تفسير سورة المؤمنون - 6- من قوله تعالى: (فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ..(25)) إلى الآية 41

للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:

( فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) )

مساء الاثنين 30 صفر الخير 1448هـ 

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • رسالة نوح عليه السلام ووراثة الدعوة: 
    • استمرار دعوة التوحيد عبر الأنبياء. 
    • وبَعْدَهُ ﷺ يَحْمِلُ هذه الدعوة مَن اصطفاهم الله.
  • عقليات المكذبين والتعلق بالدنيا: 
    • شبهات الكفار وادعاءاتهم الباطلة تجاه الأنبياء. 
    • ورد الشريعة على دعوى المساواة المطلقة ببيان حقيقة التفاوت بين البشر.
  • الفلك والطوفان والنجاة: 
    • لجوء نوح لربه وصناعة الفلك. 
    • نجاة المؤمنين مع دعاء النزول المبارك. 
    • والاعتبار بردم الطغيان بعاقبة الطوفان.
  • رسالة هود عليه السلام وانحراف عاد: 
    • إرسال هود لقومه. 
    • إنكارهم للبعث والنشور. 
    • والعاقبة الوخيمة لتكذيبهم.

نص الدرس:

الحمدُ لله مُكرِمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان عبده المُختار خير هادٍ ودليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه خَير جيل، وعلى مُتابعيهم في النية والقصدِ والفعلِ والقول، وعلى آبائه وإخوانهم من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل الصدق مع الله تبارك وتعالى والدلالة عليه بكل المعاني في الحالِ والفعلِ والقيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المُقَرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد،،،

 فإنا في نعمة تأملنا لخطاب ربنا وكلام ربنا وتعاليم ربنا وتوجيه إلهنا خالق كل شيء -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، بِوَحيه الذي أنزله على قلبِ عبده المُختار سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما حَفِظ الله لنا من هذا الوَحي وتَكَفَّل بحفظه وأبقاه لنا نورًا وهدى وبيانًا، وحبلًا متينًا نَستَوثِقُ به، ومائدةَ جودٍ وكرمٍ رباني، وأنوارَ معارف ودلائل، وسبباً موصلاً إليه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 مضينا في سورة المؤمنون إلى أن انتهينا في قولِ ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- فيما يتعلق بإرساله النبي نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: 

  • الذي جاء لأُمته بالإيمان والإنقاذ مِن الشِرك والكُفرِ إلى التوحيد والعمل بالشرع المصون. 
  • وصَبره عليهم وتَحَمُّلهُ المَشاق، عليه صلوات رَبِنا الخَلاَّق وسلامه وعلى آله وصحبه، وعلى نبينا وجميع آله وصحبه وجميع الأنبياء والمُرسَلين وآلهم وصحبهم. 
  • وما قاسى في ذلك عليه رضوان الله.

وذَكَرنا.. 

مُقابَلة القوم له في دَعوَتِهِ التي جاء بها؛ دعوةُ الهدى والحق، وهي الدعوة التي: 

  • حَمَلَها جميع الأنبياء، إلى خاتمهم سيدنا محمد.
  • وحَمَلَها بين الأنبياء مَن اصطفته حضرة الرحمن -جلَّ جلاله- مِن الصادِقين مِن أتباعهم الواعين العُلماء الأتقياء المُخلِصين عليهم رضوان الله.

وبَعدَهُ ﷺ يَحمِلُ هذه الدعوة مَن اصطفاهم الله: 

  • مِن هذه الأُمة على درجات في حَملِها، والهمِّ بها وإقامة أمرها. 
  • مُتَداخِلين في بعضهم البعض، عامَتُهم في عُلمائهم وإلى خاصة عُلمائهم: 
    • من العارفين وأهل اليقين. 
    • وأهلُ كمال الإرث لسيد المُرسَلين.
    • والعُدولُ الأخيار الذين قال عنهم في حديثه الصحيح: 
      • "يَحمِلُ هذا العِلم مِن كُل خَلَفٍ عُدوله، يَنفونَ عَنهُ تَحريفَ الغالين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهِلين".

يَحمِلُ هذه الدعوة هذه الأصناف: الأنبياء وأتباعهم، فتكون مقابلة مَن حواليها لهم بما شرح الله لنا في كتابه العزيز عن الأُمَم السابقة، كيف كانوا يُقابِلون الأنبياء فيما جاءوا لهم به مِن دَعوة.

وذَكَرنا فيما مضى: 

  • عَقليات هؤلاء الناس عند استقبال دَعوة الحق والهدى، وما كان يَغلُب عليهم مِن إرادة التَّسَلُّط والظُّهور والبُروز. 
  • فكان ذلك معبوداً لهم بِكُفرهم بالله واليوم الآخر، صاروا يَعبدونَ مَظاهِرَ الدنيا وشهواتها، ومِن أَغلبها عليهم: 
    • شأنُ السُّلطَةِ والحُكم. 
    • وشأن الجاه والنفوذ في الأرض.

  فكانت تلك غاياتُهم: 

  • وأصبحوا يتهمون كل مَن جاء بأي سببٍ يظهر به بين الناس أنه ينافسهم على هذه الدُّنيا وعلى الظهور فيها، فينظرون بهذا المِنظار الضيق. 
  • وكذلك تَنحطُّ أنظارهم في أفكارهم على مُجَرَد البشرية، ويُحِبونَ نزع الخصوصية للبشر، والفَرق الكبير بين البشر صالِحهم وطالِحُهُم، ونافِعِهم وضارُهُم، وهاديهم وضالُّهُم، وما إلى ذلك.

  فذكرنا ما قابلوا به النبي نوح عليه السلام: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ (24)) وذَكَرنا أن الناس في أصل البشرية؛ نعم:

  • بل مِن حيث الخَلقية يستوي جميع الخَلقِ بأصنافهم: إنساً وجنّاً وملائكةً وحيواناتٍ ونباتاتٍ وجماداتٍ. 
  • مِن حيث كَونها مَخلوقة، مُستَوون مِن حيث كَونُهُم مَخلوقون، ما أحد منهم إله، ولا أحد منهم خالِق، هذا أمر مَعلوم.

لكن بعد ذلك: 

  • للنباتات خصائص غير ما للجمادات، وللحيوانات خصائص غير ما للنباتات. 
  • وبعد ذلك بين الإنس والجن والملائكة خصوصية العقل المَخصوص: 
    • الذي تميزوا به عن بقية أجناس المَوجودات، وهؤلاء مُتَفاوِتون في درجاتهم. 
    • وفيهم الملأ الأعلى مِن الملائكة كلهم معصومون (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [الزمر:75]، و(لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6].

وفي الناسِ أنبياء وصِديقون ومُقَرَبون، وفيهم كُفار وفُساق ومُجرمون وظالِمون، ومَن ذا الذي يُساوي بين الظالِم والعادل؟ ومَن ذا الذي يساوي بين النافع والضار؟ مَن؟ كيف يَستَوون؟! في أَي شيء يَستَوون؟ 

  • أَما كَونُهُم خَلق وكَونُهُم بَشَر؛ نعم، نحن مُستَوون كَونُنا بَشَر مِن آدم إِلى آخر روح فينا تَقوم عليها الساعة، نحن بَشَر، نحن آدميون.
  • لكن لا يُمكن أَن نستوي في عقولنا ولا في نياتنا ولا في أخلاقنا ولا في وِجهاتِنا ولا في آدابِنا ولا في أَعمالِنا، ما يُمكِن أَن نَستَوي: 
    • (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ) [السجدة:18].
    • (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28].
    • (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية:21].

   ثُمَّ في عالَم الحِس: هذا غني وهذا فقير، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا مَأمور وهذا أَمير، وهذا... وبعد ذلك؟! في ماذا يَستَوون يعني؟

  •  في أَصل الخَلق والتَّكوين سواء.
  •  في أنهم جميعاً يؤاخَذونَ بِما كَسَبوا وبِما ظَلَموا سواء، كلهم يؤاخَذ بذلك.
  •  أَنَّ كُل صادِق منهم يجد الثواب والأجر، هذا صحيح.

 ولكن بعد ذلك فللحَق تعالى اصطفاءات، ولِلِحَقِ تعالى اختيارات، ومساعيهم كذلك تختلف: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ) [الليل:1-4] مُتَفَرِق كثير ما يَستَوي، فهذه المُصيبة التي عندهم، ولا يزال يَلعَب بها إبليس على كثير من الناس.

إذا جاؤوا أمام مهماتٍ وواجباتٍ يَقتَضيها المَنطقُ والعَقل والدين، يقول: الناس سواء، وإذا جاء بعد ذلك، حتى في مُستوى اللعب، يقول: الحارس له مُهِمَة، وأصحاب الهُجوم لهم مُهِمَة، وأصحاب الدِّفاع لهم مُهِمَة، وكل واحد يقول: الحَكَم له مهمة، لا يدخل هذا في هذا، هل يمكن يجيء الحارس يُصَفِّر يقول له: مالَك؟؟ قال: ماذا بيني وبينه؟ هو بشر وأنا بشر، أنت بشر وهو بشر، حَكَم وحارس سواء كله سواء سواء؟! 

كيف اللعبة ستكون بعد ذلك؟ حتى اللعب يَخرب إذا قالوا سواء، بلا معنى.

  • سواءٌ يقوم هو بواجبه وأنت تقوم بواجبك، هذا صحيح. 
  • وأما سواءٌ أن تأخذ مكانه وهو يفقد خصوصيته، ما يُعقَل هذا الأمر. 

فَيَلعَبون بها على الناس، ومنها ما يَلعَبون بالمَرأة والرجل سواء، كلهم سواء، نحن بنوآدم كلنا سواء، سواء! وبعد ذلك؟ ما رأيكم تتقدمون وتتطورون؟ الحَمل سنة على الرجل وسنة على المرأة، أحسن أو لا؟ حتى يكونوا سواء، لا يمكن طول الوقت المرأة تَحمِل والرجل ما يَحمِل؟! دعوهم سنة هذا وسنة ذاك، ممكن؟ فيه عَقل؟ أو ما فيه عقل؟ ما هذا السواء الذي فيهم؟ 

  • سواء في أنه لا يَجوز أحد منا يَظلِم،؛ صح، لا يجوز أحد منا أن يتكبر؛ صح، نحن في هذا سواء. 
  • أما سَواء في أن عليه واجبات وعنده خصوصيات للذكورة وعندها خصوصيات وواجباتٌ للأنوثة، وكلٌّ يقوم بواجبه، هذا أمر ضروري، لايمكن أن يكونوا سواء. 

ما الذي سواء فيه؟ 

  • ولا يزال الأمر كذلك، فهؤلاء يقولون: (مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ) [يس:15] -والعياذ بالله تعالى-. يقولون للأنبياء، وهكذا حال الفُساق والغافلين مع الأولياء ومع العلماء كذلك.
  • وصنفٌ آخر تجاوزوا الحد، ولا وَقَفوا عند الخَصائِص مِن النبوة والرسالة وكَرامة وشرف المنزلة عند الله، رجعوا قالوا: ابن الله، ورجعوا قالوا: إله، فلا ذا ولا ذا، كلهم على باطل وعلى ضلال.

ولا يتأتى أن يُجحَد فَضلُ العالِم أو الولي أو الصالح، ولا يتأتى أن يُتخذ إلهاً من دون الله، ولا أن يُخرَج به عن طوره، ما يتأتى، هذا كله باطل، فأصحاب الباطل ما بين هذا وهذا، وجاءوا (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة:30]، ومع ذلك ما أحد تَجرأ على الأنبياء مِثلهم فيما كَذَبوا عليهم ونَسَبوا إليهم من الآفات والكَبائر، حَمى الله حِمى أنبيائه وأصفيائه وأوليائه، وجَعَلنا وإياكم من عباده الصالحين.

 

تفسير قوله تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24))

(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)، وهذه هي المُشكلة عند الناس، لا يُريد أحد أن يكون فَوقه، ولا يريد أحد أن يُزاحِمه على منزلتهُ الخَسيسة في اعتبار الفانيات، ويَقولون بِفَلسفات باطلة: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) ومَضَت قرون قَبلَكُم، لا أحد ملائكة يَنِزلون أنبياء للناس: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:95].

ومادام في الأرض بشر، سنأتي بَشَر منهم يبين لهم، وهكذا قال: (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) ولماذا حَصر العِلم عندكم؟ متى جئتم، ومتى سَمِعتم؟ 

غيركم سَمِع، والواقع غير ما تقولون، ولكن حَصْر العلم والإِطلاع عند أنفس معينة وأن نحن ما أحد فوقنا، هذه مصائب البشر على ظَهر الأرض.

ولذلك سيدنا إبراهيم كان يقول لوالده: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم:43]، لايريدون أحد أعلم منهم، يقول: أنا أعلم، (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا).

 

تفسير قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ (25))

(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) مَن؟ 

  • سيدنا نوح -عليه السلام- (رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) عاش بينهم مِن أَعقل خَلق الله، ولا فيهم عَقل يساوي عَقله، مستقيم على مِنهاجه، يقولون مجنون، مجنون! 
  • هاتوا واحد له تصرفات ليست مضبوطة، أما هذا منضبط السلوك عندكم، كامل الرأي في جميع تجارب حياته أمامكم، اليوم تقولون عنه مجنون! 

ولكن، قال: عجب لهؤلاء؛ أهلُ الضلال، عجبٌ! 

  • ما رَضوا للبَشرية النبوة، أي ما رَضوا أنهم بَشَر. 
  • ورَضوا للألوهية الحَجر! 

للألوهية اتخذوه حجر وقالوا إله، للنبوة قالوا لا يكون النبي بَشَر، وإله جاءوا بحجر، ما العقل هذا؟! ما رَضوا للنبوة البَشَر ورضوا للألوهية حجر، جاءوا بحجر! -لا حول ولا قوة إلا بالله-، ماهذا الضلال وهذا العقل؟ قالوا لا نريد بَشَر، هات لنا مَلَك، وإله؛ كنتوا تصلِّحون أحجار: (وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) [نوح:23] تصلحونها آلهة! ونبوة ورسالة، قلتم ما يمكن بشر، وهذا حجر يمكن أن يكون إله! ..لا حول ولا قوة إلا بالله. 

منزلة الإلوهية عندكم أقل مِن منزلة النبوة والرسالة؟! 

  • (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أصابه الجنون أو دخل له الجِن، (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ)
  • كما قال الله عن مُشركي قريش في نبينا ﷺ: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) سيموت وسيذهب؛ (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) [الطور:30-31]. 

لَن تَمضِ الأيام والليالي حتى يقوم وعد الله ويَنصُر الله رسله وينشر الحق كما أراد، ثم ترجعون إليه، ولا يكون في البرزخ ولا في القيامة إلا ما أخبرتكم، وإلا ما أنبأتكم، ولا شيء، أنا متربص -منتظر- كل ما قُلت عن يقين وثقة، وكل ما قُلتم عن ضلال وخيال، سترون ماذا سيحصل منه وماذا سيكون.. لا إله إلا الله، (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ).

 

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26))

قال سيدنا نوح: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ): أي بِتَكذيبهم إياي، مع حرصي عليهم ومحاولاتي الكثيرةَ الكبيرةَ بالأساليب المتعديةَ المتعددة، أن تَهديهم وأن يَتَبَيَّن لهم الحق، فأَبوا وأَصروا (وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) [نوح:7]، (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ(26)).

 

تفسير قوله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27))

 قال: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) -السفينة- (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) تحت رِعايَتنا وعِنايتنا وأمرْنا لك، كيف تَصنعها وكيف تُرَكِبُها، هذه آية من الآيات الكبيرة: 

  • كَون سيدنا نوح يصنع سفينة يضم فيها هؤلاء المؤمنين من بني آدم، ويضم إليها من الحيوانات مِن كل زوجين اثنين. 
  • وتأتي هذه الأمواج الخطيرة الكبيرة التي ما عَرَفت الأرض مِثلها: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) [القمر:11-12]. 

وكيف السفينة هذه؟ تَصِل إلى أين؟ وكيف تَكون وكيف تُحفَظ؟ 

قال: 

  • (وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) سفينة لها ألواح من الخشب ومسامير (وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) بهذا حُفِظَت.
  • وما كان للأمواج هذه أن تَمَسها ولا أن تُصيبها بسوء، وجاءت الأمواج وسيدنا نوح ومن معه في أمن الله تعالى وفي طمأنينته (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر:13-14]. 
  • وسِتة أشهر وَهُم في الماء، حتى أَمَرَ الله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [هود:44].

قال: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا) ساعة إرادتنا إهلاك القوم:

  • (وَفَارَ التَّنُّورُ) على ما جَعَلَها الله له، يتحول هذا التَّنور، وقيل إنه تَنور مِن حَجر مِن عَهد آدم، وكان عند سيدنا نوح، وكان يَضَع فيه يده. 
  • يقول الله: إذا فاض فيه الماء فهو الوقت الذي آمُرَك فيه أن تَطلَع السفينة ومن معك، فإنه سيأتي غَرَقُ القوم. 
  • (وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا)، أَدخِل في السفينة: (مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ذَكَر وأنثى من كل الحيوانات، (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ)؛ زوجته وابنه كنعان.

سيدنا نوح -عليه السلام- عنده أربعة أبناء، واحد منهم كافر -كنعان-، وأما سام ويافث ..؛ ثلاثة منهم هؤلاء مسلمون رَكِبوا معه في السفينة، بقيتْ زوجته وابنه مع الكفار -والعياذ بالله تعالى-. 

  • (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا)، قال: (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) [الأحقاف:18] ولا عاد تَشفَع في أَحد، ولا تسألني في أَحد، كَتَبتُ هلاكهم، والعياذ بالله تبارك وتعالى. 
  • (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ(27))، سبق عليهم القول بذلك.

 

تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)) 

(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)) آيات يَجعَلها الله سبحانه وتعالى، وكيف يُنجي أنبياءه ورسله وأهل الحق والهدى بعد ما تحصل مآزق ومشاكل وآفات وشؤون كبيرة، ولكن العاقبة للمتقين: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ *وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173]. 

(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) حَصَلَ لكم الاستقرار وقمتم فقولوا: (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ودفع شرهم وكتب هلاكهم.

 

تفسير قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا (29))

 (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا)

  • وفي عامة القُراء قرأوا: (مُنزَل) أي إنزالاً مباركاً، هيئةُ الإنزال. 
  • وفي قِراءة: (مَنزِلاً) قِراءة عن عاصم (مَنزِلًا مُّبَارَكًا)، مَنزِل: مكان النُزول. 

ولكن قَرأ عامة القُراء، وأكثر الروايات عنه ﷺ (مُنزَلًا)، أي إنزالاً مباركاً:

  •  إنزال حسن في السفينة.
  •  وإنزال مِن السفينة إلى الأرض مرة أخرى.

 فكانت البركة له في السفينة بعناية الله ورعايته، يعبُد الله وقومه، يُصَلُّون ويؤدون ما فرض الله تعالى عليهم وما ندبهم إليه سبحانه وتعالى في عنايته ورعايته وتوفيقه:

  •  ولا يُصيبهم شيء من الماء المنهمر من السماء الذي سيأتي من السفينة، والسفينة تتحرَّك كذا وكذا، ولا يُصيب أهل السفينة شيء.
  • وتَفَجرت الأرض من تحتهم عيوناً، وأَمضوا تلك الأيام وقد استعدوا بزاد وطعام، بارك الله لهم فيه حتى كَفاهم في هذه الستة الأشهر. 

حتى يقال: إنه عند رسوِّ السفينة في أوائل محرم، وفي عشر المحرم ما بين الثامن والعاشر من محرم، ما عاد بقي معه في السفينة إلا بعض أَضلاف الأغنام التي كانوا قد ذبحوها وشيء من الدُجُر، فطبخوه، فكان آخر طعام على السفينة، وخرجوا إلى الأرض بعد ذلك.

   يقول: (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ): 

  • وفيه تعليم الدُعاء عند الركوب وعند الخروج، عند نزول المَنزل. 
  • حتى عند دخول الإنسان إلى منزلهِ في كل مرة ينبغي أن يقرأ هذا الدعاء: (رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ(29)).

 

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30))

قال الله: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ)، هذا الإرسال والنبوة وهذا الصبر وهذا التحمل من نوح وإيمان القليل معه وما كان مِن أذى قَومه له، ثم ما كان مِن انتقام مِن الكبير، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران:190].

والله يُذَكِّرنا نحن بهذا، يقول لنا في سورة الحاقة -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: 

  • (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) يقول لنا الله أنا حَمَلتُكم في السفينة، من أين جئنا هنا نحن؟ لولا آباؤنا الذين ركبوا في السفينة ما كان لنا وجود. 
  • قال: (حَمَلْنَاكُمْ) يعني في أَصلاب الراكبين في السفينة، أنتم يا بني آدم الذين كَتبت حياتكم إلى يوم القيامة، كلكم كنتم مع نوح في السفينة هذه. 
  • (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ *لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة:11-12]، لا إله إلا الله.

قال: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)) مُختَبِرين الناس بإرسال الرُّسل وإقامة الحُجَج والعَلامات هي صِدْق المُرسَلين، ثم هلاك الفساق والمجرمين؛ طائفة بعد طائفة، وقوم بعد قوم، وأُمة بعد أُمة. 

(وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) لَمُختَبرين لعبادنا:

  • بما آتيناهم من خلقٍ بعد عدم وإيجادٍ بعد فقد.
  • ثم بعد ذلك ما آتيناهم من أسماع وأبصار
  • وما جعلنا لهم من آيات تدل على عَظَمَتنا.
  • وما أرسلنا إليهم من الرسل.
  • وما أمهلناهم إلى حين، (وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ).

 

تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32))

(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31)) يقول الله -بعد قوم نوح- وهو نبي الله هود -عليه السلام- (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) قوم النبي هود.

 (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ) سيدنا النبي هود، لهذا قال لهم فيما أرسله الله تعالى إليه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)، يقول النبي هود: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأعراف:69]. 

(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ): 

  • هذه دعوة المُرسَلين كلهم -صلوات الله وسلامه عليهم-:(أَفَلَا تَتَّقُونَ)؟ 
  • وسيدنا نوح قال لقومه كذلك ما تقدم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ) [المؤمنون:23] 
    • تخافون بَطشَه وغَضَبه، وتتقون ناره الموقدة. 
    • وتتقون معصيته وتَبعُدون عن مخالفته (أَفَلَا تَتَّقُونَ)؟

 

تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33))

(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَسَّعنا عليهم فيها، ما هذا؟ وتَعلم بهذا أن التوسعة في الدنيا:

  • أحياناً تكون سبب للهلاك الأبدي.
  • وأحياناً تكون للصالحين زاداً للآخرة يَصرِفونها:
    • في مَرضاة الله تعالى.
    • وفي نفع الخَلق.
    • وفي كسب الثواب. 

ولكنها إذا وقعت في أيدي الغافلين: 

  • ضَرَّتهم وأوقعتهم في الترف والسرف. 
  • والبعد عن الشرف والعياذ بالله. 

(وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ).

و جعلْنا في هذا كلِّه المِنظار هذا عند الكفار وإلى اليوم، وإلى اليوم العقليات في الأرض تحتقر النبوة والرسالة، تحتقر أهل الصلاح والدعاة إلى الله تعالى على المنهج القويم.

يقولون: بشر! وبل قد يأتون لهم بأسماء. قالوا لبعض الصالحين مرة: الجماعة عندك في بلادك يتكلمون عليك، قالوا: ساحر، قال: ما شاء الله! ابعدوا سأسجد سجدة شكر، قال: شبهونا بالأنبياء! الأنبياء كلما جاء واحد قالوا ساحر، وأنا قومي قالوا عليّ ساحر، الحمد لله، دعني أسجد، سجد سجدة شكر لله تبارك وتعالى. قال: سلك الله بي مسالك الأنبياء، قال: الجماعة يكْذبون عليّ، ويعرفون أني لا أعرف السحر ولا يوم جئت بالسحر، وهم يعلمون بذلك ولكن يقولون هكذا، لا إله إلا الله؛ (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات:52-53].

 

تفسير قوله تعالى: (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34))

قال: (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34)) سبحان الله! أنتم ما أَطعتم النبي هود، وأنتم يُطيع بعضكم بعضا، فيكم أمراء وفيكم مرجعيات بشر مثلكم، والله تمام! وتقولون (إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) 

وأنتم في طاعة بعضكم لبعض، ما أنتم بخاسرين؟! ما أنتم بشر مثل النبي هود؟ أو كيف؟ 

  • وهذا نبي بشر جاءكم بوحي من الله، وأنتم بينكم البين تطيعون بعضكم البعض، لكن هناك واحد بشر آخر، لا، لا أحد يُطيع البشر! عجب والله! 
  • وهذه المقاييس المُنعكسة والمُختلة في أذهان الكفار والفجّار والأشرار.

 

تفسير قوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36))

(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35)) تَرجِعون مرة ثانية؟! 

(هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)) بَعُد بَعُد بَعُد، الأمر بعيد! كيف بعيد؟! وكل يوم يَخلق الله لكم كم من واحد من النُطف، يأتي بهم أمامكم، وبعد ذلك يعجز يردهم، لماذا؟!! 

  • وأمامكم أرض وعجائبها وغرائبها وزراعة، تحيا الأرض وتموت يوم، تموت وتحيا يوم بعد الثاني، وسماوات منصوبة. 
  • والقدرة هذه تعجز أن تأتِ بمثلكم أنتم يا بشر؟! كم كُبرك وكم ثُقلك وكم ثقل السماء؟ الذي خلق السماء، هل ليس له القدرة أن يخلقك؟! أنت كم أذرع، كيف ما يَقدِر يعني؟ آياته مَبسوطة أمامك تدل على قدرته العظمى جلَّ جلاله.

 

تفسير قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)

(هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) كيف نموت ونحيا؟

  •  يعني نحيا مدة ثم نموت، في تقديم وتأخير.
  •  أو نموت ونحيا: يموت منا طائفة ويأتي بعدهم طائفة، وهذا يحيا وهذا يموت وانتهى الأمر!.

 (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)) كيف تَنفونَ أمراً لا حُجةَ لكم فيه ولا معرفة لكم بحقائقه؟! وقامت الدلائل على أن مَن بَدأ أول خلق يعيده جلَّ جلاله! 

ويقولون على سيدنا هود: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39)) كما قال سيدنا نوح، قال أوحى الله إليه: (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) مثل الغُثاء: الشجر اليابس الذي يَأخذه السيل، فيعلو فوقه.

(فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) أي أهلكناهم، وصاروا كما قال الله في أصحاب الفيل: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) [الفيل:5] شجر أكلت  فيه الأنعام، تَفَرَّق هكذا، وكذلك قوم النبي هود جاءتهم تلك الريح العقيم وعصفت بينهم، وبديارهم ونخِيلهم، حتى صاروا مُلقَين على الأرض أجساماً خاوية؛ (غُثاءً). 

يقول تعالى: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)) وجاء الرُسل من بعدهم رسول بعد رسول كما يَذكُر الله لنا، وهكذا قصة البشر، والحمد لله على وصول خاتم الرسل وسيدهم، وأننا في النور الذي بعثه الله به، والذي آتاه إياه وهو سيد جميع المرسلين صلوات الله عليهم، والله يجمعنا بالرسل أجمعين تحت لواء الحمد وفي دار الكرامة.

 اللهم لا باعدت بيننا وبينهم، آمنا بك وبرسلك وما جاءوا به عنك، فاجعلنا مِن أتباعهم وأهل حسن اتباعهم، واجمعنا معهم يا ربنا في ظل عرشك، وتحت لواء الحمد الذي يحمله نبيك، واجمعنا بهم في الجنة، واجمعنا بهم في الجنة، واجمعنا بهم في الجنة. اجعلنا وأهالينا وأحبابنا ممن أطاع الله والرسول ومات على ذلك فحق له وعدك بالحق: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)، فاجعلنا مع ذلك الرفيق، واسلك بنا مسلكهم بلا تعويق، وأدخلنا في أعلى رفيق يا أرحم الراحمين، (ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء:69-70].

 بسرِ الفاتحة 

وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه، 

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

02 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

15 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام