(634)
(368)
(6)
(470)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة المؤمنون:
( فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) )
مساء الاثنين 30 صفر الخير 1448هـ
الحمدُ لله مُكرِمنا بالوحي والتنزيل، وبيانه على لسان عبده المُختار خير هادٍ ودليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه خَير جيل، وعلى مُتابعيهم في النية والقصدِ والفعلِ والقول، وعلى آبائه وإخوانهم من الأنبياء والمُرسلين سادات أهل الصدق مع الله تبارك وتعالى والدلالة عليه بكل المعاني في الحالِ والفعلِ والقيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المُقَرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإنا في نعمة تأملنا لخطاب ربنا وكلام ربنا وتعاليم ربنا وتوجيه إلهنا خالق كل شيء -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، بِوَحيه الذي أنزله على قلبِ عبده المُختار سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما حَفِظ الله لنا من هذا الوَحي وتَكَفَّل بحفظه وأبقاه لنا نورًا وهدى وبيانًا، وحبلًا متينًا نَستَوثِقُ به، ومائدةَ جودٍ وكرمٍ رباني، وأنوارَ معارف ودلائل، وسبباً موصلاً إليه جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
مضينا في سورة المؤمنون إلى أن انتهينا في قولِ ربنا -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- فيما يتعلق بإرساله النبي نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام:
وذَكَرنا..
مُقابَلة القوم له في دَعوَتِهِ التي جاء بها؛ دعوةُ الهدى والحق، وهي الدعوة التي:
وبَعدَهُ ﷺ يَحمِلُ هذه الدعوة مَن اصطفاهم الله:
يَحمِلُ هذه الدعوة هذه الأصناف: الأنبياء وأتباعهم، فتكون مقابلة مَن حواليها لهم بما شرح الله لنا في كتابه العزيز عن الأُمَم السابقة، كيف كانوا يُقابِلون الأنبياء فيما جاءوا لهم به مِن دَعوة.
وذَكَرنا فيما مضى:
فكانت تلك غاياتُهم:
فذكرنا ما قابلوا به النبي نوح عليه السلام: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ (24)) وذَكَرنا أن الناس في أصل البشرية؛ نعم:
لكن بعد ذلك:
وفي الناسِ أنبياء وصِديقون ومُقَرَبون، وفيهم كُفار وفُساق ومُجرمون وظالِمون، ومَن ذا الذي يُساوي بين الظالِم والعادل؟ ومَن ذا الذي يساوي بين النافع والضار؟ مَن؟ كيف يَستَوون؟! في أَي شيء يَستَوون؟
ثُمَّ في عالَم الحِس: هذا غني وهذا فقير، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا مَأمور وهذا أَمير، وهذا... وبعد ذلك؟! في ماذا يَستَوون يعني؟
ولكن بعد ذلك فللحَق تعالى اصطفاءات، ولِلِحَقِ تعالى اختيارات، ومساعيهم كذلك تختلف: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ) [الليل:1-4] مُتَفَرِق كثير ما يَستَوي، فهذه المُصيبة التي عندهم، ولا يزال يَلعَب بها إبليس على كثير من الناس.
إذا جاؤوا أمام مهماتٍ وواجباتٍ يَقتَضيها المَنطقُ والعَقل والدين، يقول: الناس سواء، وإذا جاء بعد ذلك، حتى في مُستوى اللعب، يقول: الحارس له مُهِمَة، وأصحاب الهُجوم لهم مُهِمَة، وأصحاب الدِّفاع لهم مُهِمَة، وكل واحد يقول: الحَكَم له مهمة، لا يدخل هذا في هذا، هل يمكن يجيء الحارس يُصَفِّر يقول له: مالَك؟؟ قال: ماذا بيني وبينه؟ هو بشر وأنا بشر، أنت بشر وهو بشر، حَكَم وحارس سواء كله سواء سواء؟!
كيف اللعبة ستكون بعد ذلك؟ حتى اللعب يَخرب إذا قالوا سواء، بلا معنى.
فَيَلعَبون بها على الناس، ومنها ما يَلعَبون بالمَرأة والرجل سواء، كلهم سواء، نحن بنوآدم كلنا سواء، سواء! وبعد ذلك؟ ما رأيكم تتقدمون وتتطورون؟ الحَمل سنة على الرجل وسنة على المرأة، أحسن أو لا؟ حتى يكونوا سواء، لا يمكن طول الوقت المرأة تَحمِل والرجل ما يَحمِل؟! دعوهم سنة هذا وسنة ذاك، ممكن؟ فيه عَقل؟ أو ما فيه عقل؟ ما هذا السواء الذي فيهم؟
ما الذي سواء فيه؟
ولا يتأتى أن يُجحَد فَضلُ العالِم أو الولي أو الصالح، ولا يتأتى أن يُتخذ إلهاً من دون الله، ولا أن يُخرَج به عن طوره، ما يتأتى، هذا كله باطل، فأصحاب الباطل ما بين هذا وهذا، وجاءوا (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة:30]، ومع ذلك ما أحد تَجرأ على الأنبياء مِثلهم فيما كَذَبوا عليهم ونَسَبوا إليهم من الآفات والكَبائر، حَمى الله حِمى أنبيائه وأصفيائه وأوليائه، وجَعَلنا وإياكم من عباده الصالحين.
تفسير قوله تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24))
(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)، وهذه هي المُشكلة عند الناس، لا يُريد أحد أن يكون فَوقه، ولا يريد أحد أن يُزاحِمه على منزلتهُ الخَسيسة في اعتبار الفانيات، ويَقولون بِفَلسفات باطلة: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) ومَضَت قرون قَبلَكُم، لا أحد ملائكة يَنِزلون أنبياء للناس: (قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:95].
ومادام في الأرض بشر، سنأتي بَشَر منهم يبين لهم، وهكذا قال: (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) ولماذا حَصر العِلم عندكم؟ متى جئتم، ومتى سَمِعتم؟
غيركم سَمِع، والواقع غير ما تقولون، ولكن حَصْر العلم والإِطلاع عند أنفس معينة وأن نحن ما أحد فوقنا، هذه مصائب البشر على ظَهر الأرض.
ولذلك سيدنا إبراهيم كان يقول لوالده: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم:43]، لايريدون أحد أعلم منهم، يقول: أنا أعلم، (مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا).
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ (25))
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) مَن؟
ولكن، قال: عجب لهؤلاء؛ أهلُ الضلال، عجبٌ!
للألوهية اتخذوه حجر وقالوا إله، للنبوة قالوا لا يكون النبي بَشَر، وإله جاءوا بحجر، ما العقل هذا؟! ما رَضوا للنبوة البَشَر ورضوا للألوهية حجر، جاءوا بحجر! -لا حول ولا قوة إلا بالله-، ماهذا الضلال وهذا العقل؟ قالوا لا نريد بَشَر، هات لنا مَلَك، وإله؛ كنتوا تصلِّحون أحجار: (وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) [نوح:23] تصلحونها آلهة! ونبوة ورسالة، قلتم ما يمكن بشر، وهذا حجر يمكن أن يكون إله! ..لا حول ولا قوة إلا بالله.
منزلة الإلوهية عندكم أقل مِن منزلة النبوة والرسالة؟!
لَن تَمضِ الأيام والليالي حتى يقوم وعد الله ويَنصُر الله رسله وينشر الحق كما أراد، ثم ترجعون إليه، ولا يكون في البرزخ ولا في القيامة إلا ما أخبرتكم، وإلا ما أنبأتكم، ولا شيء، أنا متربص -منتظر- كل ما قُلت عن يقين وثقة، وكل ما قُلتم عن ضلال وخيال، سترون ماذا سيحصل منه وماذا سيكون.. لا إله إلا الله، (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ).
تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26))
قال سيدنا نوح: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ): أي بِتَكذيبهم إياي، مع حرصي عليهم ومحاولاتي الكثيرةَ الكبيرةَ بالأساليب المتعديةَ المتعددة، أن تَهديهم وأن يَتَبَيَّن لهم الحق، فأَبوا وأَصروا (وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) [نوح:7]، (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ(26)).
تفسير قوله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27))
قال: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) -السفينة- (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) تحت رِعايَتنا وعِنايتنا وأمرْنا لك، كيف تَصنعها وكيف تُرَكِبُها، هذه آية من الآيات الكبيرة:
وكيف السفينة هذه؟ تَصِل إلى أين؟ وكيف تَكون وكيف تُحفَظ؟
قال:
قال: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا) ساعة إرادتنا إهلاك القوم:
سيدنا نوح -عليه السلام- عنده أربعة أبناء، واحد منهم كافر -كنعان-، وأما سام ويافث ..؛ ثلاثة منهم هؤلاء مسلمون رَكِبوا معه في السفينة، بقيتْ زوجته وابنه مع الكفار -والعياذ بالله تعالى-.
تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28))
(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)) آيات يَجعَلها الله سبحانه وتعالى، وكيف يُنجي أنبياءه ورسله وأهل الحق والهدى بعد ما تحصل مآزق ومشاكل وآفات وشؤون كبيرة، ولكن العاقبة للمتقين: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ *وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173].
(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) حَصَلَ لكم الاستقرار وقمتم فقولوا: (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ودفع شرهم وكتب هلاكهم.
تفسير قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا (29))
(وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا):
ولكن قَرأ عامة القُراء، وأكثر الروايات عنه ﷺ (مُنزَلًا)، أي إنزالاً مباركاً:
فكانت البركة له في السفينة بعناية الله ورعايته، يعبُد الله وقومه، يُصَلُّون ويؤدون ما فرض الله تعالى عليهم وما ندبهم إليه سبحانه وتعالى في عنايته ورعايته وتوفيقه:
حتى يقال: إنه عند رسوِّ السفينة في أوائل محرم، وفي عشر المحرم ما بين الثامن والعاشر من محرم، ما عاد بقي معه في السفينة إلا بعض أَضلاف الأغنام التي كانوا قد ذبحوها وشيء من الدُجُر، فطبخوه، فكان آخر طعام على السفينة، وخرجوا إلى الأرض بعد ذلك.
يقول: (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ):
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30))
قال الله: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ)، هذا الإرسال والنبوة وهذا الصبر وهذا التحمل من نوح وإيمان القليل معه وما كان مِن أذى قَومه له، ثم ما كان مِن انتقام مِن الكبير، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران:190].
والله يُذَكِّرنا نحن بهذا، يقول لنا في سورة الحاقة -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-:
قال: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)) مُختَبِرين الناس بإرسال الرُّسل وإقامة الحُجَج والعَلامات هي صِدْق المُرسَلين، ثم هلاك الفساق والمجرمين؛ طائفة بعد طائفة، وقوم بعد قوم، وأُمة بعد أُمة.
(وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) لَمُختَبرين لعبادنا:
تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32))
(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31)) يقول الله -بعد قوم نوح- وهو نبي الله هود -عليه السلام- (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) قوم النبي هود.
(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ) سيدنا النبي هود، لهذا قال لهم فيما أرسله الله تعالى إليه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)، يقول النبي هود: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأعراف:69].
(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ):
تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33))
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَسَّعنا عليهم فيها، ما هذا؟ وتَعلم بهذا أن التوسعة في الدنيا:
ولكنها إذا وقعت في أيدي الغافلين:
(وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ).
و جعلْنا في هذا كلِّه المِنظار هذا عند الكفار وإلى اليوم، وإلى اليوم العقليات في الأرض تحتقر النبوة والرسالة، تحتقر أهل الصلاح والدعاة إلى الله تعالى على المنهج القويم.
يقولون: بشر! وبل قد يأتون لهم بأسماء. قالوا لبعض الصالحين مرة: الجماعة عندك في بلادك يتكلمون عليك، قالوا: ساحر، قال: ما شاء الله! ابعدوا سأسجد سجدة شكر، قال: شبهونا بالأنبياء! الأنبياء كلما جاء واحد قالوا ساحر، وأنا قومي قالوا عليّ ساحر، الحمد لله، دعني أسجد، سجد سجدة شكر لله تبارك وتعالى. قال: سلك الله بي مسالك الأنبياء، قال: الجماعة يكْذبون عليّ، ويعرفون أني لا أعرف السحر ولا يوم جئت بالسحر، وهم يعلمون بذلك ولكن يقولون هكذا، لا إله إلا الله؛ (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات:52-53].
تفسير قوله تعالى: (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34))
قال: (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34)) سبحان الله! أنتم ما أَطعتم النبي هود، وأنتم يُطيع بعضكم بعضا، فيكم أمراء وفيكم مرجعيات بشر مثلكم، والله تمام! وتقولون (إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ)
وأنتم في طاعة بعضكم لبعض، ما أنتم بخاسرين؟! ما أنتم بشر مثل النبي هود؟ أو كيف؟
تفسير قوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36))
(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35)) تَرجِعون مرة ثانية؟!
(هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)) بَعُد بَعُد بَعُد، الأمر بعيد! كيف بعيد؟! وكل يوم يَخلق الله لكم كم من واحد من النُطف، يأتي بهم أمامكم، وبعد ذلك يعجز يردهم، لماذا؟!!
تفسير قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)
(هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) كيف نموت ونحيا؟
(وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)) كيف تَنفونَ أمراً لا حُجةَ لكم فيه ولا معرفة لكم بحقائقه؟! وقامت الدلائل على أن مَن بَدأ أول خلق يعيده جلَّ جلاله!
ويقولون على سيدنا هود: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39)) كما قال سيدنا نوح، قال أوحى الله إليه: (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) مثل الغُثاء: الشجر اليابس الذي يَأخذه السيل، فيعلو فوقه.
(فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) أي أهلكناهم، وصاروا كما قال الله في أصحاب الفيل: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) [الفيل:5] شجر أكلت فيه الأنعام، تَفَرَّق هكذا، وكذلك قوم النبي هود جاءتهم تلك الريح العقيم وعصفت بينهم، وبديارهم ونخِيلهم، حتى صاروا مُلقَين على الأرض أجساماً خاوية؛ (غُثاءً).
يقول تعالى: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)) وجاء الرُسل من بعدهم رسول بعد رسول كما يَذكُر الله لنا، وهكذا قصة البشر، والحمد لله على وصول خاتم الرسل وسيدهم، وأننا في النور الذي بعثه الله به، والذي آتاه إياه وهو سيد جميع المرسلين صلوات الله عليهم، والله يجمعنا بالرسل أجمعين تحت لواء الحمد وفي دار الكرامة.
اللهم لا باعدت بيننا وبينهم، آمنا بك وبرسلك وما جاءوا به عنك، فاجعلنا مِن أتباعهم وأهل حسن اتباعهم، واجمعنا معهم يا ربنا في ظل عرشك، وتحت لواء الحمد الذي يحمله نبيك، واجمعنا بهم في الجنة، واجمعنا بهم في الجنة، واجمعنا بهم في الجنة. اجعلنا وأهالينا وأحبابنا ممن أطاع الله والرسول ومات على ذلك فحق له وعدك بالحق: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا)، فاجعلنا مع ذلك الرفيق، واسلك بنا مسلكهم بلا تعويق، وأدخلنا في أعلى رفيق يا أرحم الراحمين، (ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء:69-70].
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي اللَّهم صل عليه وعلى آله وصحبه،
الفاتحة
02 ربيع الأول 1448