم من مثل هذه الرِقَّة، ومن مثل ذاك الدمع من خشية الرحمن -جلّ جلاله- ومن محبته ومن معرِفته.

قال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12))

  • وليس المُرادُ الرتبة في الجنة التي تُسمَّى جنَّة النعيم.
  • ولكن المُراد الجنة ذات النعيم. 

وهم في الدرجة العُليا منها في الفردوس:

  •  والفردوسُ أعلى منازِل الجنة، وفي الخبرِ: "إذا سألتم الله الجنةَ فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى منازل الجنة". 
  • وجاء في الآثارِ أن الفردوسَ وعلِّيين والمَزِيد هذهِ الجناتُ الثلاث: أعلى الجنة، وقد يُطلق الفردوسُ على مجموع الثلاثة. 
  • وبعد ذلكَ جنَّة النعيم وجنَّة المأوى ودارِ السلام وبقيَّة الثمان اللاتي لكل منها باب، وأبوابُ الجنةِ ثمانية. 

وهذهِ الدرجاتُ العلى للمُقرَّبين ينزلون فيها، وهم درجاتٌ عند الله. 

وأعلى درجةٍ فوق الفِردوس الأعلى، درجةُ الوسيلة، لا تكون إلا لواحدٍ من الخلق، وليس هو إلاَّ حبيب الرحمن محمد ﷺ: "آتِ سيدنا محمد الوسيلة والفضيلة". يقول لنا: 

  • إذا أذَّن المؤذِّنُ فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ واسألوا الله لي الوسيلة فإنها أعلى درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد، وأرجو أن أكون أنا هو". 
  • قال: "ومن سأل الله لي الوسيلة حلَّت لهُ شفاعتي يوم القيامة".

فسبحان الذي رفع الدرجات للمؤمنين عامةً، وخاصةً لأولئك الخواص:

  • وجعل درجات الأنبياء فوق من عداهم. 
  • ودرجات أولي العزم فوق بقية الأنبياء والمرسلين. 
  • ودرجة عبده محمد فوق الجميع. 

 

تفسير قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14))

(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14)). وأشرنا إلى القولين؛ هل المُراد من الأمم كلِّها أو من هذه الأمة؟ 

  • ورجَّح مُحقِّقون أن المقصود من هذه الأمة (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13)) أي: من أوائل هذه الأمة، من أهل القرون الأولى -ثلة: جماعة كثيرة- (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14))، والقرون التي بعدهم سابِقون ولكن قليل بالنسبة لأهل القرون الأولى. 
  • أما المجموع فإن هذهِ الأمة هم السابقون يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: "نَحنُ الآخِرونَ السَّابِقونَ يَومَ القيامةِ"، تسبق من عداها من الأمم؛ تكرِمة من الله لحبيبه الأكرم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: 
    • فلا تُحاسَب أمَّة قبل أمَّته. 
    • ولا يوزن لأمَّة قبل أمَّته. 
    • ولا يمر على الصراط أمَّة قبل أمَّته. 
    • ولا تُمكَّن أمة من دخول الجنة حتى تدخُل أمَّته. 

"إنَّ الله حرَّم الجنَّة على الأمم حتى تدخلها أمَّتي"، حرَّمها على الأنبياء حتى أدخلها أنا -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم.

وبذلك علِمنا: 

  • أنَّهم ربع أهل الجنة، بل ثُلث أهل الجنة، بل نِصف أهل الجنَّة، بل ثُلثان. 
  • فيكثر الداخِلون إلى الجنة من هذه الأمَّة، مع أنَّهم بالنسبة للأمم السابقة قليلٌ عددهم؛ من عهده ﷺ إلى آخر الزمان، إلى أن تقوم الساعة. 

هم بالنسبة لمن قبلهم قليل -بملايينهم الكثيرة- هم قليل بالنسبة لمن مضوا على ظهر هذه الأرض، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان:28-39].

 

تفسير قوله تعالى: (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15))

قال: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَىٰ سُرُرٍ) هذا بداية أوصافهم في جنات النعيم وفي الفردوس الأعلى، (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15)) أي منسوجة ومرمولة بالذهب.. 

  • (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ) لا يوجد لها نظير في عالم الدنيا، ولو أُخرج عمودُ سرير منها، لم يقم له ذهب الدنيا بعياراته كلها. ولكنها سُرُرُ المُقرَّبين. 
  • (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ) منسوجة مرمَّلة بالذهب، طويلة، حتى جاء في الأخبار أنهُ يرتفع السرير، طولهُ إلى سبعمائة ذراع، وإذا جاء إليه تطمَّن له -أي نزل-. 

ليس بكهرباء أو بزرٍّ أو بشيء، بمُجرَّد ما يصل إليه صاحبه ينزل إليه، فإذا صعد عليه ارتفع به تلقائياً؛ فهو في دار ضيافة، دار ضيافة القوي القادر ليس تكنولوجيا، هو الذي يقول للشيء كن فيكون -عزَّ وجل-. 

وهكذا عامة نعيمهم في الجنة، لا خطر على قلب بشر، وكان ﷺ إذا وصف الجنة وذكرها وأخبر؛ وقف وقال: "وفيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، اقرأوا إن شئتم قوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17]". اللهم اجعلنا من أهل جنَّتك، ونسألك الدرجات العُلى من الجنَّة؛ (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15)).

 

تفسير قوله تعالى: (مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16))

(مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا) اتِّكاء المُلوك على الأسرة، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20]، (مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ أي: 

  • بينهم لقاءات، فإن شرف المحبة في الله والأخوة فيه والتعارف عليه عظيم وكريمٌ.
  • يترتب عليه من أنواع النعيم ما أشار إليه الحق بقوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحِجْر:47]. المُتكئين اتِّكاء المُلوك. 

(مُتَقَابِلِينَ) يُقابِل بعضهم بعضاً، ويلقى بعضهم بعضاً، ويُسامر بعضهم بعضاً، ويُحدِّث بعضهم بعضاً، على قدر ما ارتبطوا من حبل المحبة الخالصة في الله ومن أجل الله -جلَّ جلاله-. 

  • لذا لا يمكن أن يبلغ أحد بالدرجة من الأعمال ما يبلغُ صاحب القلب المُولَّع بحضرة النبوة أو الرسالة؛ أولي الدرجات العُلى، فإن هذا يُرَقِّيهِ مَرَاقِيَ لَا يَرْقاها بشيء من الأعمال الصالحة. 
  • فشاهدهُ قوله: "أنتَ مع مَن أحبَبتَ"، فيتقابلون، فلقاء كل فرد من هذه الأمة من المؤمنين الذين يدخلون الجنة: 
    • لقاؤه برسول الله على قدر ما أودِع في الحياة قلبه من قوَّة محبَّته وشِدَّة تعلُّقه به، يكون لقاؤه هناك.
    • يكون لقاؤه هناك على مثل ذلك وعلى مُقابل ذلك، أي جزاء لذلك، والجزاءُ فوق الوصف وفوق التصوُّر والخيال.

(مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16))

  • فسوف تُقابِلُ من قابلتْهم روحك في الدنيا بالمودَّة والمحبة من أجله.
  • أمَّا من لم تجمعهم أرواحهم إلا على مُخالفته ومعصيته والتكَّذيب به، فيلعن بعضهم بعضاً، ولا تَناسُب في التقابِل بين تلك الأرواح وتلك القلوب، بل: 
    • (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا) [الأعراف:38] والعياذ بالله تعالى.
    • و(قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [ق:27-29]. 

لكن هؤلاء (مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16))، يُقابلُ بعضهم بعضاً، ويحدِّثُ بعضهم بعضاً، فهذا حالٌ من أحوالِ المُقابلة في دار الكرامة بين الذين تقابلت وانسجمت أرواحهم على محبة الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-.

وجاء في الأخبار: 

  • أن من أهل الجنة من ينظر إلى درجتين غائرتين في الأفق، كما ينظر أهل الأرض إلى نجمين،؛ الكوكبين الغائرين في الأفق. 
  • فيقول هؤلاء -هذا صنفٌ من أهل الجنة-: يا رب لمن تِلك الدرجة في الجنة؟ أَلِنَبِيٍّ مُرْسَل أَمْ لِمَلَكٍ مُقَرَّب. 
  • يقول الله: لَا، وَلَكِنَّهَا دَرَجَةُ عَبْدَيْنِ تَحَابَّا فِيَّ، تَحَابَّا فِيَّ وَتَآخَيَا فِيَّ وَتَجَالَسَا فِيَّ، فَهَذِهِ دَرَجَتُهُمَا، فَيُبْدِي الحق لهم شرف المحبة فيه ومن أجله؛ لأن ذلك عملٌ قلبي.

