(454)
(628)
(368)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) }
الإثنين 22 ذو الحجة 1447هـ
الأمر بجهاد النفس والهوى.
طلب العلم النافع من أعظم صور الجهاد.
الدين يسر، ولم يجعل الله فيه حرجًا.
دعوة الإسلام هي امتداد لدين الأنبياء.
شرف اسم "المسلمين".
من كرامة الأمة أنها تشهد للأنبياء يوم القيامة.
ما هو أعظم شغل للمؤمن؟
الحمد لله، مُكرمنا بأنوار الوحي والتنزيل، وبيانها على لسان عبده الهادي الدليل، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان في الفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين هُداة الناس إلى سواء السبيل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المُقَرَبين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنَّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعدُ؛
فإننا في نعمةٍ تأملنا لكلام إلهنا وخالقنا وتعليماته وتوجيهاته، انتهينا في أواخر سورة الحج إلى قول الله جلَّ جلاله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (78)) جعلنا الله وإيّاكم مِمّن يُجاهد في الله حق جهاده.
بعد أن وجّه الخطاب للمؤمنين والأمر بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخيرات، قال: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (78)):
كل ذلك جهاد في سبيل الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه- وجاء في الحديث: "والمُجاهد من جاهدَ هَواه".
فأنواع الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى؛ بفعل الطاعات وترك المُنكرات والذنوب والمعاصي، ومُخالفة هوى النفس وتزكيتها وتطهيرها، وقتال المشركين وقتال المُقاتلين المحاربين، الصادِّين عن سبيل الله تبارك وتعالى والمؤذين للمؤمنين، وقتال البُغاة والمُعتدين والصائلين.. كل ذلكّ داخل في الجهاد في سبيل الله.
قال: (حَقَّ جِهَادِهِ) أي على وجه الإخلاص والوجه الذي شرَعه لكم في الدين؛ لا عصبيَّة ولا حَمِيَّة ولا تَبعيّة لغير الحق ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بل للعبودية لله ولتكون كلمة الله هي العُليا، والامتثال لأمر الله تبارك وتعالى وتعظيم حق الربوبيّة، مُخلصين مستنفذين وِسعكم وطاقتكم في هذا الجهاد.
(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) فينبغي أن نُحسِن في أنواع ما يَسّر الله تبارك وتعالى لنا من الجهاد، ومِن عظيم هذا الجهاد ما يتعلّق بشأن طَلب العلم، إخلاصًا لوجه الله، وتَعرُّفًا على خطاب الله ومعانيه للعمل بما فيه، ولتطبيقه وتنفيذه ولنشره في البرية.
وكان ابن مسعود يقول: "مَن رأى أن الغدوّ والرواح في طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله"، فالغدو والرواح في طلب العلم:
كلّ ذلك يصير جهادًا في سبيل الله من أعظم الجهاد.
كما أنّ مُجاهدة هوى النفس جهاد قوي عظيمٌ سَوي، بل عند نقصانه أو عدمه لا ينفع أي صورة جهاد آخر؛ فلا الصلوات تَصحّ ولا الزكوات، ولا طلب العِلم ولا القتال إذا لم تُجاهَد هذه النفس، فإنَّ دواخلها ورعوناتها وآفاتها تَحرِف العبد عن سبيل الله، فلا يَصدُق في الجهاد في الصلاة، ولا في القتال، فلا يكون مُجاهدًا في سبيل الله، فمن أساس الجهاد في سبيل الله؛
(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ (78)) هو الذي اختاركم واصطفاكم، وَهَبكم الإيمان والإسلام وجعلكم خير الأمم يا أمة محمد.
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ) وحقّ اجتبائه واصطفائه أن تًقابلوا أوامره بِحُسن الامتثال، ونواهيه بِحُسن الاجتناب والابتعاد، وأن تُطبّقوا شريعته وأن تجاهدوا في سبيله.
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ) اختاركم واصطفاكم -سبحانه وتعالى- مَن مِنَّا اختار في نفسه أن يكون من أمة محمد؟ مَن مِنَّا اختار أن يكون مسلمًا؟ هو الذي أعطانا هذا، هو الذي تفضَّل علينا بهذا.
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ) -جلّ جلاله-، فحقّ اجتبائه واصطفائه كيف تهملون؟ كيف تتغافلون؟ كيف تُضَيِّعون؟ كيف تتركون فعل الأوامر؟ كيف تقترفون النواهي والزواجر؟
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ) وأرسل إليكم محمدًا خير النبيين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وخاتمهم.
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (78)) آتاكم دينًا يُسرًا سهلًا، طيّبًا حسنًا مباركًا، وضع عنكم الإصر والأغلال التي كانت على الأمم من قبل، وبعث فيكم هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ) عَظَّموه (وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف:157] أي هم الفائزون بسعادة الأبد؛ (الْمُفْلِحُونَ) المفلح: هو من أدرك سعادة الأبد والدوام، (أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) -الله أكبر-! اللهم اجعلنا مِمّن نصره وعظّمه واتبَّع النور الذي أُنزل معه، وصَدَق في الإيمان بك وبه يا أرحم الراحمين.
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)؛ من ضيقٍ أو من شدة، بل فرض عليكم ما يتيسّر القيام به، وحرّم عليكم ما يتيسّر تركه وهو خبيث يضركم، (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف:157]، ثم من اضطُرّ جعل له في الشريعة ما يساعده في اضطراراته.
(ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ (78))
لكثرة من جاء في ذريته من الأنبياء، وهو الذي دعا ببعثة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقال: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) [البقرة:128]، ثم قال: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة:129-130]، ولقد أمسينا بفضل الله على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ وعلى ملة أبينا إبراهيم (حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران:67].
(مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) ﷺ وقد جعل الله له لسان صدق في الآخرين، فكان من بعده من الأنبياء ينتسبون إلى ملة أبيهم إبراهيم.
وقوله (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) وهو أبٌ من جهة النسب لقريش والذين بُعِث فيهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولكن أكثر الأمة ليسوا من أبناء إبراهيم فهو أبوهم للروح، هو أبوهم من حيث يجب عليهم احترامه وتعظيمه، ولِما بينهم وبينه من وصلة هذا الدين، فهو أبو الجميع عليه السلام.
كما أنَّ نبينا أولى بنا من أنفسنا: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب:6]، وليس هنَّ بأُمهات أحد من جهة النسب، إلا ما كان من خديجة في مجيء الأبناء الذين توفّوا والبنات اللاتي أيضًا تُوفين، وفاطمة التي أعقبت الذرية، وما عداها من أمهات المؤمنين، لا أحد لها ابن من النسب إلا مارية جاءت بإبراهيم وتوفي صغيرًا، وهي أيضًا سُرِّية من سراياه ﷺ وليست من أمهات المؤمنين،
(وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، لكنهن أُمهات لكل مؤمن بالمعنى والروح؛ فلهنّ أٌمومة لإتصالهن بجناب من هو أولى بنا من أنفسنا، نبينا مُحمد ﷺ، فكل مؤمن يستشعر أُمومة سيداتنا أُمهات المؤمنين؛ وبذلك يواليهِنَّ ويُعظّمهُنَّ، ويُحبهُنَّ ويوادّهُنَّ عليهنَّ رضوان الله تبارك وتعالى.
قال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا (78))، يقول الله: أنا اخترتُ لكم الاسم، وسمَّيت الدين الذي ارتضيته لكم الإسلام، وسميتكم كل من استجتبم منكم: مُسلمين؛ فلنا الشرف والفخر بهذا الاسم، من قِبَل ربي سمانا به.
(هُوَ سَمَّاكُمُ) مِن قبل في الكُتب كُلها، وهو دين آدم ودين شيث بن آدم ودين إدريس ودين نوح ودين هود ودين صالح ودين إبراهيم هو الإسلام، سمعت إبراهيم يقول:
وحفِظَ اللهُ هذا الاسم للذين اتبعوا الأنبياء، حتى جاء أتباع سيد الأنبياء، ولم ينصرف الى غيرهم، فهؤلاء لمّا حرَّفوا وبدَّلوا ما جاء به النبيون واليهود والنصارى؛ لا أحد منهم يسمّونه مسلم؛ موسى كان مسلمًا، وعيسى كان مسلمًا، ولكن الاسم احتُفظ للذين تمسكوا، وهم أتباع محمد صلَّى الله عليه وصحبه وسلم، وحُفِظ فيهم، ولا أحد يُنازِعهُم، مع أنَّه أيضًا البقية هؤلاء فئة الكفار؛
لكن لا أحد يسمى مُسلمين إلا أتباع مُحمد ﷺ، (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا)؛ فنسأله أن يُحقِّقنا بحقائق الإسلام؛ مَن تحقق بحقائق الإسلام فكفاه شرفًا أنَّه مُسمّى مِن قِبل خالق السماوات والأرض، ورب العرش العظيم؛ مُسلم له؛ فله بذلك الشرف والكرامة والمكانة، وفي هذا أيضًا إشارة إلى أنه لا تزال في هذه الأمة مُتحقّقين بحقائق الإسلام إلى آخر الزمان، ما بقي اسم الإسلام والمسلمين، ففيهم مُتحقّقون بحقائق الإسلام، جعلنا الله وإياكم منهم وفي خواصهم في عافية، إنَّه أكرم الأكرمين.
(هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) -لك الحمد يا رب- (مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا)؛ الكُتب السابقة، وفي هذا الكتاب المُنزَل على مُحمد صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وهكذا جاء في الحديث عند ابن مردويه وغيره أنه يقول الصحابي: كنا عند الرسول ﷺ، ونزل عليه جبريل وقال له: يا أبا إبراهيم، إنَّ الله يُقرِئك السلام -بعد ما ولد له ابنه إبراهيم-، وقال ﷺ: "نَعم أنا أبو إبراهيم وأنا ابن إبراهيم، وجاء إبراهيم -جدُّنا- وبِه نُعرَف" وتلا الآية: يقول: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وهكذا وقال لهم: "من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثى جهنم"، تسمّوا باسم الله الذي سمّاكم بدعوى الله الذي سماكم، سماكم المُسلمين، وتلا الآية: (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا).
يقول الله تبارك وتعالى: هذه المواهب وهبتكم إياها لأُهيِّئ مَن يستجيب منكم ويصدُق؛ لمقام عظيمٍ في الدار الآخرة ومقامٌ للأنبياء، وهذا شيء مما أعطيه خيارُ هذه الأمة لم يُعطَه من الأمم السابقة إلا الأنبياء، وهو الشهادة على الناس في القيامة، لا أحد من الأمم السابقة فيهم شهيد على الناس، إنما الأنبياء والرسل (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء:41]، (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143].
وفي هذه الآية يقول: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) أي في القيامة بتبليغكم هذه الرسالة، (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (78)) تكونوا أنتم معشر الأمة شهداء على الناس، وكان يقول قَتَادة أيضًا: إن الله تعالى كان يقول للأنبياء من قبل: لا حرج عليكم، وقال لنا: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأنه كان يُقال للأنبياء من قبل: ادعُ تُجَبْ، وإن الله قال لنا: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60] -جلَّ جلاله-.
فأعطانا عطايا كانت في الأنبياء من قبل ولم تشتهر في الأمم منها الشهادة على الناس، قال: الرُسل شُهداء قالوا: وهذه الأمة فيهم شهداء، وكل أصفى أصفيائهم وأخيارُهمُ في موقف القيامة شهداء.
وفي الإشارة في حديث أيضًا ورَدَ عنه ﷺ يقول فيه: "أنا وأمتي في القيامة على مُرتفعٍ والناسُ من ورائنا، ما من أحد من الناس" الناس دوننا "إلا ويتمنى أنَّه معنا، قال: فنكون شهداء على الناس" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ فأُوتينا هذا من الله فضلًا ببركته صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فإذا كذّب الرسل أُممهم وقالوا: ما بلَّغونا يا ربنا، وإلا سنطيعهم كلهم، حتى الكذابين، حتى الذين مكث فيهم ألف سنة، يقول ارجعوهم، فإنهم يقولون: هذا نوح ما بلغنا، وهو كلما دعاهم ليغفر لهم: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) [نوح:7]، يقولون: لو بلغنا؛ سنؤمن بك، كيف نكفر بك وأنت ربنا وإلهنا؟ لكن هذا نوح لم يبلِّغ، فيقول: تعال يا نوح، أما بلّغت؟ قال: يا ربِّ بلّغت، قال: من يشهد لك؟ يقول: أُمة مُحمد.
وهكذا بقية الأنبياء من قبلهم وبعده، إذا جاء جماعة من كفار أممهم، يقولون ما بلَّغونا يقولون يا ربنا، فيستنطقهم الله تعالى ويسألهم أما بلغتم؟ يقولون: بلغنا يا ربِّ، يقول: من يشهد لكم؟ يقولون: أُمة مُحمد؛ فيُؤتى بهؤلاء الأخيار من هذه الأمة، يقول: هذا نوح بلّغ؟ يقولون: نعم يا رب، نشهد أنه بلّغ قومه، هؤلاء يكذبون، بل بلّغهم ودعاهم ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم، يقولون: يا ربنا هؤلاء جاؤوا من بعدنا، كيف علِموا أنه بَلَغنا؟ كيف علِموا؟ يقولون: يا ربنا أرسلت إلينا رسولًا، وأنزلت علينا كتابًا أخبرتنا أنَّه بلّغهم؛ فنحن نشهد بشهادتك وشهادة رسولك.
وهكذا الأنبياء، يقولون: وأنتم أمة مُحمد من يشهد لكم؟ يقولون: نبينا؛ فيُؤتى بالحبيب الأعظم ﷺ، يقول: تشهد أُمتك؟ يقول: نعم يا ربِّ، أنزلتَ عليّ الكتاب وأنا بلغتهم، وصدقوا فيما قالوا، ومِن بلاغ هؤلاء المرسلين مِن قبل أنهم بلّغوا، الله أكبر! يقولُ: ومن يُزكي شهادته؟ يقول: ملائكتك يا رب، نشهد أنَّه صادق وأنَّه رسولك المختار، يقول: وأنا أزكي شهادتكم؛ فتقع الحُجّة على هؤلاء الكفار، يظنون أنَّ الكذب سينجِّيهم! ونسوا أنَّ ذاك كان في عالم الدنيا يكذبون ويمشون، الآن هم في حُكم؛
لا ينفع الكذب، كما قال سبحانه وتعالى أنَّهم: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ) -في القيامة- (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المجادلة:19-18] -أعاذنا الله من ذلك-.
(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء:41]، (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة:143]، و (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي عدلًا، رفيعة المكانة والقدر، تَشهدون على الناس الذين مَضوا من قبلكم بما أنبأناكم وأخبرناكم وأنزلنا عليكم بواسطة نبينا -الله أكبر-.
(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) يقول الله تعالى: إذا عَلِمتم هذه الحقائق، فإن مُهمتكم في الحياة أن تُحسِنوا طاعة هذا المَنَّان الخالِق، متبعين خير الخلائق، وذلك الذي يرفع قدركم ويُلحقكم بالشهداء على الناس يوم القيامة.
(فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ (78)) -الله أكبر- فبهذا ترتقون، وبهذا يُرفَع لكم القدر، وبهذا تَصِلون إلى مراتب الشهداء على الناس يوم القيامة، من هذه الأمة.
(فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أحسِنوا إقامة الصلوات، التي هي زكاة لقلوبكم ووصلة بينكم وبين ربكم.
(فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) التي هي طُهرٌ لأبدانكم، وصِلَةٌ بينكم وبين إخوانكم.
(وَآتُوا الزَّكَاةَ)
(فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي أدُّوا الحقوق للخالق، وارعوا حقوق الخلائق التي شرعها فأدوها، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، ترتقوا هذه المرتبة التي قال عنها؛ يَطلبها مَن آمن مِن أهل الكتاب (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة:83] يشهدون لنا الأنبياء على أممهم يوم القيامة (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).
(وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (78)) وأحسِنوا علاقتكم بهذا الإله وقوّوا رابطتكم به بواسطة الصلاة؛ فرضها ونفلها وعِشقِكُم للسجود، وإمامكم يقول: "جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"، ويقول لسيدنا بلال: "أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ"، وإذا حَزَبه أمر قام إلى الصلاة، قالت السيدة عائشة: يكون معنا في البيت، يتكلم معنا ونتكلم معه، ويضحك معنا ونضحك معه، ويطرح هذا ويضع هذا، يكون في خدمة أهله، فإذا نودي للصلاة خرج كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، تعظيمًا لشعائر الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهكذا، وأمروا بها أولادكم وأهلكم: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" أقيموا الصلاة في حضركم وسفركم، في بيوتكم وفي المساجد وحيث ينادى بها، فأقيموا الصلاة واعشقوها، لتكثروا من النوافل: "الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَسْتَكْثِرْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَسْتَقْلِلْ" يقول ﷺ.
(فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) تلقوا قوة الصِّلة بالله، وحُسن القُرب من الله: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق:19] وعطايا واسعة في زيادة الإيمان واليقين بواسطة الصلاة.
(وَآتُوا الزَّكَاةَ (78)) أدّوا الحقوق للخلق، خُذوا بخواطرهم، أحسنوا إليهم، ألينوا القول لهم، قابلوهم بالبشاشة، أعطوهم نفقات مِن الواجب والمندوب، بل أمامكم درجات الإيثار، لمن يريد المَراتب الكبار، ويلحق بخيرة الأخيار (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر:9].
(وَآتُوا الزَّكَاةَ) واعشقوا الصدقة، ولذا يقولوا إذا مرّت على سيدنا علي ثلاثة أيام أو سبع ولم يأتِ ضيف يحزن، ويقول: أخشى أن الله أعرض عني -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- وأنَّ فيهم نزل: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان:8-9].
فلا ينبغي أن يَسبق إلى الخير ونفع الناس -بل حتى الحيوان- أحد قبل المسلمين، والصادقون المُخلصين من المؤمنين هم الذين يجب أن يكونوا القدوة لبقية الخلائق على ظهر الأرض، وهم المُسارعون لهذا البذل وهذه التضحية، وهذا العطاء وهذا الإنفاق (وَآتُوا الزَّكَاةَ).
قال: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) اعتمدوا عليه، توكّلوا عليه، ثقوا به، استمسكوا بحبله، اصدقوا معه.
(وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) ثقوا به، توكلوا عليه، اعتمدوا عليه، استندوا إليه، تمسّكوا بحبله.
(وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ (78)) فاتركوا هذه الولاءات الساقِطة والهابطة، وهذا يبحث له عن أحد يواليه من هنا، وهذا يبحث له عن أحد من هناك، وهذا يبحث له عن مكانة عند الحكومة الفلانية والدولة الفلانية! قال: أنا مولى، من يصدق معي: (هُوَ مَوْلَاكُمْ) متولّي أموركم وناصركم ومُقوّيكم، ومرتب شؤونكم والمُدبر لكم.
(هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى (78)) (فَنِعْمَ الْمَوْلَى) وسترون كل من تولى غير الله إلى ماذا ينتهون، وهم لا زالوا في الدنيا قبل الآخرة، كم يتبرأ بعضهم من بعض!؟ ويُصَرِّحون بالتصريحات المُرتَكِزَة على الأهواء والمَصالح المادية الحِسية، يقولون صديق اليوم عدو الأمس، عدو الأمس صديق اليوم وما إلى ذلك، يعني ما لهم مواثيق، ما لهم عهود.. أعوذ بالله من غضب الله، لكن الله مولاكم، إذا تولاكم؛ له الدنيا وله البرزخ وله الآخرة، وله الظاهر وله الباطن وله الحس وله المعنى، هو القادر والقوي.
(فَنِعْمَ الْمَوْلَى) هذا الذي إذا تولاكم سعدتم، وإذا تولاكم نُصِرتم، وإذا تولاكم (فَنِعْمَ الْمَوْلَى) وبذلك نوقِن أنَّ الصادقين المُخلصين من أتباع محمد ﷺ في كل زمان هم المنصورون وهم المؤيدون، مهما اجتمع ما اجتمع عليهم من هنا أو من هناك، (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)، (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ) [محمد:11].
(فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) -جلَّ جلاله- الناصر لكم: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [آل عمران:160] لا إله إلا الله، لا ناصر إلا هو، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) [آل عمران:192].
اللهم انصرنا بنصرك العزيز المُؤَزَر، وأيِّدنا بتأييدك السامي الأكبر، وجميع أهل الحق والهدى في مشارق الأرض ومغاربها، أيِّدنا وإياهم، وانصرنا وإياهم بنصرك العزيز ياقوي يا عزيز، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:7-8]، (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)) الأمر له، والمُلك له، والعاقبة له، والمَرجِع له سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)).
وقال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ) [الأنفال:37]؛ مِن أول مَن خالف الرسل ومات على مخالفتهم من بني آدم إلى آخر واحد، يَركُمهم جميعًا يجعلهم في جهنم، (أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [الأنفال:37]، (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال:38-40]، (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، اللهم انصرنا بنصرك العزيز المؤزَّر.
وقائدنا وإمامنا خاطبه الرحمن: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) فأتباعه على قدر اتِّبَاعه، كم يلاطفهم الحق بخطاب قائدهم بهذا الخطاب! وماذا يفيض مِن إمامهم وقائدهم عليهم مِن أول وهلة: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) فهاتوا أتباعه، قال؛ هذه الخيرات لك تفيض على أمتك (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) أتباعك هؤلاء، أتباعك المؤمنين بك، المقتدين بك.
(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) أتباعك يا محمد، المُصَدِّقين المقتدين، (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا)، ونِعم الفوز!
لا تحرِم أحدًا منا هذا الفوز يا رب، لا تحرِم أحدًا من المتكلم والسامعين والحاضرين والمستمعين والمتابعين حيثما كانوا وأهاليهم، لا تحرمنا هذا الفوز العظيم: (وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفتح:1-9].
فهذا شُغلنا؛
هذا شغلنا، لا أحد يقدر أن يُحدِث في الوجود أعز من هذا، ولا أشرف من هذا، خير ما نشتغل به، وخير ما نرتقي به، وخير ما نحوز السعادة به هذه الأعمال لا غيرها، ولا أحد يقدر أن يكتشف شيء أحسن من هذا، لا والله؛ لا في القرن الحادي والعشرين، ولا الذي قبله ولا الذي بعده -إن بقي شيء من القرون- لا أحد يقدر أن يجيء بشيء أحسن من هذا! لا لا لا لا!
هذا أفضل ما يمكن أن يشتغل به المُكَلَّف على ظهر الأرض من حين خلق الله الأرض إلى أن يرث الأرض ومن عليها: إيمان، وإقام صلاة، وإيتاء زكاة، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، واعتصام بالله، وذِكر كثير: (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفتح:9] (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ) [الأحزاب:43-44] يا سلام، أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام، فلقِّنّا منك سلامًا، وتولّنا بما أنت أهله ظاهرًا وباطنًا برحمتك.
وفي بعض الأخبار؛ قال: إنَّ الله سبحانه وتعالى اختار لأمتهِ من أسمائه، فاسمه السلام وسمَّى أمته المسلمين، واسمه المؤمن وسمَّى أمته المؤمنين، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد.
وكان يُذكِّر الحبيب علي الحبشي بمِنّة الله، يقول: ربك اسمه المؤمن، ونبيك مؤمن، وأنت سمَّاك مؤمن، فأين ستذهب؟ اشكر النعمة هذه وادخل في هذه الدائرة العجيبة العظيمة.
اللهم أكرِمنا بحقائق الإسلام والإيمان، وارفعنا إلى أعلى مكان، وتولنا بما أنت أهله يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بسرِّ الفاتحة
وإلى حضرة النبي الأمين محمد ﷺ
الفاتحة
23 ذو الحِجّة 1447