(32)
(637)
(484)
تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الواقعة، من قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}، الآية: 75، إلى قوله تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ}، الآية: 81.
ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ
﷽
(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) ۞ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87))
الحمدُ لله ربنا العظيم، تَقَدَسَ وتَنَزَّه سبحانه، نشهدهُ أنهُ الله الذي لا إله إلا هو وحدهُ لا شريك له، أَنزلَ قُرآنه، وجعل فيه هُداهُ وبيانه، ونشهدُ أن سيدنا ونبينا محمداً عبدهُ ورَسوله، مَن اختصهُ الله تبارك وتعالى وكَرَّمَهُ وحَفِظَهُ وَصانه، ورَفَعَ على جميع الخَلائق قدرهُ وشأنه.
صلى الله وسلَّم وبارك وكَرَّم عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه حُماة الديانة، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يومِ وضعِ الميزان، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمُرسَلين ساداتِ أهل الفضلِ والعقلِ والشرفِ والرزانة، وعلى آلِهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى مَلائكةِ الله المُقَرَبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،،
فإننا في نعمة تأمُلِنا لكلام ربنا وخالقنا -جلَّ جلاله-، انتهينا إلى ما قَص علينا في سورة الواقعة مِن مظاهر هذه الكائنات وأنها بيده ومِنهُ وحده، وأنه في غاية الجَراءةِ عليه والجُحود بالحقيقة كُل مَن عاش والكائناتُ مسخراتٌ له، فوق أرض الله وتحت سَمائه، يأكلُ مِن رزقه -جلَّ جلاله- ويَشرَبُ مِن مائه، ويوقدُ النار التي أنشأ شجرتها -جلَّ جلاله-، ثم يَكفُر به ويَجحَد به، أو يُخالِف أمرهُ أو يُبَدِل منهجهُ ونظامه بنظامٍ ومَنهجٍ وليدَ فِكر لمخلوق مِثله، أو يقدم شيئاً مِن هواه وشهواته! ما أجحده! وما أكفره! والعياذ بالله تعالى.
وآخر ما بَيَّن لنا الحق من هذه الأجناس التي تُخالطنا في حياتنا من مخلوقاته: النار، وقال:
تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74))
قال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)) والأمر لرسولهِ، ثم يتضمنُ أتباع الرسول أن يَقوموا بحق التسبيحِ والتقديس:
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) إذًا فأنت بهذا الإله؛ عظيم، وخُلُقُكَ عظيم، والدين الذي جئت به عظيم، والقرآن الذي نَزَلَ مِن عند الله عظيم، فإذًا شأنُكَ عظيم، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)؛ لأنك رسولُ العَظيم، وصفوة العظيم، ومختارُ العظيم، ومُنتقى العَظيم، وحامل رِسالة العَظيم، ومُتلقٍ للقرآن العظيم، (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)).
اللهم وفِّر حظنا من سِرِّ التسبيح والتقديس والتنزيه، والحمدِ لك وشهادة لا إله إلا أنت وتكبيرك، وشهودك بمرآةِ الداعي إليك والدال عليك عبدك محمد، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)).
تفسير قوله تعالى: (۞ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75))
ثم يقولُ لنا الرحمنُ: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75))، قالوا: و-لام- الصلةِ هذا يأتي في لغة العرب، إذا أراد المُقسِم أن يَقسِم على شيءٍ، ينفي شيئًا فَيُقسِم على نفي ذلك الشيء، فيأتي بـ -لا-، يقولُ: لا والله ما كان كذا، لا والله ما فعل فلانُ كذا، لا والله.
وهكذا أراد الحقُ أن ينفي ما يقول المشركون والكافرون عن القرآنِ الكريم؛ وأنَّهُ سحر، وأنهُ كهانة، وأنهُ من عند بشر، قال: (فَلَا)، ليس الأمر كذلك، (أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75))؛ أَحلِف:
وجاءت لنا الأقسام كثيرة في القرآن الكريم:
يحلف بما شاء جلَّ جلاله، وكل الذي حَلف به يحملُ مظاهر قدرتهِ وإرادتهِ وتخصيصه له بخصائص.
ثم يقولُ: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)) فهذا حَلِفٌ من الله بمواقع النجوم، فما مواقع النجوم؟
(مَوَاقِعِ النُّجُومِ): إمَّا أنها هذه التي خَلَقَها بين السماء والأرض:
ثم إن القرآن الكريم نُجِّمَ: أي أُنزل مُفَرَّقًا؛ خمس آيات، ثلاث آيات، أربع آيات، أقل، أكثر، تَنزِل من وقت إلى وقت، بعد أن أُنزِلَ في ليلة القدر جملةً واحِدَةً من اللوح المحفوظ الى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نُجِّمَ على سيدنا رسول الله تنزل آيات بعد آيات:
وهذهِ النُجوم، و(مَوَاقِعِ النُّجُومِ) نزول هذا القرآن عليك مُنَّجَمًا يُقسِم به سبحانه وتعالى ويَحلِف به.
على أنَّ -النَّجمِيَة- أيضًا، كما هو مشهور ومستعمَل، تأتي في وصفِ خواصّ من البشر، إذا احتلوا منازل رفيعة، فيقال: النجم فلان، والنجوم يقولون:
والذين هم نُجومٌ في الحقيقة:
لقوله: "النُّجومُ أَمَنَةٌ لِأهْلِ السَّماءِ، وأهْلُ بَيتي أمنةٌ لأهل الأرض".
بهذا المعنى في هذه النجمِيَّة قال شاعرهم يُنَبِّه عقل الذي لا يعرف في النجوم إلا هذه الكواكب التي بين السماء والأرض، يقول:
أمرتقبْ النجومِ من السماءِ *** نجومُ الأرضِ أبهرُ في الضياءِ
عندك في الأرض نُجوم أبهر من هذه:
النجم الذي عندك في الأرض يَدُلك على الطريق إلى الله، فرق بين هذا وهذا، يقول:
أمرتقبْ النجومِ من السماءِ *** نجومُ الأرضِ أبهرُ في الضياءِ
فتلك تبينُ وقتُا ثم تخفىِ *** وهذهِ لا تكدرُ بالخفاءِ
هدايةُ تِلكَ في ظلمِ اللياليِ *** هدايةُ هذهِ كشفُ الغطاءِ
إِرفع عن عقلِك وقلبِك الحجاب تدرك الحقيقة، هذا النجم أعظم، الله! (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)) منازلها ودرجاتها.
تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77))
يقولُ الله: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ)، لو كان عندكم عِلم صحيح (عَظِيمٌ) تعرفون عظمة هذا القَسَم؛ لِصُدوره من العظيم، قَسَم مِن الله كيف ما يكون، هو عظيم:
والعظمةُ كلها لله، وإنما تكون العَظَمةُ المُلقاة على المُعظَّمِين من الكائنات بحسب منزلتهم عندهُ ورضاه عنهم أو دلالتهم عليه، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
(وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76))، فبيّن عظمة القَسم قبل أن يَذكُر المَقْسَمْ عليه. على ماذا أقْسمت يارب؟ تقسم بماذا؟
تفسير قوله تعالى: (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79))
(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78))؛ مَصونٍ مَحفوظ؛
(لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)):
"وفي الأمة قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم" كما أخبرﷺ، لا يصل القلوب منهم شيء، إنما فقط حروف وأَلفاظ من طرف الشفاه إلى الحنجرة، داخله ليس في شيء! باطنهم وقلوبهم ليس فيها شيء من نور القرآن والعياذ بالله تبارك وتعالى.
(لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، بهذا ذَكَروا لعلوم القرآن والفَهم الذي يؤتاه الصادق المُوفق الصافي النقي في القرآن:
لكن هذا التَنَزُّل لهذا القرآن مستمر، لذلك قالوا: انقطع النزول وبقي تنزُلهُ، تنزُلهُ؛
تنزُّل مستمر؛
كـِتـَابُ اللهِ أَنـزَلَهُ تـَعـَالَى *** إِلَى الهَادِي عَلَى يَدِ جِبْرَئِيلِ
تــَنــَزُّلُهُ عــَلَى العــُلَمــَاءِ بــَاقٍ *** لَدَيْهِمْ وَهْوَ مُنْقَطِعُ النُّزُولِ
بِحُكمِ الإِرْثِ لِلمـُخـْتـَارِ نـَالُوا *** غـَرِيـبَ الفـَهـْمِ مـِن أَعـْلَى مـُنِيلِ
وَلَكـِن بـَعـْدَ مَا اتـَّبـَعـُوهُ فـِيمـَا *** تـَلَقـَّوْا عـَنْهُ مـِن فـِعـْلٍ وَقـيلِ
بعد ما صَدَقوا وصَفوا واتَبعوا واقتدوا، إنفتَح لهم بابُ المعرفةِ في القرآن وأدركوا سرَّ ما قال الرحمن: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:151-152]، لا إله إلا الله.
يقولُ: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79))، ثم القرآن بمعنى الصحف التي تَحمِلها الناس يكون المعنى الآية فيها بهذه المصاحف الذي عندنا: خبر بمعنى الأمر، يعني لا ينبغي لأحد أن يَمسهُ ويحملهُ إلا طاهر عن الحدث الأصغر والأكبر:
فكل هذه المعاني وغيرها اندرج في قوله: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)؛ بل استَنبَطَ بعضُ أهل العلمِ اتساع المعنى فقال: أرى أن كل شيء تحت ظل هذه الآية؛
طَهَرَنا الله وصَفانا وهيأنا لفهم كلامهِ وكتابهِ وخطابهِ، (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، قال سيدنا عثمان بن عفان: لو طهُرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله، لو طهُرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله جلَّ جلاله وتعالى في علاه، الله أكبر!.
تفسير قوله تعالى: (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80))
(لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80))، هذا مَصدرُ القرآن، لا فِكر إنسان، ولا فِكر ملائكة.
فالله يُسعدنا بهذا القرآن أعلى السعادة، ويرفعنا به وينفعنا به، "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".
تفسير قوله تعالى: (أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))
يقول الحق تبارك وتعالى: هذه المِنة التي مننت عليكم وأرسلت إليكم هذا النبي وأنزلت عليه هذا القرآن، (أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ)؟ أبهذا الكلام الحق الخالص الصِّرف (أَنتُم مُّدْهِنُونَ)؟ يعني مكذبون، مُتَمالِئون على التقوّل عليه والتكذيب به؟!
(أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ (82))، بدل شكر هذه النعمة، يعني شكركم بمعنى، بدل أن تشكروا هذه النعمة وتظفروا بخيراتها، تقومون تكذبون؟ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)؟ لا إله إلا الله،..
(أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))؟
ماذا عملتم بالعقول التي أعطيناكم؟ ماذا عملتم بالأسماع والأبصار التي آتيناكم؟ كيف تقابلون هذه النعمة بالتكذيب وبالجحود، تجعلون حظكم ورزقكم وشكركم أنكم تكذبون؟ هذا شكر هذا؟ هذا حظ هذا؟ هذا نصيب هذا؟ لماذا تجعلون أنفسكم بهذه الصور؛ جحود بدل الشكر، وتكذيب بدل الإيمان والمعرفة واليقين والقُربة والإدراك للحقيقة، تكذيب كل هذا فات! لا يعرف إلا أن يكذب، أعوذ بالله.
(أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))؟
بل قابِلوا هذا الإنعام العظيم بالشكر، وتدبروا وتأملوا وتطهروا حتى تستقر في بواطنكم معاني ما أنزلنا، فنرفعكم بها ونُطَهركم ونُشَرِفكُم ونُنعِم عليكم. الله الله الله، وبذلك وجَدنا أحوال الذين قابلوا النعمة بِالشُكرِ:
مَن الشَّاهِدِون؟ الشاهِدون هم خيار هذه الأمة، يَشهدون للأنبياء السابقين على أممهم الذين كذبوا بهم، (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) خيار أمة محمد.
فإن في مواقف القيامة جماعة من الكفار بَلَغوهُم أنبياؤهم وحذروهم وأنذروهم، يريدون أن يتحجَجوا، ويظنون أن شيئاً من الحيل التي كانت في الدنيا، يمشون بها، مُرادهم أنها ستستمر في الآخرة؛ مساكين، يقولون: يا رب هذا النبي ما بَلَّغنا، لو بَلَّغَنا وأنك خالق لنا وأنك…، كيف لا نؤمن بك؟ لكن هذا لم يبلِّغنا!!
يقول الله تعالى: تعال يا نبي الفلاني، النبي الفلاني، النبي الفلاني، قومكم قالوا: أنكم لم تبلِّغوهم! يقولون: يا ربنا إنك تَعلم أننا بلغناهم، وقلنا لهم، يقول: فمن يشهد لكم؟ يقولون: أمة نبيك محمد، ليس كلهم، بل أخيارهم وكبارهم وصلحاؤهم.
فيؤتى بالأمة، يقولون: هؤلاء جاءوا من بعدنا كيف يشهدون لهم؟ يقول: اسمعوهم ماذا يقولون ، تشهدون لهؤلاء أنهم بَلَّغوا ؟ يقولون نعم يا رب نشهد أنهم بَلَّغوا ، حتى قوم سيدنا نوح الذي قعد فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يقولون ما بَلَّغنا!، (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) [نوح:7]، يقولون مابَلَّغ! لاحول ولاقوة الا بالله، يقولون: نشهد أنه بَلَّغ يارب، وجلس فيهم تسعمائة وخمسين سنة وكان يقول لهم كذا ويقولون كذا.
يقولون: كيف عرفوا هذا، هؤلاء جاءوا من بعدنا؟ يقول الحق: كيف عرفتم؟ يقولون: عرفنا بما أنزلت على نبينا محمد، فنحن نشهد بقولك، أنزلت على نبينا محمد ﷺ أنهم بَلَّغوهم وقالوا لهم كذا وردوا هؤلاء بكذا وكذا، فنحن نشهد بذلك بما أنزلت على نبيك محمد بشهادتك وشهادة رسولك، يقول الله: وأنتم من يشهد لكم؟ يقولون: نبيك محمد، يأتي الحبيب، يؤتى بالحبيب ﷺ، هؤلاء أمتك يقولون كذا، يقول: صَدَقوا يا رب، أوحيتَ إلي وبَلَّغتُهُم وهم شَهِدوا بما أَنزَلت عَليّ، يقول الله: وأنا أُزكي شهادتك يامحمد، وقامت الحُجة:
(فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة:83]، يقول: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).
وحالهم مع القرآن يقول: (إِذَا ذُكِّرُوا) - بِآيَاتِ رَبِّهِمْ- (خَرُّوا سُجَّدًا) [السجده:15] الله أكبر.
ويذكر سبحانه وتعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة:124-125]، والعياذ بالله تبارك وتعالى، الله يزيدنا بالقرآن نور وإيمان ويقين ومعرفة.
فكانت حظوظهم من القرآن التدبر والتأمل والاطلاع على المعارف، حتى أستَلذُّوا بالقرآن استلذاذاً يفوق لذائذ المطاعم والمشارب والمناكح والسلطات وكل مُتع الحياة الدنيا، فَنُعِّموا به وبتلاوته في الدنيا قبل الآخرة..
كيف والآن كفار في وقتنا يسمعون القرآن ويحسون في بواطنهم بذهاب حزن وذهاب كآبة وأثرا، وهم كفار، من عظمة هذا القرآن! فكيف هؤلاء المُقربون والصادقون، لا يحسون بشيء؟! عندما يسمعونه ولو في شريط يُقرأ:
هذه وقائع كثيرة حاصلة في زماننا هنا وهنا وهناك:
وكانت الليالي كلها تشهد دموعه عليه الصلاة والسلام، وكان وَسطها يدعو لأمته، ولمن يأتي بعدهم، ويهتم بشأنهم في القيامة كيف يكون، فكان هذا من ديدنه في لياليه عليه الصلاة والسلام كل الليل، فمهما أحببناه قد سبقنا، وبدأنا هو بالإحسان والمودة والمحبة، وانتبه منا ومن شؤوننا التي نعرفها والتي ما نعرفها صلوات الله وسلامه عليه.
يقول:
اللهم أسعدنا بالقرآن، وبآيات القرآن، و بمعاني القرآن، وبالعمل بما في القرآن، واجعلنا عندك من أهل القرآن، الذين قال عليهم نبيك: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته"، شفعه فينا، وطهرنا به تطهيرا، وطهر قلوبنا من كل دنس بتطهيره، واجعلنا من الذين استضاءوا بنوره، وقاموا لك به آناء الليل وأطراف النهار يتلونه حق تلاوته على النحو الذي يرضيك عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 رَمضان 1443