أعمال القلوب ترجح على أعمال الجوارح، من تحب؟ 

وهكذا أوحى الله إلى بعض أنبيائه: "لو لقيتني بعبادة أهل السماوات والأرض، لم يُغنِ ذلك عنك عندي شيئاً": 

  • لا تنفعك هذه ظواهر العبادات وأنت لا تحب الذين أُحبهم ولا تبغض الذين أُبغضهم! 
  • "حبٌ فيّ ليسَ وبغضٌ فيّ ليسَ"، توُالي من يُعاديني ومن يخرج عن أمري وتمشي معه كذا؟ 

 قال الله تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) فيطيعون في بَعْضِ الْأَمْرِ لقوم كرهِوا ما نزل الله -والعياذ بالله تعالى- (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ *ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:26-28]: 

(..كَرِهُوا رِضْوَانَهُ

  • رِضوانُه في الصدِق. 
  • ورِضوانُه في الإنصاف. 
  • ورِضوانُه تعالى في موالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه. 

هؤلاء كرِهوا رِضوانه، تقول عليهم ذلك، وقال ا: ظروف تفرض، الوقت ثاني والزمن ثاني. إذهب حيثما تريد! الله غني عنك: 

  • إن تصدُق معه فأنت الرابح، والمُلك ملكه والمرجِع إليه، والحُكم له في ذاك اليوم. 
  • وإن غرَّك شيء من متاع الحياة الدنيا، فوالِ من شئت، واذهب مع من شئت، فهو الغني عنك، وأنت النادم وأنت الخاسر -والعياذ بالله-، وأنت الذي ستبكي على نفسك.

 

تفسير قوله تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17))

قال تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ) هذا مظهر من مظاهِر لقاءاتهم، ومظهر آخر؛ يتقابلون في أسواق الجنة: 

  • (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ)، أيام كنا في الدنيا، كنا نخاف الربّ، ننتبه من غضبه وعقابه. 
  • (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا) -في حياة الدنيا- (مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ). 
  • فذكر السببين لوصولهم الى الجنة: 
    • خشيتهم من الله. 
    • ودعاءهم. 

(إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)  [الطور:25-28]. 

اللهم يا بر يا رحيم مُنَّ علينا وقِنا عذاب السموم، اللهم يا بر يا رحيم مُنَّ علينا وقِنا عذاب السموم، اللهم يا بر يا رحيم مُنَّ علينا وقِنا عذاب السموم، وأْذن بجمْعنا في تلك الدار مع عبادك الأخيار، وأنت راضٍ عنَّا يا كريم يا غفار.

وهم يتساءلون وهم يتقابلون: 

  • (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *  قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ)، كان واحد جارنا وبجانبنا ومعنا في الدنيا، يضحك علينا ويضحك على أعمالنا، ويقول: ما عندكم شغل، أنتم فقط تُفكِّرون في الآخرة، متى الآخرة هذه؟ الناس الآن في حياة أمامك، كلامك هذا الفارغ، وتقول إنك سترجع بعد الموت! الآن أكسِبْ مع الكاسبين، اترك هذا الكلام. 
  • (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ)، فلما يذكره مع صاحبه هذا في الجنة، يُناديه الملك: (قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ) هل تريد أن ترى صاحبك هذا الذي كان يضحك عليك؟
  • (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) يكشف الحجاب ويظهر أمامه ذاك وهو مُعذَّب هناك في النار! مع بُعد المسافة بين الجنة والنار كيف يُشاهده ويسمع خِطابه ويُكلِّمه؟ 
  • (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) يراه، يقول: فلان! وهذا من شِدةِّ العذاب، يردُّ الله إليه وعيْه، من أجل أن يراه هذا ومن أجل أن يزداد حسرة. أنت فلان بن فلان؟ كنت جاري وكنت صاحبي في الدنيا؟ يقول: نعم.
  • (قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ)، كنت ستأخذنا معك يا خبيث، ستوصلنا لهذا الحال الخبيث، كنت تضحك علينا وتستهزئ بأعمالنا ومجالسنا! 
  • (تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)، وإلاّ كنتُ معك في العذاب هذا. (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ). 

قال الله تعالى؛ في وصف حال أهل الجنة هولاء: (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) [الصافات:50-62]، تذهب هناك عند هذا؟! وهذا هو النُزل الحسن، اكسبه بطاعة ربك، اكسبه بصِدقك مع مولاك -جلّ جلاله-، فهكذا لقاءاتُ أهل الجنة. 

وقد علِمتم أن من ساداتنا الصحابة ثوبان وغير ثوبان فكَّروا في الجنة، وقالوا: إن كنَّا لا نلاقي نبينا فيها؛ فما يطيب لنا العيش لا بقصور ولا بأنهار، هل سنراه أم لا؟ هل سنجلس معه أم لا؟ قد ذاقوا: 

  • قد ذاقت أرواحهم في الدنيا لذَّة الجلوس مع حبيب الحق. 
  • وأدركوا أنه لن يُعوِّضهم عن ذلك لا جنان ولا غيرها. 

هل يرونه أم لا؟ 

حتى إنَّ من شِدَّة الفِكر أن سيدنا ثوبان لم يأكل ولا يشرب أول يوم وثاني يوم وثالث يوم. ثلاثة أيام لا أكل ولا شرب ولا نوم؛ اصفَّر ونحف. 

ورأى النبي الأثر عليه: "ما لي أراك يا ثوبان مُصفر اللون نحيل الجسم"؟  قال: محبَّتك يارسول الله، قال: "ما شأن محبَّتي"؟ قال: إني أذكرك وأنا بين أهلي وولدي فلا أصبر حتى أقوم وأنظر إلى وجهك، وإني إذا ذكرتُ الآخرة، وأنها الحياة الدائمة وقلت: إن أنا لم أدخل الجنة لم أرك؛ ما كان همَّهُ العذاب وأنه لا يدخل الجنه. قال: إن لم أرك هذا أكبر عذاب. 

  • وإن دخلت الجنة كنت في درجة دون درجتك، أنت ترفع مع النبيين، وأنا دون ذلك فلا أراك، فكيف يطيب لي العيش؟! فهذا الذي شوَّش علي فِكري وحال بيني وبين طعامي وشرابي ومنامي يا رسول الله. 
  • ورأى النبي صدقه؛ سكت، وإذا بسيدنا جبريل ينزل بالآية ويُبشِّره: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]، وبُشِّر: ستلقاه في الجنة وستُشاهِده وستُجالسه وستُكلِّمه.

فهذه اللقاءات التي تحصل بين أهل الجِنان على حسب ما رُبِطت أرواحهم من مودة في الله ومحبَّة  له في عالم الدنيا. 

حتى جاء في الأخبار: 

  • أن المُقرَّب من العارفين والصالحين يكون في الدرجة العالية، يذكر أخاً له، يقول: ياربِّ، فلان بن فلان كان آخاني في الدنيا وأحبني. فيقال: نعم هو في الجنة عندك ولكنه في درجة أنزَل منك. 
  • يقول: يا ربِّ آخاني فيك، أفيطيب حالي وهو نازل عنَّي؟! قال: فيقول ارفعوه إلى درجة أخيه، فإنَّهم تحابوا فيَّ -طلّعوا هذا النازل؛ لأن عمله أقل- ارفعوه، ويرفعونه -بفضل المحبة- إلى درجة أخيه في الله سبحانه وتعالى. 

كما يجعل للمُخلصين والصادقين ممن آمن من ذراريهم ومات على الإيمان أن يرفعهم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور:21]. 

  • فالأخوَّة في الله لا تنقص عن النسب كذلك، لا تنقص عن النسب إذا صحَّت، المحبة في الله لا تنقص عن درجة النسب؛ يُرفع إلى عند أخيه في الله سبحانه وتعالى بسبب صِدق محبَّتهم ومودَّتهم لله.

وهم في ذاك العالم (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17)):

  • الخُدَّام الذين في الجنة مُخلَّدون، أي في عالم خُلد ودوام وبقاء، لا شيء فيه ينقطع أو يتأثَّر أو يتغيَّر أو يزول. 
  • كلُ أنواع المِنن والنعيم الموهوبة لهم دائمة، فحتى الخُدُّام في دار السلام لهم الخُلد والدوام، لا ينقص عليهم شيء؛ (مُّخَلَّدُونَ).
  • وبعضهم فسَّر(مُّخَلَّدُونَ): بمقرَّطون، لهم أقراط يلبسونها، وهم في غاية من البهاء والجمال والحُلي والزينة، وهم خُدَّام. 

لذلك يذكر بعض الصالحين لما كان في بلدهم امرأة صالحة اسمها مسكينة، تُسمَّى مسكينة، توفِّيت، ورآها في النوم بحُلَّة حسنة تمشي متبخترة، عرفها وهو من ورائها ينظر: يا مسكينة، يامسكينة! التفتت إليه وعليها نور، قالت: هيهات هيهات ذهبت المسكنة وجاء الغنى الأكبر. قال: الله! ما حالك؟ قالت: لا تسأل عن من أُبيحت له الجنة بحذافيرها، قال: بما نلتِ هذا؟ قالت: بحبي لمجالس الخير في الدنيا، قد كنت أحرص عليها -كانت لا تسمع بمجلس من مجالس الصالحين والعلماء والأخيار والذاكرين إلا تأتي من خلفهم تحضر معهم-، قال: قلت لها ولماذا تتبخترين هكذا في المشي؟ قالت: هذه مِشْية الخُدَّام في دار السلام، أنت ما رأيت المكان الذي نحن فيه والحال. قالت: هؤلاء الخُدَّام يمشون بهذه الصورة، ليس هذا وصف تكبُّر ولا تبطُّر عندنا، هذه مِشْية الخُدَّام في دار السلام. 

قال الله عن وصف ذلك الخُدَّام: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا). يُعجبك اللؤلؤ المُفرَّق وكيف يبرق من النور العجيب، فالخُدَّام حق الجنة هكذا يمشون. الله أكبر. (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:19-20].

 

تفسير قوله تعالى: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19))

(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ): 

  • (بِأَكْوَابٍ): التي لا عروة لها، ولا ممسك. 
  • (وَأَبَارِيقَ): لها عروة وممسك. 
  • (وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ) أي: من صافي خمر طيبةً، لا تشابه خمر الدنيا. 

بل غاية من اللذة والنشوة، بلا ذهاب عقل ولا مرض ولا أسقام ولا صداع: 

  • (لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) لا يصيبهم الصداع بسبب تناولها. 
  • (وَلَا يُنزِفُونَ) ما تذهب عقولهم، يُنزَف: يذهب عقله، (لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ) 

هذا وصف شراب أهل الجنة والمقربين: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19))

لكن مصائب ما حرّم الله علينا في الدنيا من المسكرات، الصداع فيها وذهاب العقل فيها، ويعود سخرية -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ويفعل الأفاعيل ويصبح في الأقاويل. 

بل ولا يجد إبليس وجنده؛ أفتك بحال الأمة وإبعادها عن الله من مثل: 

  • المسكرات والمخدرات. 
  • وتبرج النساء. 
  • ونشر الفواحش. 

هذا أقوى ما يلعب به إبليس وجنده على المؤمنين ويوقعهم فيه في مغبات بُعدٍ وطردٍ عن الله وحسرة كبيرة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

ولذا تجد الممتلئة قلوبهم بكراهة الحق ورسوله محمد ﷺ من الكفار، الذين جعلوا شغلهم أن ينشروا الفساد في الأرض: 

  • يعتنون بنشر هذا تماماً، وخصوصاً فيما بقي فيه من بلاد المسلمين؛ محافظة وظهور للدين، ويحبون أن ينتشر هذا. 
  • ولقد نشروا في هذه المحلات؛ الكثير وعملوا؛ والله يخزيهم ويرد كيدهم عنا وعن جميع المسلمين. 

ويستقطبون لذلك شباباً، شباب من ذكور وإناث -والعياذ بالله- حتى يوقِعونهم في ورطات الإدمان على هذه البلايا: 

  • فيعيشون عيشة الفساد وينتقلون إلى بئس المصير في المعاد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-. 
  • في الحديث: "من زنى أو شرب الخمر نزع الله الإيمان من قلبه كما يخلع الإنسان قميصه من على جسده". 

أعاذنا الله وحفظ أبناءنا وبناتنا وحفظ ذراري المسلمين، ووقاهم شر المفسدين والملحدين والناشرين للسوء والفساد.

اللهم هيئنا للحاق بالسابقين المُقربين، وثبتنا على دربهم، والاتصاف بأوصافهم في كل شأن وحال وحين، وألحقنا بهم وأنت راضٍ عنا يا أكرم الأكرمين، فرِّج الكروب عن جميع الأمة واكشف الغمة وعامل بمحض الجود والرحمة.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

04 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

04 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام