(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحديد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك 1442، من قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً}، الآية: 25، إلى قوله تعالى: {هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ}، الآية: 56
﷽
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (40))
الحمد لله الأول الآخر، الظاهر الباطن، الدائم الباقي، الحي القيوم الذي لا يموت، مُكرمنا بتدبُّر معاني الآيات التي أنزلها على قلب عبده المصطفى، محمد سيد أهل المُلك والملكوت.
اللهم أدم صلواتك ورحماتك على مركز الرحموت سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الحاوين لأكرم النعوت، على من وآلاهم فيك واتبعهم بإحسان فيما يقول ويفعل وينوي في جميع الوقوت، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين مَجلَى الفضل الرباني والإنذار بالجبروت، على آلهم وصحبهم وتابعهم والملائكة المُقرَّبين وعبادك الصالحين أهل الإخبات والقنوت، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا ذا العزة والجبروت، يا حي يا قيوم، يا من بيده الأمر كله، فهو يحيي ويميت.
وبعد،،،
فإنِّنا في نعمة تأمُّلنا لكلام إلهنا وخالقنا جلَّ جلاله، مررنا على آيات من سورة الواقعة، وقد مررنا على قوله جلَّ جلاله وتعالى في علاه في ذكر السابقين:
فانظر ما عملهم، إن أعجبك هذا الجزاء، وليس يذكر لك أحد عن مُشتهيات الدنيا إلا وبالغ فيها بما لا يوجد فيها، بما ليس في الدنيا أصلاً. يتحدَّثون عن مطاعم لا توجد في الدنيا، وعن مشارب لا توجد في الدنيا، يتحدَّثون كذلك عن أنواع شهوات الدنيا بما ليس فيها، لكن هذا هو الواقع هناك والعظيم، فانظر ما عمل هؤلاء حتى ترى هذا الجزاء الذي نالوه، ما عمل السابقون؟ وإلى أي شيء كانوا يسابقون، وإلى ماذا يسارعون؟! وتزود، واختم آخر يوم من رمضان بشحنِهِ بنيات السِباق، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين:26]، (لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات:61].
فما تنوي أن تكون بعد رمضان في صلواتك؟ في قراءاتك؟ في وِجْهاتك؟ في كيفية قضاء وقتك؟ في قيامك في الليل؟ في تنفيذ أمر الله -تبارك وتعالى-؟ في علائق قلبك بالعِلو والرِفعة والفوق؟ ماذا تنوي؟
اشحن آخر يوم بالنيات الصالحات، حتى إذا نويت: المُحافظة على الجماعات، وعلى الرواتب، وعلى الوتر، وعلى الضحى، وعلى صوم عرفة وصوم عاشوراء، وصوم ست من شوال، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وكل ما تعمله من خير في خلال السنة سبقت نيَّته في رمضان. فإن كان العمل في خارج رمضان، فلك ثواب نيَّة في رمضان، فإذا بوقتك كله فيه سرُّ رمضان وبركة رمضان، إذا صدقت منك النيَّة الآن.
تفسير قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25))
يقول جلَّ جلاله: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا)، ليس فيها كلام فارغ أو كلام هدر، أو كلام ضعيف ليس له معنى، (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) لا لغو ولا صياح، (وَلَا تَأْثِيمًا) ولا إثم، لا كذب ولا غيبة ولا نميمة، ولا تأثيم، لا تنطق الألسن بحكاية من هذا، ولا أحد يؤثِّمهم يقول: أثمت أو أخطأت ولا فات. لا شيء فاي لجنة من هذا؛ هيأها الله لهم وهيأهم لها، تهيئة لائقة بعظمته وكرمه -جلَّ جلال-.
تفسير قوله تعالى: (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26))
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)) كلام سالم، خالِص من الشوائب، ومع ذلك أيضاً يُسلِّم بعضهم على بعض، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: (سَلَامٌ عَلَيْكُم)، ثم يُشرَّفون بسلام من الرحمن: (سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) ومُكاتبات تأتي، ويأتي الملائكة لهم بكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، من الرحمن إلى عبده فلان، أمَّا بعد: فأنا الحي الذي لا يمت، وقد جعلتك في الجنة بإذني حياً لا تموت، وأنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، وقد جعلتُ ما في مُلكك في الجنة تقول له كن فيكون". لا إله إلا الله. فجاءتنا العجائب في الأحاديث؛ إنه يرى الطير فيشتهيه مشوياً، فيقع بين يديه مشوياً، يأكل منه ما شاء ثم يطير كما كان! لا إله إلا الله، عطاء غير ممنون. يقول جلَّ جلاله: (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا).
تفسير قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28))
(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ)، اللهم اجعلنا من خيرهم، وألحقنا بالسابقين، (مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27))؟ ما أعظم ما يُؤتون، وما ينتهون إليه وما يُكرمون به،
(فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28)) السِدر: شجر النبق، العِلب، الدوم، (سِدْرٍ مَّخْضُودٍ)، مخضود لا شوك فيه، مُتراكم، حبَّاته الكبيرة كأنها قِلال هَجَر، مثل: القلة الكبيرة، الزير الكبير -الجَحْلَة الكبيرة: زير كبير-، هذه الواحدة من النبق في شجر السدر في الجنة.
جاءنا في الحديث كان الصحابة يقولون: إننا ننتفع بالأعراب ومسائلهم، وكنا يوماً عند النبي إذ جاء أعرابي قال: يا رسول الله إني سمعت الله يذكر في الجنة شجرة تُؤذي، وما أرى أن في الجنة شجرة تُؤذي صاحبها. قال: وما هي؟ قال: السدر، السدر فيه شوك كثير. قال: ألم يقل الله (..سِدْرٍ مَّخْضُودٍ)؟ إنه قد خضده عن شوكه، وجعل مكان كل شوكة ثمرة، وإن الثمرة لتنفتق عن اثنين وسبعين طعماً أو لوناً، ليس منها لون يشبه الآخر!
اترك تصوُّرك عن سِدر الدنيا وما فيها، شأن آخر، فهي أسماء فقط، (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) من حيث الاسم فقط:
إنما جعل لنا هذه اللذائذ في الدنيا من أجل أن نقيس عليها، وإلا سيحدثنا عن الجنة ولن نعرف ما يقول، اترك اللذائذ الحقيرة فقط، قس أنت وراءها هذه اللذائذ هناك، مثل الآن يعجبك الرمان، يعجبك العنب يعجبك ..، موجود هناك لكن له طعم آخر جداً ، لكن كيف تتعرَّف أوتؤمن بالأمر؟ جاء لك بطرف منه؛ قس عليه هناك، بعد ذلك الأمر إلا هناك.
وكذلك أتعاب الدنيا هي فقط مثل تحسيس فقط، الألم الحقيقي هناك، العذاب هناك، الحريق هناك، الألم هناك، ليس في الدنيا.. الدنيا وآلامها وتعبها لأجل نقيس، وإلا سيحدثنا عن النار ولن نعرف ماهي االنار، قال لأجل أنتم تعرفون، فأنا أصلِّح لكم نار في الدنيا حقيرة بالنسبة لتلك، وسأجعل لكم آلام وأمراض، حيات وعقارب، هناك حيات وعقارب لكن ليست مثل هذه، فقط من أجل أن نؤمن بتلك، جعلنا لك في الدنيا صور للذائذ وصور للآلام، ولكن حقيقة اللذة والألم كلها أمام، ليس هنا
أحسن ما يُذاق من الحلاوة في الدنيا ما تعلَّق بالقرب من الرحمن، والإيمان به، ومعرفته الخاصة، ومحبته الخاصة، هذا الذي يتصل بذاك الأبدي، وهو ألذ ما يكون.
أما الشؤون الحسية المادية لا تحمل حقيقة اللذة، هنا أمامك؛ الآلم والأتعاب والمشاكل والذل والمهانة في الدنيا لكن الصورة مُصغَّرة جداً جداً عن حقيقة الذل والهون والخزي والألم الذي سيكون هناك أمامك، لدغ الحيّة والعقرب هذا كله صورة مصغرة جداً، هناك.. هناك العقارب، هناك الحيَّات، هناك..، ليس هنا، لكن هذه صورة من أجل أن تستطيع أن تبني فيها الإيمان في قلبك، كما قال الله، في نار الدنيا: (أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة:72-73]، من أجل أن تذكِّركم بنار الآخرة؛ قيسوا عليها، ولما قال لهم ﷺ إنها أشد منها بسبعين ضعفاً، قالوا: إن كانت لكافية يا رسول الله -هي هذه تكفي أن تحرقه!-. قال: فإنها فُضِّلت عليها بسبعين ضعفاً، اللهم أجرنا من النار.
تفسير قوله تعالى: (وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29))
قال: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29))، قال له صلى الله الم يقل ربك (فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) إنه قد خضدهُ وجعل مكان كل شوكة ثمرة، وأن ثمرها ليفتق عن اثنين وسبعين لون، ليس منها لون شبه الآخر، الله.
تفسير قوله تعالى: (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30))
(وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30)):
تفسير قوله تعالى: ( وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33))
يقول: (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31)) جاري لا ينقطع، (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32))، كم ستعدد؟ فاكهة الدنيا لا تقدر أن تحصيها، أما تلك أكثر وأكثر.
(وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ) ليس لها موسم ثم تُعدم، (وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)) ولا ممنوع استيرادها من هذا المحل أو ذاك.
(لَّا مَقْطُوعَةٍ) لا تنقطع لا أحد يُصادِر عليك ولا أحد يأخذ، (وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)) ولا فيها كيماوي؛ يُصلِّح لك مشكلة، أو عندك مرض السكر فلا تأكل من هذه، عندك ضغط، لا شيء من هذا الكلام، لا ضغط، لا سكر ولا شيء ممنوع؛ كُلْ؛ (لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)).
تفسير قوله تعالى: (وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34))
(وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34))، ما هي الفرش المرفوعة هذه؟! الفرش الذي تجلس عليه مرفوعة، رفِعة كبيرة، تصل إليك، ولك مراقي ترقى، أما هو الفرش نفسه لو أُلقي هذا الفرش من أعلاه لم يصل إلى أسفل إلا بعد أربعين عاماً! ما هذا الفرش؟! -سبحان الله- مُلك كبير، وهذا ليس من صنع أحد، ولا ذا أو ذا، ولا أدخلوا إبرة أو خيط، هكذا أنشأه -جلَّ جلاله-.
(وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ) بل جاء في بعض الأحاديث يقول: إن رفعة الفرش كما بين السماء والأرض، مُلك شيء عظيم. -اللهم اجعلنا من أهل الجنة- هذا لأصحاب اليمين وكيف المُقرَّبين؟ لا إله إلا الله.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37))
19:30قال: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً) أي خلقنا وابتكرنا وأحدثنا وأوجدنا أزواجًا لأهل الجنة، (إِنشَاءً) يعني غاية في الإتقان والحُسن والتقويم.
(إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36)) عذارى، كلَّما قربها زوجها عادت عذراء كما كانت، فلا يزال الأمر هكذا إلى الأبد، (عُرُبًا) مُتحببات لأزواجهن، مُتوددات لأزواجهن، طالبات بإدخال السرور على أزواجهن بقدر ما يقدرن، هؤلاء نساء الجنة. يقول: (عُرُبًا أَتْرَابًا (37)) متساويات، في سن ثلاثة وثلاثين سنة كلهن، وأزواجهن كذلك.
والعجيب في قدرة الحق أنه يبقى مقِدار هذا السن إلى الأبد، لا يزيد، إذا مرَّت سنة، كم صار سنهم؟ ثلاثة وثلاثين سنة. هذا التقويم ليس لا يدخله التلف، مرَّت مائة سنة، كم سنهم؟ ثلاثة وثلاثون سنة. ألف سنة، كم سنهم؟ ثلاثة وثلاثون سنة. مليون سنة مرَّت؟ ابن ثلاثة وثلاثون سنة. حتى بعد مليار من السنين يبقى ابن ثلاثة وثلاثون سنة، لا يزيد، يبقى محله! لا إله إلا الله، شباب ليس فيه هرم. سبحانه.
هو الذي خلق لنا في الدنيا طفولة ومُراهقة وشباب وكهولة وشيخوخة وهرم، قال: تعال هنا، سأعمل كذا. يفعل الذي يريد، وأرانا هذه القدرة في الدنيا لنعرف، ولو خلقنا في الدنيا -مباشرة- شباب، ثم لمّا يقول: هناك لا تشيخون، كيف لا نشيخ؟ لا نعرف ما معنى نشيخ؟ ما معنى نهرم؟ ما معنى نكبر؟ قال: أنظروا في الدنيا، سنجعلكم كذا من ضعف، (ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) [الروم:54] أنظروا فأنا فقط هنا أجعلكم كذا، فلا شيء من هذه الطفولة ولا شيء من ذاك الضعف والشيخوخة وغيرها، بل تقفون هنا. لا إله إلا الله، وهكذا.
ومن هذا ينزل سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام إلى الأرض على السِّن الذي صعد فيه للسماء، وإلا يمشي بيننا أبن ألفين وثلاثين سنة، يمشي بيننا كذا؟! يمشي بيننا على السِّن الذي صعد فيه للسماء-رفعه الله-، ينزل يمشي بهذا السِّن في الأرض، هذه كلها لا تُحسب، ولا تؤثِر على الجسد شيء، جسد كما هو. هذا الجسد الذي يعيش على سطح الأرض هو الذي يتأثر بهذه الأشياء ويمر بهذه المراحل، هذا الجسد لو نُقل بعيد عن المؤثرات هذه، لا يحصل فيه هذا الأثر. سبحان الخالق الله، لا إله إلا الله.
ولهذا في الحديث أن سيدنا عيسى يتزوج، وينجب! ليس سنه فوق الألفين، الله لا إله إلا الله، وهو من حين وُلد له هذا كله. لكن كأمثال سيدنا عزير؛ كان ابنه يكبره -يكبره بخمسين سنة-! كيف ابنه يكبره؟! يقولون: وُلد له الابن، وذهب بعد ذلك وهو -سيدنا عزير- ابن خمسين سنة، مر على القرية (قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) [البقرة:259] ابن خمسين سنة. ولده في كم؟ ولده في مئة سنة، هو مات مدة مائة سنة، ولده في مئة سنة الآن، -قام هو في خمسين سنة- جاء إلى الأرض في عمر الخمسين، نقول إن الولد أكبر من أبيه بخمسين سنة! هذا عزير عليه السلام. لا إله إلا الله.
فيمشون أبناء ثلاثة وثلاثين سنة كلهم كذلك، وإلى الأبد كذلك، وثلاثة وثلاثين سنة لا تزيد، وفي هذا جاءت الأخبار أنه: تقول العجوز: يا رسول الله ادعُ الله يدخلني الجنة، قال: "أما إنها لا تدخل الجنة عجوز". كانت عند السيدة عائشة، خرج يصلي، -تأثرت- قالت: الكلمة شقَّت على المرأة، قال: أما تقرأ: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36)) بل هي ترجع بكراً، لا تدخل بهذا الشكل الى الجنة -هي نفسها-
فالإنشاء -سواءً للحور العين وللنساء المؤمنات اللاتي يدخلن الجنة- يحصل إنشاء جديد لهن، تكوين آخر حتى لعموم الداخلين في الجنة، كلهم تتبدل شؤونهم وأحوالهم ليتطابع ويتوافق وينسجم مع ما في الجنة، فيكونون بهذه الصورة: (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37)). وكان ﷺ أراد أن يمزح مع العجوز ظنها ستفهم؛ ما فهمت، بعد ذلك فهّمها قال: المقصود أنك عند دخول الجنة تتحوَّلين إلى شابة قوية.
تفسير قوله تعالى: (لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (40))
(إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38))، هذا كله إنشاء الأزواج من نساء الدنيا ومن الحور العين، قالوا: وإن المؤمنات من نساء الدنيا يفُقْن الحور العين في حسنهن وجمالهن إكراماً لهن من الله؛ لأنه ابتلاهن واختبرهن بالدنيا، والتكليف، أما أولئك خلقهن في الجنة مباشرة، لكن المؤمنات مرَّيْن بالحياة الدنيا وأتعابها ومشاكلها، وعملن صالحاً وثبتن، فيكُن أحسن من أولئك. الله لا إله إلا الله.
يقول: (لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)). وكذلك ما ذكر من سِدر مخضود، وماء مسكوب، وظل ممدود، وفرش.. كله لأصحاب اليمين؛ (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (40))
تفسير قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44))
ثم ذكر الكفار والفجار والفساق وقال: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ) الذين يستلمون كتبهم بشمائلهم؛ (مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41))، ماذا يقاسون؟ وكيف يُهانون ويُعذَّبون؟
(فِي سَمُومٍ) حر النار: سموم، وكان إذا هبتَّ الريح الحارة الشديدة قالوا: سموم. (فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42)) -والعياذ بالله -تبارك وتعالى،- ماء يغلي، بل القيح والصديد الذي يخرج من فروج الزناة والزانيات يغلي في النار، ويجتمع في مكان، ويُسقون منه -والعياذ بالله تعالى-.
(فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ) فهو ما دام ظل تمام، وقد ذكر ظل ممدود لأهل الجنة، قال لكن: (مِّن يَحْمُومٍ (43))، ما اليحموم؟ الدخان الشديد الأسود في النار، هذا ظلهم! يا الله أيّ ظل هذا!؟ قال: (لَّا بَارِدٍ)، الظل بارد، والناس يبردون في الظل، هذا ليس بارد، بل يحرق! ظل يحرق؟ لأنه من يحموم. اليحموم: الدخان، دخان النار، الدخان الأسود الشديد للنار، هذا ظلهم. يا بئس الظل، ما أسوأهم، هذا ظلهم. وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ) ليس بارد يكفيهم شر الحر، (وَلَا كَرِيمٍ (44))، ليس طيب ولا حسن ولا فيه فائدة، ما منه منفعة. (لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)) الله
تفسير قوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ (45))
ما هذا؟
قال: هم اشتروا هذا بمدَّة حقيرة ترفَّهوا فيها، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ (45))، وأيّ مترفين؟ عائشين معنا في الدنيا بتخبطون بين سبعين هَم، ومئة غم ومشاكل، ولكن هذا الذي رضوا به، كذَّبوا بالرسل وبالآيات -أخذتم الترف-، عُجِّلت لهم طيِّباتهم في حياتهم! لكن أيّ طيبات؟ طيبات مُنغَّصة، مشوبة بأنواع الكدر، هذه طيباتهم، لم يرضوا بالطيبات الكبيرة العظيمة. -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، كما يقول لهم جلّ جلاله وتعالى في علاه، عن هذا المصير الذي يصيرون إليه، يقول سبحانه وتعالى؛
(لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ (45))، ليس لهم سرور، قال: تقدَّموا عليه، وأيّ سرور تقدّموا عليه؟ يغالطون أنفسهم مغالطة ويتعبون، ويحبون الضحك وليس في قلوبهم فرح! قال : هذا هو الذي رضوا به فليس لهم سرور، السرور للآخرين الذين صدقوا مع الله، وهمَّتهم أوامر الحق سبحانه وتعالى ونواهيه وأخبار الدار الآخرة،
تفسير قوله تعالى: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56))
قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ) يصممون (عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46))، وهو الشرك، تكذيب الأنبياء وفعل الكبائر. (الْحِنثِ الْعَظِيمِ) الإثم الكبير العظيم، يصرِّون عليه ويفتخرون به، (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46)وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ (52))، شوك يشتعل ناراً هذا أكلهم! (فَمَالِئُونَ) يقولون: لن نأكله، يقول: (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53))، هو شوك من نار، فتمتلئ بطونهم؟! (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54))،
وستشربون بعده القيح والصديد والحميم المغلي، الذي يغلي -الذي يفوز، الحار، الشديد الحرارة-، أشد ما يكون في الحرارة: حميم. يقول: ستشربون منه. يقولون: مادام كذا لن نشرب، (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55))، الإبل العطشاء والتي مُصابة بمرض يسمّى الهيم، تشرب تشرب تشرب من دون إحساس ولا تروى، أنتم ستشربون مثلها! (فَشَارِبُونَ شُرْبَ) و(شَرَب) (الْهِيمِ (55))
(هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56))، هذه ضيافتكم؛ كذَّبتم بأنبيائنا ورسلنا، وقصدتم مُخالفتنا، ونحن أوجدناكم وأعطيناكم الأسماع والأبصار، وأنعمنا عليكم ثم تذهبون وراء الشهوات وتتبِّعون عدوكم إبليس، (هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)).
تفسير قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57))
(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ)، ليس هذا الذي كان يغويكم، ولا أنتم خلقتم أنفسكم، كيف نسيتم خالقكم؟ (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57)).
أنت الذي خلقتنا آمنا بك وصدَّقناك، فاجعل مآلنا الجنة، ولا تُعرِّضنا للخزي يوم القيامة، ولا للندامة يوم الطامة يا ربنا آمنا بك وبكتبك التي أنزلت، وبرسلك الذين أرسلت، وبملائكتك، وباليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره منك، لا إله إلا أنت.
آمنا بحبيبك محمد وكل ما جاء به عنك، ونشهد أنه كل ما قاله حق، وكل ما أنبأ عنك من أخبار الآخرة، ومن صفاتك وآياتك وأخبار رسلك وأنبيائك وأخبار الملائكة وأخبار البرزخ حق. آمنا بذلك.
فلا تعرضنا للخزي يوم القيامة، لا تخزنا يوم الطامة، (ولا تخزنا يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). اجعلنا في زمرة المصطفى وأهل الصدق والوفاء، يا حي يا قيوم، يا عالم الظاهر والخفاء، آمنا بالكتاب الذي أنزلته والرسول الذي أرسلته، فلا تحرمنا قربك، ولا تحرمنا رضوانك.
اجعلنا مقبولين في رمضان، وعائدين إلى أمثالها على خير حال، إلٰٓهنا ومن قضيت له وفاتًا في خلال العام فأجعلها على حسن الخاتمة، وأجعلها إلى دار الكرامة، ومرافقة المظلل بالغمامة، ومن كتبت له المتعة فأجعلها في طاعتك، واجعلها في خيرات، واجعلها في شرح صدر وتيسير أمر، وصلاح سر وجهر، يالله، يا ارحم الراحمين.
ولا تجعله آخر العهد منا، ولا من هذا الشهر الكريم، هذا موسم آخر ليلة مرت علينا، من بات من هذه الأمة لم يغفر له البارحة، ويلٌ ثم ويلٌ -أبعده الله، والعياذا بالله-، الله يشملنا بمغفرته.
وباقي معنا من رمضان بعض يوم، بعض يوم -ساعات من هذا اليوم الباقية- يبارك لنا فيها، وإن شاء الله يختمها لنا بخير، ويكتب لنا القبول، ويعوضنا عما فاتنا فيه من النفحات والخيرات، ولا يحرمنا خير ما عنده لشر ما عندنا، حتى نفوز مع كل فائز بليلة الجوائز، الليلة التي ستاتي هذه الملائكة في السماء يسمونها ليلة الجائزة.
ليلة الجائزة! تسمع أو لا تسمع؟! ليس كأس العالم يا هذا! الجائزة، جائزة رب العالمين، جائزة الرضوان الأكبر، جائزة الغفران، جائزة المرافقة للنبيين، هذه جوائز غالية ثمينة، الليلة ليلة الجائزة.
و في الصباح، يصبح الملائكة على أماكن وفود المسلمين إلى محل المصلَّيات في الأعياد؛ يستقبلونهم ويسلِّمون عليهم ،ويناديهم الرب من فوق يقول: "هؤلاء عبادي أمرتهم بالصوم فصاموا، وندبتهم للقيام فقاموا، وجاؤوا إليّ، ياملائكتي ما جزاء الأجير إذا أدى عمله؟" قالوا: أن يوفى أجرته يا رب. قال: "أُشهدكم أني قد غفرت لهم، ولا يسألوني في جمعهم هذا شيئاً من أمر آخرتهم إلا أعطيتهم إياه، ولا من أمر دنياهم إلا نظرت لهم فيه، فإن كان خيراً لهم عجلته، وإلا ادخرته لهم عندي". يا الله.
عسى بركة العمر، والعمل بخواتيمها، ما فاتك من أول الشهر، بقى كم ساعات معك، اصدق مع الحق، وأقبل عليه، وتذلل بين يديه، وقل: ربِّ ما لي غيرك، فسامح وأكرم ووفّر حظي من الجائزة مع أهل النفوس الفائزة، ارزقنا الفوز الأكبر.
واجعل من الفائزين عبدك أحمد بن سالم بن عوض باحريش، اغفر له وارحمه، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأكرمه، واجعله عيداً من أبرك الأعياد وأعظمها في البرزخ والآخرة، واخلفه في أهله وذويه فينا بخلف صالح، وتحمل عنّا وعنه وعنهم جميع التبعات، وبدل السيئات إلى حسنات تامات موصِلات. يظهر علينا نور رمضان، وسر رمضان، وبركت رمضان فيما يبقى من أعمارنا، وفي البرزخ والآخرة. اجعل لرمضان هذا الذي مضى علينا أنواراً وأسراراً تحل فينا ولا تنقطع عنَّا، ونجني ثمارها في الحياة وعند الوفاة في البرزخ ويوم الميعاد في دار الكرامة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
يا الله بوجاهة حبيبك الأمين وأهل التمكين، وقد علمت أننا لا نملك أن نؤخره لحظة، كما لم نملك أن نقدمه، فلك الأمر يامقدم يا مؤخر، يا أول يا آخر، يا ظاهر يا باطن، الوقت بيدك، والأمر بيدك، والفضل بيدك، والخير بيدك، والسماء بيدك، والأرض بيدك، والدنيا بيدك، والبرزخ بيدك، والآخرة بيدك، والأمر أمرك، والملك ملكك، وأنت الله ونحن عبيدك. أعطيتهم الإيمان بك، وجعلتهم في أمة حبيبك، ووفقتهم أن يسألوك ويطلبوك وأن يرتجوك.
فاقبلنا على ما فينا، وأقبل بوجهك الكريم علينا. وصلحائنا وكبارنا من خيار هذه الأمة، حنّن أرواحهم علينا، وألحقنا بهم واقبلنا بهم، ولا تفرق بيننا وبينهم، حتى تحشرنا في زمرة السيد المعصوم حامل لواء الحمد، نستظل بلواء حمده ونسمع محامده إذا يحمدك، تلهمهُ بمحامد ما حمدك بها ملك ولا نبي ولا سواهم.
فما أعجب تجلِّيك عليه حتى في يوم الهول المهول! تلهمه محامد ما نطق بها ملك ولا إنسي ولا جني ولا صغير ولا كبير ولا أول ولا أخير، تفتح بها عليه وتلهمه إياها، وتُسمِع مُقربين ما يقول لك في حمدك، وما تلهمه من المحامد وتتروّح أرواحهم بذلك! ثم يسمعون خطابك له وأنت تقول له: ارفع رأسك، ارفع رأسك. فما أعجبك!
لو لم يكن من نعيم الآخرة إلا أن تُسمعهم ذلك الحمد، ثم تُسمعهم هذا النداء لحبيبك لكفاهم ذلك! ولامتلأت أرواحهم بِشْراً إلى الأبد! فكيف وعندك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر! لا إله إلا أنت.
بمحمد سُرّ بنا قلب نبيك محمد، بمحمد شفّع فينا عبدك محمد، بمحمد أكرِمنا بمرافقة سيدنا، به عندك لا بنا ولا بشيء مِنَّا بل به عندك، أكرِمنا بمرافقته يا كريم، أكرِمنا بمرافقته يا كريم، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
يقول: كان بعض الصالحين قديماً، قال إنه مات له ولد كان يحبه، قال: ما رأيته الليلة إلاَّ وفاة عمر بن عبد العزيز. قال رأيته، قال قلت له: يا ولدي أما أنك قد متَّ؟ قال: لا، أنا شهيد مع أحياء عند ربهم يُرزقون. قال: ما رأيتك منذُ مِتَّ. قال: نعم، مات عمر بن عبد العزيز، فنودي في أهل البرازخ لا يبقى نبي ولا صديق ولا شهيد إلا حضر الصلاة على عمر بن عبد العزيز، قال: فجئنا نصلي عليه ومررت عليك، حضرنا جنازته وأنا جئت أمر عليكم، عندما كان في اليوم الذي توفي فيه هذا. قال لا إله إلا الله، فما أعجب مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. قريب توفي بعض أهل الصلاح عندنا في قرية هنا في جانب تاربة القارة، صبر على أيام الشيوعية، وثبت، وقاعد في المسجد، جاء المبتدعة وثبت وصبر، فرأى الحبيب ﷺ يقول له: سَلْ ما تشاء. قال: يا رسول الله مرافقتك في الجنة. اسمه سهيل باعكابة عليه رحمة الله ورضوانه. يظفر بها من يظفر، حتى في زماننا هذا إن تأخر، نسألك الصبر عند القضاء، والفوز عند اللقاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء، برحمتك يأرحم الراحمين، في لطف وعافية، تكرَّم علينا، ولا تجعله آخر العهد مِنَّا من هذا الشهر الكريم، اعدنا إلى أمثاله وأنت راضٍ عنَّا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
07 شوّال 1442