تفسير سورة محمد -10- من قوله تعالى: { إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ }، الآية: 36 إلى آخر السورة

للاستماع إلى الدرس

الدرس الخامس من تفسير العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة محمد، ضمن الدروس الصباحية لشهر رمضان المبارك من عام 1445هـ ، تفسير قوله تعالى:

إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) 

الجمعة 5 رمضان 1445هـ 

نص الدرس مكتوب:

واجهتكم أول جمعة في الشهر الكريم، ونكسب فيها ثواب سبعين جمعة أو ألف جمعة في غير رمضان، ونكثر من الصلاة والسلام على خير الأنام حبيبنا محمد ﷺ، ونقرأ سورة الكهف -الله لا إله إلا الله- ونصل إلى الجمعة قبل دخول الخطيب والمبكِّر موفِّرْ للأجر، والصلاة بعدها صلاة العصر على النبي ﷺ ثمانين مرة يكفر الله ذنوب ثمانين عام، وفقنا الله وقبلنا.

الحمدلله مُكرِمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان عبده خير معلمٍ وهادٍ ودليل، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله خير سبيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتفضيل والتبجيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد،،

فإنَّنا في نعمة تأمُلِنَا لكلام ربنا -جلَّ جلاله- وتعليمه وخطابه وتوجيهه وإرشاده، انتهينا في أواخر سورة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى قوله جلَّ جلاله: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)) فيخاطب الله تعالى هذه الأمة مِمَن استجاب لدعوة النبي محمد ﷺ وآمن به وشهِد أنَّ ما جاء به هو الحق: 

  • أنْ يقيموا أمر الله تبارك وتعالى في أنفسهم وأهليهم وأسرهم ومجتمعاتهم.
  • وأنْ يكونوا على ما آتاهم الرحمن من العزَّة بالدين والإيمان والحق. 

وجعلهم بذلك الْأَعْلَوْنَ على الكافرين والفاجرين والملحدين، فإنَّهم أقرب إلى الله تعالى منهم، وإنَّهم أهل المنزلة لدى العلي الأعلى، فلمَّا اتصلوا بالأعلى صاروا هم الأعلون.

قال سبحانه وتعالى: (فَلَا تَهِنُوا..) -لا ترضوا بالهوانِ- (وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ.. (35))؛ لأنَّ دعاءكم أنتم إلى السَّلْمِ بعد هذا المنهج معناه خضوع لظالمٍ أو فاجرٍ أو كافرٍ صادٍّ عن سبيل الله؛ لأنَّه في منهجكم أنَّه إذا لم يَصُدَّ أحدٌ عن سبيل الله وإن لم يؤمن ولم يقاتلكم وَأَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فأنتم مسالمون له، إذًا:

  • عندما يطلب المعتدي ويطلب الظالم ويطلب الصاد عن سبيل الله الصلح؛ فنرى أنَّ في ذلك خيرًا لنا وللأمة، نقبل ذلك منه. 
  • وأمَّا أنْ نسعى نحن إلى الصلح وهو مُصِرٌّ على ظلمه ومُصِرٌّ على عدوانه؛ فلا معنى لذلك إلا الخنوع والخضوع أمام الشر فلا يقرُّنا الله على ذلك.

(فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ.. (35)) كسبتم العُلُوَّ بإيمانكم بالعلي الأعلى، وتصديقكم به وطاعتكم له -جلَّ جلاله-؛ هذه مقاييس العُلُوْ والرفعة. (وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ.. ) فمن تخافون غيره؟ (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:175]. 

يقول: (وَاللَّهُ مَعَكُمْ.. ) بالعناية والنصرة والتأييد والتسديد والتوفيق. (وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ.. ) لا يُنقِصَكُم شيء من ثواب أعمالكم ولا يقطع عنكم أجور الأعمال ونتائجها الطيبة في الدنيا والآخرة: 

  • (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) [الزلزلة:7].
  • (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) [النساء:40].
  • (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا) [الأنعام:160].
  • (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر:40].
  • (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) [آل عمران:195].

(وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ.. ) فتوسعوا في الأعمال الصالحات وأبشروا بالنصرة والتأييدات، توسعوا في الأعمال الصالحات ولكم معيَّة رب الأرض والسماوات.

(وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ.. (36))، فكل الذين رَضُوا بالحياة الدنيا واطمأنّوا بها وغَفِلُوا عن الآخرة، سياساتهم وأنظمتهم ومشاريعهم؛ لعب ولهو، لعبٌ واشتغالٌ بما ينطوي على الغشِّ والخيانة والكذب وضُر الغير، وتلبية للنفوس الأمَّارة وللشهوات، أو إضاعة للأموال والأوقات فيما لا فائدة فيه؛ لعب! بل وكم تظاهروا بتشجيع اللعب والبذل عليه وإعطاء المليارات لمدرب يأتي من أرضٍ كافرة، فيعطى المليارات من أموال المسلمين، في الوقت الذي يَئِنُّ فيه كثير من المسلمين تحت التجويع والتشريد والتهجير والحاجة، ولكن مُدَرِّب لَعِبْ؛ مُدَرِّب لَعِبْ كرة يأخذ المليار وأكثر، لَعِبْ!

(إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ.. (36))؛ وهكذا كلُ من انقطع عن الله -تبارك وتعالى- انحصر في هذه الدنيا في اللعب واللهو، وغايتها ما ذكر في الآية الأخرى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ…) [الحديد:20]، وهل معهم شيء غير هذا؟! وهذا مَن انحصر فيه، و قَضّى حياته فيه (...كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ) - يعني: الزُرَّاع- (نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، المستقبل مُقبل على الكل، أيش في المستقبل؟ (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد:20]. 

(إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ.. (36))؛ ولهوٌ يُعظَّم فيه شأن الآلات وشأن الراقصات وشأن المغنين والمغنيات، ويُقضُّون فيه الأعمار بأَشعار وأصوات لا تدعو إلى خير ولا تُحذِّر من شر، وربّما دعت إلى شرورٍ خالصة أو إلى فسادٍ وإجرام -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، هذا الذي معهم وهذه غاياتهم وهذه مناهجهم. 

(إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ..(36))؛ ولكنكم معاشر من أدركتم الحقيقة وآمنتم بالله ربّ الخليقة، لكم في أيام الحياة الدنيا غير اللعب واللهو؛ لكم إيمان وتقوى به ترتقون، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ…) [الأعراف:96]، هذا المشروع الرباني، يقومون بحق الإيمان والتقوى ولهم بركاتٌ من السماء والأرض، كما قال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ…)، (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) [المائدة:66].

يقول: (وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ .. (36))، فلا يذهب سُدى عليكم ذرة من حسنة، ولا ذرة من عمل صالح، ولا ذرة من سعي ومسلك تقصدون به وجه الله. (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) والأجور على أي طاعات: 

  • توفيق وتيسير ورزق وتأييد في الدنيا. 
  • وعفو ومغفرة ونعيم في الآخرة.

هذه أجور الطاعات، أجور الصلاة، فماذا عند غيركم ممن لا يؤمن بالله؟ ما الذي يحصلون من أعمالهم؟ ما الذي يجدونه من نتائج ما يشتغلون به؟

 ولذا تكثر في مجتمعاتهم نسبة الانتحارات، نسبة الانتحار تكثر في مجتمعاتهم! في البلدان التي يصفونها بارتفاع دخل مستوى الفرد؛ وإنّما فيها مشاكل، نسبة الانتحار فيها أكثر من غيرها، النّاس يزهقون من الحياة من نتائج الأعمال -نتائج أعمالهم- (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) [طه:124] كما قال الله. 

لكن بالإيمان والعمل الصالح نرتقي بالإيمان والتقوى، (..إِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا ..(36)) تحققوا إيمانكم بهذا الإله وتعملوا بمقتضاه بالتقوى: وهو توقي ما حذركم ما نهاكم عنه جل جلاله. 

(يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ..(36))، يقول الحق: ونحن فيما أرسلنا نبينا والأنبياء من قبل وشرعنا لكم؛ ما كلَّفنا عليكم المشاق الكبيرة، ولا طلبنا منكم تبذلوا جميع أموالكم، فإنّ لنفوسكم تعلق بهذه الأموال وتخرج الضغائن لو ألححنا عليكم لتخرجوا أموالكم كلها، إنّما طلبنا منكم إيمان وعمل بشرع، ولا تكلفون من أموالكم إلا أربع أمداد من الطعام للمقتدر في يوم الفطر، وأموال أكثرها فيها ربع العشر ومنها العشر ومنها نصف العشر فقط. 

(وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36))، مع أنّها ملكه، وهو الذي آتاكم إياها وما كنتم موجودين ولا مالكين شيء، وأوجدكم وملككم، ثم لو قال لكم أصرفوا هذه الأموال في طاعتي يشقُّ عليكم ذلك، (إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ..)  يلح عليكم ( تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ..(36))؛ يظهر ما في بواطنكم من شدة التعلق بالمال وما إلى ذلك.

 لكن الله قال ما اختبرتكم بهذا أنا شرعت لكم دين يسير، وإن كان القليل من عموم الناس هم الذين جادوا فعلاً وليس سيجودوا ولا سيفرحوا، جادوا فعلاً بما ملكوا كأمثال: سيدنا أبو بكر والسابقين والمهاجرين والأنصار، ولكن هؤلاء كما قال سبحانه وتعالى في الأنصار: 

  • (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر:9] رضى الله عنهم. 
  • وقالوا: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ) [النساء:66]، فقال ﷺ لإبن مسعود: "أنت منهم"؛ أنت من هذا القليل، فما أحبّ إليّ أنّي بكلمة رسول الله ﷺ لي حُمرالنَّعم. وهذه شهادة أنّي من هؤلاء الأكابر الّذين يسهل عليهم ترك الدّيار والأموال وبذل النّفوس من أجل الله القدوس.

 (وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37))، قال الله: فأمامكم هذا الدّين القويم اليسير السّهل العظيم القدر، الذي يكسب العامل به عظيم الأجر ويُسعد في الدارين، فلا تقصروا ولا تبخلوا عن أنفسكم، (ها أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ..(38))؛ إمّا زكاةٌ مفروضة، أو شيئاً مما آتاكم تُخرجونه من أجله في مساعدة في جهاد وغيره.

  • (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ..(38))؛ هذا القليل واليسير الذي طلبه منكم خالقكم ومالككم والذي أعطاكم ورزقكم هل تبخلون به أيضًا؟  
  • (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ..(38))، فلا نبخل على أنفسنا بصرف الأعمار ولا بصرف الأموال ولا بتقديم الأنفس في مرضاة ربنا -جلّ جلاله-. 
  • (فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ..(38))؛ 
    • (يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ)  بسبب نفسه الشّحيحة البخيلة.
    • (يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ)  - (على) تأتي بمعنى(عن)- بمعنى يبخل على نفسه. 

وهنا أمامه ربحٌ كبير وتنمية عظيمة الحسنة بعشرِ أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة:

  •  (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:261] لمن؟ فوق هذا كلّه يضاعف لمن يشاء. مضاعفاته ما لها نهاية -جلّ جلاله-. 
  • (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) - فوق المضاعفات الكثيرة- (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40] سبحانه وتعالى، لا إله إلا الله (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:40]. 

يقول سبحانه: (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ..(38)) بإغراء نفسه هذه الأمّارة، وهو يُفوِّتُ عليها الخير الكثير، والربح العظيم والنعيم المقيم، فإنما يبخل عن نفسه على نفسه. قال الله تبارك وتعالى: إنّما شرعت هذا الشّرع لأختبر الصّادق منكم الكاذب، وإلاّ أنا غنيٌ عنكم وعن خلقكم وعن إيجادكم وعن أموالكم، وعن ما عندكم ما أحتاج إلى شيء من هذا. 

  • (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ..(38))، معكم أسماع إن قطعها عليكم إنقطعت، ومعكم أبصار إن وقفها عليكم وقفت، ومعكم أيدي إن أشلّها اشتلت، وكل ما فيكم أنتم محتاجون إليه يديم عليكم نعمته وينفعكم بما رزقكم من هذه الأموال، ولو أراد هلاكها تهلك، فليس هو المحتاج؟ أنتم المحتاجون إليه أصلاً؟ 
  • (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ..(38))، أنتم المحتاجون اليه في حالكم وفي مالكم وفي عقولكم وفي كل شؤونكم، لو قطع عنكم أيّ شيء انقطع، لا يوجد أحد يقدر يأتي به لكم، لا إله إلا الله. 

 قال تعالى: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ..(38))، ثم يُخبرنا عن سُنة من سننه في الحياة أنَّ أي قوم قرروا انتهاج البخل وقلة الإنفاق في سبيل الله تحت أيِّ توهم وخيال منهم وتحت أيِّ دواعي دعتهم لذلك، فمن سنتي أنهيهم و اجيب(آتي) غيرهم يقومون بالأمر كما أحب: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38))، كما قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ …) [المائدة:54].

وكم ترى في حياتك متقاعس ومتكاسل عن خير يقوم به في مسجد أو في بيت أو في مجتمع أو في أسرة، يأتي بواحد ثاني من بعيد أو من قريب ويقوم بالأمر تمام؛ وهذا روحوه! بخل عن نفسه المسكين واختار الله غيره … فنعوذ  أن يستبدل بنا غيرنا. وهكذا خذل الكفار من قريش رسول الله ﷺ، فأحضر له الله ناس من الأوس والخزرج؛ ومن لحق بهم من فارس ومن الحبشة وقاموا مع النبي ﷺ. 

(وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38))، وهكذا سنته سبحانه وتعالى في هذه الحياة، فهو الغني عن كل شيء وسيقيمُ دينه بمن يرتضيهم ويخصهم بهذا الفضل والنعيم، والله يجعلنا منهم، اجعلنا ممن ينصر بهم دينه وشريعته ونبيه محمد ﷺ وسنته وما جاء به عن الله، يا رب استخدمنا في ذلك وأهالينا وأولادنا وطلابنا وأصحابنا، ولا تغرنا أنفسنا ولا عدوك وعدونا فيصرفُنا لبذل المال فيما لا ينفع والتقاعس عن نصرتك ونصرة رسولك فتستبدل بنا غيرنا نعود بك من ذلك، ارتضِنا لأنْ نقوم بالأمر ونفي بالعهد على ما تحبه منا سرًا وجهرًا ظاهرًا وباطنًا حسًا ومعنًا يا أكرم الأكرمين.

(هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ..(38))؛ أي في طريقه وإرادة وجهه في طاعته في نصرته ونصرة رسوله وما بُعِثَ به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (فَمِنكُم مَّن يَبْخَل..) إما لنفاق أو لضعفِ إيمان أو لضعفِ عقل أو لغلبة هوى وشيطان. (وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ..)؛ بسبب نفسه الأمارة ويبخل عليها لأنَّه حرمها درجات الإنفاق. وقال سيدنا سعد بن معاذ: "يا رسول الله أموالنا بين يديكَ، خُذ منها ما شئتَ، ودع منها ما شئتَ، وما أخذته كان أحبَّ إلينا مما تركته لنا" والذي تأخذ  من أموالنا أحب إلينا من الذي تدع، صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عن الصحب الصادقين المخلصين. 

( وَاللَّهُ الْغَنِيُّ) -الغنى المطلق بكل معنى- (وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ..(38))، أهل السماوات وأهل الأرض ما أحد منهم مستغني عن إيجاده ولا عن إمداده في كل طرفة عين؛ كلهم محتاجون إليه، ولا تقوم سماء إلا بأمره، ولا أرض إلا بأمره، كل شيء محتاجٌ إليه نحن والحيوانات والنباتات والجمادات كلنا في حاجة إليه، كلنا في اضطرار إليه؛ مضطرين إليه، ما تقوم لأحد حياة مؤمن ولا كافر ولا سمع ولا بصر إلا به ومنه، فالحاجة واقعة، ومضطرة الكائنات كلها إلى مُكونها، ولا يقوم لها ذرة من أي شأن إلا به -سبحانه وتعالى- فهم فقراء بكل معنى وهو الغني بكل معنى سبحانه وتعالى.

 يقول: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ..(38))، كما قال لنا في الآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر:15-17]، و (كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) [الانعام:113]، كان على الأرض غيرنا، قبل مئة سنة من منا كان؟ وجوه غير الوجوه، وناس غير الناس، وذوات غير الذوات، جات من بعد، قال شوفوا قدامكم كيف؟! وأنتم إذا بغيت أبدلكم أي وقت أو استعجل على استبدالكم، من يمنعني؟  ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا) [النساء:133].

(وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم..(38))، فلنسارع و نسأله الثبات وأن لا يستبدل بنا غيرنا ويجعلنا من خواص أنصاره وأنصار هذا المصطفى ﷺ ظاهرا وباطنا، وهذا خطاب الله لنا في السورة التي سمّاها باسم عبده وحبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونعم الخطاب خطاب ربنا، رزقنا الله الإدكار والإتعاظ والوعي والفهم والعلم والعمل بذلك على خير الوجوه وأحسنها وأعلاها.

 وننتقل في دروسنا الآتية إلى سورة الأحقاف إن شاء الله -تبارك وتعالى-، أمدنا الله بواسع الألطاف وأتحفنا بأعظم الإتحاف، وأدخلنا دوائر أهل القلوب النقية النِّظاف، ورزقنا الوفاء بعهده في الظاهر والخاف، ورزقنا إيثاره على كل ما سواه، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وفرج كروبنا وكروب المسلمين وعن جميع المؤمنين وحوَّل الأحوال إلى أحسنها وبارك لنا في يومنا هذا، "خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ"، وفرَّ حظنا من كثرة الصلاة والسلام على النبي محمد خير الأنام وآله وصحبه، ورزقنا الله تعالى الثبات على دربه حتى يسقينا من شربه ويدخلنا في حزبه ويحشرنا في زمرته إنه أكرم الأكرمين.

وبسر الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد 

اللهم صل وسلم مبارك عليه وعلى آله وصحبه

الفاتحة 

تاريخ النشر الهجري

05 رَمضان 1445

تاريخ النشر الميلادي

14 مارس 2024

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام