تفسير سورة الحج -12- من قوله تعالى { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ..} الآية 40 إلى 46

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:

{ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ (41) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) }

من أبرز ما جاء في الدرس:

  •  بيان أن النصر الحقيقي من الله، وأنه ينصر من ينصر دينه ويقوم بأمره.
  • معنى العزة، وأن العزة الكاملة لله، ثم لرسوله، ثم للمؤمنين على قدر إيمانهم.
  • أن نصرة الله تكون بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
  • تحذير من طاعة أهل الباطل وموافقتهم فيما يخالف أمر الله.
  • عرض سنن الله في الأمم المكذبة، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ولوط وأصحاب مدين.
  • الاعتبار بمصارع الأمم، وأن المشكلة ليست في عمى البصر بل في عمى القلوب.
  • مكانة النبي ﷺ وأصحابه، أهل الهدى والنصرة والاتباع الصحيح.

 

نص الدرس مكتوباً:

الحمد لله مُكرِمِنَا بأنوار الوحي والتنزيل، وبيانه على لسان عبده وحبيبه خير هادٍ ودليل، صلى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى من والاهم واتّبعهم في النّية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهلِ التّكريم والتّبجيل والتّشريف والتفضيل، وعلى آلهم وصحبهم ومن والاهم واتّبعهم في سواء السبيل، وعلى جميع ملائكة الله المقرّبين، وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعد؛

فإنّنا في نعمة تأمّلنا لخطاب إلهنا وربّنا، وكلام خالقنا ومُوجِدِنا، وتوجيهات وتعليم مُنشِئِنا وفاطِرنا، الحق الرحمن الذي (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12]، (وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن:28]. 

وصلنا في سورة الحج إلى قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) -اللّهم اجعلنا وإياكم ممّن ينصره- (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ) -صاحب القدرة- التّي لا غاية لها ولا نهاية، وهو على كل شيء قدير، (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، وقد تقدّم معنا أنّه إنّما يكون عزيزًا:

  • من عزّ نُظراؤه، وأمثاله.
  • ومن كان الخلائق محتاجون إليه.
  • ومن لا يُستطاع الإحاطة به. 

وهذه الثّلاثة التّي مظهر العزّة لا تكون على الإطلاق مجتمعة إلّا لله -جلّ جلاله-، فهو الإله الحقّ الذي لا نظير له ولا مثيل.

فالكائنات -ما عَزَّ نُظراؤه وقلّوا- يكتسبون نسبة من العزّة، ولو كان من واحدًا مثلًا مثل الشّمس، واحدة لا يوجد لها نظير -ولكن هذا في الواقع لا في الإمكان- في الإمكان يمكن أن يكون لها نظير، لكن الحقّ يستحيل أن يكون له مثيل أو نظير: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11].

ثمّ بعد ذلك يُحتَاجُ النّاس إليه، فإن كان شيء ولو نادر الوجود ولكن ما للنّاس حاجة إليه، ما للخلق حاجة إليه، ما يكون عزيزًا، وإذا كان الأمر كذلك؛ كلّما اتّسعت حاجة النّاس إليه وكثرت، كانت عزّته أكبر، وأمّا بالمعنى المطلق فهذا ليس إلا لله!

  • كلّ شيء محتاج إليه.
  • كل شيء مفتقر إليه.
  • وهو الغنيّ عن كل شيء -سبحانه وتعالى-.
  • فهو العزيز العزّة المطلقة -جل جلاله وتعالى في علاه-.

ثمّ لا يُستطاع أن يُحاط به، فقد يصعب الإحاطة بكثير من الخصائص للمخصوصين، ولكن بالنسبة للرّب -جل جلاله- لا يعرف الله إلا الله! تعالى، -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، فهو العزيز: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) -جلّ جلاله-.

فالعزيز مِن خلْقِه مَن تفرّد في أوصافٍ، وفي أعمالٍ، وفي مساعٍ، قَلّ أن يوجد له نظير مثلها، ومساعيه وأعماله وصفاته يحتاج الناس إليها وتنفعهم نفعًا كثيرًا، وأعظم النّفع ما كان في الدّين، لذا كان من أعزّ الخلق مَن يدلّ على الله، ومن يرشد (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33] المستسلمين لله تبارك وتعالى؛ وبذلك كانت عزة الأنبياء أشرف العزّة بعد عزة الله تعالى، ففي الخلائق؛ أعزّ الخلائق الأنبياء، وأعزهم سيد الأنبياء وخاتم الأنبياء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

  فالنّاس يحتاجون إليهم في كسب سعادة الأبد والنجاة من شقاء الأبد، فهذا أعظم ما يمكن الاحتياج إليه، ومن ساعد النّاس في حاجة تتعلق بأجسادهم، اكتسب نصيبًا من العزة، لكن أين هذا من هذا؟ الحاجة إلى هذا أقوى وأشد وأعظم.

 وهكذا، وبعد ذلك لا يحيط بما أوتي الأنبياء من أسرار النّبوة غيره، وأكابر الأولياء إنَّما يعرفون أطرافًا من أسرار النبوة، ولا يحيطون بأسرار النبوة، فالأنبياء هم الأعزّة، وبذلك تعلم أنَّه لا يمكن لحقيقة العزة أن تنال من خرج عن أمر الله ولا من كفر بالله قط كائنًا من كان وإن سمُّوه عزيزًا، وإن ادَّعوا له ما ادَّعوا.

ولذلك قال الحقّ -جلّ جلاله- يردّ على هؤلاء الذّين ضاعت عليهم الموازين -موازين الصحّة والحقيقة- (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، قال الله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)

  • فالعزّة جميعًا المطلقة من جميع الوجود لله وحده.
  • ثمّ العزّة في العباد لرسوله محمّد، فهو أعزّ الخلق على الإطلاق ﷺ.
  • ثمّ النّبيين والمرسلين.
  • ثمّ المؤمنين على قدر إيمانهم وقوّة إيمانهم، لهم عزّة وشرف ومكانة.

ومن عدا ذلك فلا عزّة له (وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8]، وكلّ من لم يعلم هذه الحقيقة، فهو على ظلمة من النّفاق.

العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين فقط، فقط! فهي بحقيقتها وإطلاقها لله وحده، ثمّ لم يكتب العزّة في خلقه إلّا لرسله والمؤمنين على قدر إيمانهم، ومن عدا ذلك فأيّ عزّة فيمن مصيرهُ نَارٌ مُوقَدَةُ تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ؟! يصيح ليلًا ونهارًا ولا يُنقذ! 

(وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف:29] أي عزَّة عند هؤلاء؟ أي عزَّة عند هؤلاء؟ بالله عليك! أي عزَّة عندهم؟ والله ليس هم إلا أذل الأذلين (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) [المجادلة:20]، (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) [المجادلة:5]، -فالحمد لله على نعمة الإيمان، والله يحقّقنا بالإيمان، ويزيدنا إيمانًا في كلّ شيء-.

يقول جلّ جلاله وتعالى في علاه: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، وعجائب (يَنصُرُهُ) وهو لا يحتاج إلى شيء ولا إلى أحد؛ أنّه اختبر هؤلاء المكلّفين من الإنس والجن،

  • وآتاهم أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا وأفئدة يعقلون بها الأمور
  • وسلّط عليهم شهوات
  • وآتاهم عقولًا من فوقها وقلوبًا
  • وجعل لهم ناصحين من الملائكة بالإلهام لقلوبهم
  • ومُعادّين مُخذّلين من الجن، من الشياطين يلقون إليهم وساوسهم
  • وجعل لهم زخرفًا في الحياة الدّنيا يغترُّ بها من لم يُحسن استعْمال عقله وسمعه وبصره، ويغوص على إدراك حقائقها من بدايتها إلى نهايتها، إلا من أحسن استعمال عقله وسمعه وبصره.

ثمّ أنزل الكتب وأرسل الرّسل وقال: من استجاب لأمري -فله العزّة وله الشّرف- وعمل به وقام يقاوم الشّهوات والأهواء، ومن عادى رسلي من شياطين الإنس والجن؛ فقد نصرني، نصرناه ونصرنا الدّين والشريعة، وهذا نصر لنا! نحن المحتاجون إليه! وهو القادر على كلّ شيء -جلّ جلاله-، ما أحد يفوته ولا أحد يعجزه، كما نسمع في الآيات، لكن هذا سمّاه نصرًا له وتكريمًا لنا، تشريفاً لنا.

قال: تقاوموا أنفسَكم وأهواءكم وتحكِّموا أمري وما جاء به رسلي؛ هو نصرٌ لي! هو نصر لنا نحن، نصْرنا للدّين نصر لنا، عزّة لنا، شرف لنا، كرامة لنا، قال: أنا سأسمّيه نصر لي إكرامًا لكم! مثل ما قال لنا: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [البقرة:245]، هل يحتاج لشيء حتى نُقرِضه؟ وإذا أردنا أن نُقرِضه من صحّتنا، من قوّتنا، من مالنا، من أين جئنا بها؟ هي مُلكُه أصلًا! قال: أنا سأسمّيه قرض! أنتم فقط اصدقوا معي وتوجّهوا لي وأنا سأسمّيه قرْض وأكَافئكم عليه -الله أكبر!- ما أعجب هذا الرّب! وتفضّله على عباده، وتطوّله على خلقه، قال: إنَّ الله خلق الخلق ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

ومن الذّين ينصرونك يا رب؟ قال: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ (41)) أقوى ركائز النّصرة لله تعلّق القلب بالخضوع للحقّ ركوعًا وسجودًا وقيامًا بين يديه، مِن دونها لا نُصرة، لا يكون مِن أنصار الله مَن لا يحسن إقام الصلاة، قَط!

(الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ) ثمّ برهنوا على محبّتهم للرّحمن، بإنفَاقهم المُحبّبات للنّفس، وأبرزها المال، قال: (أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) يبذلون من أجلي، المحبوبات والمشتهيات لهم، يتركونها من أجلي، ويبذلون من أجْلي، هؤلاء أنصار الله.

قال: (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ) الإيمان بي وتوحيدي وما أحببته من الصّفات والأعمال يأمرون به، ويحبّونه، وينشرونه، ويقومون عليه، ويخاطبون أنفسهم بالاتّصاف به، وبالقيام به؛ هذا هو المعروف، ما أحبّه الله من:

  • الإيمان.
  • والعمل الصالح.
  • والوصف المحمود لديه -جلّ جلاله- هذا هو المعروف! يتَّصفون به وينشرونه، ويأمرون الخلق به.

إذًا فهذه معالم في طريق الحق؛ تُفرِّق بين المؤمن والكافر، وبين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال: صلوات وزكوات وأمر بالمعروف، اهتمامات بتنفيذ أوامر الحقّ الخالق؛ هذه معالم النُّصرة لله، وهذه معالم الهدى والحق، أمَّا من تأخذهم الاهتمامات بنَشَوات أنفسهم أو أغرَاضهم أو مقاصدهم في الحياة.. أين النصرة لله؟

(وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) وأما من يتساهلون مع شهوات النّفوس المحرّمة، ومع فعل المعاصي المحرّمة في دين الله -تبارك وتعالى- فليسوا من أنصار الله، قال سبحانه وتعالى في وصف أمثال هؤلاء المنحرفين، والذّين انحلّوا عن منهج الهدى، يقول -جلَّ جلاله-: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى).

الهدى: محبّة المعروف، والأمر به، والنشر له، والنهي عن المنكر، والابتعاد عنه، قال من خرج عن هذا الهدى كيف هم؟- (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ) -صنف من الكفّار- (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ)- كيف في بعض الأمر؟ يخالفوا منهج الله وتطيعونهم في بعض الأمر، هذا هو الضّلال! هذا هو الزيغ! هذا هو الانحراف!- (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) -قال اتركوا السّنوات تمضي عليكم والأيّام المعدودة، وسترَوْن النّتائج- (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ) [محمد:25-28] فلا ينصر الله إلّا من يكره الذنوب والمعاصي، من يكره المخالفات، وينهى نفسه عنها وينأى، ويبتعد عنها، وينهى المحيط من حواليه، والنّاس عنها؛ هؤلاء هم الذين ينصرون الله -تبارك وتعالى-.

وفي المقابل ينصرون الفجّار، ينصرون الكفّار، ومن يأمر بما أحبّه الكفّار وبما نظّموه ودعوا إليه، وينهى عمّا منعه الكفّار بأي وجه كان من الوجوه، بأي هيئة، بأي جماعة، بأي فرد.

إن كنت مؤمناً بالله! فنُصرة الله تأمر بالمعروف -ما أحبّ- وتنهى عن المنكر -ما كره- من الكفر والفسوق والعصيان؛ هذا الهدى، هذا الحق، هذا الإيمان، هذا الإسلام، وما مقابل ذلك إلا زيغ وضلال وانحراف وكفر، وعلى درجات في الانحراف والزيغ والكفر.

 الله خالقنا وخالق كل شيء لا يُقَدَّم على أمره أمر، ولا على نهيه نهي، ولا على نظامه نظام، الله الخالق! الأمر أمره! والمؤمن به ناصر لربه في الدنيا مخالف لهواه وشهوته، ولكلّ من خالف الله -سبحانه وتعالى-: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات:7]؛ هذا الرشاد، هذا الهدى، هذا الحق، هذا النّور، هذه النصرة لله ولرسوله: (أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ).

وبعد ذلك من قام بهذا وله الشّرف والكرامة، ومن تخلّف وابتعد: (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) مرجع الكل إليه والجزاء عنده لاحقًا، يجازي ذا ويعاقب ذا.

ما مرجع المكلّفين فيما يُثابون عليه، ويُجازون به، ويُنالون من خير، وفيما يُعاقبون عليه ليس إلى أحد إلّا له، لا أحد من المكلّفين سيَرجع إلى هيئة، ولا جماعة، ولا إلى إنس ولا إلى جن، ولا إلى ملائكة ولا إلى غيرهم، العاقبة في إثابة هذا وعقاب هذا للواحد الأحد، سيَرجعون إليه ويرون، قال العاقبة عندي، فلو عندهم عقل وإدراك كانوا انتبهوا لأنفسهم من قبل المجيء.

ولذا يصيح أنواع الكفّار والملحدين والفسّاق الذّين كانوا يتبجّحون في الدّنيا عندما تنكشف الحقائق ويحضرون في موقف القيامة: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) عرفتم أنّكم ما كنتم تسمعون ولا تعقلون، وأقررتم الآن واعترفتم؟! وكنتم تقولون أنّكم السامعين وحدكم، أنّكم البصيرين وحدكم، تُكذبون في الدّنيا وتتبجّحون بالكذب، والآن (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ)! كنتم تقولون أنّكم العقلاء أنتم! تضحكون على أهل الإيمان وأهل الصّدق، الذّين اتّصلوا بالخالق الرحمن، واستعَدّوا للِقائه، والآن تقولون: مَا كُنَّا نَعْقِلُ! خوطِبتم! ما رضيتم، بُيِّن لكم ما استجبتم، (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك:10]، (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر:24]، (أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) [فاطر:37] ما للظالمين من أنصار.

العاقبة للواحد الأحد (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) فلا أحد يقدر أن يُنعِّم ولا يعذِّب إلّا هو! لا تطلب نعيمك من عند هيئة، ولا حزب، ولا جماعة، لا أحد يقدر يُنعّمك من بعد موتك، ولا أحد يقدر يؤلمك ولا يعذّبك من بعد موتك إلّا هو! (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)).

يقول الله لحبيبه: ووجود هؤلاء المكذّبين مع الآيات الواضحة، والدّلائل البيّنة موجود بحكمتنا في الأمم كلّها (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (42)) فماذا كان مصيرهم؟ واغترّوا وضحكوا وقالوا لنوح (ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) [الأعراف:77] ويسخرون منه، ويضحكون عليه، وكيف كانت النّهاية؟ ولا نجا على ظهر الأرض إلّا هو ومن ركب معه في السفينة، انتهى! كلّهم انتهوا! بعد هذا الاستهزاء والكلام الطويل العريض، ذهبوا وانتهوا، وبقي تكريم سيّدنا نوح عليه السّلام وتعظيمه، ولا يوجد على ظهر الأرض إلّا من ركب معه في السفينة (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) [الصافات:77]، و(أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) [الصافات:82].

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ) قوم سيّدنا هود عليه السّلام، واستكبروا (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [فصلت:15]؟ وأين هم الآن؟ أين قوتهم هذه؟ ما لها ما بقيت؟ لا هم ولا قوتهم (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ) بعد طول الإمهال والاغترار والمنازعة للنبي هود عليه السلام والاستكبار (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة:7-8].

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) وهم أحد المكذبين، والذين في زمانكم هؤلاء من الملحدين والفجار هم أولئك، ونظراؤهم قد جاءوا كثير: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:51].

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ) قوم النبي صالح -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- كانوا في الحِجر في تلك المدائن، ولمَّا أهلكهم الله خرجوا، وذكر الإمام البغوي في تفسيره وغيره: إنَّ النبي صالح بعدما أهلك الله قومه خرج ومعه أربعة آلاف من قومه ممن نجاهم الله، بعدما أهلك الكفار خرج إلى حضرموت، وعند وصوله إلى حضرموت جاء أجَله فمات، حتى قالوا: حضرَ موت؛ حَضَرَ مَوتُ النبي صالح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وابتدأ اسم حضرموت للمنطقة من ذاك الوقت لمَّا توفي النبي صالح، وكانت تُسمى بالأحقاف قبل أن يظهر اسم حضرموت في أيام النبي هود، (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) [الأحقاف:21]، ثم جاء النبي صالح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.

قال: (وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ (43)) النمرود وجماعته (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) [البقرة:258]، أنت تحيي وتُميت! هيَّا ابقِ نفسك حي، جاءتك بعوضة -كما هذه صغيرة- جعلتك لا تُطيق الحياة، ما هذا أنا أحيي وأميت؟! نريدك فقط أن تُميت البعوضة هذه، لا نريدك أن تميت إنسان، الحشرة هذه التي تؤذيك أمِتها، لم يقدر أن يميتها! وما هذا (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)؟ خبالة وبلادة كما يقول الكفار في كل وقت، خبالة وبلادة.. نحن سنطلع، نحن سننزل، نحن سنجيب، نحن سننهي، نحن سنطلِّع... لا أنتم ولا من قبلكم، كلنا عبيد!

أنت والخلائق كلهم عبيد ** والإله فينا يفعل ما يريد

جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

(وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ) قالوا: سنبقى وراء شهواتنا، وراء شهواتنا، يا عباد الله: هذه طبيعة، خلقكم الله عليها، جعل حلالها في الأزواج، تزوجوا البنات، (هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي) [هود:78] يعني بنات قومه الذي أُرسل إليهم (هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي) فتزوجوا واقضوا شهواتكم فيما أحلّ الله تعالى (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) [هود:79] ومَن جعل لكم الحق في الحرام؟ ما لكم حق أصلًا، الحق فيما أباحه الله لكم الذي خلقكم -جلَّ جلاله-.

  ولكنهم أصرُّوا مُستكبرين حتى جاءوا يُهدِّدونه (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) لا شيء من جهة الترتيبات المادية مقاومة أقدر أقاومكم بها، النبي لوط معه بناته، ولا أحد آمن معه من الجماعة، إلا هو وبناته، ففي الأمر الحسي المادي لا يقدر على مقاومتهم- (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ) [هود:80]، بل آوي الى ركنٍ شديد، قال: إن القوة الحسية ليست عندي لكن أنا أويت إلى ركن شديد، وكان النبي اذا تلا الآية يقول: لقد أوى لوط إلى ركن شديد؛ الله، ثم جماعة الملائكة الذين حضروا: (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ)، أنت واحد معك بناتك، وهم كم عددهم؟ ألوف؟ (لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ) لا يقدروا، الله أكبر! (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ)، التي قلبها معهم وفي كفرهم، (إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود:81] فأدركتهم (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) [الحجر:73] في وقت الصباح أول طلوع الشمس هلكوا، ورُفِعت مدنهم بمئات الألوف وقُلِبت رأسًا على عقب (..جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [هود:82-83].

قال: (وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ) النبي شعيب عليه السلام (وَكُذِّبَ مُوسَىٰ) ما قال وقوم موسى؛ لأنَّه لمَّا أقام الحجَّة قومه آمنوا، لكن بقية أمته التي أُرسل إليهم فرعون وقومه القبط ما آمنوا، ما قال وقوم موسى، قال: (وَكُذِّبَ مُوسَىٰ) من غير قومه، قومه آمنوا به ودخلوا، (وَكُذِّبَ مُوسَىٰ).

قال الله كل هذه الأصناف التي مضت قبلكم أمهلتُ ومتّعتُ كل منهم مدة محددة عندي بحكمة ثم أهلكتهم، (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ) بالآجال والأوقات المحددة لأنَّ الله لا يستعجل، لأنَّه لا يفوته شيء، يستعجل مَن يخاف الفوات، مَن يخاف الفوات يستعجل، لكن هو لا يخاف الفوات، ورحمته بعباده يُمهلهم عسى مَن يرجع ويتذكر، ثم يأخذهم -لا إله إلا الله-.

قال تعالى: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) الله الله الله! قال في الآية: (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:42] -جلَّ جلاله-، وقال: (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102].

يقول لحبيبه: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) كيف غيَّرت عليهم وحوَّلتهم إلى لا شيء وأنهيت قواتهم وما عندهم؟! وتركتهم أثرًا بعد عين ولا أثر لهم؟ -لا إله إلا الله-.

(فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) أي فإذا عملت ذلك مع الأمم فالذين كذَّبوا بك أين سيذهبون؟ وهل يجدون في الوجود سُنَّة غير سنتي هذه؟ -الله، الله، الله- (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) [محمد:10]، في أي وقت (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا).

يقول: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ (45)) مضى عليها الوقت وأمهلناها وأرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب وبيَّنا لهم فأبَوا، (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ) [فصلت:17].

قال تعالى: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ) واحدة، اثنين، ثلاث، أربع، خمس، مئة، مئتين، ألوف القرى أهلكها جلَّ جلاله، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان:38-39].

يقول تعالى: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) ساقطة على عروشها؛ سُقُفَها كلها بطوابقها تساقطت واحدة فوق الثانية وسقطت على عروشها، (خَاوِيَةٌ) ساقطة على عروشها على سقوفها، ومرتفعاتها كلها خوَت، كل الجدران سقطت فوق سقفها، والتاليين تحتها وانتهوا.

(فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ) كم من بئر كانوا يَسقُون منها ويَرِدُون عليها ويرتبون بها حياتهم وزرعهم، انتهت!

(وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) كم قصور أشادوها، أحسنوها وأحكموها، وزيّنوها ورفعوها، ذهبت! انتهت هم وإياها، ولا عاد آبار ولا قصور ولا شيء مما كان، (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) [الأعراف:137] -ﻻ إله إﻻ الله-!

يقول: (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45) قُل لقومك، واصل البيان واصبر عليهم، وأعطهم الفرصة كاملة، لا يهلك على الله إلا هالك، مَن نَدّ على الله وشرد شراد البعير النادّ على أهله، أمَّا من وقف مع ما أوتي من عقل وحكمة وراجع حساباته لا يهلك، يرجع إلى ربه قبل موته ويصلح شأنه، ولكن هذا المُصِّر وراء الشهوة، وراء الهوى، ولا يبالي والآيات أمامه.

قال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ (46)) فكِّروا، أحسنوا التدبر والتأمل فيما يمر بكم في الحياة، فيما قبلكم وقبل من قبلكم والأجيال التي مضت.

(فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا (46)) يدركون مهمة الحياة، والمُحيي لماذا خلق الخلق؟ وكيف يجعل المصير؟ (لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)؛ أخبار الملوك والطوائف والأمم، والرؤساء والزعماء والدول مِن قبلهم، لا واحدة ولا اثنتين، ولا ألف ولا ألفين، ولا عشرة آلاف ولا مئة ألف! (فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [غافر:82].

(لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) يعني ليست المشكلة في عمى البصر، وعامَّتُهم أمامك مُفتَّحة عيونهم، يرون الأشخاص، يرون الصور، يرون الأجسام، يرون المادة، لكن أين نظر القلب وأين إعمال الفكر؟ هذا الذي يترتب الخطر عليه (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) يعني ليس الضرر ولا المشكلة في عمى البصر، وهم أمامك مفتحين أعينهم (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف:198] أي ما عندهم بصائر!

(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) العيون التي ترى الأجرام والمواد والأجسام والأشكال، ما هذه المشكلة -تراها أو لاتراها هي تراها- لكن ماذا وراءها؟ بتحريك حاسة البصيرة تعرف أن كل شيء تراه آية وحجة وعبرة ودليل، كل شيء تراه، إذا انفتحت البصيرة كل شيء تراه حجة وآية وعبرة ودليل، أنت بنفسك؛ آية وحجة وعبرة ودليل، وثيابك وأكلك وشربك وبيتك وهواؤك الذي تستنشقه؛ آية وحجة وعبرة ودليل، على صدق المصطفى، وأنَّ لنا إلهًا بيده ملكوت كل شيء.

وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَـةٌ *** تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ الواحِدُ

   إنَّ الوجودَ بِأسرِهِ *** بالأحديةِ مُعلنًا

-الله الله الله-. 

 بَهَرَتْ بَدَائِعُهُ العُقُولْ *** فغدا الموفق مُوقنًا

وَتَثَبَّطَ الْمُتَثَبِّطُونَ *** فَكَأَنَّهُمْ لَيْسُوا هُنَا

-الْمُتَثَبِّطُونَ: المتشككون-

سُحْقاً لِمَنْ يَشُكُّ *** فِي الحَقِّ وَقَدْ تَبَيَّنَهْ

من كلام الإمام الحداد:

أَبَعْد تَنزيل ربّ العالمين وَما *** أقام من حُججٍ كالشّمس والقمرِ

يَبقى لذي مرضٍ أو مِرْيَة  شُبه *** أو مُشكل لَا  ورَبِّ البيت والحجرِ

لكن  شقاوةُ  أقوامٍ  وحَظُّهم  الـ *** منحوس أَوْقَعهم في الشّرِّ والشّرَرِ

والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فالحمد لله على نعمة الإيمان وعلى نعمة الإسلام، اللهم زدنا إسلامٍا وزدنا إيمانًا يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله، انظمنا في سِلكه واحملنا في فُلكه برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.

 كأن من فوق هذه عدمٌ *** لم يوجدوا أو كأنهم قُبروا

مَشَاهِدٌ بِالْفُؤَادِ أَشْهَدُهَا *** مِنْ بَاطِنِ الْعِلْمِ دُونَهَا النَّظَرُ

كَالْجُودِ إِنْ آمَنُوا وَإِنْ شَكَرُوا *** وَالْقَهْرِ إِنْ كَذَّبُوا وَإِنْ كَفَرُوا

وَالْعَدْلِ إِنْ عُذِّبُوا وَإِنْ هُتكُوا *** وَالْفَضْلِ إِنْ رُحِمُوا وَإِنْ سُتِرُوا

لَا أَجْهَلُ الْحِكْمَةَ الَّتِي بَرَزَتْ *** فِي ضِمْنِ إِيجَادِهِمْ وَلَا أَذَرُ

لَا إِلَهَ إِلَّا الله..

مَا أَدْخَلَ الشَّكَّ بَيْتَ مُعْتَقَدِي *** أُغْلِقْهُ وَتَدُقُّهُ الغِيَرُ

       هَذَا الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ جَزِعَتْ *** نَفْسِي وَصَارَ غَايَةَ وَطَرِي

يَا مَلْجَئِي لَا أَكُونُ فِي حَرَجٍ *** بل لَا أَزَالُ إِلَيْكَ مُفْتَقِرُ

لا إله إلا الله، اللهم ارزُقنا كمال الإيمان واليقين.

قال سبحانه وتعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)) التي وسطك هذه البصيرة إذا عميت مشكلة عليك! (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72]، يقول سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) -بصر وبصيرة ما عاد شيء في القيامة، كله ينتهي- (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ) [طه:124-126]. أنت تظن نفسك وأنت بصير ترى الحجر والشجر والصور، ما استدلّيت بها على خلقي وإيجادي والرجوع إليّ؟ -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- (وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46).

نسألك يا مقلب القلوب، يا من يحول بين المرء وقلبه، أن تنظر إلى قلوبنا وتُحييها بنور اليقين التام، وتزداد إيمانًا ويقينًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

يقول على النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الرُّسْلِ الكِرَامِ وَمَنْ *** أَتَى مِنَ اللهِ بِالآيَاتِ وَالسُّوَرِ

وَخَصَّهُ اللهُ بِالفَضْلِ العَظِيمِ وَبِالـذِّكْـ *** رِ الرَّفِيعِ وَبِالأَخْلَاقِ وَالسِّيَرِ

وَبِالْمعاجز مِمَّا لا بَقى  مَعَه *** لعُذْر مُعْتَذِرٍ يَعْتَلُّ بالعُذرِ

(رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165].

أبَعْدَ تَنْزِيلِ رَبِّ العَالَمِينَ وَمَا *** أَقَامَ مِنْ حُجَجٍ كَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ

يَبْقَى لِذِي مَرَضٍ أَوْ مِرْيَةٍ شُبَهٌ *** أَوْ مُشْكِلٌ لا وَرَبِّ البَيْتِ وَالحَجَرِ

 لَكِنْ شَقَاوَةُ أَقْوَامٍ وَحَظُّهُمُ الـ *** مَنْحُوسُ أَوْقَعَهُمْ فِي الشَّرِّ وَالشَّرَرِ

فَالحَمْدُ للهِ نار الحَقُّ وَاتَّضَحَتْ *** مَعَالِمُ الرُّشْدِ بَيْنَ البَدْوِ وَالحَضَرِ

وَأَظْهَرَ اللهُ دِينَ الحَقِّ وانطَمسَت *** فِي نورهِ سَائِرُ الأَدْيَانِ فادَّكرِ

بِوَجْهٍ أَبْيَضَ مَيْمُونِ النَّقِيبَةِ مَحْـ *** ـمُودِ الشَّمَائِلِ وَالأَفْعَالِ وَالأثرِ

مُهَذَّبٍ هَاشِمِيٍّ لَا نَظِيرَ لَهُ *** فِي العَالَمِينَ بِلَا شَكٍّ وَلَا نُكُرِ

مُؤَيَّدٍ بِجُنُودِ اللهِ مِنْ مَلَكٍ *** وَمُؤْمِنٍ وَبِنَصْرِ اللهِ وَالظَّفَرِ

وَبِالصَّبَا وَبِرُعْبٍ فِي قُلُوبِهِمِ *** مَسِيرَ شَهْرٍ كَمَا قَدْ صَحَّ فِي الخَبَرِ

مُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ مُجْتَهِدٍ *** فِي طَاعَةِ اللهِ بالآصَالِ وَالبُكَرِ

مُشَمِّرٍ فِي مَرَاضِي اللهِ مُحْتَسِبٍ *** بِاللهِ مُقْتَدِرٍ بِاللهِ مُنْتَصِرِ

ذَلَّتْ لِوَطْأَتِهِ غُلْبُ الرِّقَابِ مِنَ الْـ *** أَعْرَابِ وَالعُجْمِ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ حَذَرِ

لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَامْتَنَعُوا *** كُفْراً وَبَغْياً دَعَاهُمْ بِالقَنَا السُّمُرِ

وَبِالسُّيُوفِ المَوَاضِي البِيضِ يَحْمِلُهَا *** مُهَاجِرُونَ وَأَنْصَارٌ مِنَ الغُرَرِ

أَئِمَّةُ الدِّينِ أَصْحَابُ السَّوَابِقِ فِي الـ *** إِسْلَامِ وَالقَدَمِ المَشْكُورِ وَالأَثَرِ

-عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ-.

مِثْلُ العَتِيقِ أَنِيسِ الغَارِ صَاحِبِهِ فِيهِ *** عَلَى الصِّدْقِ صِّدِّيقِ العُلَى الشَّهِرِ

وَالثَّانِيَ التَّالِيَ البَرِّ التَّقِيِّ أَخِي الإِ *** حْسَانِ وَالعَدْلِ يا للهِ من عُمَرِ

وَابْنِ عَفَّانَ ذُو النُّورَيْنِ مَنْ جَمَعَ *** القُرْآنَ وَالمُنْفِقُ البَذَّالُ فِي العُسُرِ

وَزَوْجِ خَيْرِ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَبِي الـ *** سِّبْطَيْنِ صِنْوِ النَّبِيِّ المُصْطَفَى الطُّهرِ

وَحَمْزَةَ البأس عَمِّ المُصْطَفَى وَكَذَا *** العَبَّاسِ أبِي الفَضْلِ وَالطَّيَّارِ خَيْرِ سَرِي

آلُ النَّبِيِّ وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ هُمُ *** القَوْمُ الَّذِينَ هُدُوا فَاقْتَد بِهِمْ وَسِرِ

وَالتَّابِعِينَ عَلَى الآثَارِ بَعْدَهُمُ -اللهم اجعلنا منهم- 

وَالتَّابِعِينَ عَلَى الآثَارِ بَعْدَهُمُ *** مِنْ كُلِّ مَنْ قَدْ قَضَى نَحبَاً ومُنْتَظِرِ

اللهم الذين قضوا نحبهم ارفع درجاتهم، وارفع لهم المكانة لديك وزدهم من نوالك، اللهم والمنتظرين اجمع شملهم وألِّف بينهم، وأيِّدهم وانصرهم وانصر بهم دينك يا أرحم الراحمين.

عَلَى مَسَالِكَ خَيْرِ الأَنْبِيَاء سَلَكُوا *** بِالجِدِّ وَالصِّدْقِ فِي عُسْرٍ وَفِي يُسُرِ

نَبِيُّنَا المُجْتَبَى هَادِي الأَنَامِ إِلَى *** دَارِ السَّلَامِ وَدَارِ الخُلْدِ وَالنَظرِ

اللَهُ عظَّمهُ اللهُ أكرمه *** اللهُ قَدَّمَهُ فِي الوِرْدِ وَالصَّدَرِ

 اللهُ فَضَّلَهُ اللهُ جَمَّلَهُ *** اللهُ أَرْسَلَهُ لِلْجِنِّ وَالبَشَرِ

 اللهُ شَرَّفَهُ اللهُ أَزْلَفَهُ *** بِالحُبِّ وَالقُرْبِ وَالأَسْرَارِ وَالأثرِ

يا من شرَّفتَه شرِّفنا بقُرْبِه، وباتباعِه والدخولِ في حِزبِه، والحشرِ في زُمرِته، وأنت راضٍ عنَّا، برحمتِك يا أرحم الراحمين.

بسر الفاتحة

إلى حضرة النبي الأمين محمد 

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

20 شوّال 1447

تاريخ النشر الميلادي

08 أبريل 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام