تفسير سورة غافر - 14 - من قوله تعالى {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون} الآية 79 إلى الآية 85
الدرس الرابع عشر من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة غافر، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1447هـ ، تفسير قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
صباح السبت 25 رمضان 1447 هجري.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله العليم الحكيم باسط بُسط التفهيم، ومقيم علامات ومعالم المنهج القويم والصراط المستقيم، نحمده ونشكره ونُثني عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله. ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، الهادي بإذنه إلى الصراط المستقيم؛ صاحب الخُلق العظيم.
اللَّهم أدم صلواتك وأزكى التسليم على عبدك المُختار سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن سار في دربه من أهل ولائه وحبه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل معرفة الله وقُربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المُقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرَّاحمين.
أمَّا بعد،،،
فإننا في نعمة التدبُر لكلام الإله الذي خلق، وما أنزل على عبده الأصدق، وما بيَّن من حقائق المرجع والمآل لجميع الأولين والآخرين، وحكمه في يوم الدين، وانتهاء الخلائق إلى إحدى الدارين.
هما محلان ما للناس غيرهما *** فانظر لنفسك أي الدار تختار
الدار دار نعيم إن عملت بما *** يرضي الإله وإن خالفت فالنار
اللَّهم اجعلنا من أهل جنتك.
انتهينا في هذه النعمة إلى أواخر سورة غافر، ونسأل الغافر أن يغفر لنا أتم المغفرة وأشملها وأكملها، وأفضلها وأعلاها، وأجلّها وأجملها إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.
وصلنا في أواخر سورة غافر إلى قوله تبارك وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ)، وعدّد الله لنا المنافع في هذه الكائنات والمخلوقات والحيوانات: من لبن، ومن ما يترتب عليه من زُبْدٍ ومن جُبن، ومن آثار أيضًا شعورها وجلودها ووبرها، وما إلى ذلك.
(وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80))؛ جعلنا لكم محامل في البر، ومحامل في البحر؛ وهي الفلك والسفن. ورتّب أن هذا النوع من المادة -وهو من الجمادات وهو الخشب-؛ لا يغوص في الماء ولا يغرق حتى يحمل فوقه أحمالًا ثقالًا كثيرة، ولا تغوص في الماء؛ وكله بترتيب الحق -جل جلاله-، ولا يملك أحد يقول: نبدّل الآن -نحن تقدَّمنا- على الحجر، ما عاد يغوص في الماء، النوع الذي رتَّبه هو فقط هو الذي يمشي، لا إله إلا الله.
يقول: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ)؛ في الكائنات، في أنفسكم، في الجو والفضاء، في الهواء، في المطعومات، في المشي؛ يريكم آياته؛ الدالة على قدرته وعظمته ووحدانيته..
- (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81))؟ ما الذي تنكرونه من الآيات؟ فلينظر الإنسان إلى طعامه: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس:25-32].
- (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81))؟ رفع سبع سماوات (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) [لقمان:10].
- (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81))؟ لا إله إلا الله، تشربون من الماء العذب الفرات، وتطعمون من أنواع الطعام هو الذي أبانها.
- (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81))؟ تسمعون، تبصرون، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78].
- (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81))؟ ماذا الذي تنكرونه من الآيات؟
- كما كرر علينا معشر الإنس والجن في سورة الرَّحمن، وهو يعدد علينا نعمه فيقول: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [الرحمن:13].
- تكذبون بماذا من هذه الآلاء والنعم؟ إيش الذي ما هو موجود منها؟ إيش الذي ما هو صحيح منها؟ إيش الذي ما هو واقع منها؟ إيش الذي ما هو قائم منها؟
ومع هذه الآيات الواضحة الدالة كلها، ومع ذلك مُكابرة ومُعاندة، وإلحاد وكُفر، ومعصية ومخالفة للرسل! ما هذا الحال؟! ما أغرب حال الإنسان هذا والجان معه! بما آتاهم الخلَّاق من أسماع وأبصار وعقول، وسمع وقدرة على الفهم والوعي، وشطحهم بعد ذلك وانحرافهم وعنادهم الغريب؛ حتى تُملأ بهم نار جهنم، أجارنا الله منها.
قال: (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ)؛ وهم لهم رحلة في الصيف ورحلة في الشتاء بالنسبة لكفار قريش، وإلى الشام وإلى اليمن، ما يعملوا الفِكْر شوي قليل؟ ما يحركوا العقل قليل؟ وينظروا الآثار؟ وكم مضى هنا من الأمم؟ وما كانوا؟ وكم مضى من الرسل في الشام؟ كم جاءوا من أنبياء؟ وكم هلكت من أمم؟ وعندهم في اليمن كذلك.
يقول: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)؛ أعمل فكرك، أنت أول آدمي جئت تبدأ تجربة ولا ماذا؟ ولا ثاني آدمي ولا ثالث آدمي، ولا رابع جيل، ولا سادس جيل، ولا عاشر جيل، ولا جيل المئة، ولا جيل الألف، وجيل الألفين، وبعد؟ ما لك ما تعتبر؟ ما لك ما تدّكر؟ ما لك ما تُحسن التفكير؟
يقول: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) ولكثرة الطوائف ما تكاد تجيء طائفة وإلا وفي مَنْ قبلهم مَنْ هم أكثر منهم قوة، وَمَنْ هم أكثر منهم عدد، مَنْ هم أكثر آثار في الأرض؛ مصانع وقصور ومباني، وأنواع يُحدثونها في الأرض.
(فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ):
- عددًا.
- وربما أكثر منهم مالًا.
- وربما أكثر منهم سلطانًا في الأرض.
(وَأَشَدَّ قُوَّةً)، (وَأَشَدَّ قُوَّةً)؛ كانوا ينحتون من الجبال بيوت، (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) [الفجر:9-10]، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) [الفجر:6].
(وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ):
- ساروا ومشوا فيها أكثر مما يسير هؤلاء.
- و تنقلوا فيها أكثر مما تنقل هؤلاء.
- وعندهم كان قصور ومصانع، وأنواع لاستخدام لمصالح الحياة كثيرة.
يقول الحق تعالى: (فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82))، ما الذي أغنى عنهم؟ لأنه يصح أن تكون بمعنى:
- الاستفهام (ما)؛ ما الذي أغنى عنهم من كل هذا الذي كسبوا؟ هلكوا، ودمروا، وانتهوا، وانتقلوا إلى النار. فماذا أغنى عنهم هذا؟ بماذا نفعهم هذا؟ تظنون بتنفعكم ما عندكم؟ مثل الذي عندكم مرات كثيرة قد كان مع قوم قبلكم؛ ما نفعهم.
- وأيضًا يُحتمَل يكون (ما) نافية، (فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82))، ما أغنى عنهم شيء، ما نفعهم من شيء.
فقصة الأُمم على ظهر الأرض في مقابلتها لوحي الله، وتفضُله بإرسال الرسل وإنزال الكتب قصة غريبة؛ قصة غريبة جدًا:
- (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24].
- (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) [الذاريات:52].
يقولون: مَن ساحر أو مجنون؟ أعقل من عندهم، وأطهر مَن في بيئتهم، وفي مجتمعهم. يقولون: ساحر أو مجنون، وهم يوقنون أن هؤلاء أبعد الناس عن السحر، وأعقل الناس وأفهمهم وأبعدهم عن الجنون؛ ولكن يقولون ساحر أو مجنون. قصة غريبة!
إلى وقتنا هذا، بُعث النبي الخاتم، وكيف حال الناس والأمم هذه التي ملأت الدُّنيا فساد وظلم وعناد وضر وحروب وكروب ومصائب وضرب؟ قصتهم مع الرسالة غريبة، نفس القصة متكررة!
(فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) والدلائل الواضحات الكافية؛ لاستضاح السبيل، والاهتداء إلى الرَّب الجليل، والحاملة على العمل بالتنزيل، وخروج الإنسان من هواه وغيِّه واتباع الشهوات؛ أمر كافي، جاؤوا الرسل بالبينات.
لكن هؤلاء (فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) وما هو العلم؟ العلم هو ذا الذي هو جهالة يعني أصلًا. العلم؛ الاغترار بشيء من المتاع الفاني؛ اغترار بشيء من الزائلات. لمَّا جاءت الرسل في كل جماعة، ولكل جماعة ولكل طائفة في كل أُمة، كان ربما فيهم من عنده من أنواع الصناعات والحرف واتخاذ الأشياء ما ليست وظيفة الرسل؛ وبعد؟ جعلوا من هذه الصناعات والماديات حكم على الحقائق الكونية؛ وعلى الذي بعث؛ والذي ما البعث! أيش دخل هذا فيها؟ هذه حرف وصناعة يتقنها البر والفاجر مطروحة على ظهر الأرض من قِبل خالقها، ما لها تحكُّم في المبادئ ولا في القيم ولا في الدين؛ ما لها دخل في معرفة من خلقك، حتى تقطع السبيل؛ بل بالعكس وظيفتها تدلك على الذي خلقك، ما هو تقطعك عن الذي خلقك! ولا لها حق تتحول هي إلى مُشرِّعة؛ التشريع للذي خلق. فحولوا أنفسهم هم المشرعين، وقابلوا الأنبياء؛ ما نُبعث، تُحشر؛ ما بنُحشر. طيب إيش من دليل؟ ولا دليل إلا كبر وغطرسة! هذا الواقع الآن! هذا الواقع الآن! هذا الواقع الآن! كبر وغطرسة ما لها معنى؛ إنكار للحق الصريح الواضح.
يقول: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ)؛ ومنطق أهل زمانكم يقولون: نحن أهل التكنولوجيا، نحن أهل التقدُّم، نحن أهل.. ومع ذلك يُصرِحون بالسقاطة. يقولون: يهمنا المصالح، ما قصدهم بالمصالح؟ منافع مادية تتعلق بالثروات والسلطة والشهوات فقط. هذا انحطاط، هذا سقوط، أين أهل الإنسانية؟ أين القيم؟ أين الدين؟ أين معرفة الخالق؟ ولا عندهم من هذا شيء.
(فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ)، هم سموه علم وفرحوا به، وهو عبارة عن لُعاعة ضحكت على عقولهم، قطعتهم عن الحق والحقيقة وهيأتهم للنار، هذا هو العلم حقهم. كما قال في الآية الأخرى: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، يقول: هذا الظاهر من الحياة الدنيا مهما علمه الإنسان وتوسع فيه، هو في الميزان ما علم إذا لم يعرف خالقه، ما علم. (لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وإيش مصيبتهم؟ (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)؛ ضيعوا المستقبل الكبير (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)، إيش يحملكم على الكفر بلقائه؟ وهو الذي خلقكم، وكوّنكم أول مرة، وأرسل لكم الرسل (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ) فعملوا أنواع من المصالح، والزينة والبهرجة، والمظاهر والصور (وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [الروم:6-9].
(فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ)، مع أن العلم الذي عندهم؛ فيه جهالة تامة عن الخالق والمقصود من الخلق والمصير بعد الموت إلى أين؟ ما يعرفون شيء من هذا، وهذه الأساسيات والأهم الذي يعرفه العاقل. وهكذا كان يضرب بعضهم المثل، يقول: لو فرضنا، تصور أنك أنت بتت في بيتك على فراشك، ما شعرت بنفسك إلا في سفينة تجري في البحر، فيها ناس ويتكلمون ويشتغلون بأشياء، فبحكم العقل ما أول ما تفكر فيه؟ تقوم تلعب معهم وتشتغل بشغلهم؟ ما فيك عقل! أول شيء تقول: ما الذي جاء بي إلى هنا؟ كيف؟ أنا ما كنت في السفينة هذه، أنا في بيتي وعلى فرشي، ما الذي جاء بي للسفينة؟ هذا أول ما يجب أن تفكر فيه، إن كان عندك عقل. بعدين، ما الذي جاء بي لهذا؟ ولماذا؟ والثالث، تسير إلى أين هذه السفينة بي ؟ تودينا إلى أين؟ لأي بقعة في الأرض؟ هذا أول ما تفكر فيه إن كنت عاقل.
إذا نمت في فراشك في البيت، ما شعرت بنفسك إلا في سفينة، حصلتهم يضحكون ضحكت، حصلتهم يلعبون لعبت، وقاعد ما تحرك، فكّر في نفسك أول! هذه الحياة التي نحن عليها. الأرض سفينة تمشي بنا، وجينا فيها وما كنا هنا (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان:1] السفينة تمشي بنا إلى أين؟ هذا يموت، وهذا يموت، وهذا يموت، وبعد! ما هذه القصة؟ فالجماعة هؤلاء وسط السفينة يلعبون ويضحكون ولا فكروا من أين جاءوا، ولا فين تذهب بهم السفينة! يعقل هؤلاء؟ هم في القيامة يقولون: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ) [الملك:10-11]، ذنبهم غفلوا عن الأمر الواضح البيِّن، عن الآيات والدلائل الكبيرة، التهوا بالشهوات والتُّرهات، هؤلاء سقطة، شرار البشر (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) [البينة:6]، شَرُّ الْبَرِيَّةِ.
فيجب أن نعرف عظمة الإيمان والإسلام، ونعمة الله علينا بالإسلام، ما أعظمها وما أجلها، يا ربّ ثبتنا عليها، وزدنا منها، وتوفنا مسلمين.
(فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ)؛ فرح إعجاب واستكبار؛ فاستهزأوا بالحق الصريح؛ وبالعلم الصحيح، وضحكوا على الأنبياء واستهزأوا بهم وآذوهم.
(وَحَاقَ بِهِم)؛ حل ونزل (مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)) من هذا التكبر والتجبر؛ هلكوا وانتهَوا وانتقلوا إلى العذاب الشديد، كما قال في قوم فرعون: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:45-46]. فإيش من مستقبل عملوه له هؤلاء؟ وأي فائدة كان فيما أصروا عليه من عبادة فرعون ومن تكذيب موسى؟ وماذا حصَّلوا من وراء ذلك؟ وماذا سيُحصِّل كفار زماننا من وراء كفرهم ومسخرتهم ولعبهم هذا بالمادة وبالقيم؟
يقول: (فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83))؛ فلما نزل العذاب بأي طائفة منهم، بكل أُمة منهم عند نزول العذاب؛ آمنوا كلهم، فلم ينفع الإيمان، لم ينفع الإيمان: (حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) [يونس:90]، (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24] أين ذهبت؟ كنت تزمجر بها، وبعدين ترقيت في تطورك، أنت سقطت وقلت: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38]، أين ذهبت الآن؟ (لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) هذا الذي يعبده موسى وقومه هذا الإله الحق، (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، أنا معهم بآمن! قال: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:90-91].
(فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)؛ ما أفادهم الإيمان شيء، كان الإيمان:
- قبل نزول البأس؛ -أي: العذاب الشديد- نافع ورافع وسبب لسعادة الأبد والنجاة من النار وشقاء الأبد.
- لكن بعد نزول العذاب كلٍ يؤمن. نحن نلتقي في القيامة، الناس كلهم مؤمنين، ما عاد ينفع!
العبرة أيام كنت وقت التكليف في الدُّنيا، إيش كنت؟ هو هذا الحكم الذي يقوم عليه؛ وأما في القيامة، مَن كافر؟ ولا واحد كافر، خلص كلهم مؤمنين حتى إبليس، كلهم مؤمنين، لكن ما الذي ينفع؟
(فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا):
- فعند الموت ونزول العذاب بسبب الإصرار والعناد للأنبياء ما عاد ينفع، لا عاد تُقبل التوبة، ولا ينفع الإيمان وإلا تنكشف الستارة..
- والكل يعلم أن الله وحده خالق كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، وأن محمد سيد الخلق، كل يوقن بهذا.
- جميع الذين ماتوا اليوم من الملاحدة والفجرة واليهود والنصارى؛ أيقنوا بهذا لكن ما عاد ينفع؛ ما ينفع وقد مرت حياتهم على معاندة وعلى مضادة وعلى مخالفة.
وما كلَّفوا نفسهم يحسنوا النظر في الآيات هذه! لو الواحد منهم أحسن التأمل بإنصاف في الآيات هذه بيكفيه؛ بيهتدي وبيموت على حسن الخاتمة.
لكن (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)؛ عذابنا الشديد الملحق بهم. قال: (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ)؛ هكذا الأمم كلهم والطوائف، يعاندون ويكذبون الأنبياء والرسل؛ ينزل بهم العذاب؛ يؤمنون؛ ما ينفعهم الإيمان، (سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ)، طائفة بعد طائفة وجماعة بعد جماعة. فيا من أنعمت علينا بالإيمان زدنا إيمانًا، وقوِّ فينا الإيمان، وتوفنا مسلمين مؤمنين موقنين مخلصين صادقين نحب لقاءك وتحب لقاءنا يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين.
(فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85))، وفيه أيضًا يقول: أنتم يا مشركين، ويا مكذبين النبي محمد السُّنة هكذا؛ مَن نزل به البأس والعذاب لا ينفعه الإيمان؛ فانتبهوا لنفسكم، لا تكونوا مثل اللي قبلكم نزل بهم البأس؛ فآمنوا؛ فلم ينفعهم الإيمان.
(سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85))؛ أي: ظهر وبان، واتضح بما لا ريب فيه ولا شك، عندهم ولا عند غيرهم خسرانهم. هم كانوا خاسرين من أصل ولكن الآن اتضح وبان، وأيقن الكل أن هذا خسران..
- يقول المؤمنون في يوم القيامة: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الزمر:15].
- ويقول الذين أوتوا العلم كذلك: (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) [النحل:27].
هكذا يقول المؤمنون وهكذا يقول الذين أوتوا العلم. يعني: ظهرت حقيقة الخسران لكل خاسر، وهو خاسر من الأصل بتكذيبه للحق ورسله، خاسرين وإن ملكوا، خاسرين وإن ذبَّحوا خلق الله، خاسرين وإن عملوا ما عملوا؛ هم خاسرون ولكن يتبين الخسران وبعد ذلك.
(وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85))؛ (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ)، قد خسِر (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام:31-34]، صلوات الله وسلامه عليه.
فهكذا كانت أحوال الأُمم، لا طائفة ولا طائفتين، ولا جيل ولا جيلين، ولا عشر أُمم ولا عشرين، ولا مئة ولا مائتين، والعاقبة وقعت هكذا للجميع، وما فاز إلا الذين آمنوا بالمُرسلين و اتبعوهم.
وقد نصح الرجل المؤمن من أهل أنطاكية القرية:
- (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) من المؤمنين أصحاب سيدنا عيسى أرسلهم من حواريه إلى هذه القرية، ولمَّا كان الإرسال بأمر الله، وتحت نظر نبي الله؛ نسبه الحق إلى نفسه، قال: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ)، أرسلنا.
- أرسل معهم سيدنا عيسى واحد ثالث، (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [يس:13-17].
- (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) ولا هم حق مادة، ولا يريدون منكم شيء من المتاع..
- أنتم تفرضون على بعضكم البعض أشياء، وتتوسلون من شأن تتوصلون لتحسين المال!
- هؤلاء ما عندهم، ما هم من هذا الصنف، ما هم بهذا التفكير حقكم الساقط.
- هؤلاء أُمناء على حقائق، بعثهم بها الخالق، (اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ)، وأنت تتبعهم؟ تؤمن بما جاءوا به؟ يقول: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، أنتم كلٌ نحن وإياكم سنرجع إليه!
- (أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ)، فإيش تدعونني للخسران هذا؟! (إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)، يقول هكذا أنت تؤمن وتتبعهم، بنقتله.
- ولمَّا قتلوه وظهرت الحقيقة ودخل الجنة: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) [يس:19-26]، يدركون الحقيقة، ويخرجون من الجِهالة هذا حقهم.
وهم كانوا مغترين، ويشوفون نفسهم هم العلماء، والرسول ذا الذي جاءهم يعرفونه؛ هم يعرفون!
هذا دأب الكُفار، لكننا نشكو في أزمنتنا تسرَّب الكفار فِكْرهم إلى كثير من المسلمين، حتى ظنوا أن الرسالة والنبوة أمر جانبي وجزئي، وأنه في أشياء تبع العلم! علم ماذا يا أبله؟! علم إيش يا أبلد خلق الله! جميع المعلومات المادية السماوية والأرضية إذا لم تخضع لنور هذا الوحي؛ فهي خسران وضلال وباطل.
حقيقة العلم الأصفى الأنفع عند الأنبياء، عند الرسل؛ ولذا أيضًا صاروا يتعاملون مع الأولياء بذات الصورة وليّ وصالح! لكن هؤلاء يعرفون، مَن هم؟ كفار! هذا وليّ ما يعرف. أولياء الشيطان يعرفون، وأولياء الرَّحمن يجهلون! إيش هذا! إيش مِن منطق هذا؟ هذا يكاد يتناقض مع الإيمان من أصلُه. إذا كان أولياء الشيطان يعلمون، أولياء الرَّحمن ما يعلمون! العلم عند الله أو عند الشيطان؟!
- (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140].
- (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14]، جلَّ جلاله.
- (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]، الله هو الذي يعلم يخلِّي أولياؤه وأنبياؤه ما يعلمون، وأنتم أولياء إبليس تعلمون؟! من أين هذا جاء؟
تَسرُّب هذا الفكر الكُفْري إلى شعور كثير من المسلمين خطر، خطر قوي بسببه بسط الكُفر يده على أراضي المسلمين وعلى بلاد المسلمين، ولعبوا على المسلمين وعلى عقول المسلمين، لسوء أدبهم مع الله ومع رسُله، ولو عرفوا قدر الله ورسوله؛ ما سلَّط الله عليهم شرقي ولا غربي، ولا صغير ولا كبير. ولا يرجع حقيقة العز إليهم حتى يعودوا إلى حقيقة دينهم، ويعرفوا عظمة الله الذي خلق، ونعمة محمد ﷺ وما جاء به؛ بذلك يُخْذل عدوهم ويُهان، من دون هذا ما يُنصَرون.
وكلما تمسكوا بعدوهم؛ فحالهم تمامًا كما قال الجبار: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا)، يبنون قاعدة عندك، وبكرة بتُضرَب القاعدة، (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41].
أنت بحكم إيمانك إن بتلتجأ في القوي القادر الواحد الأحد، أصلِحْ حالك معه وقم بشرعه، وانظر كيف يحرسك هذا القوي، وكيف ينصرك هذا القوي. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:7-8]، صدق ربي، صدق ربي وكذب إبليس. وأبواق إبليس من شياطين الإنس والجن، كذبوا وصدق الله:
- (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) [الأنعام:31].
- (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) [النمل:4-5]. ليس خاسرون؛ أخسرون، (هُمُ الْأَخْسَرُونَ).
فلا رِبح إلا في لا إله إلا الله، إلا في الإيمان بالله -جلّ جلاله- وبرسوله ﷺ.
ثم معشر المؤمنين؛ شؤون المادة وما إليها في تفاهتها اعملوا بشرع الله فيها واستعملوها ولكن لا تستعملكم، لا تملككم، لا تضحك على عقولكم، لا تبيعون بها دينكم، لا تبيعون بها صلتكم بالإله -سبحانه وتعالى-، وإنما هي من جملة المتاع، مثل الأكل والشراب وغيره.. هذا متاع من المتاع. أقم شرع الله فيها واستعملها، وفكر فيها بحكم الله، وصرِّفها فيما شرع الله لك، والأمر مبسوط لك؛ لكن تتحول إلى آلهة من دون الله؛ لا لا لا لا لا، تتحول إلى مُتحكِّمة في القيم وفي الأخلاق؛ لا لا لا لا لا، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الأنعام:57]، -جلّ جلاله وتعالى في عُلاه-.
- استعملها ولا تتركها تستعملك، مُسخَّرة لك لا تُسخَّر لها، اعبد إلهك وإلهها، وتصرَّفْ فيها بشرع إلهك وإلهها؛ بذلك تأخذ نصيبك من هذه الحياة الدُّنيا.
- وأما تبيع قيمك وأخلاقك وتسيء الظن بالنبوة والرسالة وبالولاية وتتبع هؤلاء؛ هذا غش، يغشك به عدوك؛ فتخسر خسران مبين -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
رزقنا الله كمال الإيمان، رزقنا كمال اليقين، رزقنا كمال التقوى، يا خير الغافرين اغفر لنا، سامحنا فيما جنينا. أسعدنا بخواتيم ليالي رمضان، لياليه وأيامه يا رب. اجعلنا من خواص الظافرين الرابحين فيها، المسعودين بأعلى ما تُسعِد به المقبولين والموفقين ممَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وصام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وقام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، اللَّهم اجعلنا فيهم وفي خواصهم في لطف وعافية، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الرَّاحمين.
وفِّر حظَّنا من نور رمضان وسر رمضان، نخرج بإيمان قوي راسخ يزداد أبدًا، ومعرفة بك خاصة تزداد أبدًا، يا حيُّ يا قيوم يا أرحم الرَّاحمين. هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التُّكلان، فألحقنا بأهل بدر وأصحاب حبيبك محمد البدر في السر وفي الجهر، في الدُّنيا وفي الحشر برحمتك يا أرحم الرَّاحمين، حتى نستقر معهم في خير مُستَقَر، وفي دار الخُلد ونعم المصير وحسُنَت مستقرًا.
اللَّهم اجعلنا من أهل جناتك، ونسألك الفردوس الأعلى من الجنة، ونسألك الدرجات العُلا من الجنة، وارفعنا عليَّ الدرجات يا رفيع الدرجات.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ محمد، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 رَمضان 1447