تفسير سورة الواقعة - 8 - من قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ)، الآية: 57

تفسير سورة الواقعة، من قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ}، الآية: 57
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الواقعة، من قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ}، الآية: 57، إلى قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}، الآية: 74. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • دليل الخلق الأول والبعث:
    • التأمل في حقيقة الخلق وإيجاد الإنسان.
    • مظاهر القدرة الإلهية في خلق الأجنة.
    • التحكم الإلهي في الآجال وتقدير الموت.
    • القدرة المطلقة على البعث والنشأة الأخرى.
  • دلائل النعم والتدبير الإلهي:
    • التأمل في نعمة الزرع والطعام.
    • الاعتبار بالآفات وتدبير الأرزاق.
    • نعمة الماء العذب والفرات.
  • الإنذار والخاتمة الإيمانية:
    • نار الدنيا تذكرة بنار الآخرة.
    • الأمر بالتسبيح والخضوع للخالق.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرِمنا بالقرآن المُنزَّل، وبيانهِ على لسان عبده المُرسل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على منهجهِ الأقوم الأمثل، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين ساداتِ المُقرَّبين الكُمَّل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المُقرَّبين وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم في كلِ لمحةٍ ونفس عدد خلق الله ورضا نفسهِ وزنة عرشهِ ومداد كلماتهِ.

أمَّا بعد،،،

تفسير قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57))

 فإنِّنا في نِعمةٍ تأمُّلنا لكلام ربِّنا وتذكُّرنا لخطابهِ وتعليمهِ وإرشاده فيما أوحى على قلبِ نبينا فبلَّغهُ إلينا، مررنا على أكثرِ سورةِ الواقعة، ووصلنا إلى قوله جلَّ جلاله وتعالى في علاه: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57))، أي يجبُ عليكم أن تتأمَّلوا حقيقة خلقِكُم وإيجادِكُم، وتُدرِكُوا من خلقكم حتى تعلموا الحقيقة في حِكمةِ خلقِكُم وإيجادِكُم، وتتزوَّدون من معاشكم لمعادكم ومرجِعكم إليه، إدراكاً منكم أن الحِكمة من خلقِكم وإيجادِكم، وخلقِ هذه الأرض والسماوات من فوقها، وتنزُّل الأمر بينها إنما كان لاختباركم (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:2]، ثم ترجعون إليه فينبئكم بما كنتم تعملون.

يقول: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57))، فهل أدركتم هذا البرهان الساطع الواضح البيِّن، لكل من آتيناهُ سمعًا وبصرًا وعقلاً، يُدرِك أنَّنا الذينَ خلقناهُ وخلقنا ما حوله، فليس هو ولا أحد ممن يمشي معه في الغي أو في الضلال أو في المُخالفة خلقوا أنفسهم، ولا خلقوا شيئا من السماوات ولا من الأرض. (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ). 

يقول الله جلَّ جلاله: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57))، يقول تأمَّلوا في مظاهِر الحياة والكون من حواليكم؛ تُدرِكون عظمتي، وأن قُدرتي سائرة في كل ما يجري لكم وفي كل ما تُزاوِلونه وفيما يحصلُ بينكم من؛ ولاداتٍ، ومن زراعاتٍ، ومن شربكم للمياه، ومن النار التي توقدونها. 

تأملوا كيف تمّت؟ كيف كانت؟ من تحكَّمَ في إيجادها على هذه الصورة؟ فهذهِ مظاهِر قُدرتي وإرادتي فيكم، بيِّنةً لكم من بين أيديكم ومن خلفكم، وعن أيمانكم وعن شمائلكم، فَلِمَ التعامي؟! لِمَ الإعراض؟! لِمَ الإنكار؟!

 

 تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59))

يقول جلَّ جلاله: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58))، ما نخرجه منكم من هذا المني الذي تقذِفونه،  (أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ) وتكوِّنون به الأولاد ذكورا وإناثا! أنتم رتَّبتم هذا؟ أم أنتم قدرَّتم هذا؟ أم أنتم تحكَّمتم في هذا؟ (أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ)؛ بشرًا سويًا (أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)؟ وما المُناسبة بين سمعٍ وبصر ونطفة مني؟! أين السمع والبصر فيها؟! كيف ينشأ سمع وبصر من هذه؟! ما المناسبة بين نطفةِ مني ومخ؟! بين نطفة مني وجهاز هضمي وجهاز بولي وجهاز تناسلي؟! أين يكون في النطفة هذا؟! أين الشعر الذي في النطفة؟! فمن أين يجيء الشعر والبشر واللحم والدم، أين هو؟! (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)).

والله خلقكم (فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) [الزمر:6]:

  • ظُلمة البطن، وظُلمة الرحم، وظُلمة الغشاء الذي يتغشَّى به المولود وسط الرحم؛ ظُلمات ثلاث. 
  • خلق بعد خلق، يحوِّل من نُطفة إلى علقة إلى مُضغة، ويحوِّل المُضغة عِظام ثم يكسو العظام لحمًا.

هذا الذي توصَّلوا إلى اكتشافه في هذه الأمة في الأوقات المُتأخِّرة، تحدَّث عنه -ﷺ- عن الله! فمن أين جاء به؟ كيف عرف؟ 

بعض الذين توصَّلوا في مُتابعة الأجنَّة في بطن الأمهات، توصّلوا إلى أن العظم يُخلق أولا، بحيث تتحوَّل المُضغة كلها إلى عظام ثم تكسى العظام لحمًا؛ رأى أنه مُكتشف ذلك، وأنه لا أحد يعرف بهذه الحقيقة، ولمَّا عرضها في مؤتمر للأطباء، قال أحد الأطباء المسلمين: هذا مذكور عندنا في القرآن! قال: ماذا تقول؟ وتلا له الآية: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) [المؤمنون:14]. 

هذا الترتيب والتكوين كيف تحدَّث عنه الأمين؟ إذاً فأنتم وحداثتكُم وأجهزتكُم تُثبِتون صِدق محمد فيما جاء به، فَلِمَ تكفرون؟ لِمَ لا تُصدِّقون؟ (فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ)! من أين قالها؟ كيف جاء بها؟ 

  • (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]. 
  • صادِق، خير الخلائق، جاء من عند الخالق بالنبأ.

 

 تفسير قوله تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61))

يقولُ: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)، وأيضًا هذا التحكُّم في توقيت آجالِكُم خلال الحياة، كما تحكمنا في خلقِكُم، نتحكَّم في إماتتِكُم وخُروجِكُم من هذه الحياة،؛ هذا طفل وهذا شاب وهذا كهل وهذا شيخ كبير، ومُرتَّبة؛ هذا في المكان الفلاني، وهذا في الساعة الفلانية، وهذا في الساعة الفلانية، وهذا بالسبب الفلاني، وهذا بالسبب الفلاني. 

تعددتِ الأسباب والموتُ واحدُ؛. 

لأن المُسبب واحد -جلَّ جلاله-: 

  • (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) أما ترون هذا؟ أما تنظرون؟ أما تحسون؟ وقام مِن أكبر مَن يكون عندكم على ظهر الأرض من هو صاحب ملك أو إمكانية وقدرة، يكون عنده نَفَسٌ أو بنتٌ أو ولدٌ يتعلَّق به، يحبُ أن يبقى، فيبذل كل ما بوسعه ويأتي إلى أحدث المستشفيات في العالم، فيموت على رغم أنفه. من أماته؟ ولِمَ لم يتمكَّنوا من إبقائه؟ 
  • (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) وكم من مُعالِج يقوم بالعلاج للمريض، فيموت المُعالِجُ ويشفى المريض! حاصل؟! كيف الأمر؟ مَن دبّر؟ كيف قُدِّر هذا؟

قبل مُدَّة خرج بعضهم من دوعن إلى سيئون،، عنده أخ مريض مُدِنف يعالجه في مستشفى سيئون، ما كانت هناك مستشفيات، فمات الصحيح وشُفي المريض! رجع الخبر قال: فلان مات. قال: ليس فلان، قال: لا فلان، قال: كيف فلان؟ هو الذي بصحَّته وخرج ليعالج هذا؟ قال: هو ذاك التعبان شفي، وهذا مات!. جلَّ القادر، جلّ القوي. 

(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60))

  • ويسقط رجل من ستة أو سبعة طوابق من بناية، في اللحظة التي صادف فيها مرور شاحنة ملآنة إسفنج، وقع عليها، فما تأثر، قام وخرج، جاءوا يهنَّئونه أصحابه: الحمدلله على السلامة، خرج إلى الدكان ليحضر لهم شراب، وفي الأرض حجرة صغيرة، قُدِّر سقط فيها، فمات! سقط من محل طويل بعيد ما مات -عِدَّة طوابق-؛ لأن الأجل باقي: (نَحْنُ قَدَّرْنَا)، باقي دقائق لابد أن يأخذها، أنتهت الدقائق، والآن وأنت محلَّك  في الارض من دون سقطة من بعيد أو شي، وأنت في محلِّك، جاء الأجل.
  • والثاني يسقط في بئر أو حفرة، ويأتون ويخلصونه وطلع الحمدلله سليم، ويأتون باللبن، يشرب اللبن، والحمد لله على السلامة، قالوا: ماذا حصل؟ قال: أنا كنت أمشي كذا، قام يمثل سقط  مرة أخرى فمات. وقت السقطة الأولى كان باقي له دقائق وكان باقي شربة لبن، ما أحد يشربها غيره، رزق له، لن يشربه حيوان ولا إنسان ثاني، هذا رزقه من قبل وهو في بطن أمه  قد كُتب، شرب اللبن، كمَّلت رزقك، كمَّلت الدقائق، وقع الموت! 

(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)، يقولُ الله: هذا أمامكم، وأُكوِّن لكم الأبناء والبنات والاطفال بقُدرتي وأميتكم بقدرتي. ثم تقولون كيف البعث؟ كيف الحشر؟ كيف المرجِع؟ بعقول أم بلا عقول؟ هذا القُدرة التي أمامكم، كيف هي؟!  

(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ)، صاحب هذه القدرة ليس عاجز، هو غير مسبوق، لا عاجز ولا مغلوب، (عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) وينشئكم في خلق آخر، يصنع ما يشاء ويفعل ما يشاء. 

(عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61))، في خلقٍ آخر كما أنشأناكم من نُطفه، علقة، مُضغة، عِظاما، (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)، ثم  نفْخ روح، (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون:14].

فنقدر أن ننشئكم نشأة أخرى غير هذا: (وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ).. 

  • نُحوِّل الإنسان منكم حيوانا، ممكن، أليس جعل الناس قِردة قبلنا؟! حُوِّلوا وأصبحوا قِردة، وفي هذه الأمة يحصل شيء من الخسف والمسخ -والعياذ بالله- في آخر الزمان. 
  • أو يُحوَّل الإنسان إلى جماد، ممكن لأنه هو خالق الجماد، هو خالق الحيوان، هو خالق النبات، هو خالق الإنسان، يحوِّل جمادًا إلى إنسان، ما الذي يمنعه؟! 

سبحان طليق القُدرة (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [لحديد:2]، جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

(وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ)، (نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) نأتي بغيركم، جئنا بكم رتَّبناكم، ونبعدكم ونأتي بغيركم، ممكن أو غير ممكن؟ (كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) [الانعام:133]، كان على ظهر الأرض غيرنا، كم مرَّ على الأرض؟ لا أحد كان مِنَّا عليه؟ ولا أحد أبدًا؛ لا صغير ولا كبير مِنَّا الموجودين على هذه الأرض كلنا، كان غيرنا وجوه غير الوجوه، ناس غير الناس، والآن جاء هؤلاء، والذي قبلهم كذلك هم كان قبلهم غيرهم، وأنتم تذهبون ويأتي بعدكم غيركم. وبعد ذلك ما الذي يُعجز هذه القُدرة؟ 

(عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61))، نحوّلكم إلى أي طور، نجعل السميع منكم أصم، نجعل البصير منكم أعمى، نجعل المُتكلَّم منكم أبكم، أحد يمنع؟! 

(وإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) [الإنسان: ]، لا إله إلا الله، فيا ربِّ أمدَّنا بلطفك، وأمدَّنا بعفوك وعافيتك وتسديدك وتأييدك وحِفظك ونِعمك، ولا تُعرِّضنا لمقتٍ ولا لمحنة ولا لفتنة ولا لعذاب. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62))

(أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60))، أي مغلوبين ولا عاجزين، (عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ (62))، هذه النشأة الاولى  الآن التي أنشأناكم عليها، علِمتُموها من أين جاءت وكيف كُوَّناكُم؟ 

  • (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]. 
  • (فَلْيَنظُرِالْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) [الطارق:5-8]. الله، لا إله إلا الله. 
  • (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ) [عبس:18-22]؛ لا  شك في هذا ولا في هذا، كله واحد.

 هذا الذي قد حصل أليس آية؟ أليس أمر محيِّر للذهن والعقل؟ والذي بعده مثله، كله سواء، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82]. 

(عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ)، وفي قراءة: (النَّشَاءةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)) تتنبَّهون وتُدرِكون حقيقة الأمر، وتعرِفون أن الأمر بيده، يحيي ويميت، (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:2].

 

تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67))

وبعد خلْقكم، أيضًا أكلكم، وأنشأنا لكم من نفس الأرض التي قدَّرنا فيها أقواتها. من رتب ذلك؟! أيُّ دولة؟! أيُّ جمعية؟! أيُّ وزارة رتبت هذا؟! ومن الذي علَّم آدم؟! قال: أنظر في الأرض رزقك، وخذ من هنا، وازرع هذا وطلّع هذا، ويطلع هذا، وكُل كذا. من أين جاء؟! وكيف ترتب؟! ومن أيام آدم إلى اليوم الزراعة نفسها في الأرض ومن التربة وبهذه الأسباب،  بترتيب مَن؟! بتقدير مَن؟! ولماذا ما تغيرت؟ لو قالوا: نحن الآن لا نريد هذه البذور وهذه الأرض، نحن تطورنا الآن، نستخدم الهواء فقط، نأتي بكل شيء من الهواء، ممكن؟!

(أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ)، تحرِّكونه من الأرض وتُثيرونه وتبذرون فيه البذور، هذا الذي تحرثون (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)؟ مَن منكم يدخل معه داخل التراب، يقول له تحرَّك، اطلع كذا، تعال، الى فوق، لون كذا، طول كذا، احد منكم؟!  بل تضعه وتذهب 

(أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64))، يقول بعض التابعين: كنت في الليل بجانب علي بن أبي طالب، سمعته يقرأ في قيامه في الليل: 

  • (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ (59))، يقول: بل أنت يا رب، بل أنت يا رب، بل أنت يا رب. 
  • قال: ولما قرأ: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ) قال: بل أنت يا رب، بل أنت يا رب، بل أنت يا رب. 
  • ولما وصل عند قوله: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ (69)) قال: بل أنت يا رب. 

لا أحد مِنَّا يعمل شيء من هذا، أو تمكَّن ولا تقدَّر، لا إله إلا الله. 

يقول: (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)). الله، وأشياء تُزرع من دون أحد يبذر منكم بذرا، ننزِّل غيثا من السماء وننبت أشجارًا وأنواعا من دون بذر منكم أنتم، لا أحد بذر، كيف جاءت؟ وأشياء ببذر بتقدير مِنَّا، ليس عندكم إلا أن تعلموا سنتنا التي وضعناها نحن، تأخذون البذر وتضعونها في موضعها من التربة وتسقونها فقط، ما لكم غير هذا. وإذا عندك بذرة نخلة لا يمكن أن يأتي منها تفاحة، وإذا عندك بذرة لتفاحة لا يمكن يأتي منها ليمون، فنحن قدَّرنا هذا بهذا وهذا من هذا وهذا من هذا! -سبحانه عز وجل-، فما معكم إلا التسبب فيما قدَّرنا نحن لكم.

وأنتم ترون أمام أعينكم كثيرًا من هذه الحراثات تكون قويَّة، ثم تجيء آفة من الآفات، إما جراثيم وإما رياح وإما جراد و انتهت، كأنه لا شيء، وفي مرة واحدة نقدر نصلح هذا أو في كل مرة؟! كل مرة نقدر نعمل مثل هذا، ولكن تركناه لكم رحمة بكم، وبعد ذلك تجحدون وتعصون وتُخالِفون! وأكلكم هذا الذي تأكلونه من عندنا، من رحمتنا، يسَّرْناه وابقيناه لكم وأوصلناه إليكم؛ وتقومون تعصوننا وتخالفوننا وتخرجون عن أمرنا. 

يقولُ: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)، بأي آفة من الآفات حطمناه، وما عاد شيء ولا حبة، و إذا حصل مثل هذا، ماذا تقدرون تعملون؟ (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65))، يعني ظللتم تفكَّهون، تتعجَّبون، حزنانين نادمين: 

  • يأتي التفكُّه بمعنى التعجُّب. 
  • ويأتي التفكُّه بمعنى الحزن. 

كما يأتي بمعنى السرور يأتي بمعنى الحزن. 

(تَفَكَّهُونَ) وتلوِّنون الكلام من حزنكم وندمكم، تقولون: لاندري، كيف هذا حصل! (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66)) خسرنا الآن كم؟ قل ماشئت الذي ذهب  ذهب. 

(فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)) تنوِّعون الأقاويل حُزنا وندما على ما كان منكم، تقولون: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66))، مُغرمون يعني: واقعين في خسارة، في عذاب، غرِمنا لأننا ما بذرنا وما أنفقنا، والآن لم يبقَ لنا شيء.

(إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67))، مُنعنا الخير الذي رجوناه، والأمل الذي كنا نأمِّله ذهب علينا، (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)). قولوا ما تقولون، إذا حطَّمنا حطَّمنا، ولكننا نبقيه فضلاً مِنَّا ورحمة بكم. (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) [هود:6]، بهذا الترتيب والتقدير. 

في السنوات هذه الأخيرة كثير من مناطق أوروبا وغيرها تغيَّرت مواعيد الزراعة فيها، وكثير منها كانت محل زراعة تقحَّلت وتصحَّرت، ما الذي حصل؟ تدبير من فوق لهذهِ الأرض وما يجري فيها. لماذا لا تمسِكونها عندكم؟ تقولون: لا، أترك هذا المكان كذا وأترك هذا المكان كذا؟! هو الذي يُدبِّر وهو الذي يُسيِّر -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

يقولُ: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65))، يعني ظللتم على حالكم مُتفكِّهين مُتندِّمين، حزنانين، مُتعجِّبين في ماحصل؛ تُنوعون الكلام (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)) فتقولون هذا؛ هذا خلقكم، وهذا طعامكم. 

 

تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69)  لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70))

وشرابكم أيضًا؛

 (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) -من السحاب- (أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69))؟ (أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ (69))؟ 

  • قُل هذا الذي نزل، واستاقتهُ الأرض، وكان منها أجادب أمسكت الماء، وكان منها طائفة طيبة قبِلت الماء وأنبتت الكلأ، ومنها قيعان لا تُمسك الماء ولا تُنبِت الكلأ، بترتيب مَن؟ 
  • وتجيئون إلى الآبار فيها ماء عذب طيب، يقول: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ) [الملك:30]، الله رب العالمين. 

يقول سبحانه: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) مالحًا شديد المُلوحة، مثل ماء البحر، والذي ملَّح ماء البحر، ألا يقدر أن يُملِح بئرك؟ وإلاَّ كيف بحر كامل ملَّحهُ! بئرك لا يمكن أن يُملِّحها؟! وإذا ملَّحها عليك وصار مثل ماء البحر، ستشربه وتزداد عطش، ماذا ستعمل؟ من أين ستأتي بماء؟ ستنادي من؟ يا دائرة من؟ يا وزارة من؟ 

  • (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا)، لو كل الماء على ظهر الأرض أُجاجًا! بسم الله،  احضروا لكم الآن أحد يسقيكم.
  • (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) مالحًا شديد المُلوحة، لا يرويكم من العطش؛ تتعبون به. 

لكن يقول الله: 

  • هذا في قُدرتنا، ما عملنا لكم هكذا، أعطيناكم العذب، أعطيناكم الفُرات، أعطيناكم الطيب: (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ)
  • فهلَّا شكرتمونا على ما خلقناكم وصوَّرناكم ورزقناكم وسقيناكم؟! (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70))

ولذا كان يقول بعض الصحابة والتابعين إذا شرِب الماء: "الحمد لله الذي جعله عذبا فُراتا برحمته، ولم يجعله ملحاً أُجاجًا بذنوبنا". ووفَّرهُ، ما من مكان يسكن فيه بنو آدم إلا فيه موجود ماء من العذب الطيب، (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)).

 

 تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73))

وبعد ذلك، الوسيلة للطبخ عندكم ولتدفئة أعضائكم ولتدفئة هذا الماء وقت البرد وهي النار، من أين تأتون بها؟ (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) تقدحون زنادها، وكانوا يأتون بشجر المرخ وشجر العفار، يضرب بعضه بعضا فيخرج الشرر؛ يأخذون منه النار. 

(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) -في مثل المرخ والعفار هذا- (أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72))؟ لو شئنا جعلناه مثل غيره من الشجر لا يقدح، لا يأتي منه شرر، ممكن! لكن نحن رَّتبنا هذا، وجعلنا أيضًا من بعض الأحجار، وجعلناها تقدح النار وتقتبسون منها، الله. 

(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71)) -تقدحون زِنادها- (أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) -وأصلها- (أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) ما معنى تَذكِرَة؟ ذكرنا لكم في المعاد المُقبِل عليكم جنة ونار، ووضعنا لكم هذه النار أمامكم تُذكِّركم بتلك النار (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) تذكركم بِنار الآخرة، النار الكبرى، الله الله.

(نَحْنُ جَعَلْنَاهَا) -لكم- (تَذْكِرَةً) على أنها ضُوعِفت النار الكبرى على هذه الحرارة إلى سبعين ضِعفًا. ولمَّا أخبر النبي بهذا قال الصحابة: يا رسول الله إن كانت هذه فإنها لكافية -وحدها تكفي، هو هذا الحر سيهلك العاصي وسيهلك من وقع فيها-. قال: "فإنها فُضِّلت عليها بسبعين جزءًا" حرارتها فوق، مثل هذه الحرارة تسعة وستين جزءًا، فوق هذه الحرارة؛ سبعين ضعفا، الله الله الله (الْحُطَمَةُ) [الهمزة:5] كما قال الله تعالى: "تحطِّم ما يُلقى عليها، حتى فيها أودية لو سُيَّرت فيها جبال الدنيا لذابت من شدِّة حرَّها". 

فخُفِّفت هذه النار الصغيرة مِن أجل أن تُذكِّر بالنار الكبيرة، ومِن أجل أيضًا: 

  • (وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ) تستطيعون أن تنتفعوا بها، لو بقيت على حرارتها تلك القويَّة لمَا قدرتم أن تقربوا منها ولا تستفيدوا منها، قال: خفَّفناها لكم مِن أجل أن تقدروا أن تقربوا منها، وتوقِدونها وتطبخون بها طعامكم، وتدفّئون بها أعضاءكم. 
  • (وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ) بمعنى المستمتعين بها الذين يحتاجون إليها، والمُقوين بمعنى المُسافرين أيضًا، الذين ينزلون في محل القِوى، حيث لا يوجد لهم الدفاء، فيوقدون هذه النار فيستدفئون، فتستدفئ أعضاؤهم وقت البرد. 

وغير ذلك من المصالح الكثيرة المُرتَّبة على هذه النار، وكلها تذكِرة بالنار الأخرى (وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ)

(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72))، بل أنت يارب، فلك الحمد ولك الشكرعلى كل ذرَّة من ذلك في كل لحظة أبدًا، عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك. (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73)).

 

 تفسير قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74))

 وبعد هذا البيان لهذه الحقائق، يقول الله لحبيبه اسلك في المنهج القويم الذي ارتضيناك له، وأترك أهل البطالة والغفلة:

  • (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، قدِّس ونزِّه هذا الذي خلق وقدَّر ورزق، ووحْدهُ للعبادة استحق، لا يستخفَّنكم فرعون أو نمرود أو قوم عاد، ولا أمثالهم ونظراءهم على مراحل البشرية، الخالق فوق الكل، وإليه مرجع الكل، ولا خضوع إلاَّ له سبحانه وتعالى. 
  • يقولُ: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، ولما نزلت، قال ﷺ: "اجعلوها في ركوعكم"، تقول في الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده، سبحان ربي العظيم وبحمده. 

(فَسَبِّحْ)، قدِّس ونزِّه هذا العظيم الخالق القادِر المُنشئ الذي ليس كمثله شيء، مُدبِّر كل شيء، والمُتحكِّم في كل شيء، والمُنعِم المُتفضِّل على العباد أجمعين، مؤمنهم وكافرهم، مُصدِّقهم وجاحدهم -جلَّ جلاله- وممتِّعهم إلى حين، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)).

سبحان ربنا العظيم وبحمده، لا إله إلا هو نستغفره ونتوب إليه ونسأله التوفيق لمرضاته، إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

نشهدُ أنْ لا اله الا الله  نستغفر الله، نسألك الجنةَ ونعوذ بك من النار. 

نشهدُ أنْ لا اله الا الله  نستغفر الله، نسألك الجنةَ ونعوذ بك من النار. 

نشهدُ أنْ لا اله الا الله  نستغفر الله، نسألك الجنةَ ونعوذ بك من النار. 

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنَّا. 

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنَّا. 

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا يا كريم.

بعفوك العظيم، ثبِّتنا على صراط القًويم، وانفعنا بالقرآن العظيم، واجعل رمضان من أبرك الرمضانات علينا، قرِّبنا فيه إليك زلفى، واجعلنا في أهل الصدق وأهل الوفاء وأهل المُتابعة للنبي المُصطفى، وفرِّج كروب أمَّته في المشارق والمغارب، وادفع عنهم شر الطغيان والظلم والكفران والجحود والمُخالفة للشرع المصون، وحوِّل أحوالهم إلى أحسن الأحوال، ورد كيد أعدائهم في نحورهم بقوتك يا قوي يامتين، يامن بيده ملكوت كل شي. وارزقنا كمال الإيمان، وكمال اليقين، وكمال المعرفة بك، وكمال أن تصُب هذه القلوب بأنوار معرفة ويقين. ومَن في ديارنا ومَن في منازلنا وأهلينا وأولادنا، يا رب مُنَّ عليهم بنور الإيمان، و بنور اليقين، و بنور الصدق والإخلاص و الإيقان، ولا تعرِّض أحدا منهم للفتن ولا للمحن ولا للزيغ ولا للضلال، أصلح الأقوال والأفعال والمقاصد والنيات يا كريم يا وال.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

08 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

08 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام