تفسير سورة الواقعة - 9 - من قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ)، الآية: 75

تفسير سورة الواقعة، من قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}، الآية: 75
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الواقعة، من قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}، الآية: 75، إلى قوله تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ}، الآية: 81. 

ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1443هـ

(أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) ۞ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • تأملات في سورة الواقعة ونعم الله:
    • حقيقة التسبيح وعظمة الخالق.
    • مواقع النجوم: معانيها الحسية والمعنوية.
    • عظمة القسم والقرآن الكريم.
  • طهارة الظاهر والباطن لتلقي القرآن:
    • نعمة القرآن بين الشكر والتكذيب.
    • شهادة أمة محمد ﷺ للأمم السابقة.
    • حلاوة تلاوة القرآن وخشية السلف.

نص الدرس:

الحمدُ لله ربنا العظيم، تَقَدَسَ وتَنَزَّه سبحانه، نشهدهُ أنهُ الله الذي لا إله إلا هو وحدهُ لا شريك له، أَنزلَ قُرآنه، وجعل فيه هُداهُ وبيانه، ونشهدُ أن سيدنا ونبينا محمداً عبدهُ ورَسوله، مَن اختصهُ الله تبارك وتعالى وكَرَّمَهُ وحَفِظَهُ وَصانه، ورَفَعَ على جميع الخَلائق قدرهُ وشأنه.

 صلى الله وسلَّم وبارك وكَرَّم عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه حُماة الديانة، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يومِ وضعِ الميزان، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمُرسَلين ساداتِ أهل الفضلِ والعقلِ والشرفِ والرزانة، وعلى آلِهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى مَلائكةِ الله المُقَرَبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد،،،

 فإننا في نعمة تأمُلِنا لكلام ربنا وخالقنا -جلَّ جلاله-، انتهينا إلى ما قَص علينا في سورة الواقعة مِن مظاهر هذه الكائنات وأنها بيده ومِنهُ وحده، وأنه في غاية الجَراءةِ عليه والجُحود بالحقيقة كُل مَن عاش والكائناتُ مسخراتٌ له، فوق أرض الله وتحت سَمائه، يأكلُ مِن رزقه -جلَّ جلاله- ويَشرَبُ مِن مائه، ويوقدُ النار التي أنشأ شجرتها -جلَّ جلاله-، ثم يَكفُر به ويَجحَد به، أو يُخالِف أمرهُ أو يُبَدِل منهجهُ ونظامه بنظامٍ ومَنهجٍ وليدَ فِكر لمخلوق مِثله، أو يقدم شيئاً مِن هواه وشهواته! ما أجحده! وما أكفره! والعياذ بالله تعالى.

وآخر ما بَيَّن لنا الحق من هذه الأجناس التي تُخالطنا في حياتنا من مخلوقاته: النار، وقال: 

 

تفسير قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)) 

  • (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72))؟ ترُونَها بالقدحِ والزنادِ فَتَقدحونَها، من خلال ما جَعلَ في نوعٍ من الشجرِ ومن الحجرِ اشتقاق هذه النار واشتِعالُها. 
  • (أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72))؟ بل أنت يا رب، وقال لنا: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) تُذَكِرُكُم بما أوعَدنا به من نار الآخرةِ الموقدة التي تطلع على الأفئدة، اللهم أجرنا من النار. 

قال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)) والأمر لرسولهِ، ثم يتضمنُ أتباع الرسول أن يَقوموا بحق التسبيحِ والتقديس: 

  • وخاطب رسولهُ بقولهِ: (رَبِّكَ) للعنايةِ به، ولمكانته عند الرب، مع أنه ربُّ كل شيء وليس ربُّ سيدنا محمد وحده. 
  • ولكن قال له: (سَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ) الذي رَباك واصطفاك واختَصَك مِن بين بقيةِ أجناس الوُجود. 

(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) إذًا فأنت بهذا الإله؛ عظيم، وخُلُقُكَ عظيم، والدين الذي جئت به عظيم، والقرآن الذي نَزَلَ مِن عند الله عظيم، فإذًا شأنُكَ عظيم، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)؛ لأنك رسولُ العَظيم، وصفوة العظيم، ومختارُ العظيم، ومُنتقى العَظيم، وحامل رِسالة العَظيم، ومُتلقٍ للقرآن العظيم، (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)).

  • فَلنَعِش في جَنةِ التسبيح، وهو التقديسُ للحق تبارك وتعالى عن كل ما يخطر ببالنا وبال الخلائق في المشارق والمغارب. 
  • الله أكبر من أن يتصَوَّر ذاتهُ متصور، وإنما نَعرِفهُ سبحانه وتعالى بأسمائهِ وصفاتهِ وبأفعالهِ التي هي الوجود وما فيه. 
  • أما حقيقة ذاته فَجَلَّت أن يُحيطَ بها أحد، أو أن يعرفها معرفة الإحاطة أحد، لا من قبل ولا من بعد، لا من أهل الأرض ولا من أهل السماء، لا في الدنيا ولا في الآخرة. 
  • وبذلك تمت معنى الألوهية والربوبية لهذا الإله، إنه أَجَلُّ مِن أَن يُحصَرَ في فِكرِ مَخلوق كائناً ذلك المخلوق ما كان، أو في تصورِ أي أحد من الكائنات، فهو أَجَلُّ وهو أكبر سبحانهُ وتعالى، و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشوراى:11]، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الصمد:4]، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)

اللهم وفِّر حظنا من سِرِّ التسبيح والتقديس والتنزيه، والحمدِ لك وشهادة لا إله إلا أنت وتكبيرك، وشهودك بمرآةِ الداعي إليك والدال عليك عبدك محمد، (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)).

 

تفسير قوله تعالى: (۞ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75))

ثم يقولُ لنا الرحمنُ: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75))، قالوا: و-لام- الصلةِ هذا يأتي في لغة العرب، إذا أراد المُقسِم أن يَقسِم على شيءٍ، ينفي شيئًا فَيُقسِم على نفي ذلك الشيء، فيأتي بـ -لا-، يقولُ: لا والله ما كان كذا، لا والله ما فعل فلانُ كذا، لا والله.

 وهكذا أراد الحقُ أن ينفي ما يقول المشركون والكافرون عن القرآنِ الكريم؛ وأنَّهُ سحر، وأنهُ كهانة، وأنهُ من عند بشر، قال: (فَلَا)، ليس الأمر كذلك، (أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75))؛ أَحلِف: 

  • وللحق أن يحلفَ بما شاء مِن خلقه. 
  • وليس لخلقهِ أن يحلفوا إلا بهِ؛ بأسمائهِ وصفاتهِ، وهو يحلفُ بما شاء. 

وجاءت لنا الأقسام كثيرة في القرآن الكريم: 

  • (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) [الشمس:1-3].
  •  يحلف بها سبحانه وتعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ) [الليل:1-2]. 
  • (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ) [الضحى:1-2].
  • يحلف: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ) [التين:1-2]. 

يحلف بما شاء جلَّ جلاله، وكل الذي حَلف به يحملُ مظاهر قدرتهِ وإرادتهِ وتخصيصه له بخصائص.

ثم يقولُ: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)) فهذا حَلِفٌ من الله بمواقع النجوم، فما مواقع النجوم؟ 

(مَوَاقِعِ النُّجُومِ): إمَّا أنها هذه التي خَلَقَها بين السماء والأرض: 

  • ومواقعها مطالِعُها أومَشارِقها أومَغارِبها. 
  • أو تناثُرُها ووقوعها في القيامة إذا تناثرت الكواكب (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ) [الانفطار:2]؛و(مَوَاقِعِ النُّجُومِ)

ثم  إن القرآن الكريم نُجِّمَ: أي أُنزل مُفَرَّقًا؛ خمس آيات، ثلاث آيات، أربع آيات، أقل، أكثر، تَنزِل من وقت إلى وقت، بعد أن أُنزِلَ في ليلة القدر جملةً واحِدَةً من اللوح المحفوظ الى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نُجِّمَ على سيدنا رسول الله تنزل آيات بعد آيات:

  • فأول ما نزل خمس آيات عليه وهو في غار حراء: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:1-5]، خمس آيات هذا بداية الوحي.
  • ثم تتالت آيات وآيات وآيات، ويُؤمرُ أن يَضَع كل آيةٍ في موضعها من أي سورة كانت؛ فنُجِّمت إلى ما قَبل وفاته بتسع ليال؛ خرجت آخر آية.
  • آية واحدة من سورة البقرة أَنزلها الله قبل وفاته ﷺ بتسع ليال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)، وفي قراءة: (تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281]، فقال ﷺ: "ضعوها في سورة البقرة قبل سورة المُداينة بعد آية كذا"، فقبل آية المُدايَنَة بعد آية…، فوضعوها في محلها، فكان آخِر ما نَزَل. 

وهذهِ النُجوم، و(مَوَاقِعِ النُّجُومِ) نزول هذا القرآن عليك مُنَّجَمًا يُقسِم به سبحانه وتعالى ويَحلِف به.

على أنَّ -النَّجمِيَة- أيضًا، كما هو مشهور ومستعمَل، تأتي في وصفِ خواصّ من البشر، إذا احتلوا منازل رفيعة، فيقال: النجم فلان، والنجوم يقولون: 

  • سواءً كانَ رِفعةً صحيحة حقيقية كرفعة الأنبياء والمُقَرَبين والمَلائكة والصالِحين. 
  • أو صوريَّة وهمية خيالية، كما يسمون كثير من أهل المُجون والفسوق يقولون لك نجوم، مجرد تسمية. 

والذين هم نُجومٌ في الحقيقة: 

  • أمثال الصحابة: "أصحابي كالنُّجومِ، بأيِّهم اقتَدَيتم اهتَدَيتُم". 
  • وأمثال صالحِ آل البيت الطاهر. 

لقوله: "النُّجومُ أَمَنَةٌ لِأهْلِ السَّماءِ، وأهْلُ بَيتي أمنةٌ لأهل الأرض". 

بهذا المعنى في هذه النجمِيَّة قال شاعرهم يُنَبِّه عقل الذي لا يعرف في النجوم إلا هذه الكواكب التي بين السماء والأرض، يقول:

أمرتقبْ النجومِ من السماءِ *** نجومُ الأرضِ أبهرُ في الضياءِ

عندك في الأرض نُجوم أبهر من هذه: 

  • هذه تَدُلك على الطريق الحسية في أوقات معينة في نواحي من الأرض. 
  • لكن هذا يَدُلَك على الطريق إلى الله. 

النجم الذي عندك في الأرض يَدُلك على الطريق إلى الله، فرق بين هذا وهذا، يقول:

أمرتقبْ النجومِ من السماءِ *** نجومُ الأرضِ أبهرُ في الضياءِ

فتلك تبينُ وقتُا ثم تخفىِ *** وهذهِ لا تكدرُ بالخفاءِ

هدايةُ تِلكَ في ظلمِ اللياليِ *** هدايةُ هذهِ كشفُ الغطاءِ

إِرفع عن عقلِك وقلبِك الحجاب تدرك الحقيقة، هذا النجم أعظم، الله! (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)) منازلها ودرجاتها.

 

تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77))

يقولُ الله: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ)، لو كان عندكم عِلم صحيح (عَظِيمٌ) تعرفون عظمة هذا القَسَم؛ لِصُدوره من العظيم، قَسَم مِن الله كيف ما يكون، هو عظيم: 

  • فَيَعظُم المُقْسَم عليه. 
  • أما المُقْسمُ به فعظمته: 
    • من حيث اصطفاءِ الحق له. 
    • أو من حيث كونه مظهر لقدرة الله تعالى. 

والعظمةُ كلها لله، وإنما تكون العَظَمةُ المُلقاة على المُعظَّمِين من الكائنات بحسب منزلتهم عندهُ ورضاه عنهم أو دلالتهم عليه، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

(وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76))، فبيّن عظمة القَسم قبل أن يَذكُر المَقْسَمْ عليه. على ماذا أقْسمت يارب؟ تقسم بماذا؟ 

  • (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)، هذا الذي يُبلغكُم محمدٌ عنا، ويوصِل إليكم منا؛ كتاب مُنزل، قرآن مقروءٌ يتلى، كريمٌ، كثير النفع، كثير البركة، كثير النور؛ كريم، يُعطي المعارف، ويعطي المعاني، ويعطي الهداية، ويعطي الطمأنينة، ويعطي الشفاء والعافية (كَرِيمٌ).
  • (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77))، رفيع القدرِ، كريمٌ على الله، يُستشفى به، يُهتدى به، يُتنور به، يُعرفُ به، فيهِ المعارف، وفيهِ العلوم، وفيهِ الهداية، وفيهِ النور، وفيهِ الدلالة، وفيهِ الشفاء. 

 

تفسير قوله تعالى: (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79))

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78))؛ مَصونٍ مَحفوظ؛ 

  • في اللوح المحفوظ
  • وفي أم الكتاب
  • وفي الصحف التي تَحملُها الملائكة؛ يقول سبحانه وتعالى: (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) [عبس:13-16]
  • وفي بيت العِزَّة في السماء الدنيا، (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78)) مُصانٍ محفوظ. 

(لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79))

  • أَمّا اللوح المحفوظ، والصُحف، والكتاب في بيت العزة في السماء، فهذا لا تتناوله إلا أيدي الكرام الكاتبين الكرام البررة من الملائكة (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
  • وأَمّا معانيه وإدراك دلالاته وما فيه من معارف، فلِمَنْ تطهرَ وتنقَى قلبهُ من المؤمنين يمسونه، وغير المطهرين لا يَصِلون إلى سرِّ القرآن، وإن قرأوا .. قرأوا .. قرأوا. 

"وفي الأمة قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم" كما أخبرﷺ، لا يصل القلوب منهم شيء، إنما فقط حروف وأَلفاظ من طرف الشفاه إلى الحنجرة، داخله ليس في شيء! باطنهم وقلوبهم ليس فيها شيء من نور القرآن والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

(لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، بهذا ذَكَروا لعلوم القرآن والفَهم الذي يؤتاه الصادق المُوفق الصافي النقي في القرآن: 

  • أنه تَنَزُّلٌ للقرآن لا نُزول. 
  • أَمَّا النُزول فعلى قلب محمد، وانقطع بموته ﷺ. 

لكن هذا التَنَزُّل لهذا القرآن مستمر، لذلك قالوا: انقطع النزول وبقي تنزُلهُ، تنزُلهُ؛ 

  • هو كَشفهُ للحقائق وإيصالهُ للمعارف
  • وأنوارُ بيانهِ وهدايتهِ ودلالتهِ على دقائق في الفُهومِ والمعارف

تنزُّل مستمر؛

كـِتـَابُ اللهِ أَنـزَلَهُ تـَعـَالَى  *** إِلَى الهَادِي عَلَى يَدِ جِبْرَئِيلِ

تــَنــَزُّلُهُ عــَلَى العــُلَمــَاءِ بــَاقٍ *** لَدَيْهِمْ وَهْوَ مُنْقَطِعُ النُّزُولِ

بِحُكمِ الإِرْثِ لِلمـُخـْتـَارِ نـَالُوا *** غـَرِيـبَ الفـَهـْمِ مـِن أَعـْلَى مـُنِيلِ

وَلَكـِن بـَعـْدَ مَا اتـَّبـَعـُوهُ فـِيمـَا *** تـَلَقـَّوْا عـَنْهُ مـِن فـِعـْلٍ وَقـيلِ

بعد ما صَدَقوا وصَفوا واتَبعوا واقتدوا، إنفتَح لهم بابُ المعرفةِ في القرآن وأدركوا سرَّ ما قال الرحمن: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة:151-152]، لا إله إلا الله.

يقولُ: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79))، ثم القرآن بمعنى الصحف التي تَحمِلها الناس يكون المعنى الآية فيها بهذه المصاحف الذي عندنا: خبر بمعنى الأمر، يعني لا ينبغي لأحد أن يَمسهُ ويحملهُ إلا طاهر عن الحدث الأصغر والأكبر: 

  • في هذا جاء في عدد من كتبه ﷺ إلى عمرو بن حزم مع غيره من الصحابة يقول: "لا يمس القرآن إلا طاهر". 
  • يقول لبعضهم: "ولا تمس القرآن إلا وأنت طاهر" فهذا تشريع أن لا يمس المصحف إلا الطاهر. 
  • وفي الحديث أيضًا الصحيح عن النبي ﷺ: "لا يقرأُ الجُنُب ولا الحائض شيئاً من القرآن". 

فكل هذه المعاني وغيرها اندرج في قوله: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)؛ بل استَنبَطَ بعضُ أهل العلمِ اتساع المعنى فقال: أرى أن كل شيء تحت ظل هذه الآية؛ 

  • فمن طلب حقيقة العِلم النافع قل له: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
  • ومن طلب حقيقة القرب من الله قل له: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
  • ومن طلب المعرفة الخاصة قل له: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)
  • وكل من طلب مطلبًا رفيعًا قل له: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)

طَهَرَنا الله وصَفانا وهيأنا لفهم كلامهِ وكتابهِ وخطابهِ، (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، قال سيدنا عثمان بن عفان: لو طهُرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله، لو طهُرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله جلَّ جلاله وتعالى في علاه، الله أكبر!.

 

تفسير قوله تعالى: (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80))

 (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80))، هذا مَصدرُ القرآن، لا فِكر إنسان، ولا فِكر ملائكة. 

  • (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)، مُكَوِّنِ الأكوان، مُنشئ العالمين، وخالقهم، مدبِّر أمرهم ومالكهم جلَّ جلاله. والعالَمون: الإنس والجن والملائكة، المميزون عن بقية أجناس الوجود بالعقل الخاص. 
  • (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)، فما أعظم القرآن، وجاء من عند العظيم، وحَمَلَه إلينا أعظم خلقه ﷺ. 

فالله يُسعدنا بهذا القرآن أعلى السعادة، ويرفعنا به وينفعنا به، "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".

 

 تفسير قوله تعالى: (أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))

يقول الحق تبارك وتعالى: هذه المِنة التي مننت عليكم وأرسلت إليكم هذا النبي وأنزلت عليه هذا القرآن، (أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ)؟ أبهذا الكلام الحق الخالص الصِّرف (أَنتُم مُّدْهِنُونَ)؟ يعني مكذبون، مُتَمالِئون على التقوّل عليه والتكذيب به؟! 

(أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ (82))، بدل شكر هذه النعمة، يعني شكركم بمعنى، بدل أن تشكروا هذه النعمة وتظفروا بخيراتها، تقومون تكذبون؟ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)؟ لا إله إلا الله،.. 

  • (تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) حظكم ونصيبكم من هذا المَن والفضل والإحسان والنور والهداية، تُكَذِّبون! انفتح لك باب تَقريب وتطهير وتنوير وتعريف وتعليم وهداية، تقوم تُكَذِب به؟ هكذا حظك منه؟ كنت ستحَصِل على حظ قرب، وتُحَصِل حظ معرفة، وتُحَصِل حظ نور، وتُحَصِل حظ هداية، بدل الحظ هذا تجعل حظك التكذيب!  تُكَذِب وتُحرم الخير هذا كله؟ 
  • (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) حظكم ونصيبكم التكذيب بدل الهداية، وبدل النور، وبدل القرب، وبدل المعرفة وبدل السعادة، تقوم تكذب وتُحرم هذا كله؟ 

(أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))؟ 

ماذا عملتم بالعقول التي أعطيناكم؟ ماذا عملتم بالأسماع والأبصار التي آتيناكم؟ كيف تقابلون هذه النعمة بالتكذيب وبالجحود، تجعلون حظكم ورزقكم وشكركم أنكم تكذبون؟ هذا شكر هذا؟ هذا حظ هذا؟ هذا نصيب هذا؟ لماذا تجعلون أنفسكم بهذه الصور؛ جحود بدل الشكر، وتكذيب بدل الإيمان والمعرفة واليقين والقُربة والإدراك للحقيقة، تكذيب كل هذا فات! لا يعرف إلا  أن يكذب، أعوذ بالله. 

(أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))؟

بل قابِلوا هذا الإنعام العظيم بالشكر، وتدبروا وتأملوا وتطهروا حتى تستقر في بواطنكم معاني ما أنزلنا، فنرفعكم بها ونُطَهركم ونُشَرِفكُم ونُنعِم عليكم. الله الله الله، وبذلك وجَدنا أحوال الذين قابلوا النعمة بِالشُكرِ:

  • يقول سبحانه وتعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر:23]. 
  • يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال:2]. 
  • يقول سبحانه وتعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة:83]. 

مَن الشَّاهِدِون؟ الشاهِدون هم خيار هذه الأمة، يَشهدون للأنبياء السابقين على أممهم الذين كذبوا بهم، (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) خيار أمة محمد.

فإن في مواقف القيامة جماعة من الكفار بَلَغوهُم أنبياؤهم وحذروهم وأنذروهم، يريدون أن يتحجَجوا، ويظنون أن شيئاً من الحيل التي كانت في الدنيا، يمشون بها، مُرادهم أنها ستستمر في الآخرة؛ مساكين، يقولون: يا رب هذا النبي ما بَلَّغنا، لو بَلَّغَنا وأنك خالق لنا وأنك…، كيف لا نؤمن بك؟ لكن هذا لم يبلِّغنا!! 

يقول الله تعالى: تعال يا نبي الفلاني، النبي الفلاني، النبي الفلاني، قومكم قالوا: أنكم لم تبلِّغوهم! يقولون: يا ربنا إنك تَعلم أننا بلغناهم، وقلنا لهم، يقول: فمن يشهد لكم؟ يقولون: أمة نبيك محمد، ليس كلهم، بل أخيارهم وكبارهم وصلحاؤهم. 

فيؤتى بالأمة، يقولون: هؤلاء جاءوا من بعدنا كيف يشهدون لهم؟ يقول: اسمعوهم ماذا يقولون ، تشهدون لهؤلاء أنهم بَلَّغوا ؟  يقولون نعم يا رب نشهد أنهم بَلَّغوا ، حتى قوم سيدنا نوح الذي قعد فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يقولون ما بَلَّغنا!، (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) [نوح:7]، يقولون مابَلَّغ! لاحول ولاقوة الا بالله، يقولون: نشهد أنه بَلَّغ يارب، وجلس فيهم تسعمائة وخمسين سنة وكان يقول لهم كذا ويقولون كذا. 

يقولون: كيف عرفوا هذا، هؤلاء جاءوا من بعدنا؟ يقول الحق: كيف عرفتم؟ يقولون: عرفنا بما أنزلت على نبينا محمد، فنحن نشهد بقولك، أنزلت على نبينا محمد ﷺ أنهم بَلَّغوهم وقالوا لهم كذا وردوا هؤلاء بكذا وكذا، فنحن نشهد بذلك بما أنزلت على نبيك محمد بشهادتك وشهادة رسولك، يقول الله: وأنتم من يشهد لكم؟ يقولون: نبيك محمد، يأتي الحبيب، يؤتى بالحبيب ﷺ، هؤلاء أمتك يقولون كذا، يقول: صَدَقوا يا رب، أوحيتَ إلي وبَلَّغتُهُم وهم شَهِدوا بما أَنزَلت عَليّ، يقول الله: وأنا أُزكي شهادتك يامحمد، وقامت الحُجة: 

  • (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء:41]. 
  • (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

(فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة:83]، يقول: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ). 

وحالهم مع القرآن يقول: (إِذَا ذُكِّرُوا) - بِآيَاتِ رَبِّهِمْ- (خَرُّوا سُجَّدًا) [السجده:15] الله أكبر. 

ويذكر سبحانه وتعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة:124-125]، والعياذ بالله تبارك وتعالى، الله يزيدنا بالقرآن نور وإيمان ويقين ومعرفة. 

فكانت حظوظهم من القرآن التدبر والتأمل والاطلاع على المعارف، حتى أستَلذُّوا بالقرآن استلذاذاً يفوق لذائذ المطاعم والمشارب والمناكح والسلطات وكل مُتع الحياة الدنيا، فَنُعِّموا به وبتلاوته في الدنيا قبل الآخرة..

  • كان الإمام محمد بن حسن جمل الليل يقول: أخشى أن لا أُؤجر على تلاوة القرآن. قالوا له: لماذا؟ تلاوة القرآن أعظم الطاعات والعبادات. قال: من شدة اللذة التي أجدها، فأنا أشتهيه، لا أَتَكَلف في قراءته فأنا أقرأه مشتهي له، ملتذٌّ به فرحان به، فهل يوجد لي ثواب أيضًا؟ هؤلاء ثوابهم أكبر، ثوابهم أكبر هؤلاء. 
  • و كان من شدة ما يجد من الأنس والسرور بالقرآن يَذهَب عنه الظمأ والعطش، فكان إذا جاء رمضان يجعل تلاوة القرآن في الليل، ويشتغل ببقية العبادات والأذكار في النهار، قال: عسى أن أجد طعم الصوم، وأعطش قليلاً وأجوع قليلاً، أما إذا قرأت القرآن قال أجد مثل حلاوة العسل ولا أجد جوع ولا عطش، وأنا أريد أن أُدرك أجر الصوم. 
  • فكان في بداية مجاهداته يختلي ويخرج فقط للجماعة والجمعة ويرجع في خلوته.
  • فكانت أمه تحضر له قرص من الخبز كل ليلة، فيأخذ ما بين أصبعيه لِيُذهِب الوصال ويستمر في عبادته، فإذا انتهت أيام رمضان تدخل خلْوتهِ فتجد تسعة وعشرين أو ثلاثين قرص، ماذا تأكل أنت هنا؟ قال: أنا آخذ من كل قرص تأتين به، قليلا لأنه حرام الوصال بين اليوم واليوم، لكن ليس لدي عطش ولا جوع بقراءة القرآن. 
  • حتى قام ليلة يُصَلي، ووصل عند قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) [مريم:96]، فأخذ يتذوق الود ويكرر (وُدًّا).. (وُدًّا)، لم يقدر أن يَتَجاوزها، وطول الليل إلى أن طلع الفجر، (وُدًّا).. (وُدًّا).. (وُدًّا)، يذوق لذة الوداد، بينه وبين رب العباد! وكم قبله وكم بعده لهم عجائب مع القرآن سبحان الله.

كيف والآن كفار في وقتنا يسمعون القرآن ويحسون في بواطنهم بذهاب حزن وذهاب كآبة وأثرا، وهم كفار، من عظمة هذا القرآن! فكيف هؤلاء المُقربون والصادقون، لا يحسون بشيء؟! عندما يسمعونه ولو في شريط يُقرأ: 

  • يجدون أن في فِطَرهم وأرواحهم طمأنينة لهذا الكلام. 
  • وربما رَأوا فيه عِلاجًا لشيء من أمراضهم. 

هذه وقائع كثيرة حاصلة في زماننا هنا وهنا وهناك: 

  • وهكذا لما وفد وفدٌ من اليمن على سيدنا أبي بكر الصديق وقرأ عليهم شيئًا من القرآن، إذا بهم  تُهْمِل أعينهم يبكون، ونظر الصدّيق إليهم قال: هكذا كنا على عهد النبي  ﷺ عندما نسمع القرآن، ثم قست القلوب. يقول حالنا هكذا!
  • وبعض الوفد الذين وفدوا عليه ﷺ في حياته جاءوا فكلموه وكلمهم، كان يخاطبهم ويبين لهم الإسلام، وقالوا له: مِن الذي أُنزل عليك، إقرأ علينا شيئ، فقرأ ﷺ آيات، فدمعت عيناه، بكى ﷺ صار يمسح الدموع بيديه عن عينيه، قال له بعض الوفد: يا رسول الله، من أي شيء تبكي؟ من خوف الذي أَنزل عليك هذا؟ ومن خشية الذي أَنزل عليك هذا؟ قال: "أجل، من خشية الذي أَنزل علي هذا الكلام" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الله. 

وكانت الليالي كلها تشهد دموعه عليه الصلاة والسلام، وكان وَسطها يدعو لأمته، ولمن يأتي بعدهم، ويهتم بشأنهم في القيامة كيف يكون، فكان هذا من ديدنه في لياليه عليه الصلاة والسلام كل الليل، فمهما أحببناه قد سبقنا، وبدأنا هو بالإحسان والمودة والمحبة، وانتبه منا ومن شؤوننا التي نعرفها والتي ما نعرفها صلوات الله وسلامه عليه.

يقول: 

  • (أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))؟ وكم اعتلى به مَن اعتلى، وارتقى من ارتقى، وانتفع من انتفع، وارتفع من ارتفع، واتسَع من اتسع، وأنت حظك تُكَذِب فقط؟ ما لك شيء نصيب من هذا الفضل، ومفتحة لك أبوابه، وأنت في إعراضك!؟ 
  • (أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82))؟ قال الله: فتعلمون بعد ذلك -في نهاية السورة خَتمًا- بما يقع لكم في نهايات أعماركم، وبعدها من المصير الذي تصيرون إليه، تعرفون من الفائز والرابح والظافر، ومن الخاسر والشقي المنحوس.

اللهم أسعدنا بالقرآن، وبآيات القرآن، و بمعاني القرآن، وبالعمل بما في القرآن، واجعلنا عندك من أهل القرآن، الذين قال عليهم نبيك: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته"، شفعه فينا، وطهرنا به تطهيرا، وطهر قلوبنا من كل دنس بتطهيره، واجعلنا من الذين استضاءوا بنوره، وقاموا لك به آناء الليل وأطراف النهار يتلونه حق تلاوته على النحو الذي يرضيك عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.     

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

08 رَمضان 1443

تاريخ النشر الميلادي

08 أبريل 2022

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام