(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الواقعة، من قوله تعالى: { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}، الآية: 17، إلى قوله تعالى: { وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ }، الآية: 40.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (40))
الحمد للهِ على ما يُشرِّفُنا به من كلامه، وتفهُّمِ معانيهِ والاتصال بوحيه الذي أوحاهُ إلى عبدهِ وصفوتهِ، سيدنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن يواليه، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين.
أما بعدُ،،،
تفسير قوله تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17))
فإنَّنا في تأمُّلِ ما قصَّ علينا ربنا من أخبارِ المقرَّبين وشأنهم في العواقِب، مررنا على آياتٍ في وصفهم وفي وصف نعيمه وأنه (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ)، وهم خُدَّام أهل الجنة:
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17)) وقُلنا إنهم مؤبَّدون دائمون. وقُلنا:
تفسير قوله تعالى: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18))
يطوفون عليهم:
تفسير قوله تعالى: (لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19))
(وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18)) خمر الجنة:
(لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزَفُونَ (19)):
تفسير قوله تعالى: (وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20))
(وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ) أنواع الفاكهة أُعدَّت لهم يطوف عليهم بها الولدان المُخلَّدون: (مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ) من حيث ما تميلُ نفوسهم وتشتهي، بأنواعٍ منوعةٍ لا تُحصى ولا تُعد.
(وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ) وهكذا ذكر التخيُّر في الفاكهة:
وهكذا جاءنا في السنة المُطهَّرة عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
قال: (وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20)) والعجيبُ أنَّ الخيرةَ لأهل الجنة فعَّالةٌ بشأنٍ غريبٍ من قُدرةِ القادر، وفيها ما تشتهي الأنفُس؛ يتخيَّرها في الشجرة فتقع بين يديه، يتخيَّرها في الهواء فتقع بين يديه، يتخيَّرها وأحدُ الولدانِ حاملاً لها فيُسرِع ما تخيَّرهُ وينقلب إليه الذي تخيَّر، ويقرُب منه؛ إن كان في هذا الجانب أو ذاك الجانب، فشأن الخيرة والاختيار في الجنة شأنٌ عظيم، دار ضيافةً أعدها الله إكراماً لعباده المؤمنين، اللهم اجعلنا منهم.
تفسير قوله تعالى: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21))
(وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) ما يشتهونه من أنواعِ لحمِ الطير، "وإن فيها لطيراً كالبُخْتِ"، أي الطيرُ كالجمل الكبير، كل واحد منها كذلك يأكل من أثمار الجنة.
(وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21)) وبشرح هذا بيانُ نتيجةِ تركِ الشهواتِ الحقيرة القصيرة، ما الذي يترتب عليه من النعيم الكبير، مما تشتهي الأنْفُس، وتلذُ الأعين؟
تفسير قوله تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23))
(وَحُورٌ عِينٌ) يعني في تلك الجِنان التي أُعدت لهم؛ حورٌ عين، وهن النساء اللاتي يخلُقهنَّ الله تبارك وتعالى، وما فيهنَّ من الحَوَرِ والجمال يُحارُ فيه الناظِر، سُمِّينَ بالحور.
(وَحُورٌ عِينٌ (22))، واسعات الأعين، في وصفِهنَّ قال: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ) ولكن ليس اللؤلؤ الذي أصابهُ غُبارٌ أو هواءٌ أو لامستهُ الأيدي، (اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) في صِدفه لم يمسّه أحد، فطراوتهُنَّ وحلاوتِهُنَّ (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)) وهذا مستمر على الدوام، (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)
-سبحان الله- كلٌّ يُضيِّف على قدْره، هذه ضيافة المُقتدر، سبحانه (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)).
تفسير قوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24))
قال الله في كل هذا: تأمَّلوا أن فيه مشابهة لشيء طلبناه منكم في عالم الدنيا، فما عملتم من أجلنا، وما كففتم من أجلنا؛ جعلنا لكم هذهِ الجزاءات:
إذا رأى الطائر في الهواء؛ فوقع في نفسه أنه يشتهيه مشوياً؛ سقط في صحنٍ من ذهب مشوياً أمامه مُباشرة.
دار الكرامة. اللهم اجعلنا من أهل جنتك.
إذاً من علِم شيئاً من وصْف الجنة، وعلم أن كل ما يُبذل في الدنيا، ولو مع الإنسان مئة روح، قليل بجانب هذا العطاء والفضل والإكرام، الله لا إله إلا الله.
لأول كل لقمة طعم، ولأوسطها طعم، ولآخرها طعم، وكل طعم لا يمحوُ الذي قبلهُ، في الوقت الواحد يطعم أعداداً من الأطعمة..
حتى جاء في الحديث "أنه يُقدَّم الخِوَان للمؤمن في الجنة ليأكل، وهناك طير له سبعون ألف ريشة، فيقع على الخِوَان فيفرز من كل ريشة لون من الطعام لا يشبه واحد الآخر، يُذاب أمامك.
سبعين ألف نوع من الطعام، في مأدبة من؟ ممكن يعطيك كذا؟
مساكين الذي ألهاهم هذا الأكل الدنيوي، وضيَّعوا ذاك ولا بالوا بالحرام ولا بالخيانة؛ ظلموا أنفسهم وفوَّتوا الأمر العظيم.
وهكذا هذا نوع من أنواع الطير كذلك مخلوق لإفراز الأطعمة، يعني:
تفسير قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25))
يقولُ: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24))، حالهم في تلك الحياة:
(وَلَا تَأْثِيمًا) هذا حالهم؛ وإِنَّ من أرفعِهم درجاتٍ في ذاك الحال من عاشوا في الدنيا:
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25)). بعض الناس:
هذه حياة تشبه حياة أهل النار، لا تشبه حياة أهل الجنة، أهل الجنة (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25)).
تفسير قوله تعالى: (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26))
ما الذي يدور بينهم من القول؟
(إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)):
(إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا)، فيما بينهم البين يدور الحديث السلام، وتُكلِّمهم الملائكة بحديث السلام، وتُسلِّم عليهم أيضاً، ثم فوق ذلك كله:
ما العيشة هذه؟ ما الحياة هذه؟ -يا رب اجعلنا من أهلها- كلها حق كما أخبر الحق ورسوله الأصدق، وهي لكل من صدقَ مِنَّا وصَدَّق.
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26))، عالم الدنيا ملآن باللَغو والتأثيم، شيء في المباشرة وشيء في الأجهزة وشيء مكتوب وشيء مسموع وشيء مقروء، -ضجّة و هجَّة وعجَّة ورجَّة وصجَّة-:
-سبحان الله- كأن وصف الجنة يتابعهم وهم في الدنيا: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)).
وهكذا يقول بعض الكفَّار -يصِف بعض المسلمين الذين جاورهم- قال:
مُسلِم أظهر حقيقة الإسلام في سلوكه، تنعّم جاره الكافر بجواره، ولمَّا أراد السفر كان يبكي عليه مع الذين يبكون، فجاء واحد قال له: هذا ليس على دينك، لمَ تبكي عليه؟ قال له: عشرون سنة بجواري، ما نظر بعينه على بيتي، وأنا آمن على أهلي وولدي وعلى مالي بجانبه، أعظم من أن أمن من هم أقاربي وأصحابي.
هذا الإسلام، هذا خُلق نبي الإسلام، "مَن رآه بديهةً هَابه، ومن خالطه معرفةً أحبَّه". أول بديهة ترى جلالهُ وهيبته.
كان جالس ﷺ يمسك رجليه بيده في المسجد، فدخل أعرابي، لمَّا وقع نظره عليه ارتعب منه، فأخذ ﷺ يلاطفه يقول: "هَوِّن عليك، إني لستُ بملِكٍ، إنما أنا ابنُ امرأةٍ من قريش كانت تأكل القَديدَ"، أكل الفقراء اللحم المُجفف -قديد-، قال: "أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد". وما الملوك عنده؟ وما الملوك عند ظِفره ﷺ؟ قال: "إني لست بملك"، فأخذ يُلاطِفه حتى سكن روعه وهو جالس يُكلِّمه ويُخاطِبه ﷺ.
إذا رأيته يمشي في الطريق كأنه جيش مُقبِل وهو وحده. حتى الفرس الذين جاءوا، لمّا رجعوا، يقولون لملِكهم: وردنا على الملوك والرؤساء، ما قد أخذتنا هيبة من حين نظرنا الى هذا الرجل، كنا بين يديه نهابه. قال: هل كان معه جيش هذا الرجل؟ قال: أبداً، كان يمشي بمفرده. قال: وحده يمشي، ليس لديه حرس، ولاعنده جيش. لكن قال: ما رأينا في حياتنا هيبة مثل ما لقيناه! ﷺ
حتى كلَّمهم عنه، وأرسلهم، فقال: ائْتونا به. فالعامل التابع لكسرى في صنعاء أرسل هؤلاء الفرسان إلى عند النبي ﷺ، فكلموه، فقال لهم: غداً أجيب عليكم، من أمركم بهذا -كرِه توفيرهم الشوارب وحلقهم اللحى-؟ قالوا: ربُنا أمرنا -يعني ملكهم- قال: "لكن ربي أمرني أن أحْفي الشارب وأن أعْفي اللحية".
فجاء في اليوم الثاني قال لهم: "ارجعوا إن ربي قتل ربُّكما البارحة". البارحة! والنبي ﷺ في المدينة، وذاك هناك في فارس. يقول له: "سلَّط عليه ابنه وقتله البارحة"! وهم اهتزَّوا وارتاعوا ورجعوا، ولم يستطيعوا عمل أي شيء، سبحان الله، رجعوا وهم تبع دولة عظمى -كما يقول كثير من الناس- ما العظمى إلا هنا عنده هو ﷺ.
لمَّا رجعوا وأخبروا العامل في صنعاء قالوا له: هذا كلام لا يقوله إلا واحد، إما نبي صدق وإلاَّ... الآن ننتظر إن كان الخبر كما قلت. ولا شيء خبر من صنعاء.
بعد ما رجعوا قرابة شهر من المدينة إلى صنعاء، ولم يأتِ خبر من فارس على القتل، وحدد الليلة وقال أنها البارحة. قالوا: ننظر، وإذا بالخبر يجيء وأن ابنه يكتب لهم: أني قتلتُ أبي، والآن عليكم الطاعة لي، ولا تُكلِّموا هذا الرجل الذي أرسل إليه أبي، وكتب لهم.
وصل الخبر، قالوا: هذا النبي، من قال له؟ عامله والمندوب الذي عنده، لم يصلْهُ الخبر، فآمن من آمن من أهل صنعاء قبل أن يأتيهم الإيمان بالواقعة هذه والحادثة.
صلى الله على سيدنا محمد:
رزقنا الله حسن مُتابعته، وحفظنا من غُرور وخِداع الفجار والكفار يقولون: خذوا فلان، خذوا فلان. من مثله؟ من أطيب منه؟ من أفصح منه؟ من أسمح منه؟ من أجمل منه؟ من أكبر منهﷺ؟
فما أحد يُبدِّل به بدل؛ هو قدوتنا، هو أسوتنا، ويأخذون من شاؤوا.
تفسير قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29))
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)): (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ) الذين هم من وراء المُقرَّبين ، (مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) ما أعظم شأنهم! وما أجلّ ماعندهم! (في سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28)) (سِدْرٍ): شجر النبق ،(مَّخْضُودٍ) لا شوك فيه.
جاء أعرابي مرة للنبي ﷺ قال: يا رسول الله، سمعت القرآن يذكر شجرة تؤذي في الجنة، وما كنت أظن أن يكون في الجنة شجرة تؤذي. قال: "ما هي؟" قال: سِدر مخضود، لم أرَ شيئاً أكثر شوكاً من السدر. قال له: "أما تقرأ قولهُ: (مَّخْضُودٍ)؟
(سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ):
لا قِشر ولا غبار ولا بكتيريا، ولا شيء..؛ جاهز مُتراكم بعضه على بعض. (وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29)).
تفسير قوله تعالى: (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30))
(وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ):
جاءنا في الصحيحين وغيرهما يقولون: إن في الجنة شجرة يسيرُ الراكبُ في ظلها مئة عام لا يقطعها، مئة عام يمشي في ظل شجرة، لا يقطع ظل شجرة، في مقدار مسيرة مئة عام، (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30)).
وجاءنا في الأخبار أيضاً:
مثل الذي يشرب الخمر في الدنيا لا يشرب من النهر، واحدة من هاتين الاثنتين:
وهكذا حتى قال فيمن يتعمَّد لبِس الذهب من الرجال وهو مُحرَّم عليه، يُحرم من الذهب، فإذا مات مُصِرًّا على ذلك، فإنه يجد واحدة من الاثنتين:
استعجل المسكين، لو صبر قليلاً، فإن أمامه ما هو أعظم وأجَلّ.
يقول: (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30)) الله أكبر، واسِع المد، وأمَّا الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مئة عام، فهذا لكل واحد منهم، معه شجرة من هذا النوع، كل واحد منهم عنده، لا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31))
يقول: (وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ) أي دائم الجري، يُصبُّ من دون انقِطاع، وهكذا، حتى أن خرير الماء بعُذوبته وحلاوته يبدأ لهم من حين يرِدون الحوض، فيسمعون انصِباب الميزابين من الكوثر في الحوض.
كانت السيدة عائشة بماعلمت منه ﷺ تقول: تريدون في الدنيا تسمعون شي يُشبه خرير الماء في الحوض؟ قالت: ضع أصبعيك في أذنيك، فإنك تسمع صوتاً هادئاً عجيباً، يشبه انسكاب الماء في الحوض النبوي الشريف -سبحان الله-
قال: (وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31))، (أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) [محمد:15]، ومنه من يأمر أحدهم - النهر- أن يمر تحت هذا القصر، أمشِ هنا ، فيمشي معه: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) [الإنسان:6]، إطلع كذا يطلع كذا، مُر عند الغرفة هذه، يأتي عند الغرفة، إنزل كذا إذهب كذا، إذهب هنا إذهب هناك، إذهب عند ذاك القصر، يمشي مباشرة، بلا أنابيب ولا شي من…، جلَّ القوي، جلّ القادر، اللهم اجعلنا من أهل جنتك.
تفسير قوله تعالى: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33))
قال: (وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32)) أنواع مُنوَّعة مئه، مئتين، الف نوع، عشرة الف، مئة الف، مليون، مليار؛ أنواع الفاكهة وأكثر:
(وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)): ليست تارة موجودة، وتارة غير موجودة؛ مُستمرة ، ليس لها موسم معين..
(وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33))، مع أننا في الدنيا، الفواكه -مع حصرها- لا يوجد في بلد كل الفواكه، على الدوام غير مقطوعة غير ممنوعة، هذا لا يتأتى، والذي يستوردونه من البلدان الأخرى يأتي في أوقات معينة وتحت الأمر، ومرة يكون ممنوع، ومرة حرب لا شيء يصل، مرة كذا ومرة كذا، هكذا دنياهم.
تفسير قوله تعالى: (وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34))
لكن (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34)) مرفوعة برِفعة الأسرَّة التي يجلسون عليها: (عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ) [الواقعه:15].
(وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ) فإذا هي مرفوعة، كيف سيصل إليها؟! يحتاج سُلَّم؟! لا يوجد سُلَّم:
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37))
وذكر أيضًا الحور ونساء أهل اليمين، قال: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً) لا تُفكِّروا في شيء، يُلامسه أهل الدنيا، فالأمر: أَنَا أنشأتهن إنشاءً، لأجل مُتعةِ أهل الجنة.
(إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36)) وهذا أيضًا من العجائب في الجنة:
(فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)):
سبحان الله، هم حتى أهل الجنة كذلك يُركِّبهم الله تركيبة:
كلهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة.
وهؤلاء (أَتْرَابًا) مُتساويات، كلهن في سن واحدة، والثلاث والثلاثين هذه إلى كم؟ فقط يقف عند هذا الحد.
تمرُّ الأوقات؟! دعها تمرّ؛ مئة سنة، مئتين ألف، مليون سنة، وهم أبناء كم؟ أبناء ثلاث وثلاثين سنة، على المدى الطويل؛ تمر المليارات من السنين وهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، سبحان الله.
و الآن يكتشفون تأثر هذا الجسد بمرور الوقت في الأرض وملابساتها:
وهكذا، حتى قانون الجاذبية الذي عندنا في الأرض، الآن يجدون في أماكن في الفضاء ليس فيها الجاذبية، لأن الإنسان يقدر يطلع، ينزل، يمشي، يتحرك، يطلع فوق، ينزل تحت، يذهب يمين، يذهب شمال من دون أي شيء، فكيف في الجنة؟
عالم، عالم آخر، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجده:17] أصلح أعمالنا، ووفقنا للعمل الصالح يا ربنا.
تفسير قوله تعالى: (لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (40))
(لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39)) جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين، كلهم يكونون من أصحاب اليمين.
اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، وأدخلنا جناتك، وألحقنا بالسابقين المقربين، فضلاً ومنًّا وكرماً وإحساناً، واغفر تقصيرنا وذنوبنا وما كان مِنَّا، ولا تؤاخِذنا بسيئاتنا ولا بسوء ما اكتسبنا، وتب علينا توبةً نصوحا يا أرحم الراحمين.
واجعل رمضان هذا من أبرك الرمضانات على كل فرد مِنَّا في صلاح قلبه، وفي غفر ذنبه، وفي كشف كربه، وفي زكاة لُبِّه، وفي قُربه منك يا حي، وفي محبتهِ لك يا قيوم، وفي قيامهِ بالأمر كما تحب. اللهم وأهلينا وأولادنا وذرارينا، أسعدنا بأعلى السعادة في رمضاننا هذا بموالاتك، وشريف مُصافاتك، والرُقي إلى أعلى مراتِب القُرب مِنك، والدنو إليك، والفهم عنك، وهيئنا للنعيم المُقيم في دار الخُلد، مع الذين أنعمت عليهم، من غير سابقة عذاب ولا عِتاب، ولا فتنة ولا حِساب، ولا توبيخ ولا عِقاب، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 رَمضان 1443