(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ}، الآية: 15، إلى قوله تعالى: {إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً}، الآية: 26
﷽
(عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15) مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26))
الحمدلله مُكرِمنا بأنوار الوحي والتنزيل، والهداية إلى سواء السبيل، والبيان على لسان خير هادٍ ودليل؛ عبده المصطفى محمد، صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه، وعلى آله وأصحابه خير جيل، وعلى من اقتدى بهم واتَّبعهم في النية والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل الرفعة والمقام الجليل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أما بعد،،،
فإنَّنا في نعمةِ تدبُّرنا لكلام ربنا وتنزيله وآياته وأخباره وأنبائه على لسان رسوله، مررنا على أوائل سورة الواقعة، يقول فيها الرحمن -جلَّ جلاله: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)):
فكيف تُستحسَن عندنا وهي عَمَه زُيَّن لهم؟! كيف يكون حسنًا في نظرنا: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ)؟ فكل ما هم فيه عَمَهٌ، (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ) [فاطر:8-9]،
يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3))، وأيقنَّا أن المُنفرد بحقيقة الرفع والخفض هو الله، فلنطلب الرِفعة من عند الله ؛
فإنه يرفع أولئك: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11]، وقال: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ) [يوسف:76].
ويذهب كل الوهم والضلال والخيال الذي يعيش فيه الناس، عيشة عَميقة، وعيشة غريبة إلى آماد محددة، فتنكشف الحقائق:
(خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3)) تُظهر حقائق الرفع والخفض. سبحان الله الذي يرفع ويخفض، ويُقرِّب ويُبعِد، ويُشقى ويُسعِد، ويهدي ويضل، وبيده الأمر كله. اللهم اهدنا فيمن هديت إلى الحق.
(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4)) هُزَّت هزًّا عظيمًا، زلزلة، قال الله عنها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج:1] عظيم! ليس جزء من الأرض أو زلزال بمقدار كذا ونسبة كذا، بل من طرفها الى طرفها، كلها تضطرب وتتحرَّك بِطولها وعرضها: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)، (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) [الزلزلة:1].
(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5)) -فُتِّت- (فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7)))، صِنفان في الجنة والثالث في النار:
ميَّزهم الحق -تبارك وتعالى- من بين أهل اليمين فجعلهم سابقين وهم أهل العليين والدرجات العلى في الجنة، قال ﷺ: "أكثر أهل الجنة البُله"؛ الذين لم ينتهوا إلى إدراك الحقائق العُظمى إدراكًا عظيمًا كاملًا؛ هم بُله، وأكثر أهل الجنة أصحاب اليمين هم منهم.
وعُليّون لأولي الألباب، أحباب ربّ الأرباب: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)، للكثير منهم في عالم الدنيا أثر السَّبق، فتجدهم إلى الخير سبَّاقين، كما أثنى الحق تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:57-61].
وقال في الأزواج الثلاثة، وهم المذكورون في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) [فاطر:32]، وهكذا يُعرفون بسبقهم إلى الجماعات وسبقهم إلى المساجد، فهم السابقون.
يقول تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12))، اللهم اجعلنا منهم. (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14))، وذكرنا القولين في الأولين والآخرين.
فإما من كل أمة، فالقريبين من أنبيائهم مُتأثِّرين بأثر تربية الأنبياء فيهم، سابقين كُثُر، ولمَّا طال عليهم الأمد يقِل السابقون فيهم. وهكذا إنما تُرتقى الدرجات وتُعلى المنازل بمجالسة الكُمَّل والعارفين، وأهل التمكين والقرب منهم، وبهذا قالوا:
وقد ضرب النبي المثل: بالجليس الصالح والجليس السوء، ولا أصلح من محمد، فلا أصلح من جلسائه، فجلسائه وأصحابه أصلح الأمة، فيكثر السابقون من الأوائل، ويقِلُّون في المُتأخِّرين.
وإن كان في هذه الأمة لا يزال في كل قرن سابقون منهم كما جاء وورد، الله .. الله..
وقيل إن المُراد:
ولما نزلت الآية الأولى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14)) شَقَّ على بعض أصحاب النبي ﷺ، ثم أنزل الله الآية بعدها: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ)
وذكرنا في حديث النبي لسيدنا عمر وقال له: "من آدم إليّ؛ ثُلَّة، من هؤلاء كلهم ثُلَّة، ومن عندي إلى مَن بعدي من أمتي؛ ثُلَّة... ثُلَّة من هؤلاء، وثُلَّة من هؤلاء".
مع أن أولئك كثرة كثرة كثرة كثيرة بالنسبة للأمة، مع كوننا ملايين من عهده ﷺ إلى أن تقوم الساعة، لكن الذين مضوا قبلنا في الأرض أضعاف أضعاف أضعاف هذه الأعداد.
إقتراب الساعة يعني أن أكثر العمر الذي جعله الله للأرض قد مضى وبقي آخر ذلك.
تفسير قوله تعالى: (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15) مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16))
يقول:(عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15)) سُرر موضونة: منسوجة بالذهب، موضونة مربَّطة بخيوط وأساور الذهب والفضة، (عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ) غاية في الجمال والرفعة والبهاء والحُسن.
(عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ) منسوجة بالذهب:
وذلك جزاء إقبالهم على الحق، فإن راسخيِّ القدم منهم الثابتين عاشوا طول أعمارهم في إقبالٍ على الله، فألقى الله بينهم المودة والرحمة وجعلهم مُتقابلين، لا يرى أحدهم قفا صاحبه، دائما متقابلين، فجزاء الإقبال حسن مُقابلة.
قال: (عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)، وتلك الأسرَّة الرفيعة، وقد جعل الله لهم كبرا في الأجساد، في تكوينهم الأخروي.
وإذا كان طول أجسادهم أربعة أذرع ونصف، فماذا يأكل! وماذا يشرب! وأين سيطوف؟ ويكبر حتى يتنعم بما أعد الله لهم.
ومن أجل أن يحس أهل النار العذاب، تكبر أجسادهم أكثر من هذا -والعياذ بالله تعالى-، حتى جاء في بعض الأخبار أن ضرس الكافر في النار كجبل أحد، والضرس الثاني، الثالث، الرابع... فمهُ سيكون كم بلدان هذا! وأن غِلظ جلده؛ مسيرة ثلاثة أيام! (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم)، وقد هداهم الله وعلَّمهم وهم في الدنيا أن مركز الإحساس في الجسد هو الجلد، وهو الذي يحس بالألم أكثر من الغير، فشأن هذا الجلد قال: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء:56] أجارنا الله من النار.
يقول فهم بهذا على سرر، فالسرر لابد أن تكون متناسبة مع أجسادهم هذه الطويلة وارتفاعها، فالسرير الواحد كما كم أسرَّة؟! لا نسبة ما بينها وما في الدنيا كلها، لا إله إلا الله، (عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ).
تفسير قوله تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17))
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ)؛ لأنهم خلقهم الله في الجنة خدَّاما لأهل الجنة، على صور الولدان الأطفال: (وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ)..
ويقول سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) يعجبك اللؤلؤ عند نثْرته، وما يُحدثه من منظر عجيب، هذا حال ولدان أهل الجنة كأنهم لؤلؤ منثور، فإذا هذا حُسن ولدانهم، فكيف بالخادمين؟ فكيف بالمخدومين؟ -أهل الجنة أنفسهم- كيف حسنهم وبهاؤهم؟ (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:19-20].
تفسير قوله تعالى: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18))
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18))؛ (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ) هذه الأواني التي يتم الشربُ فيها، ما كان له من سلسلة ومأخذ، وما كان له من أُذن وما ليس له، هكذا في الأكواب والأباريق:
فأنواع هذه الأواني يدار عليهم فيها بالشراب في الجنة؛ من الماء واللبن والخمر والعسل: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) [محمد:15]..
لكن ذاك مخلوق بيد القدرة مباشرة، لا يأتِ من حشرة، في الدنيا جعل أعز الأشياء:
من أجل أن يريهم الحق، أن الذي عندهم أصله مهين حقير، لكن هناك لا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20))
يقول: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) لا يصيبهم بسببها مرض ولا ألم ولا صُداع، (وَلَا يُنزِفُونَ (19)) لا تذهب عقولهم، يرمي بنفسه ولايدري بنفسه كيف يتكلم بكلام يصير مسخرة ومضحكة على الناس.
هذا خمر من نوع آخر؛ (لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20)) من أنواع الفاكهة. جاء الله بالأسماء مثل الأشياء الطيبة التي عندنا في الدنيا لكن أين هذه من هذه؟ ولكن جاء بالأسماء كما تشاهدون؛ (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) [الرحمن:12] فيها تشاهدون النخل والرمان، وذكرَ العنب وأنواع من هذه الفواكه في الدنيا، ولكن أين هذه من هذه؟! لا إله إلا الله.
يقول: (وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ) وقالوا إن في مثل الفواكه يُمكن التخيُّر فيها، والطعام الذي تستوي أجزاؤه غير الفاكهة، لا يأكل الإنسان إلا مما يليه؛ ولكن مثل الفاكهة يمكن أن يتخير منها، يأخذ من هنا ومن هنا، يتخيَّر منها.
وهكذا كما جاء أيضا في الحديث: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقدِّم له طعاما فجعلت أتنقَّلُ بيدي، فقال: "كُل مما يليك"، ثم جيء بفاكهة، فجعلت آكل مما يلي، قال: "إن هذا يختلف، فتخيّر منه" وإن ذلك الطعام الأول كان متحدا فكل مما يليك.
وقال: (وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ) ولكن يتخيرها لما ينظر إليها في شجرتها، ويُقال أن أشجار الجنة عروقها وجذورها إلى أعلى، وأغصانها إلى الأسفل متدليَّة، مصفوفة في الهواء:
تفسير قوله تعالى: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21))
(وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21)) يرى أحدهم، ما ذكره ﷺ عن طيور الجنة وقال إنها كالبُخْت مثل الجمال، كبيرة، وإنها تأكل من ثمار الجنة ومن أنهارها..
(وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) يرى الطير يطير في الهواء ، ويكبر وهذا حسنهُ، بمجرّد أن يخطر على باله شهوته، يقع بين يديه مشويا فيأكل منه كما يشاء، فإذا تم أكله، طار رجع مرة ثانية كما كان، لكي لا ينقص شيء، لا ينقص في دار الكرامة، أي ثمرة يأخذها تنبت محلها أحسن منها مباشرة، في نفس الوقت، تأخذ ثمرة تنبت محلها أخرى، تأخذ ثمرة تنبت محلها، لا ينقص؛ أما طير الدنيا ينقص ينقص، لكن في الجنة لا ينقص شيء، لا طير ينقص ولا ثمرة تنقص ولا أي شيء ينقص على الناس، لأنهم في دار ضيافة الكبير الكريم المتعالي -جلَّ جلاله، الله أكبر!
تفسير قوله تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26))
قال: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22)) النساء اللاتي خلقهن الله تعالى في الجنة (وَحُورٌ عِينٌ)؛ سُمِّينَ بِالحُورِ لما فيهن من الحَوَر؛ لأنه يحار النظر فيهن، (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)) الذي لا يصيبه الهواء ولا الشمس؛ (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا)، لا يوجد فوضى، لا يوجد صوت مزعج، لا يوجد إنفجار، لا يوجد تفجير، لغو لا يوجد، يُلهَمون التسبيح والتحميد والتكبير كما تُلهَمُون النَّفَس؛ أنت تتنفس في الدنيا، وكما تتنفس كلامهم كله، ليس فيه لغو، (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25)) الله أكبر!
(إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)) على بعضهم البعض، الملائكة تسلم عليهم، ويرسل الرحمن لهم سلام، سلام قولا من ربٍ رحيم، يا سلام على دار السلام، اللهم اجعلنا من أهلها، (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)).
ثم أخذ يصف لنا أصحاب اليمين بعد ذلك، جمعنا الله في جناته، وأدخلنا إياها بفضل رحمته من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب.
يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات، إجعلنا من أهل الجنات، ونسألك الدرجات العلى من الجنة، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين، وكرمك يا أكرم الأكرمين.
بوجاهة حبيبك الأمين، فرّج كروبنا وكروب المسلمين، اختم لنا رمضان بخير واجعلنا من خواص أهل الخير، ولا تجعله آخر العهد من هذا الشهر الكريم، وأعِدنا إلى أمثاله في صلاح يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا، وكشف الشدائد عنا والبلاء والآفات وعن أمة نبيك محمد أجمعين، يا محول الأحوال حول حالنا وأحوالهم إلى أحسن الأحوال، وبلِّغنا فوق الآمال من عطاياك الجزال في الدنيا والمآل.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
والمتولّعون بالذكر وهم في الدنيا: يُلهمون وكما يلهمون النفس ويعيشون على ذكر الله، ما قدروا أن يصبروا عن ذكر الله، تولّع بذكر الإمام عمر المحضار صاحب المسجد فيه الخاتم:
فتعجبوا في ظهور الغيرة الربانية:
لكن الله من عنده يتصرف فيمن يشاء، ولله في خلقه شؤون.
وسمع والده يذكر مرة في صدر علم الفقه في الشريعة فعزم بباطنه يتجرد لعلم الفقه، فقال:
عليهم الرضوان.
وكان في ملخص الطريقة والده -الإمام عبد الرحمن السقاف بن محمد مولى الدويلة- يقول:
وخافوا على صاحبه عند المقاصة والموازنة، فبنوا طريقتهم: علم وعمل وسنة وورع حتى استقاموا على الطريقة.
الله يرزقنا الاستقامة ويتحفنا بالكرامة إنه أكرم الأكرمين، ما عاد نقدر نمسك شيء من ساعات رمضان ولا أيام، معنا هذا اليوم باقين إن شاء الله الليلة والغد وخلاص وينتهي علينا رمضان هذا العام، ولا عاد نقدر نرجع دقيقة ولا نصف دقيقة منه، ولكن الله يجعل لنا فيها قبول، وتكون عوائدها دائمة علينا إن شاء الله، ويعيدنا الله إلى أمثاله إنه أكرم الأكرمين.
والحمد لله رب العالمين.
07 شوّال 1442