تفسير سورة غافر - 13 - من قوله تعالى { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} الآية 70 إلى الآية 81
الدرس الثالث عشر من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81)
صباح الجمعة 24 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله الكريم المنَّان، المُتكرِّم بالبيان، الذي به ينفي الأدران، ويرفع عن القلب الرَّان، ويرفع به المستبصرين والمستمعين والمُدَّكِرين إلى أرفع مكان وأعلى شان، له الحمد وله الامتنان، نسأله أن يصلِّي ويُسَلِّم على من أنزل عليه القرآن، سيدنا الهادي بالحقّ والهدى إلى حقائق القرب والعرفان، صلَّى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه في كل لمحة ونفس وآن، وعلى آله وأهل بيته المطهرين عن الأدران، وعلى أصحابه الغُرِّ الأعيان، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان في السر والإعلان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب من الرحمن وأهل معرفة الإله الديَّان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى جميع الملائكة المقرَّبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعد؛
فإنّا في مِنَّةِ وكرامة ونعمة خطاب الرَّبِّ لنا وتأمّلنا لمعانيه؛ لتستمع وتنصت قلوبنا وأرواحنا إلى الإله وما أنزله على مصطفاه ﷺ، مررنا على أكثر سورة غافر، ومررنا على قوله -جل جلاله وتعالى في علاه- مُنَكِّرًا شأن هؤلاء الذين يغترّون بأنواع من المظاهر، وأنواع ممّا يُقال له: علم، إلى غير ذلك من أنواع القوى والزخرف في هذه الحياة الدّنيا، ثم يجادلون في آيات الله الواضحة الظاهرة التي تدل على وحدانيته وربوبيته ومرجع كل شيء إليه -سبحانه وتعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ (69)). ما الذي يصرفهم عن هذا التأمل؟
لتعلم أن الأمر خطير، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولا هادي إلا من هداه، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت.
أعطاهم كلهم الأسماع والأبصار والعقول وأرسل إليهم الرسل، وما يؤمن منهم إلا القليل:
- (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الروم:8].
- (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ)، يقول سبحانه وتعالى: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [غافر:59].
- (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) [غافر:21].
- (وَلَقَدۡ جَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِیُؤۡمِنُوا۟) [الأعراف:101].
- (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:9].
فمع أن الكل أوتي العقل والسمع والبصر؛ مع ذلك المؤمنون قليل منهم، والكل أُرسِل إليهم الرُّسُل.
فالحمد لله الذي هدانا للإسلام والإيمان، ونسأله أن يزيدنا ويثبتنا ويحيينا ويتوفانا مسلمين.
ربِّ احينا شاكرين *** وتوفَّنا مسلمين
نُبعَث من الآمنين *** في زمرة السَّابقين
قال سيدنا الصِّدِّيق يوسف -عليه السلام-: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف:101]، اللهم توفَّنا مسلمين وألحقنا بالصَّالحين صالحين.
قال سبحانه وتعالى: (أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ)، المُنزَل على الأنبياء والرسل، والذي خُتِمَ بسيّد الكتب الذي أُنزل على سيِّد الأنبياء وهو القرآن الكريم (وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا). يقول الحق تبارك وتعالى: مهما اغتروا، ومهما افتروا، ومهما جحدوا، ومهما ألحدوا، ومهما أفسدوا، وعاثوا في الأرض فسادا، فما هي إلا أوقات محدودة وساعات معدودة، وينتهي كل شيء، ويرجعون بعد ذلك إلى انكشاف الحقيقة، ويندمون حيث لا ينفع الندم، قال: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ) أيضًا، فتُقيَّد رقابهم بالغلِّ وكذلك السلاسل تُدار على رقابهم وعلى رؤوسهم وعلى أيديهم وعلى بطونهم سلاسل، حتى جاء في الحديث عند الإمام الترمذي وحسَّنه، وعند الإمام الحاكم وصحَّحه وعند غيرهما، يقول أنه ﷺ لمَّا قرأ الآية: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ)، قال: "لو أنَّ رصاصة مثل هذه -وأشار إلى جمجمة- أُرسلت من السماء إلى الأرض لبلغت الأرض قبل أن يأتي الليل" في خلال يوم واحد ستصل وهي مسيرة خمسمائة سنة، قال: "ولو أنها أُرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا بأيامها ولياليها حتّى تبلغ أصلها". فكم مقدار هذه السلسلة؟ وإذا هذا السِّعة في النار -والعياذ بالله تعالى- فالجنة أوسع: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) [آل عمران:133]، (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد:21]، (أُعِدَّتْ لِلمُتًَقِينَ) [آل عمران:133]، اللهم اجعلنا من أهل جنتك يا أرحم الراحمين.
(يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ)، لا إله إلا الله، النار الموقدة والقيح والصديد الذي يخرج من فروج أهل الفواحش في النار يغلي وهو شرابهم، يتجمع في مكان في النار ويحمل منه الزبانية يسقون منه أهل النار، اللهم أجرنا من النار.
(فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72))، يُوقَدون، توقد بهم النّار، هم (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [البقرة:24].
(ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ)، ممّا يَعرِض لهم في القيامة: (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73))؟ وهكذا لكل من اعتمد على غير الله، فغَفِل عن الله، وخالف أمر الله، وكذَّب رسله يُقال له هذا: (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ)؟ هذا الذي قطعك سواء شهوة، أو هوى، أو ادِّعاء علم، أو سُلطة وارتفاع على الناس، أي شي، أو صنم، أو بقر، أو شمس، أو قمر، أو أي شي غير الله (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ)؟ يا عابدي الحضارة! يا عابدي التكنولوجيا! يا عابدي….، قطعكم هذا عن الله ورسوله والإيمان به! فأين هو الآن؟ مادام سلَّمتم أنفسكم له في الدنيا كان من حقِّهِ يحضر معكم ويخلّصكم ممّا أنتم فيه! كيف تعبدون شيئا لا ينفعكم ولا يحضر معكم وقت الشدة؟ لو كان معبودا بحقّ ما يخلِّي عابده عند الشدائد! (أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا)، ويجيبون: لا ندري أين هم، ما هم حولنا، ضلوا عنا، روَّحوا.
وما عاد تنفع التكنولوجيا؟،ولا أسلحة نووية؟ ما تنفع شيئا، ما بقي شيء.
كل الذي ألْهَى عن الله وصدَّ عن سبيل الله، ما عاد ينفع، ما ينفع؛ لأن النافع واحد، وهو الله، من آمن به وصدَّق رسوله هو الذي ينتفع، وغير هذا الإله من ينفع؟ (ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا (74)) فهذا يُحمَل على معنيين:
- المعنى الأول: أنهم في البداية يقولون: أصلًا نحن اعتمدنا على ما لا يُعتمَد عليه، ما دعينا شيئا ينفع ولا يبقى، كائنات من الكائنات، مخلوقات مثلنا! كنا مغرورين بها، لم نكن ندعوا من قبل شيئًا، راح دعائنا لها بلا شيء .
- ثم إنهم في الموقف ينكرون يقولون: لا لا نحن ما أشركنا! ما عبدنا غير الله -لاحول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم-! والله ما كنا مشركين، كما يحلفون أيضًا، يقولون: ما بلغتنا الدعوة يا رب، وإلا ما عملنا نحن هذه المعاصي، ولا كفرنا ولا أشركنا بك، ما بلغتنا الدعوة هذه -لاحول ولا قوة إلا بالله-! فينكرون في مواقف القيامة؛ ساعة يقولون كذا، وساعة يقولون كذا، والمُبطِل متناقض.
تراهم في الدنيا ما لهم مبدأ؟ أيام كانوا في الدنيا؛ أحوالهم يوم كذا ويوم كذا ويوم طلع ما هو إلا كذا و….، وكلامهم فارغ، مالهم أصل، مالهم ضبط، مالهم مبدأ يقومون عليه.
أما شأن المؤمنين بالله -سبحانه وتعالى- نجدهم هم الذين يحسبون الحساب، ولهم مبدأ يقفون عنده -الله أكبر- عبَّر عنه سيدنا سعد بن معاذ: آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق، فصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَحَارِب مَنْ شِئْتَ، وَسَالِمْ مَنْ شِئْتَ، نحن حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتَ، سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتَ. الله أكبر! وما نعرف غير الله إلهًا ولا رسولًا يدلّنا عليه إلا أنت. ولعلك خرجت تريد أمرًا وأراد الله غيره، فامضِ لما أمرك الله، لا نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، لو سِرتَ بنا حتى تبلغ بِرك الغِمَاد من الحبشة لَسِرنا معك، وأعطيناك على الإيمان بك وما جئت به عهودنا ومواثيقنا، هذا مبدؤهم، الله أكبر! وعليه ثبتوا، عليهم رضوان الله تعالى.
قال: (بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74))، كما ضلَّ عن هؤلاء آلهتهم ولا حضروا معهم ولا أنقذوهم ولا نفعوهم، وقالوا: ماهناك شئ، كما قال -تعالى- في الآية الأخرى يُقال لهم: (مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ۚفَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ) [يونس:28-30]، آلهتهم تكون غائبة عنهم، ثم تُحضَر لهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله، فيرون، هؤلاء الشركاء الذين أشركوا بهم! (فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) [النحل:86]! وألقوا إلى الله أي: الألهة ومن عبدوهم فاستسلموا جميعهم لله، قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) [الأنبياء:98]، روحوا أنتم وإياهم إلى النار، وإن كانوا هؤلاء ينفعونكم، انظروا أنتم وإياهم في وسط الجحيم.
مَن ينفعكم؟
- تكفرون بالله الذي خلقكم -جل جلاله وتعالى-! (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) [الواقعة:57]! وكل ما حولكم من صُنعنا! ويدلكم علينا، مالكم؟! (فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ) [يونس:32].
- (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الواقعة:58-61]، لا أحد يفوتنا على أن نبدله بقوم خيرًا منه.
- (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة:63-64]؟ تأكلون من رزقنا ونحن نُنبته لكم وتكفرون بنا؟!
- (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ)، نحن الذين كوّنا السحاب، وكوّنا المياه فيها، وأنزلناه بتقدير وترتيب حتى تشربوا منه.
- (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ) [الواقعة:68-72]؟!
(أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [النمل:60]، (أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) [يونس:31]، (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، -جل جلاله وتعالى في علاه- (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ)، (أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا)، أي قوة صنعت هذا؟! (أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النمل:60-61].
- فما أحد يضحك عليك ويقول عندي علم غير، ويجيب لك أشياء وتكنولوجيا، ويقولك لك: هذا علم غير.
- ما عَلِمَ مَن ربه، ما عَلِمَ مَن إلهه، أهم شيء ما عَلِمَه، فكأنه لم يعلم شيئًا.
هذه أمور ليس فيها حقائق الشرف والكرامة، ويتقنها البَرُّ والفاجر، ولكن المبدأ الأكبر والمُهمة العظمى: مَن خالقك؟ ومَن إلهك؟ ولماذا خلقك؟ وكيف ترجع إليه؟ هذه المُهمة الكبرى في الوجود! ما شيء أكبر منها ولا أهم منها!. يا رب زدنا إيمانًا ويقينًا، وارزقنا وعيَ عظمتك وعظمة ما خلقتنا له، وحسن الاستعداد للقائك.
قال: (كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، ويُقيمون أفراحًا؛ شيئا بثورات، وشيئا بعيد الأرض، وشيئا بعيد الأم، وشيئا بعيد الشجرة، وشيئا سهرات وشيئا ألعاب وشيئا لهو وباطل، وبعد إلى أين؟! ويوم طلعنا على الحكم ويوم قتلنا الجماعة الفلانية، ويفرحون بهذا، ويشربون الخمور والمسكرات ويفرحون! ما هذا الفرح؟! هل له أصل من العقل؟ له أصل من الإنسانية؟ له أصل من القيم؟
لو عقلتم ولماذا خُلقتم، تعرفون تفرحون بالطاعة، تفرحون بالإيمان، تفرحون بالمغفرة، تفرحون بالقرب منه، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].
- في الميزان:
- الفرح والحزن متصل بالإيمان، كميزان المحبة والبغضاء والولاء والبراء؛ متصل بالإيمان.
- كلما صحَّ الإيمان قامت هذه الموازين (الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) [الرحمن:1-9].
فلا معنى للفرح بغير الله -جل جلاله وتعالى في علاه- من كل المنقضيات والمنتهيات والزائلات.
(ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، أقمتم صخبًا ومَسِيرَات وسهرات وحفلات وأنتم مخالفون لأمر الخالق، منكرون لعظمته! فما هو ذا الفرح حقكم؟ (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة:82].
(ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، وتتبخترون وتبطرون (وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (75)) خُيلاء وكبرياء، أشرًّا وبطرًا تمرحون، وبآيات الله تستهزئون بها، وأنبياء الله وأولياء الله تستخفون بهم وتحتقرونهم، فهاتوا زعماءكم، هل أحد منهم يشفع أو ينفع أو يرفع؟! كلهم في حالة شنيعة شديدة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
قال: (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)، هذه النهاية، وهذا مصير تبجحكم وبذخكم وترفكم، هذه النهاية! (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)) الذين تكبَّروا على الله وعلى آياته وعلى كتبه وعلى رسله وعلى صحبهم، (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)).
يقول الله لحبيبه: هذه الحقيقة التي تُقَرِّرُها ونقررها لعبادي على لسانك، وأقرَّها جميع الرسل من قبلك: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، ما شيء غير هذا الأمر، كائن للخلائق، ومرجعهم إلى هذا الواحد، إن تَعمَّرُوا مائة سنة أو عشر سنين أو ألف سنة أو أقل أو أكثر، ما لهم غير هذا المصير والمرجع، والوقوف بين يدي الواحد الأحد وحسابه، (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) [الأعراف:6-8]، مَن آمن، مَن كفر، مَن تَعمَّر قليلًا، مَن تعمَّر كثيرًا، مَن أطاع، مَن عصى؛ المرجع هو ذا لا شيء غيره، بأيِّ فكر كان وبأي اعتقاد كان.. مرجعهم إلى هذا المصير. رزقنا الله الاستعداد للمصير، ووهبنا حُسنَ المصير.
قال: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ)، يعني تظهر بعض انتقاماتنا منهم ونزول الآفات عليهم وأنت في الحياة الدنيا، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)، قبل أن ترى شيئًا من ذلك؛ فكلا الحالين: (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)) إن عمَّرنا قليلًا وإن عمَّرنا كثيرًا، إن أريناك بعض الذي وعدناهم، سيحدث في حياتك وتراه، أو ما أريناك ذلك المصير هو ذا واحد: (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)).
أُرسلِتَ بالحق وصدعتَ بالحق وتكلمتَ بالحق، ومرجع الكل إلى الحق، وقد أراه الله تعالى كثيرًا مما وعده -ﷺ- في بدر، وثم في فتح مكة، إلى غير ذلك مما أراه -سبحانه وتعالى- قبل وفاته، ومن يوم تُوفي إلى أيامنا هذه، والعالم يحدث فيه ما وُعِدَ به ﷺ، وما أخبرَ ﷺ؛ فجميع حوادث العالم هذا على مدى القرون شواهد صدقه، شواهد أنه رسول الله، أنه جاء من عند الله، وإلى وقت الهَرْج هذا الذي نشهده والأوضاع السائدة التي وصفها بدقة في كلامه، كلها شواهد بصدقه أنه رسول من عند الله جاء بالحق. هدانا الله بنوره، وثبَّتنا على دربه وسبيله ومسيره، آمين.
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)، ونرفع روحك إلى الرفيق الأعلى، (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)) سيرجع الكل إلينا والحكم هذا هو:
- لا نُدخِل الجنة إلا من آمن بك.
- لا نُنجِي من العذاب إلا من اتبعك.
- لا نُحِب إلا من أحبك. الله أكبر!
(فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ (78))، ذكرنا لك أخبارهم وأسماءهم في القرآن، وهؤلاء قليل بالنسبة للرسل، وقد جاء في الأحاديث أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، والرسل من بينهم ثلاثمائة وبضعة عشر، قالوا: والصحيح عدم حصرهم، إن الله يقول: (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)، وأمَّا الذين ذكر أسماءهم في القرآن ما هم إلا خمسة وعشرون فقط، وهم ألوف الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، فذكرهم في القرآن للاعتبار والادِّكار، وكَرَّر قَصَص العدد منهم -سبحانه-، وسمَّى سورة بسورة الأنبياء وذكر فيها عددًا من هؤلاء، وسمَّى سورًا بأسماء بعض الأنبياء؛ سمَّى سورة يونس، وسورة إبراهيم، وسورة يوسف، وسورة محمد ﷺ، وسورة هود.. بأسماء الأنبياء، وقَصَّ علينا ما قَصَّ: (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ).
فَمُرْ أُمَتَك يؤمنون بالجميع، فآمنَّا بكلِ رسولٍ أرسله الله وبكلِ نبيٍ ابتعثه الله، ولم يشترط علينا عدَّهم ولا تفصيلهم إلا مَن ذكرهم في الكتاب العزيز فنعرفهم فلانًا نبي، وفلانًا نبي، وفلانًا نبي، هؤلاء الخمسة والعشرون الذين ذكرهم في الذكر الحكيم جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وكانوا يربُّون أولادهم المسلمين من صغرهم على معرفة هؤلاء الأنبياء وتعظيمهم:
تَفْصِيلُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لَزِمْ *** كُلَّ مُكَلَّفٍ فَحَقِّقْ وَاغْتَنِمْ
هُمْ: آدَمٌ، إِدْرِيسُ، نُوحٌ، هُودُ مَعْ *** صَالِحْ، وَ إِبْرَاهِيمُ كُلٌّ مُتَّبَعْ
لُوطٌ، وَ إِسْمَاعِيلُ، إِسْحَاقُ كَذَا *** يَعْقُوبُ، يُوسُفٌ، وَأَيُّوبُ احْتَذَى
شُعَيْبُ، هَارُونُ، وَمُوسَى، وَالْيَسَعْ *** ذُو الْكِفْلِ، دَاوُدُ، سُلَيْمَانُ اتَّبَعْ
إِلْيَاسُ، يُونُسْ، زَكَرِيَّا، يَحْيَى *** عِيسَى، وَطَهَ خَاتِمٌ دَعْ غَيَّا
هذه الأسماء المذكورة في كتاب الله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، آمنَّا بهم وصدَّقنا أنَّهم رسلُ الله، وآمنَّا بجميعِ أنبياءِ الله ورسله (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) [البقرة:285]:
- نوقن أنَّهم جميعًا صادقون، وجميعًا مُنَبَّأون من قِبَل الله، ومبعوثون من عند الله، ونُعظِّمهم ونُجلَّهم من أولهم إلى آخرهم.
- بل نُوقِن أنَّهم أشرف خلق الله وأفضل خلق الله على الإطلاق، لا يساوي ذرةً من ترابِ رِجْلِ أحدهم مُفكِّرٌ، ولا مخترعٌ، ولا مؤسس دولة، ولا قائد جيش، ولا صغيرٍ، ولا كبير.
هؤلاء أفضل وأجلّ وأكرم عند الله تعالى؛ أنبياء الله (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]، صلوات الله وسلامه عليهم.
(وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، وأقوامهم يقترحون عليهم، وقالوا لهم: هات لنا كذا، اعمل لنا كذا واعمل لنا كذا، وتقول لهم رسلهم: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)؛ ولهذا يقول: كلما اقترحوا آيات فأبديناها لهم؛ تعجَّل عذابهم إذا لم يؤمنوا، ولهذا حتى لمَّا اقترحت قريش بعض الاقتراحات: (تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا) [الإسراء:90]، (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ) [الإسراء:93]- وخيَّره الله بين أنْ يُظهِر له شيئا من هذه الآيات ثم يهلكهم إن كذبوا، أو يخفيها عنهم ويُمهلهم ليؤمن من يؤمن، فاختار ﷺ تأخيرها؛ لأنَّه قد جاءهم بما يكفي.. إلى حد انشقاق القمر، ماذا يريدون بعد؟ الغي والضلال، والمعاندة والتعصب على الباطل والكفر.
(وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) وساعة هلاكهم وانقضائهم؛ (قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)) الذين كانوا يدعون مع الله والذين يكذبون الرسول، أهل الباطل في أفكارهم واعتقادهم وفي أخلاقهم ومسالكهم.
(وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) هم خاسرون أبدًا، لكنْ هنا ظهر خسرانهم وأيقنوا به، هم وكل عاقل أيقن أنَّ هؤلاء الخاسرون:
- (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3].
- ومن لم يؤمن ويعمل الصالحات و يتواصى بالحق و يتواصى بالصبر؛ فهو مُبطِل (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)).
فيَا ربِّ زدنا إيمانًا، وارزقنا العمل الصالح، واجعلنا متواصين بالحق ومتواصين بالصبر.
(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79)) هذه الحيوانات التي خلقها لكم -جلَّ جلاله- من إبل وبقر وغنم وخيل ودواب وحمير.. وغيرها خلقها لكم، مَن كوَّنها غيره؟ وكيف رتَّبها هذا الترتيب للمنافع؟ كيف تنتفعون بها على مَمَّرِ القرون، من أيام آدم إلى آخر الزمان، سبحانه عز وجل.
(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79)) تركبون مثل الخيول والحمير ومنها تأكلون أيضًا، وبعضها تركبون وتأكلون مثل الإبل والغنم (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) [يس:72]، (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ) [النحل:7]، فهذه البقر تأكلون منها وتحرث لكم، والغنم تأكلون منها وتَطْعَمُون لحمًا طريًا أبحناه لكم.
يقول: (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) في أشعارها وأوبارها وجلودها وألبانها..أنواع من المنافع -لا إله إلا الله-، وتحمل لكم الأثقال، وتحرث لكم الأرض مثل البقر.
(وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) تبلُغون بواسطتها كثيرا من الأغراض والمقاصد المهمة في الحياة بواسطة هذه الحيوانات.
(وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)): (وَعَلَيْهَا) في البر تُحملون، (وَعَلَى الْفُلْكِ) في البحر نَحملكم، نجعل لكم حمولًا تركبونه مثل الإبل والخيول والحمير تركبون عليها في البر، وفي البحر فُلك وسفن -سبحان الله!- (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:70].
(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81))! نعوذ بالله من إنكار الآيات. وهكذا تختم معنا السورة إن شاء الله في الغد.
والله يبارك لكم في آخر جمعة من رمضان هذا، فما تأتينا الجمعة بعدها إلا في يوم عيد، الله يبارك لنا في خاتمة رمضان، ويجعلنا غانمين في رمضان، فائزين في رمضان، ظافرين بخيرات الرحمن في رمضان، وسر القرآن في رمضان، بارك الله لنا ولكم في كل ليلة وفي كل يوم وفي كل ساعة، ووفر حظَّنا من هذا اليوم، يا أكرم الأكرمين، يا حي يا قيوم: بلغنا فوق آمالنا، وأصلح جميع أحوالنا، وسدِّد جميع أقوالنا، ووفقنا في جميع أعمالنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا لأحد من خلقك طرفة عين، وبارك لنا في خاتمة الشهر الكريم، واجعلنا بعده لابسين حُلَلَ الانتفاع والارتفاع، ثابتين على قدم الاتباع؛ حتى نجتمع خير اجتماع في زمرة الحبيب محمد ﷺ في البرازخ والقيامة ودار الكرامة.. اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين..
يا رب واجمعنا وأحبابًا لنا *** في دارك الفردوس أطيب موضعِ
فضلًا وإحسانًا ومنًا منك يا *** ذا الجود والفضل الأتمِّ الأوسع
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 رَمضان 1447